الحرب ضد التعبير الجنسي و الجسدي
[color=0000FF]... قد قمت بنشر هذا الموضوع من قبل و لكنني اعيد نشره مرة أخرى لكي يجعل العقول الواقفة ان ترحل عن آلاء الماضي بمكانه و زمانه و علاماته الى جو رحب تمارس فيه المناقشة في هذا الموضوع باسلوب بل باساليب لبق حتى تطرد حالة الحردان المجتمعي فينطبق حال المجتمع مع اشيائه حتى لا يوصف بالمغالطات و التناقضات.[/color]
[color=000000]... تلك العقول التي تعيش في الرقعة الجغرافية التي تمتد من الخليج الى المحيط تكتنفها الهواجس و مورست ضدها ثقافة التدجين و ضربت حولها سياج الاديان في فرط الممارسة و تم اغوائها . فاصبحت تلوذ بصمت موجع وتقبع في محنة نفسية رهيبة مما ادى لتأجيج الجرح و الوجع القديم و الجديد واخذت تلاحقها خيبة الامل في الشارع و الحاكم و الخراب السياسي و الاجتماعي و الديني.
... ان الرواية بنفس لغة العقل الذي يقطن هذه الاوطان تحارب حربا ان فرضت على الصليبيين لتركوا بلاد العرب و المسلمين و هم رافعي ايديهم منكسين راياتهم.
"وفي الوقت نفسه نجد ان الرواية اداة تعبير ومعرفة جميلة تسبر وتكشف وتعكس المراحل الاكثر اهمية في حياة الشعوب اذ تقرا افكار الناس و احلامهم و خاصة حين يعجز هولاء الناس عن ترجمة افكارهم الى اقوال واضحة و صريحة" هذه العبارات قالها الروائي عبد الرحمن منيف في محاضرة له عن الرواية العربية.
هنالك محرمات تقف حائط صد ضد الرواية و تطورها و هي المحرمات في السياسة و الدين و الجنس.
دعونا هنا نستعرض نفسية الجسد العربي بما فيه العقل و الجسد وبما تلحق به من توابع هي الدين و الجنس و السياسة . هي نفسية الجسد الذي صودر عقله و جسد النفس التي صودرت روحها لم تعد ترزح في نير الاستعمار البراغماتي الذي شكل خارطة الاوطان بمختلف الوانه برغباته المادية و الثقافية مما ادى الى اختلاف الخطاب النفسي و الاجتماعي كاداة قوية لأحلال ثقافة مكان اخري .
ظلت مراحل التعبير الجنسي و الجسدي السجين الوحيد الذي ضربت علية الذلة من بين المواضيع التي يباح بها . ففي اشكال الممارسة و النظرية ففي مجال السياسة نجد ان الاختلاف اخذ شكل التناحر السياسي و الحزبي و البوح فيه مباح . اما البوح بما يشغل المجتمع من شواغل اخرى ضربت عليه الحرمة مطلقا . بينما تجد ان الدعارة و العهر تمارس في مكاتب السلاطين و قصورهم يمتعون النظر بتفاصيل الاناث ويترفون بالمتعة الجنسية الحسية و لكن التعبير عنها حرام . فمتعة الجسد كغيرها مثل متعة العقل و الحس و العاطفة فكلها تصب في ماعون المجتمع و حاجاته و غرائزه .
... فاحلام مستغانمي غادة السمان و نزار قباني و الطيب صالح وحيدر حيدر كل هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من قبيلة المغبونين و المهصورين الذين انصهروا في مخابر النفس و العقل كي يعبروا عن ما عانوه جراء تلك الحرب القاسية على اجناس الثقافة انفجروا حسا عندما خبئت النفوس في اغبية القيود المجتمعية و أطلقوا للقلم لسان عندما فجر المجتمع و عصروا اخيلتهم للتعبير عن الداء الممارس و المهموس به سرا .
فانه مسموح لكل امراض المجتمع ان تطفو على السطح ولكن غير مسموح بالتعبير عنها مسموح لظلم السلطان وبطانته ولكن غير مسموح للشعب ان يعبر عن الغبن .
عندما دفعت مستغانمي بروايتها الاولى "ذاكرة الجسد" قبل عشرة سنوات الى المطبعة تحولت الى ظاهرة شبه استثنائية في الكتابة العربية المعاصرة . وهي من قبل اتت من الشعر وظلت طوال عقدين في الظل لكن الان اصبحت اكثر شهرة برواية واحدة وهذا لم يتحقق لغادة السمان و نزار قباني ولم يسبق لأحد سواها ان طبع من كتاب واحد ثماني عشرة طبعة و ان تهافت على قراءته مئات الاف القراء في عالم عربي لا ينفر سكانه الكثر من شئ مثل نفورهم من القراءة . و من النتائج المتوقعة انه اثارت هذه الرواية الزوابع و الاعاصير وتصل الى حد التهم و الشائعات عن الكاتب في اوساط المثقفين و الاعلاميين العرب.
وهذا ما ناله قبلها نزار و الطيب صالح و غادة السمان .
اما الكاتب السوري حيدر حيدر الذي كتب رواية"وليمة لأعشاب البحر " و التي تطرقت لمواضيع عدة : صفحات من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي و القيادة المركزية التحريفية التي راح ضحيتها الالاف من الشيوعيين . وخيبة الشارع الجزائري بثورة المليون شهيد اذ تحولت الجزائر من يد المستعمر الفرنسي الى تجار السوق الوطنية و رجال الدين الذين استعمروا البلاد بمفردات جديدة ( القومية و الوطنية و الاسلام و المحرمات) . مشاركة المراة في صنع التاريخ في المراحل النضالية ثم حشرها بعد ذلك في بوتقة الجنس كفعالية وحيدة في الايام السلمية و هذا حسب منظور تجار الوطنية و الشيوخ. معاناة المنفي الذي يبقى غريبا حتى في البلد العربي الشقيق . و كون المراة من جهة اخرى حجر الاستقرار و الملاذ الذي يبحث عنه المنفي ليقيه سعير العالم الملتهب بحمى الخراب.
اما الكاتب الروائي الوحيد من بني جلدته الذي حمل الداء العياء ليعبر عنهم بروايته " موسم الهجرة الى الشمال" الطيب صالح الذي اكتنفت كتابته الظنون و الشكوك وهو يحول خيال الشعب الممارس و المخفي الى حقيقة روائية مكتوبة و التي عبر فيها عن بنيات الوعي التناسلي و البرجوازي و الخلاق للمجتمع السوداني و الانكسارات السياسية و الاجتماعية و الانسانية و التي كانت ساحتها السودان في صراعه مع المغالطات النفسية و الكبت الفكري بيد جماعة اصلا هي من عمق هوة الانكسار الاجتماعي و مارس سياسة التدجين ضد العقل السوداني . فكان نتاج الحرب على روايته انطباع فحشها و وقاحتها في اذهان العامة بغض النظر عن الفحش و العهر الاجتماعي و السياسي الممارس حقيقة ً .
احمد يوسف حمد النيل- الرياض [/color]
|