كثيراً ما أجد نفسي -وبتلقائية-قد وجهت الرموت الى التلفاز و(ضغطت) على الزر المودي بي الى قناة تلفزيون دولة جنوب السودان!...
ولعلي كنت-في البدء-أفعل ذلك بدافع ذاك الذي (أضاع في التُربِ خاتَمَه)
لكنني (وقرتُ) الى مآلات سأصيغ مفادها في ذيل هذا المقال بحول الله.
لقد بدا لي جلياً -من خلال هذه المشاهدات-سَعْيَ اخوتنا في جنوب السودان الحثيث الى (جعل) اللغة الانجليزية لغة للدولة على كل الصُعُد رسمية كانت أم تعبيرا واستيعابا للحراك المجتمعي الذي قد (وسعه) -ولم يزل-عربي جوبا!...
كنت أبتسم كثيراً...ثم يعتريني الحزن أحيانا...وبين هذا وذاك كانت تكتنفني الشفقة بهم على الدوام!
فبالنسبة للمسئولين والتنفيذيين تجدهم-دوماً-يحرصون على التحدث باللغة الانجليزية حيث يبين جلياً أنهم بين يدي قرارات ملزمة بالحرص -بقدر الامكان-أن يتحدث الفرد منهم بالانجليزية عند مخاطبة أجهزة الاعلام لكنه عندما يخاطب جموع شعبه فانه لايجد مناصا من الحديث بالعربية -أياً كانت- وما ذلك الاّ اضطرارا -حيث أن عربي جوبا هو اللغة المشاعة بين كل فئات الشعب الجنوبي-وان كان العديد من أولئك تجده يميل الى العربية لكونه أقدر على التعبير بها عن مافي دواخله اذ أنه قد تعلمها من خلال تداخل الحراك المجتمعي مع أهل الشمال دون الانجليزية التي (مافتئت) لديه لغة مدارس وجامعات و...حكومة!
ثم اني كم تبينت الكثير من (الأشواق) في ثنايا الكثير من الأعمال التمثيلية والمسرحية -وهي بالطبع في طور البدايات-تنم عن روح اخاء لم يزل يشوب الوجدان منهم برغم المفاصلة التي حدثت وميلاد دولتهم!...
واذا بي -فجأة- أتذكر يوم استقلال السودان من داخل البرلمان عندما تقدم الراحل عبدالرحمن دبكة رحمه الله باقتراحه ذاك يوم 19 ديسمبر من عام 1955 والذي ينادي فيه باعلان الاستقلال للسودان -عن دولتي الحكم الثنائي- وقد حدث ذلك برغم الضغوط الكبيرة التي مارسها المصريون كي يُعلن الاتحاد مع مصر يومها وخلال تلك الجلسة التأريخية!
وما ان حدث ذلك الاّ وخرج الناس الى شوارع الخرطوم يهتفون...
ومالبث الراحل وردي الاّ أن غنى:
اليوم نرفع راية استقلالنا
ويسطر التاريخ مولد شعبنا
يا إخوتي.. غنوا لنا.. غنوا لنا..
يا نيلنا يا أرضنا الخضراء يا حقل السنا
يا مهد أجدادي ويا كنزي العزيز المقتنى
كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية
خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية
والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية
ما لان فرسان لنا بل فر جمع الطاغية
وليذكر التاريخ أبطالا لنا عبد اللطيف وصحبه
غرسوا النواة الطاهرة
ونفوسهم فاضت حماسا كالبحار الزاخرة
من أجلنا ارتادوا المنون ولمثل هذا اليوم كانوا يعملون
غنوا لهم يا إخوتي فلتحيا ذكرى الثائرين
إني أنا السودان أرض السؤدد
هذي يدى
ملأى بألوان الورود قطفتها من معبدي
من قلب إفريقيا التي داست حصون المعتدي
خطت بعزم شعوبها آفاق فجر أوحد
فأنا بها وأنا لها سأكون أول مفتدي
لقد انتابتني كل هذه المشاعر واستبدّت بي هذه الذكريات الحميمات يوم اعلان استقلالهم عندما رايتهم يتحلقون حول تمثال جون قرنق تكتنفهم ذات المشاعر التي اكتنفت آباءنا وأجدادنا يوم اعلان استقلال السودان!...
فما كان مني الاّ أن أطرقت حينا فاذا بي اسائل نفسي:
-أليس من حقهم ما كان -يوما- حقاً لنا؟!
والحق أقول بأنني كنت من قبل كغيري ممن ينظر للأمر من زاوية وحدة الوطن ولقد كتبت الكثير الذي يندرج في هذا السياق...
لكنني (اليوم) ارى بأنني قد كنت على خطأ بائن والله!
ولعلي أعود لأذكر الاسباب التي دعتني الى هذه التخطئة ولركوني لهذا الرأي ان شاء الله...
(يتبع)