[align=center]الطفلة عواطف التي اغتالتها عقربٌ حقود.
اندفعت مياه النهر في زمن ( الدميرة) نحو الجروف المزروعة:
[ الخالة فاتنا زينب آشا (هرولت هي الأخرى إلى الشاطئ لإنقاذ جروفها في (مُويْلي) قبالة مرسى المراكب ، عبر المخاضة التي ما تزالُ ضحلة في المشرع بين بحيرة ( أمَنْ مُشْرَا) وبحيرة ( أُرُهُوش)، تتبعها ابنتها الصغرى عواطف، رغم منعها المتكرّر لها، وكأنّ قلب الأمّ كان يُحدِّثها بمصير المسكينة. وحين أصرّت ( الشقيّة) على المجيء، ولأنّ لا وقت لإعادتها إلى البيت، فقد تركتها الأم.
( من كان مثل عواطف لا يعيش طويلاً)، هكذا يقولُ الناس. كانت إلى جانب مرحها ونضارها ودخولها قلوب الذين لا يعرفونها من أوّل مرّة، أثيرة عند عمّها (شريف) المعروف بحزمه وصرامته، يُناديها إلى دكانته فنزفـّها إلى هناك، يُجلسها في حجرِه فتغني له أهزوجة اشتُهرتْ في ذلك الوقت من الخمسينيّات، يقولُ مطلعها ( عربيتي الكركوبة، يا الشفتي عرس حبوبة)، يبذل لها العطاء، يكريها ويملأ ذيل قميصها بالحلوى والبسكويت فنقاسمها ( الكرِي) دون بخلٍ منها أو احتجاج.
كانت الخالة فاتنا زينب تقطع عيدان الكشرنقيق فنلفـّها، ثلاثتنا، أحميدي وعبد الحميد وشخصي، ونرفعها إلى أعلى، ليتمّ نقلـُها في وقت لاحق إلى مخابئ (حنيفن جبل)، وكانت عواطف فرِحة مرِحة، تبدو هي الأخرى مثل عروس صغيرة، ما تزال تنظر إلى الدنيا بعيون طفلة، تقطف وتجمع أزهار الكشرنقيق الزاهية الألوان، الأبيض والبنفسجي والأحمر القاني، تطير خلف الفراشات الملوّنة أحياناً، وتطاردُ السحالي المذعورة بالحركة والمياه أحياناً أخرى، حينما اغتالت فرحتها عقربة حاقدة، خرجت مذعورة بالمياه من شقوق الجروف، رافعة ذيلها الذي يقطرُ سُمّاً زُعافاً اختزنته من دسم الجروف طيلة عامٍ كامل فلم تجد سوى الجسد الطفل تفرغه فيه. أخذت المسكينة تتقافز وتضرب الأرض برجليها، تصرخ بأعلى صوتها وكأنّها وطِئت قطعة من الجمر.
لم ينُم أحدٌ بالبلدة في تلك الليلة، وقد بذلت الحكيمات من النساء جهدهنّ لإنقاذ المسكينة ، ومنهنّ جدّتي مريم عثمان تلول شريف والجدّات بتول وزينبيّة وأخريات. الجميع كان يحيط بها أمام البيت في الهواء الطلق وقد أدخلتها المطبّبات في ال(ميْل). تبكي من الألم أحياناً، وأحياناً أخرى تضحك وتهزج بأغنيتها الأثيرة ( عربيتي الكركوبة، الشفتي عرس حبوبة) حينما تنتابها هذيانات الحمّى. الجميع قضى الليل بجوارها في ذلك المكان الحميم من ساحة البلدة الوسطى، وعند الفجر سكنت الروحُ القلقة، وارتاح الجسدُ الطفل، فانطفأت وغابت نجمة مُضيئة من سماء البلدة].
....................
عادل أخي الجميل ... عواطف ماتت مرتين الأولى لدغة عقرب والثانية عندما جرف الطوفان قبرها الندي أبان غرق حلفا ، والمأساة أخي عادل أن القوم يريدون تكرارها ثانية أغراقنا بسد دال وكجبار بدواعي التنمية .... الرجاء قولوا لهم دعوننا وشأننا لا نريد تنمية نصيبنا في الثروة نهبها لمن شاء بكل الحب . [/align]
|