مؤشرات دستورية لإدارة التنوع في السودان
مؤشرات لدستور سوداني دائم ينظم التنوع و التمايز على نحو يكفل التعايش السلمي و الوحدة الوطنية في سودان ما بعد إنفصال الجنوب
د. سامي عبد الحليم سعيد – المحامي
مقدمة:
منذ إعلان إستقلاله في عام 1956 ، ظل السودان في حالة بحث دائم عن سلام و إستقرار دائمين. وفي إطار ذلك البحث، إعتمد صيغ دستورية و قانونية عديدة لينظم من خلالها العلاقات و المصالح المتباينة في داخله. إن إدراك حقيقة التنوع و التمايز في بنية المجتمع السوداني، جعلت مسالة البحث عن آلية لضمان التعايش السلمي، و تجنب النزاعات و عدم الإستقرار السياسي و الأمني، واحدة من أهداف الدولة و أولوياتها، مثلما كانت و مازالت واحدة من محاور الجدل الفكري بين المجموعات الفكرية و السياسية في السودان.
المعنى المقصود هنا بالتنوع، يشمل أوسع معانيه، الدينية و الطائفية و المذهبية/ السياسية والإيدولوجية / الإقتصادية / الإجتماعية و العرقية و الإثنية و الجندرية، و غير ذلك من صور التنوع التي يحفل بها السودان. فالسودان بلد عربي أفريقي، يتكون من مجموعات قبلية و حضرية، يعتنق غالبية أهله الإسلام بجانب المسيحية و المعتقدات الأفريقية ، و يحترف أهله مناشط إقتصادية عديدة، منها الرعي و الزراعة و التجارة و الصيد و الصناعات التقليدية و تقديم الخدمات و العمل في سلك الخدمة المدنية. إن كل صورة من صور ذلك التنوع تحتوي في طياتها على تنوعات فرعية فالتنوع الديني، على سبيل المثال، يحتوي على الديانة، و كل ديانة تحتوي على عدد من المذاهب و كل مذهب يحتوي على إتجاهات و هكذا الحال في صور التنوع الأخرى.
تستهدف هذه الدراسة إستيعاب ذلك التنوع و التمايز في حركة التطور الدستوري المرتقبة، لا سيما التمايز الذي من شأنه أن يؤثر على سلام و إستقرار البلاد. و لما كان التنوع الدين و القبلي و الإثني، هما عاملان حاسمان في عملية بناء السلام و الإستقرار في السودان، فإن هذه الدراسة ستعمل على البحث في مبادئ دستورية ملائمة لحالة السودان وفق ظروفه السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية، والتي من شانها أن تسهم في التأسيس لسلام دائم قائم على التعايش السلمي.
إن المحاولات الدستورية التي عمدت إلى إدارة ذلك التنوع، إمتدت منذ دستور الحكم الذاتي 1953 و إنتهاءاً بدستور السودان الإنتقالي لسنة 2005، نظمت أنماطاً عديدة و مختلفة من نظم الحكم، و عبرت عن إتجاهات فكرية متباينة، إلا أنها، و إستناداً للواقع السياسي و الإجتماعي الراهن، فشلت جميعها في تحقيق الهدف المركزي الذي ظل على الدوام يؤرق الحكومة المركزية و قادة الفكر و الرأي في البلاد، ألا و هو تحقيق السلام و الإستقرار و التنمية.
إن الفشل في تبني دستور يدير و ينظم ذلك التنوع، أدى بالضرورة إلى فشل التعايش السلمي بين تلك المجموعات المتمايزة فأنتج العديد من التحديات التي أصبحت من أبرز سمات الواقع السياسي و الإجتماعي و الأمني في السودان، التي من بينها:
1. تفشي العصبية القبلية في المجتمع، حتى أصبحت سلوكاً مؤسسياً للحكومة و الأحزاب السياسية و مؤسسات المجتمع المدني.
2. أشتداد الصراع السياسي على أساس قبلي – مناطقي – ديني- سياسي، بالدرجة التي شملت معظم أرجاء السودان.
3. تراجع الشعور الوطني في مقابل سيادة المعتقدات القبلية، حتى أصبحت الحكومة و الأحزاب السياسية تتعاطى مع أخطر قضايا الدولة على أساس قبلي أو إثني أو إقليمي.
4. تدهور أوضاع حقوق الأنسان و غياب كامل لمبدأ الأعتراف بحقوق الأقليات و المجموعات ذات التمايز الثقافي أو الديني، و غياب حرية التعبير عن الذات بالنسبة للأحزاب السياسية و المجموعات السكانية المتميزة ثقافياً.
5. إستخدام الدين كعامل حاسم في العملية السياسية، بما في ذلك تكوين الدولة.
6. إنهيار مفهوم الدولة الواحدة، مع إنهيار مبدأ إحترام التنوع الثقافي و الديني في المجتمع. و تصاعد حالة المطالبات الإقليمية و القبلية بحكم ذاتي أو حكم مستقل، أو بتمثيل في الحكم المركزي ، أو غير ذلك.
هدفنا من تحديد تلك التحديات، تحديد إتجاهات مناقشة، التدابير الدستورية المقترحة لإدارة التنوع في السودان. عليه و بالرغم من أن مفهوم التعايش هو أوسع مما تتناوله هذه الدراسه، إلا أنه و في سياق مؤشرات تحديات الحالة السودانية، نتناول مفهوم التعايش، كما أسلفنا من زاويتيه الإجتماعية و الدينية، مع مناقشة معالجة مفهوم حقوق الإنسان و الحريات التي تكفل لذلك التنوع أن يعبر عن ذاته بحرية. و ذلك كما يلي:
|