يا ولدى انت حى وللا ميّت؟! في دار العجزة والمسنين: آباء يتسلىّ بهم الموت
[frame="7 80"]
يا ولدى انت حى وللا ميّت؟!
في دار العجزة والمسنين: آباء يتسلىّ بهم الموت
الازهري كان صاحبي لكن أنا زعلان منو..!
ليه؟
عشان طلع الانجليز من البلد ي..!
****
مُحْدَوْدِبٌ يحْبو بـآخرِ عُمره تَعَبَاً
كَما قَدْ دَبَّ مُنحنيَاً
لِيطْويَ رحْلةَ الشَهْرِ الهِلالْ
مَضغَتْه أضْرَاسُ السِنيْنِ
فمَجَّـه عَزْمُ الشَبَابِ إلى احتِضَاراتِ الكَلالْ
***
يده ترجف، حتى الابريق اصبح عليها حمل ثقيل..
واليد الراجفة والقلب الواجف، جزء من جسد عجوز منهوك مسهوك، دهسه الزمن بعجلاته ومضى لا يلوي على شيء..!
بؤس الصورة أزاحة عن عيوننا جمال الاستقبال وخضرة الدار، دار الضو حجوج للمسنين ــ أو الملجأ سابقاً ــ كما اسماها المستعمر فى العام 1928 وأعاد تأهيلها رجل البر والعرفان ــ حيا قبره الغمام ــ الضو حجوج فى العام 1984 فى مساحة تقدر بألف متر فسميت الدار باسمه تكريماً له.
المستعمر الذى خرج من السودان فى العام 1956 مازال حاضراً فى احدى الغرف الصغيرة التى خصصت للمعاقين من نزلاء الدار، حاضر فى ذاكرة (عمار حسن عمار) الذى قال لنا ساخراً بلسان من فعلت الدنيا به الافاعيل:
ــ الازهرى كان صاحبى لكن أنا زعلان منو..!
سألناه مندهشين: زعلان منو ليه؟
فأجابنا بصوت اقرب للهمس المسموع:
عشان طلع الانجليز من البلد ي.. هسع يا اولادى الزمن دا ما اخير منو زمن الانجليز..؟!
(1)
(1800) متر مربع، تربعت فوقها مِحن الدنيا وجفوة الابناء، يرقد المسنون فى مثواهم الاخير ــ او قل قبل الاخير ــ لان رحمة الله وسعت كل شىء، ربما صورة ما من داخل هذه الدار تعيد الى ابن عاق لبه او أهل نزيل يعرفون من كان بينهم يسعى، فيعيدونه إليهم عزيزاً مكرماً وتنقص الدار فرداً وتزيد المروءة فينا وتتمتد.
مبانٍ متراصة فى غير نظام تآكلت حوافها وهى تمد لسانها تسخر من مطر الخريف واشجار يجلس تحتها (بيتر كوين) ورفاقه يقتلون الزمن ويضربون الاسى بـ (البلاطة)، وحدها الضمنة تصنع الفرح والابتسامة ولوقع ضربها على المنضده المتهالكة، طعم ولون ومذاق.
(3)
تسلى بي الموت ..
حاصرني لقليل من الحلم في حلمها
وخيرني الموت مابين أن يشتريني أو أشتريه
تعمدت فيه
وصالحت أخلاقه السيئة
وكل مواعيده المرجأة..
***
هذا حال العم (رمسيس) يتسلى به الموت وهو يغسل ملابس النزلاء ليشترى الموت..
ــ تلاتة علب سجاير ياولدى فى اليوم، وفى الصورة تظهر علبة واحدة وكبريتتين..
بربكم من لهذا الرجل !..
سألته المشرفة على الدار مداعبة:
ــ انت ياعم رمسيس طوااالى بتغسل؟!
فرد فى سخرية:
انتى ماعااارفة البير وغطاهو يا بتّي ..!
***
والمشرفة عارفة ان (رمسيس) الذى جاء السودان من شمال الوادى وكان يقطن الخرطوم (3) قبل ان تتآمر عليه الدنيا وتفعل فيه فعلتها ويتناساه عارفي فضله من اهل (الديوم) ..
***
ياعم رمسيس لو أهلك دايرين يسوقوك بتمشى معاهم؟
يجاوب دون اهتمام وكأن الامر لايعنيه بشىء:
ــ لا
وصلة الرحم ؟
صلة الرحم دى حدها الام، وانا أمى ماتت من زمااان..
***
هكذا ماتت فى داخل رمسيس الحياة، يناجى الموت سيجارة تلو اخرى.
(4)
يزحف بدراجة متهالكة يوزع الابتسامة بين اصدقائه، (جيمس ويك كول) ثلاثة اعوام قضاها داخل الدار بعيداً عن الابن الوحيد، مشلول الجسد ومفطور الفؤاد ينطق الحروف بلهجة تستدعى الدموع وتجبر على الانصات:
ــ أنا ما عندى أسرة فى الخرطوم، والجماعة ديل أهلى ..
(ابشر بالخير أهلك واولادك) .. قالها صديقه الذى يقاسمه المحنة وكروت الكتشينة فى حب ووئام ..
جيمس يتمنى ان يرى ابنه الذى انقطعت اخباره ولا يدرى أحيٌ هو أم ميت .. يا لقلبك الابيض يا جيمس !
(5)
إستقبال الدار الصغير اكتظ بطلاب جامعة الزعيم الازهرى ــ كلية التمريض ــ وهم يقيمون اسبوعاً حافلاً داخل الدار يشرفون فيه على صحة النزلاء تحت شعار : نحن لكم أبناء ..
والاستقبال لم يشكو يوماً قلة الزوار ممن خصهم الله بقضاء حوائج الناس واهل الخير والبر، كل على قدر سعته، دراجة لنزيل معاق أو ملابس فاضت عن الحاجة او اكل طيب يرجى ثوابه فى يوم عظيم .
هذا ما يفعله أهل الخير.. ماذا فعلت الحكومة ؟
دعكم عما فعلته فهو واجب عليها .. ماذا تحتاج الدار من الحكومة ؟
ان دار المسنين ببحرى تحتاج لعربة اسعاف واحدة، لحالات المرض والموت .
وتأهيل المشتل لتوظيف الشتول لحديقة الدار وبيع الفائض منها الى مواطنى الحى باسعار رمزية ومشاركة نزلاء الدار فى قتل وقت فراغهم العريض .
(6)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهم، اللهم أعط منفقا خلفاً، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفاً) رواه مسلم
وفى دار العجزة والمسنين فى صباح كل يوم يرفع النزلاء ايديهم بالدعاء للعاملين بدار الضو حجوج الذين ينفقون العطف والحنان عليهم كل صباح دون تذمر حتى صاروا لهم أبناء او اكثر من ذلك ..
وعلى قمة الهرم الاداري، مديرة الدار الاستاذة نجاد الفادنى واميرة محمد بابكر ومعهم ثمانية من ذوى القلوب الرحيمة _ يلبون إحتياجات (59) نزيلاً (25) منهم معاقين_ يستحقون الاحترام والتقدير ..[/frame]
|