مشروع الجزيرة .. وإذا الموؤدة سئلت ... !!!
العام 1925 م عامُ كان يغاث الناس فيه وكانوا يعصرون .. أو هكذا وردتنا أخبار ذاك الزمان برغم سقوط دولة المهدية من مدة لا تبتعد كثيراً عنه بعد أن وضعت معالم للشخصية السودانية بوضعها الراهن مترهلاً كان أو متماسكاً فلم يعد ذاك موضع خطلٍ بيننا .. اذ تتقافز الآن على الأسطح معاني لم نألفها إلا بعبور أؤلئك المغضوب عليهم من الناس والضالين في مشاريعهم ولم يكن مشروع الجزيرة بمنأى عن مخططاتهم ذات عبقريةٍ تنزلت عليهم سحائبها فأوجعوا المنتفعين بهذا المشروع الخدمي الإستراتيجي شر وجع .. !!
نشأنا ونحن أبناء المزارعين هناك .. بين زهرات لوز القطن الفاقع اللون بعد اشراقها وبين ( الشرى ) في قناديل الذرة وكانت بركات قبلةً للناس وأمناً ذات يوم .. !!
لم تكن الأحلام الكبرى غائبة زمانئذ اذ عبره ( مشروع الجزيرة ) بنيت بيعٌ وأقيمت صلوات ونامت أعينٌ بعد حمدت الله خالقها وأثنت عليه وكفاها شر أن تتكفف الناس أعطوها أو منعوها .. مائدة متنوعة بجهدٍ قليل وبركاتٍ من السماء تنزلت تحفها حبات العرق التي كست جبين العاملين هناك .. !
سنابل القمح ذهبية اللون تصدر صوتها المنتظم حين يغشاها ريح الشتاء فيتناجى الناس ويتداعى بعضهم لبعض بالمروءة واكتمال الأمنيات .. والناس هناك غنيهم كفقيرهم يخرجون في صباحهم الباكر ويعودون آخر النهار بعد أن يروون الأرض جهداً وعرق فيحلونها في أيامٍ معدودات خضراء حبلى بالكثير .. !!
أسرابٌ من العصافير والبهائم ورائحة الروث تزكم الأنوف وثغاء الأغنام وصياح الأطفال كلما كانت الشمس تجرى لمستقرٍ لها هناك في المغيب .. والناس وحدهم يصنعون البهجة ولا يكترثون للغد مؤمنون أم جاهلون اذ لا فرق عندهم وقتذاك بين أن تجعل يدك مغلولةً الى عنقك أو تبسطها كل البسط وهم يتنقلون بين ( حواشاتهم ) خماسيةً كانت أم رباعية .. كانت لا تسد الرمق فحسب بل أنها فعلت لدنياهم كثيراً لا يحصى .. !!
ثم تابع السودانيون، كل السودانيين، و عبر وسائط الاعلام المختلفة من صحفٍ ومواقعٍ على الشبكة العالمية، تلك الخطة غير المعلنة لتخصيص مشروع الجزيرة و المناقل و التي بدأتها الحكومة بالفعل. وذاك أمرٌ أصاب السودانيين بالدهشة، لانه لم يعد في استطاعتهم ان يعقلوا امر السلطة الحاكمة في الخرطوم التي تجري الآن سباقاً للمسافات الطويلة في انحاءٍ مختلفة من العالم إستباقاً للزمن لأجل الخروج من مأزقها الحالي ، في حين انها و في نفس الوقت تفتح جراحاً اخرى قد تكون اكثر ايلاماً للوطن جراء سعيها بل واصرارها علي خصخصة مشروع الجزيرة رغماً عن ارادة اهله و رغبتهم .. !!
جمعٌ غفير اكتظت بهم جنبات مبنى ادارة مشروع الجزيرة ببركات .. تنادوا من كل صوب بعضهم وجد حلمه وقد غازله ببعض جنيهاتٍ بادل بها سني خدمته هناك ( مجبوراً ومذعناً للسلطان ) وذهب يبحث عن جديد .. باعت الحكومة ( لا أطال الله عمرها ) كل شئ ... حتى فلنكات السكة الحديد لم تسلم من البيع على قارعة الفجيعة .. !!
|