حكـــــــــاية موسى
حكاية موسى (1)
شعر ببعض البلل على (سروال) أغنياته ومضى … أسموه لاحقاً بالتشجّن اللاإرادي … مات مرتين .. مرة بالغربة ومرة باحتفالات الذاكرة على جسده … كان يعيش بين نجمتين يضيئان ليله بظلمة الفقد ويسلمانه لقلق الأبد … الآن يمشي بين الناس مبتل الثياب والحلم والغد … والكل يهز رأسه مشفقاً . يقول الكتاب "كلهم مبتلّون ولكنهم يعملون جهدهم أن يكونوا جزءً من المثل " البشوف عوجة أخوه .. عوجتو تهون عليه ".
تسرَّب شعر رأسه شعرةً .. شعرة .. كأنما تركه ليواجه مشط السنين وحده (صافي جلدة الرأس ) .. وهو الذي كان يعتدُّ في ليالي الأناقة بزيت الزيتون حينما كان رفاقه يتحاشون الحكَّ بالحكِّ .. كانت كلمة حكة هذه تثير اشمئزازه وعندما لم يستطع أن يوفر لشعره زيت الزيتون سمح له بالترجَّل .. هكذا يبرر .. ولكن كثيرون يؤكدون أن شعره لم يستشره في السقوط . يقول الكتـاب " في السقوط لا يستشير أحدٌ أحدا " .. ربما حلم بذلك وهو ما لم يقرأه الآخرون .
مضى يعدّ حبيباته الذاهبات – يقول صديقه : أفضل لمن ذهب أن يبقى ذاهباً – يؤسس لحكمة (الكديسة) التي لم تجد اللبن … كان يبرر دائماً وكأن هناك من يلاحقه بالهزائم … " ها أنت ذا كل الحبِيبات غياب بعن القصائد بالرغيف " وبماذا باع القصائد هو ؟ جلس يطالع قاموسه الجديد ….
الشجن : أن تقف حيث لا يستطيع الآخرون المرور بك ..
الدمع : أن تتساقط عيونك في ليل الرؤى .. ويسقط الماضي عليك شهاباً جنيِّا ( أخدر قطع أمس )
الحبيب : أن ترى عمرك ينزف لحظةً لحظة وأنت تجلس في الصف الأمامي في ليلة عرسه تدّعي التماسك … وحين تغالب النزيف برغبةٍ جارحة بالمشاركة في الرقص يتبرع أحد أدعياء الحفل ويعلن في ( المايك ) (الغنوة الجاية للعريس والعروس بس ياخوانا ) سبحان الله … (شيلة) ستة ستة بس جعلتك من (اخوانا) !!! .. وتأتي كل كراسي وصيوانات (أفراح الشمالية) لتمدّ لك لسانها ... وأشياء أخرى تستعصي على النشر ...
الوفاء : أن ترقص العروس نفسها على أنغام البنات (الليلة ساير يا ود القبايل) وتحوّم حول عينيك الشاردتين عبارتها الشهيرة (بستناك .. انشاء الله مية سنة) يقول الكتاب " لا تلمها … السنين بقت تجري بسرعة … أسع من اتخرجت ما تميت المية سنة ؟ تمّيتا ياخي" .
الرجالة : أن تنهض صباح اليوم الثاني نشيطاً .. (تعمل فيها ما هاميك) .. تتمشى قليلاً في السوق العربي .. ثم تركب بص (الكلاكلة) لتلحق بمواعيدك في (قصر الشباب والأطفال) .. يعني شنو أصلها نهاية الدنيا ؟ أنا عارف !!!
الوطن : أن ترحل حيث يطالعك الرحيل بنصف ابتسامة وبواحد صحيح (جداً) من النفي العظيم
العمر : أن تنتبه فقط حينما يزورك رفاق الدراسة يتأبطون زوجاتهم ولعبات أطفالهم
عندها فقط يمكنك أن تنقنق علناً وتطنطن تحت تحت " فيما جوّز العلماء .. بعض الانحرافات ( المعيارية ) والله أعلم " يقول الكتاب " ثم تمضي لتواصل حياتك وكأن موتاً لم يكن".
وقف ونظر تحت رجليه النحيفتين كان الشجن يسيل إلى آخر الغرفة … تملأها رائحة أغنياته … السابقة … واللاحقة … يطالع بنصف عين ونصف أمل إلى التلفزيون السوداني فيمشي على قضبان قلبه قطار ( في ساحات الفداء ) والنشرة الثقافية … النشرة … الثقافية .. تخّيل.
يقول الكتاب " إن غلبك سدَّها … دع الآخرون يكملون لك المثل وواصل أنت محاولاتك" ستموت يوما ما موتاً جميلاً هادئاً ذات ركنٍ قصيٍ لا يأتيه الأمل من بين يديه ولا ما من خلفه إنما تأتيك جيوش الهزائم كلها من خلفك تهتف لك " نحن من خلفك . قف" (أوع تقيف !) يحملون في أيديهم خوازيق (خارقة) .. إذن ( فقفاك أعوج ) … وحينها ستشتاق لبلل القصائد ولات ساعة مقطعٍ .
أسامة معاوية الطيب 7/7/03
يتبع
|