(3)
بسملت ثم دلفت إلى داخل الطائرة (الخطوط المصرية)..
يأتيني إحساس قوي أن المضيفات يُجبرن على تلك الإبتسامة الصفراء التي يبدينها حين تطأ قدماك داخل الطائرة..
بل يُرغمن على بهرجة وجوههن بجميع ألوان الطيف.. كأنما هذا الراكب جاء إلى ماخور للعهر واللذة..
ومن واجبات الضيافة أن يجعلونه يحس بأنه أبو زيد الهلالي..
خطواتي الأولى داخل الطائرة غالبا ما تكون متوترة إلى أبعد الحدود..
من ضمن أسباب قلقي أثناء السفر... هذا التابوت الطائر..
حتى أنني على قناعة تامة أن أسوأ اختراع للبشرية هو هذه الطائرة.. ولا أنسى الهاتف المحمول..
بحثت عن مقعدي بين القوم.. وجدت أنني فوق الجناح مباشرة.. وهذا في حد ذاته زاد الأمر سوءا..
وضعت شنطتي فوق الرف الذي فوقي وأخرجت «عشت لأروي» ووضعته أمامي..
وبدأت عيناي تتفحص القوم.. حيث كانت الطائرة عبارة عن أمم متحدة مصغرة...
الأفارقة في العادة لا يكترثون لمحيطهم.. يتحدثون ويقهقهون ويتلون صلواتهم بصوت مرتفع..
أمامي مباشرة كينيان يحسبان أنهما يلقطان وهما يكادان يتصارعان بألسنتهما وقهقهاتهما السمجة..
لذا خامرتني فكرة أن حيواتهم كلها في الجهر لذا هم غير قادرين على العيش في سلام.. وغير قادرين على «قضاء حوائجهم بالكتمان»..
أنزل الكابتن تلفزيونات الطائرة كـ«سبائط التمر قبل الحصاد».. وبدأ دعاء السفر «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين»..
في هذه اللحظة بالذات أحس أن منتصف بطني يكاد يفارق جسدي.. ويبدأ جسمي في التعرق..
وحين تبدأ إجراءات السلامة.. لو أن أحدا قذف بي خارج الطائرة لما اكترثت للأمر..
وعندما تتحرك الطائرة ببطء نحو مدرج الإقلاع يأتيني شريط حياتي من مهدها حتى لحظة دخولي هذا «القبر الجوي»...
وهذا يحيلني إلى أن العمر كله لا يعدو أن يكون لحظة.. وها أنا ذا أشاهد تلك اللحظة في دقائق معدودة..
تجدني أحرك ركبتي وقدمي بشكل متوتر.. ودون وعي مني أمسك في الكرسي الذي أمامي ثم أتركه دون سبب واضح..
القرآن في هذه الحالات يكون بلسما وجرعة مهدئة لأبعد الحدود..
حين تتوسط الطائرة مدرج الإقلاع كسفينة في ممر مائي.. حينها فقط استسلم وأيقن نفسي أن لا مفر..
يأتيني صوتها وهي تمخر عباب المدرج من عالم آخر.. ثم اتجه إلى الشباك مودعا الأرض..
الأرض التي لعبت ولهوت وأحببت وكذبت وصدقت وتسكعت وناجيت وتألمت وسهرت وفرحت وحزنت على سطحها..
الحكمة البسيطة حينها: أنا لله ما أعطى ولله ما أخذ.. نخلة نبتت وترعرعت ثم أثمرت وكبرت ولم تعد قادرة على العطاء..
هذا هو ملخص الحياة بكل عنفوانها وصخبها..
تتسمر عيناي على علامة ربط الأحزمة.. حتى تستقيم الطائرة في هذا الفراغ اللا منتهي.. وحين تنطفئ تلك العلامة..
أحس أنني بعثت من جديد.. حينها فقط أستطيع التعرف على جاري عن قرب.. وخلق تواصل مع محيط الطائرة..
فتحت «عشت لأروي» وفي ذاكرتي «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» و«الجنرال في متاهاته»..
ماركيز له مقدرة عالية جدا على إلتقاط التفاصيل الدقيقة التي لا نكترث لها.. ربما هذا واحد من عظمة كتاباته..
له ملكة غريبة في تخزين التفاصيل وتفاصيل التفاصيل..
قلت في نفسي: لا شئ سينجيني من هذه الخمس ساعات وسط السحاب وأزيز محركات الطائرة سوى ماركيز..
.............