فكما رسخوا فى اعماقنا المهدية وبجلوا صورة المهدية فى احد ابواب التاريخ قلصوا صفحات تاريخ الجنوب بعدد من المقالات ..
العزيزة ملاذ:
التاريخ تصنعه الاحداث، والا ما سمي تاريخا، والمهدية شهدت في فترة عمرها من 1881 الى 1998 كم هائل من الاحداث لم يشهده السودان لا قبلها ولا بعدها، لذا فمن الطبيعي الا تسقط من ذاكرة الناس ابدا، ذاكرة من يؤيدها وذاكرة من يعارضها، كانت فترة مخاض، بكل ما تعنيه كلمة مخاض من فوضى ومن نظام، والفرنسيون يفخرون بالثورة الفرنسية بكل ما شابها من عنف وظلم وقتل وترويع، لأن فرنسا بعدها لم تعد كفرنسا قبلها...فترسيخ صورة المهدية أمر لا مفر منه لأنها هي التى رسخت نفسها..والجنوب لم يكن وقتها بؤرة الاحداث...لم يتحصن عثمان دقنة ويهاجم جراهام في غاباته ولا قاتل بيكر في ضفاف انهاره، الجنوب لم يكن مسرحا لغارات عثمان ازرق المتكررة على النقاط الانجليزية عند الحدود المصرية، ولا سار نحوه احمد فضيل متقهقرا يلتمس الخليفة الذي انسحب من امدرمان واتجه غربا، في رحلة مليئة بالعذاب لم يخلدها فيلم سينمائي حتى الآن.
ليس من الضروري ان نتفق مع الثورة المهدية لكن علينا الا نختلف في كونها كانت نقطة تحول نقلت السودان الى الخارطة العالمية بجدارة، كانت وقفة لاكتشاف الذات.. لاكتشاف من هو هذا الانسان السوداني الذي لم يتخرج من كلية سانت هيرست العسكرية ولكنه وقف بجسارة امام من تخرج من تلك الكلية العريقة واستطاع مقارعتهم والتغلب عليهم، لا ينكر احد ان كيتشنر وحتى لحظة دخوله امدرمان لم يكن واثقا من النصر وانه خاض معركة استخابراتية مجهدة لاقناع معسكر الخليفة بالهجوم نهارا
لذا لم يجد تشرشل ادنى حرج في الافتخار بكونه قد قاتل ضد رجال كهولاء...وبما اننا مصابون بعقدة الخواجه ولا نصدق الا ما يقوله الخواجة فهاهو خواجة اعترف...نعود للجنوب وعدم تخصيص ما يكفي لدراسة تاريخه، وهى تهمة تشير الى الشمال باصابع من ريبة وشك..قد نفاجأ إذا عرفنا أن الشماليون انفسهم لم يكتبوا تاريخا...باستثناء رسالة المستهدي بسيرة الامام المهدي لاسماعيل عبد القادر الكردفاني، تاريخنا كتبه سلاطين ونعوم شقير واهرولدر وونجت..وحيثما كان هناك احداث كما اسلفنا فان التاريخ سيلتقطها، واحداث الجنوب ذات العلاقة بالاحداث الرئيسية تم التقاطها..علاقة الشلك بالمهدية تم ابرازها..حروب الزبير باشا مذكورة، رحلات غردون وصموئيل بيكر وانشاء النقاط العسكرية حتى غندكرو امر معروف..لكن لا نجد ذكر لحرب بين الدينكا والنوير، او قيام سلطنة الشلك....لأن هذا النوع من الحوادث قد يكون قليل التأثير على مجموع التاريخ الكلي لبلد ما...فلو أن اسماعيل باشا تم احراقه في جوبا فسيكون هذا حدثا بارزا يضاف الى رصيد الجنوب من التاريخ..لكن هذا لم يحدث..لكن معارك توريت ستدخل التاريخ وتمرد الكتيبة 105 دخل التاريخ، وقرنق وقبله جريفس ياك (اول محاظ جنوبي لمحافظة الخرطوم) وسرسيو ارو وابيل الير ووليم دينج لم ينسهم التاريخ
نقطة اخرى:
وبعد خمسين عاماً على وفاتها وفى عام 1992 طوبتها الكنيسة وبعد ذلك سماها البابا قديسة لتنضم الى قائمة العدد القليل من القديسين السود ) وحينما ابتهج الكاثوليك السود فى جميع انحاء العالم بهذه المناسبة الا فى السودان تم تجاهل الاعلام الحكومي
عليك يا عزيزتي الا تنسي ان نفس هذه الكنيسة الكاثوليكية التى طوبت مواطنتنا السوداء قديسة، نفس هذه الكنيسة لم تفتح ابواب كنائسها في جنوب افريقيا للمواطنين السود...فكنيسة البيض لا يدخلها اسود والا تم سحبه من اذنيه والقي به في الشارع...نفس هذه الكنائس لم تعلن لنا ابدا ان الناس سواسية...علينا الا نبلع هذه المسكنات ونجلد ذاتنا وننسى التاريخ..كان الاولى بهم وقت الفصل العنصري ان (يطوبوا) شهداء مذابح العنصرية في جوهانسبرج وفي كيب تاون فما الفرق بين عبودية هذه القديسة وعبودية امة كاملة من السود في جنوب افريقيا؟؟؟؟
|