تماما .. كأنها أنثى
أمدرمان .. تلك المدينة الغنجاء .. أو القرية المدينة كانت حتى وقت قريب من أحب الديار إلى نفسي وتعصف بي خواطر كثيرة كلما عبرت الكبري متجها إلى هناك , كنت أزورها بين الفترة والأخرى لأتنسم من عبيرها الحب والدفء .. لأرتشف منها طعم السعادة وأحلق في مسارب الإنتشاء ,,
رأيت في المرة الأولى على أرض الواقع عقب دخولي إلى الجامعة ومعرفتي لمجموعة من الزملاء والزميلات ساكني تلك الديار .. من قبل كانت الاسماء مثل الثورات ,ود البشير , بانت , العرضة وأبوروف , مدينة النيل , الواحة , ود درو , الحتانة وحتى الشهداء والبوستة كالأساطير وحكايات ألف ليلة .. أسماء لم تخزن في ذاكرتي الحسية نسبة لعدم سكن أي من أقاربي تلكم البقاع .. كنت أسترق السمع لكل من قال أنه كان هناك أو قال أنه ذاهب هناك .. كنت أسأل نفسي كثير عن الطابية وبوابة عبدالقيوم ........ من هو عبدالقيوم هذا ؟؟ ولماذا سميت تلك البوابة باسمه ؟؟ ماذا كان يدور في حوش الخليفة ؟ ولماذا كانت امدرمان من التقديس بمكان لساكنيها ؟؟
كل هذه الأسئلة والكثير الكثير غيرها يشدني شدا لامدرمان ..
في تلك السنوات هي أيضا بادلتني حبا بحب دفء بدفء وكانت أحرص مني على عودتها إليها .. بصراحة كانت تغويني للعودة إلى هناك !!
رغم كل سنين الشقاوة لكن لم تجد علي شطارتي بالخروج من الدنيا بفتاة أعشقها إلا كانت تسكن أمدرمان !! أيام الدراسة أو بعدها كلهن كن من ساكني امدرمان ,, بانت , أبوسعد , الحتانة , (الثورات) بكل فصولها
حتى عندما تقدمت لخطبة ابنة عمي التي كانت تسكن (البلد) ما هي إلا شهور قلائل حتى توفي عمي وشدت أسرتها الرحيل لتسكن امدرمان! لتأكد لي تلك المدينة أنه لا فكاك منها ومن قوى تأثيرها على شخصي الضعيف . عنوة تأخذني تحت جناحها وتخفيني في عتمة ليلها ..
سألت أبي لماذا لا يسكن أحد أقاربنا في امدرمان ونحن عائلة بهذا الحجم ؟؟ فقد كان جدي الرابع متزوجا بثماني نساء!! ولأبي من أبناء العمومة بضع وعشرون منهم من لم يحظ برأيته حتى الآن! فأخبرني أن جدي سالف الذكر أصلا كان أمدرماني نشأ وترعرع فيها وكان من أصحاب الأملاك الضخمة في منطقة الملازمين ولكن خصامه مع الخليفة عبدالله في ذلك الوقت والمشاكل التي حدثت بينهم ومحاولات الخليفة ضم أبناءه إلى جحافل جيوش الخليفة هو ما دفع جدي إلى النزوح إلى منطقة نهر النيل والعودة إلى منطقة الجذور التي ننتمي إليها في الأصل.. فكان الطلاق قد حدث منذ ذلك العهد بين كل المنحدرين من صلبه وامدرمان ....
إلا أنا !!
فقد كانت إمدرمان مدينة تسكنني قبل أن ينسد ثقب قلبي وقبل أن آخذ جرعة الأكسجين الأولى من الهواء الطلق .. كل جينات عشق امدرمان ورثتها وحيدا من جدي دون أن أقتسمها مع أي فرد من الأجيال المتعاقبة .. وحيدا ولدت وأنا احمل جينات العشق لتلك الأرض تسري في دمي كالخلايا السرطانية تثور وتهدأ تباعا لموقعي الجغرافي من امدرمان قربا وبعدا منها .. كانت المدينة الوحيدة في ديدني بعد الإراضي المقدسة التي يجب علي شد الرحال إليها.. والتوجه إليها في فرض يومي أأديه وملئ نفسي رضا بهذا الدور وأنا..... أنا أكثر من يحسدني,
يتبع ـــــــــــ.
|