بحــر وخيــام ... وكاميليــا
فترة دراستنا في رومانيا، إحدى دول المعسكر الإشتراكي حينها، لم تكن كلها شرّاً مستطيرا. برغم البرد القارس، الغربة عن الوطن والأهل في سن مبكّرة نسبيّاً، المنهج الدراسي الصارم، الدراسة باللغة الرومانية وشُح مواردنا الماليّة؛ رغم كل ذلك، ما زالت هناك أوقات جميلة عشناها، صداقات راسخة نمت وترعرعت -وما زالت- ودروس في التعاطي مع الحياة ما كنّا لنكتسبها لولا تلك الفترة.
هنا سأقلّب بعضاً من دفاتر الذكريات الجميلة الّتي عايشتها مع بعض الأصدقاء خلال عطلة صيفية قضيناها على شواطئ البحر الأسود.
تماشياً مع سياسة إتحاد الشبيبة الروماني بتوزيع تذاكر لقضاء العُطل الصيفية والشتوية في المنتجعات المنتشرة في ربوع رومانيا، كان نصيبنا تذكرة لقضاء 12 يوماً في منتجع "إيفوريا سود" ذات صيف ملتهب، وكنّا أربعة.
لا تُعتبر إيفوريا سود من المنتجعات الراقية، لكنّا رضينا بالمقسوم وركبنا القطار لنقضي بداخله أربعة عشر ساعة للوصول، وتلك فترة كافية لتجوب القطار من أوّله إلى آخره بحثاً عن الرفقة الحسنة؛ وفي الأسفار سبع فوائد.
كنّا نستمتع جدّاً بالسفر بواسطة سكك حديد رومانيا الّتي تتميّز بالدقّة الصارمة في المواعيد والإلتزام بمقاعد الجلوس. علاوة على ذلك، فالمناظر الخلّابة للمزارع والسهول الخضراء وجداول المياه، كانت أنيس من لا أنيس له. تتغيّر الصور أمامك بين جبال تخرّ منها المياه، سهول تكسوها مزارع زهرة عباد الشمس الّتي تقف عيدانها وهي ترمق الشمس بكل تحدٍّ، خيول ترعى تتبعها فلواتها، قطيع من الضأن يقوده كلب مدرّب وراعيه يجلس تحت شجرة ممسكاً بالناي الروماني الشهير، ولله درّ "جورج زامفير" فكم صاغ من مقطوعات موسيقية بالغة الجمال، ولعلّ أشهر مقطوعاته قد استوحاها من مثل هذا الراعي فكانت مقطوعة "الراعي الوحيد".
التذكرة تشمل السكن وكان نصينا خيمة علينا دق أوتادها ونصبها، الوجبات الثلاث وتذكرة القطار. حمدنا الله على ذلك، خاصة أنّ خلال عطلات الصيف تُقفل سُفرة الجامعة. لذلك فقد كان يُعاني معظمنا من الحصول على ما يسد الرمق والجيوب خاوية. لذا، فقد كانت ليالينا عامرة بوجبات "السخينة" الّتي قال عنها أحد النعسانين، بعد أن جاءه الرد بأن يصبر إلى أن تستوي طبختها، "يا جماعة شفتو ليكم موية بتنجض؟ الله يهديكم كبّوها لينا خلونا ناكل نمشي ننوم!".
يتبع ..
|