مفهوم التعاطي مع الدين...!!
[align=center]مفهوم التعاطي مع الدين ...!![/align]
... قد يجد الناس حذرا في التحدث عن الدين بحسبانه امرا ليس من السهل الخوض فيه , أو هو امر له أهله من الخاصة , حتى عوام المثقفين و انصاف الطلاب لايخوضون فيه.
قد يجلب الحديث في هذا الموضوع من وجهة نظر نقدية , صفات تصف صاحبها بالكفر و افراغه من النزعة الدينية. المفهوم الذي يعيش في جو من الكبت و الخوف اللاواعي قد يجلب احساس التشدد و الغلظة في وصف الاشياء. بينما كثير من الفقهاء و العلماء الذين تمتاز شخصياتهم بالمفهوم الراقي و الواعي للخروج الى الناس بنقاش موضوعي و جدل خليط و هجين. قد لا يقبله من تربى في كنف داخلي منزوعة عنه التجربة الواعية المتكاملة.
فالعبارة المشهورة التي كان يقولها الناس في السر "الدين افيون الشعوب" قد تجلب على قائلها الزندقة و الكفر , و في حين ان المراد ليس الدين في حد ذاته كفكر وعقيدة انما المقصود حالة العقل التي جعلت منه كذلك نسبة لمستوى الفهم.
القرآن الكريم بقوته نزل من السماء بلغة بلاغية و بيانية قوية تستوعب كل الأحوال الفكرية و العادات. و تستوعب صلاحيته و تناسقه مع كل الأزمنة.
فتربية الحذر و الخوف الجاهلة مفادها ان تلك العقول لم تتمكن من اللغة و ان اصحاب اللغة يثيرون من الموضوعات ما يجعل المتدين العادي يصفهم بالكفر بكل بساطة. و اطلاق كلمة حرام دون علم أو دراية. و ما أكثر من يفتون في أمر الدين من غير صلاحية فكرية و جاهزية علمية لمجرد ان العاطفة قد سبغت على شكل التفكير المعين. فجعلت الانفعال مع الدين مجرد عاطفة كلامية قد يثاب الفرد عليها حسب نيته و قد يؤثم و لكن خطورة هذا الامر تكمن في الاحكام التي تخرج للعامة فيتناولونها سريعا و تسري في عقولهم كسريان النار في الهشيم.
ان تعاطي الدين بمفهوم مظلم هو أشبه بهدمه بنفس المعاول. ان العبارات التي يطلقها الفلاسفة على عامة الناس تحتمل الخطأ و لكنها بصورة عامة اقرب للحقيقة ولكن العقول ترفضها كنوع من الممنوعات المغلظ في تحريمها. فالدين كسلوك قد تجده في شوارع و فرقان بلاد المسلمين في كل فرد بغض النظر عن هذا الفرد , يبدو في سمات السماحة و الحب و التكافل و الأخوة التي يتعامل بها الناس العوام في المجتمع.
كان الشباب في عهد الرسول و في القرن الذي تلى قرنه لايطلقون الاحكام الا بعلم و لا يصبحون ثقاة الا عندما تكتمل عندهم دائرة العلم و المعرفة. و لكن في زماننا استشرى الدين بمفهوم ناقص بين الشباب تدفعه العاطفة الفياضة. و هذا لا يرجع لتخلف الدين انما لتخلف العقول و تعاطيها , و هذه الحالة يلعب فيها المجتمع و ثقافته السائدة دور كبير . فالكبت الذي يمارسه الرجل الشرقي على المرأة و النظرة القصورية للأولاد و الأطفال من قبل الآباء قد هيأت لهذا المفهوم. فاصبح كل شيء غير مستساغ أو غير محبب هو حرام دون تفصيل . فضربت كلمة (حرام) أرجاء المجتمع و مفاهيمه. و أصبح ما يستنكره البعض هو بالضرورة محرم حتى عشعش في عقول الناشئة معنى الحرام لكل ما يرفضه عرف جماعة ما , دون تقديم مسوغات عرفية أو شرعية أو حتى عقلية تدلل على صحة ما ذهبوا اليه او خطأه. فلم يصبح الدين حالة سلوكية و أخلاق تطبيقية بل أصبح حالة فكرية يخوض فيها كل من هب و دب , بل و ذهبوا الى تفصيله الى أحزاب و جماعات.
و الذي ينظر لتجربة الجبهة الاسلامية في السودان كحزب ديني منذ بداياتها و حتى الآن يجد التقاتل و التناحر في وسط الحزب الديني , ان كان حزب سياسي فهذا قد يكون مقبول لأن الحزب السياسي يتعامل مع الموضوعات العقلية و لكن قادة الاحزاب الدينية يربون الشباب على اقفال عقولهم عن الحقائق من اجل الكسب السياسي , و عندما يصلون مرحلة الفهم و الوعى تتجازبهم الاختلافات, مما يؤدي الى سريان النفاق و الكذب و الغش و اعتلال المعاير التي يكيلون بها للناس.
ففي أعوام الثورة الأولى في السودان في التسعينيات , كان قد هرع الشباب لمعسكرات الدفاع الشعبي يمارس التضليل على عقولهم و حملهم على ما لا يطيقون و الدليل تفرق كثير من الشباب و تخلفهم عن ركب الثورة ذات العاطفة الدينية . و عندما يذكر لهم الجهاد ضد أمريكا يرفعون عصيهم و هم يلتحفون الثرى ثم ينهضون بكل عاطفة دينية فيطلبون الذهاب الى أمريكا راجلين. فالمسلمون و هم ثلاثمائة و نيف لم ينتصروا في بدر الا عندما دعمهم الله بالملائكة و عندما نظروا للغنائم في أحد هزموا و رغم قوة ايمانهم. و لكن الاحوال قد تبلدت في زماننا و أصبح النصر رهين بالقوة العسكرية و الصدق و الايمان . فهل هذه كلها متوفرة لشباب قد يندفعون الى خطوط النار دون تخطيط و عقل.
و في نهاية هذا المقال يمكننا ان نلخص ان التعاطي مع الدين بفرضيته العقدية أو بمفهومه السلوكي الاخلاقي أو الحزبي الغير واعي قد يجلب على المجتمع الذي تربى فيه على سلوك الخوف و الكبت مشاكل لا حصر لها . و قد يكون الشباب في غياب كاف من ناحية التدبير العقلي و اسيعاب المفاهيم و رغم ذلك قد يكون هنالك من هو واع . فلا يمنع من تطوير عقولهم حسب المقبول من القول و الفعل.
أحمد يوسف حمد النيل / الرياض
|