ذكريات فى العمارة الصفراء
مر أكثر من إسبوع وأنا احضر يوميا وأقدم إسمى لمكتب الإستقبال, بجهاز الأمن العام ينظر لى الموظف بطرف عينيه ثم يقول:
- أدخل من الناحية الأخرى وانتظر حتى يناديك الظابط المسؤل عنك ..
هذه اول وآخر كلمات أسمعها من موظف الإستقبال طيلة الايام الماضية , اسأل نفسى هل هذه حرب نفسية لمعرفة مدى صبرى وقوة تحملى ؟؟؟ تبقى أسبوع لإمتحانات السنة الثالثة وأنا لم اقراء صفحة واحدة ..كيف اقراء وربما لن ادخل الإمتحان نفسه .... واخيرا حتى أكسر الملل والصمت المميت داخل غرفة الاستقبال قررت ان احضر بعض الكتب و اقراءفى هذا الجو الكئيب والإحصل إحصل , وكان رفيقى دخان السجائر ... اذكر فى اول يوم لحضورى صادف ان حضرت بعدى بنت فى العقد الثالث من عمرها , تعمل موظفة فى احد البنوك ولها نشاط سياسى ( هذا ما عرفته لاحقا ) , طلب منها الموظف الانتظار ايضا ..دخلت البنت لغرفة الإستقبال وجلست فى كرسى بالقرب منى ونظرت لى نظرة حائرة , كأنها تود معرفة ما هية وجودى فى هذا المكان الذى لا يقبل إما ان تكون عدوا (من كلاب الأمن ) او مطلوب مغلوب على أمرك .. رأيت الخوف يكاد يطير من عينيها وأياديها ترتجف بعض الحين والآخر , وكم تعاطفت مع هذه البنت فى تلك اللحظات وتملكنى غضب شديد وشعرت بحزن وأسى لحالها ... حتى اغير من تلك الاجواء الحزينة التى كانت مخيمة على الغرفة ..
بدات أتكلم معها حتى أخرجها من تلك الحالة وعن سبب إستدعائها لهذا المكان , ويبدو اننا كنا احيانا ننسى اننا موجودين فى مكتب الأمن .. وكان يذكرنا موظف الإستقبال بوجوده وحديثه فى الهاتف ...
- قالت لى تبدو متماسكا وهادئ كأنك ضيف هنا ...
- إبتسمت وقلت لها قد حضرت نفسى جيدا منذ مدة لهذه الأوقات ...
فى تلك الأيام كنت اتمنى الإعتقال بدل هذا العذاب , كنت كل لحظة اتمنى ان ينادوا لإسمى وأخيرا سمعت احدهم ينادينى بالفعل ... قلت هل يمكن ان اكون بتخيل ان شخص ينادينى ؟؟؟
سمعت موظف الاستقبال يصرخ : هل نسيت إسمك ولا شنو ؟؟ مطلوب حضورك للظابط بالطابق الثانى .. وصلت الى الطابق الثانى وطلب منى أحدهم ان انتظر بالخارج , صوت صراخ شديد من خلف باب الغرفة يصم الآذان لاحد المعتقلين وهو يتعرض للضرب والتعذيب بلارحمة ...وبعد لحظات اخرج الشخص الذى كان يتم تعذيبه وجلس فى كرسى مواجه لى , وهو فى حاله شبه هيستيرية من اثر التعذيب ... دخلت لغرفة التحقيق ورأيت الظابط المسؤل الذى كنت انتظره اسبوعا كاملا فى الإستقبال ... نظر لى داخل لبرهة من الوقت ثم خاطبنى بأسمى , إنت فلان الفلان ؟
- قلت له نعم ....
اخرج ملف كبير من الدرج ملئ بالاوراق وبدأ يقراء على مسامعى سيرتى الذاتية ..
- قلت لنفسى ساخرا : لم اكن اتوقع اننى مهما لهذه الدرجة ويوجد لدى ملف بمكتب الأمن العام ..
والشئ الذى حيرنى ان المعلومات صحيحة جدا , بل يوجد بها معلومات عن نشاطات سياسية لاشقائى خارج السودان ..بدأ بعد ذلك بأمطارى بسيل من الاسئلة والتى يتخللها الضرب على الوجه واللكمات وأنا مستسلم تماما ... استفزاه ردى حين اجبته عن سؤال لعناصر الأمن فى حينا , اجابتى تضمنت عناصر غير معروفين ويعملون فى الخفاء بسرية تامة ... نظر لى ونظر لصنم ( لينين ) موجود على التربيزة وقال لى :
- صلى لهذا الصنم
- لن أصلى
- الست مقتنع بأفكاره ومؤمن بها ؟؟
- حتى ولو كنت كذلك , هل سمعت بأنسان يصلى لإنسان ؟؟
بعدها باغتنى بضربة قوية فى جبهتى بالصنم , احسست بنفسى لا ارى امامى لا ادرى كم مر من الوقت .. وطلب منى بعد ذلك الحضور غدا , وقد إستمريت على هذه الحالة لعدة ايام اذهب يوميا لإستجواب وتحقيق وضرب وأقدم جسدى كالغربان ... وأخبرت الظابط بان لدى إمتحانات بعد يومين فى الجامعة .. قال لى يمكن ان نحرمك من هذه الإمتحانات بل و يمكننا تصفيتك دون ان يعلم أحد بذلك ... سكت مسافة ثم واصل لكن سندعك تمتحن وتعود لنا بعد الإمتحانات مباشرة لنواصل معك بقية التحقيق .. وبالفعل أنهيت الإمتحانات ونجحت بسلام .. لكن لم أذهب لهم مطلقا مرة أخرى بإرادتى وتلقيت عدد من الإستدعاءات لكننى تجاهلتها تماما وأقمت خارج المنزل لفترة من الوقت ...
* العمارة الصفراء : إشارة لمبنى جهاز الأمن العام بالخرطوم بحرى قرب موقف شندى ..
|