منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > مكتبات > بركة ساكن

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 29-11-2008, 10:51 PM   #[21]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي


حُمَىَ الجُنَيهِ.

إنتصف شهر إكتوبر تماماً، ويعني هذا ضمن ما يعني من رمز، أنّ المزارعين كادوا أن يفرغوا من حصاد السمسم وأنّ العيش إستوي تماماً، جَفّتْ أقصابه وقناديله واستدعي حاصديه، وأكدت دعاية من أن البنك أستورد عدداً كبيراً جداً من الحاصدات الآلية المتقدمة الصنع لكي تقوم بحصاد العيش والسمسم، والحاصدة التي تحصد مئة فدان في اليوم لاتحتاج لغير ثلاثة من العاملين الفنيين القادمين مع الألآت من المدينة وعاملاً واحداً غير ماهر، يقوم بالعتالة، وحضرت آلات حصد السمسم في وقت ينتظره الجنقو طويلاً وهو الشهر الأخير من موسم الحصاد، حيث يرتفع سعر العمل إلي أعلي مستوياته، هاهم الجنقو الآن فرادي وجماعات يتفرسون في الألات الشيطانية وهي تقوم بالعمل نيابة عنهم، وترميهم في جُبْ العطالة دون رحمة، وتضحك عليهم بصوت معدني حامض ممقوت تهتز له الأرض، كان يمتلكها موظفو البنك أيضاً، هذه الآلات قللت سعر العمالة للربع تقريباً، ولكي تطلق طلقة الرحمة علي الجنقو الذين يحبطون الآن بصورة فردية، نُوقشت في ندوة غاب عنها المغني العجوز في منزل أداليا دانيال، موضوع المبيد الكيماوي الذي لايترك قَشة أو نبتةً طُفَيّلية واحدة أن تنمو، وينوي البنك إستيراد هذا الشيء في الموسم الزراعي القادم، بل سياتون بماكنة تقوم بإستئصال الأشجار الكبيرة و الصغيرة على السواء فيما لا يزيد عن ربع الساعة، بدلاً من عملية ( أم بحتي) اليدوية ؛ التي تأخذ فيها الشجرة الصغيرة ما يُقارب اليوم بكامله، ويظل منها باقي على الأرض. ماكنات و آليات لم يسمع بها الجنقو مطلقاً،ولم يحلموا بها، يسمعون بها الآن كما الأحجيات، وقد رأوا آلة حصد السمسم العملاقة،ذات الأذرع المرعبة التي حينما تمشي على الأرض تتلوى مثل ثعبان جريح، و يُسمع صرير سُيورها و خِوار عادمها على بعد مئات الأمتار. وكان الجنقوا يتجمعون بصورة عفوية من التايات القريبة و الكنابي و الحلال المجاورة ليتفرسون على هذا المخلوق الذي يبتلع السمسم إبتلاعاً و يخرجه في لحظات معبأ في جوالات الخيش، و يرمي بأقصابه دائخة علي الأرض السوداء الجافة. قد رأوا حاصدات عَيش الذرة من قبل، ولكنها لم تنجح كثيراً في هذه الأنحاء، نسبة للخيران الكثيرة و الغابات وتكلفة صيانتها العالية، ولكنهم يقولون أنّ هذا المخلوق صنعه الصينيون خصيصاً ليواكب طبيعة الأرض في الشرق، ندرة الوقود و غلاء العمالة اليدوية. وكلما سَمع الجنقوا بميزات هذه الحاصدات الجديدة، كلما أُحْبِطُوا، وقد عَلّقَ أحدهم ؛ قائلاً: الناس ديل ما لقوا آلة تَحَمِّل النُسوان كمان؛ عشان نَشُوف لينا شَغَلة تانية في الدنيا دي ؟!
لقد كان أثر هذه الآلات والدعاية المصاحبة لها؛ عميقاً علي كل نواحي الحياة ليس في الحِلةِ وحَدُها، ولكن في الجِيرة والحَفيرة، خُور مَغاريف، الفَشقة،الهَشابة، زَهانة، هَمْدَائِييتْ، جَبل عسير، في الحُمَرة نفسها، في تِسِنَي وضواحي مدينة القضارف، علي تخوم سَمْسَمْ، الجَنّة بَره، اللّية،حجر العسل، الحُوري، أم سَقطة، العرديبات، المقرن،المفازة، الحَواتة، دُوكة، وريفها إلي أعالي نهر الدندر ومشروع غنم، عرديبة كُرسي، عرديبة تجاني،...
أُصِيبَ الجنقو بخدر في الروح بارد و مُرْ،الحِلةُ تمثل مركزاً لهم دون منازع، لذا كانت الفجيعة هنا أكبر والتغير واضحاً مثال لذلك العطب الذي أصاب بيت الأم، قلَّ زواره من الجنقو وصغار المزارعين وشردت داعراته وعاملاته وكثير منهن هاجرن للمدن المجاورة وخاصة مدينة خشم القربة، كسلا، القضارف و الخرطوم أيضاً، ليعملن في الطريق القومي بائعات للقهوة، الشاي،الشيشة والأطعمة لسائقي الشاحنات السفرية، أذا سَمِعَ أحدٌ صُراخ الصمت الصادر من قطاطيها الكثيرة التي كانت تحتفي بالناس؛ لَقُصَّ.
حدث هذا في أقل من شهر واحدٍ، ولكن في شهرٍ تقوم عليه شهورُ السنة الأثنا عشر كلها وفيه تكتمل زينة الجنقوجوراي وربما إستطاع أن يَضع أمَنيِّة كبيرةً من المال عند صديقاته من صانعات الخمور البلدية أو أديَّ، اللائي يمثلن بنوكاً شعبية صغيرة أمنية رحيمة: طيبة،وغير ربوية. في ذات الشهر تحتفظ وتختزن النساء بحاجاتهن من العيش الذي يشترينه من صغار المزارعين رخيصاً، وأيضاً قد يحتفظن بجوال من السِمْسِمْ، قد يستفدن من فرق السعر لاحقاً عندما تُفْتَحُ زريبة المحاصيل لأستقبال الموسم الجديد، أو عندما تدخل شركة السمسم كمشتري، أو تحدث كارثة ترفع سعر السمسم، ولكن هذه الأيام تمضي سريعاً، يحصد البعض المال سهلاً كثيراً، ويقف الجنقو وصغار المزارعين والنساء يتفرجون وقد هرب الكثيرون وعلي رأسهم الفكي علي الزغراد، ومدير البنك بعد أن حاول إغتياله رجال مجهولون، وسافر عددٌ كثير من الجنقو إلي أقاليم أخري علي مشارف الحواتة وضواحي القضارف مؤكدين للجنقو هنالك أنّ البنكَ: قادمٌ إليهم قادمٌ إليهم. ومن الأحسن أن يبحثوا عن سُبل للعيش أخري.. وأنّ الدعاية ماهي إلا الحقيقة عينها.
إمتلأت الحلة بالعسكر: بوليس وجيش، إحتياطي مركزي ودفاع شعبي، شرطة شعبية، أمن عام، أمن إيجابي، أمن إقتصادي. وظهرت حملات تجنيد مذعورة للشباب والشابات أيضاً وحتي العجزة أدخلوا الدفاع الشعبي وبدا واضحاً للجميع أنّ هنالك علة ما.. ماهي.. ولكنهم يفهمون مَنْ مِنْ ورائها.. علي الأقل يستطيعون ترشيحه بكل سهولة: هو المال.
كانت الحِلة تحضر لحظةَ ميلادٍ جديدٍ قاسي، ميلاد يقتل ويحيي،هي نفسها لحظة إكتشاف الذهب في الأرض الجديدة والماس في بريتوريا والكيب تاون والقطن في السودان.. إنها لحظة إكتشاف المال السهل، نوع من الحمي غريب، حمى المال.

الصافية تحمل علي ظهرها القوقو مشدوداً عصاه من حطب العندراب، يتبعها خمسة من الجنقو الذين دائماً ما يشكلون معهاً فريقاً واحداً، نزلوا عندنا في التاية، في الصباح عملوا معنا في الحصاد وسكب القصب في آنٍ واحد، كانوا سُعداء وهم ينشدون أغاني الحصاد الجميلة التي كادت أن تيبس علي أفواههم. مُنذ أسابيع كثيرة توقفوا عن العمل نتيجة لمنافسة الآلات الرخيصة السريعة والأكثر دقة، كانوا يعملون بشهية كبيرة ومتعة لاتحدها حدود، ثم جاء إلينا فريقٌ آخر بقيادة تور مُراح مرسال وفي رفقته ثلاثة من الجنقو، ثم إنضم إلينا فريق وورل أجانق ثم محمد العوض ود النوايمة ثم.. ثم.. ثم ...
كانما دُعي الجنقو عن طريق الإذاعة التي يسمعونها جميعاً طوال الوقت، وملأت الأغنيات سماء المكان الصافية الزرقاء وأقمنا أجمل الليالي هُنا، لأن قطعة الأرض التي اشتريتها بقصد الزراعة وعملت في نظافتها مع الشايقي ومختار علي لا تتعدي العشرة فداناً، ففي خمسة أيام فقط تم حصادها وقطع قصبها وجمعه في كوم واحد كبير وزربه بالشوك حتي لاتصيبه الحيوانات أو تعبث به القرود، وافق مُختار علي أن نترك للشايقي نصيبه لأنه غير موجود الآن وأن نقسم الباقي مع الجنقو بالتساوي، وهو مارفضه الجنقو تماماً ولكنهم وافقوا علي أن تخصص خمس جوالات عيش من الفيتريتة للمريسة، وأن تُسلم لبيت الأم، نقلنا العَيش بلوري الخط إلى الحِلة، وكان أول عيش يتم جَلبهُ وشاء القدر كذلك أن يكون آخر عيش في هذا الموسم الحافل يصل الحِلة.
بعيداً عن رأيي أنا الخاص عما حدث هل هو خير أم شر، أريد أنْ أؤكد علي شئ أساسي، أنني كنت بعيداً عن مجريات الأحداث، أولاً إنشغالي بحصاد الأرض التي زرعتها مع الشايقي ومختار علي من جانب، وإنشغالي باخبار ألم قِشي. في الحقيقة أخذ هذا الشئ الأخير الجزء الأكبر من وقتي وتفكيري، وما كُنت أعرف تفاصيل الجنقو المسلحين ولا من أنضم أليهم من رعاة حانقون منذ أن زارني الشايقي قبل شهرٍ مضي، ورد لي المبلغ الذي أخذه مني في حادث بص همدائييت، أقصد أنني ما كنت متفرغاً بصورة أو بأخري لِمَا يُشْبِهْ الندوات الكثيرة التي أقامها الجنقو في التايات و الكنابي المجاورة، وربما حتي تلك التي عُقدت مؤخراً في الحِلة، وكان لبعد ود أمونة عني، و إنشغالة بالبنكيين و إنشغالي بالمفازات، أثر في إفتقادي لما يملأ فراغاتي المعلوماتية و ينبه غفلتي، ولكنني لا إستطيع أن أسامح نفسي بأن أفاجأ مثلي مثل الهوام والبهائم بالحدث العظيم. فيما يشبه الندوة الفجائية أو في الحقيقية الندوات التي تفوق المائة، الطارئة الأنعقدت في شوارع الحلة، وفي بيوتها فجأة، كالنبت الشيطاني في لحظة واحدة: عن النار. حسناً دعنا نلتقط بعض الأوصاف التي يطلقها الناس، يصفونها لأنفسهم، لأنه ليس هنالك شخص ينتظر أن يسمع شيئا من آخر، وصفا أو تفسيراً: جهنم.... جهنم....... عديل.
قالت امرأة عجوز، تحاول جهدها أن تسمعني:
- دي شئ ما حدث إلا لقوم سمود.
قالت الأم مريم كودي للأطفال المرعوبين الذين هربوا إلى الكنيسة، يصلون: الرب يَسُوع يكون في عونهم. ورسموا خلفها شارة الثالوث المقدس، دعوا لأصحاب المشاريع بالعوض الجزيل آمين.
حدث ذلك عند الساعة الواحدة منتصف اللّيل، حينها استيقظ الناس علي اثر ضوءٍ قوي يصدر من حريق هائل في عمق المشاريع، وكان اللهبُ الجبارُ يمد ألسنته للسماء الصافية الزرقاء، كتنين أسطوري يحاول أن يصيب الأنجم بلسانه الناري، ثم بدأت عدة حرائق هنا وهناك، ثُمّ أشتعلت الأرض كُلها ناراً، قُل ألسنة تنانين مجنونة تلعب لعباً، كان عُرساً من الجحيم لا يمكن وصفه، وتبع ذلك مُوسيقي تصويرية بائسة من صراخ الأطفال الذين صحوا مذعورين وولولة النساء وهترشة السُكاري. ثم علا عزيف الطلق الناري من أعماق غابةِ زهانة، وتحركت كتيبة من الأحتياطي المركزي والشرطة تتخبط دون هدي حول الحِلةِ حيث لا يمكن الخروج لمكان آخر، النار هناك دائماً، الحِلةُ هي المكان الوحيد الآمن، كانوا يصنعون تشكيلات عسكرية عبثية لا معنى لها في الغالب، ومع شرروق الشمس؛ فَضّتْ النارُ إحتفالها،كانت الأرض سوداء كحناء علي جسد عروس هائلة، دافئة و أسطورية في حجم آلاف الأفدنة، تَهِبُ جَسدَها قُرباناً للريح.



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
 

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 06:14 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.