غـازي صــلاح الدين يضــع قيادات الوطني أمــام ورطة قانونيــة
التفاصيل- الانتباهة نشر بتاريخ السبت, 30 آذار/مارس 2013 10:06 > تحليل: أحمد يوسف التاي
يبدو أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم مازال يعيش آثار الصدمة القوية التي تعرض لها منذ أن أطلق الرئيس عمر البشير تصريحاته التي حسم فيها الجدل حول إعادة ترشيحه لدورة رئاسية جديدة، وقطع بأنه لن يترشح ودعا حزبه إلى البحث عن بديل آخر، منذ ذلك الوقت بدا «الوطني» مرتبكًا ومضطربًا كما لو أنه فقد التوازن، خاصة أن هذه التصريحات جاءت في توقيت حساس وظروف بالغة الدقة يعيشها الحزب ولعل مظاهر الصدمة والارتباك تظهر من خلال عدة مواقف ظاهرة وردود فعل غير معلنة نشير إلى عدد منها على سبيل المثال:
أولا: تصريحات القيادي بالحزب قطبي المهدي الذي لم يستوعب الصدمة وقال إن عدم ترشيح البشير سيقود الحزب إلى أزمة، وإن الحزب ليس لديه الآن بديل جاهز للبشير، وإن ما أحدث الربكة أن الحزب لم يناقش أمر البديل ولم يتحسب لذلك... ويبدو أن هذا الموقف عاطفي، فهو يخاطب المخاوف ويستعطف الرئيس البشير أن يبقى حتى لا يحدث مكروه..
ثانيًا: تصريحات الأمين السياسي للحزب حسبو عبد الرحمن الذي أقرّ بأن الأمر أحدث ربكة في صفوف الحزب، وأشار إلى أن قرار الترشيح من عدمه ليس بيد الرئيس البشير، وليس من حق الرئيس أن يرفض إذا ما رأت مؤسسات الحزب إعادة ترشيحه، وأن الأمر كله متروك للمؤسسات، وهنا حسبو يلغي دور الرئيس تمامًا ولا يأخذ برأيه ورغبته في التنحي، وكأنه أراد أن يقول للبشير «مش علي كيفك»، وهذا دليل أكثر وضوحًا للصدمة وحالة الارتباك داخل الحزب... وهذا الموقف انفعالي وأيضًا والحيثيات التي يقوم عليها غير قانونية وغير مقنعة.
ثالثًا: المؤتمر الصحفي الذي عقده النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه، والذي يبدو أن موضوعه الأساسي هو خلافة البشير، لم يخرج طه كثيرًا عن الرأي الذي سبقه إليه الأمين السياسي، ومعلوم أن طه لا يلجأ إلى عقد مؤتمراته الصحافية النادرة إلا إذا أحس أن هناك أمرًا جللاً، ولابد من الكلام.
رابعًا: تردد أيضًا أنه أشار إلى مجموعة يقودها نائب رئيس الحزب الدكتور نافع علي نافع تسعى وسط قواعد الحزب في الولايات للتراجع عن ذلك الإعلان وإعادة البشير مرة أخرى، كما جاء في تصريحات الناطق الرسمي باسم تيار الإصلاح بالمؤتمر الوطني عبد الغني أحمد إدريس.. وهو موقف يحاول معالجة القضية من الأبواب الخلفية، ولغة الحشود..
خامسًا: الموقف العاطفي الذي عبَّر عنه البروفيسور غندور دونما حيثيات والذي أشار من خلاله إلى أن الأمر محسوم وأن بديل البشير هو علي عثمان، قال ذلك دون اعتبار لدواعي التجديد التي هي أهم مبررات تنحي البشير، خاصة أن طه هو أقدم من البشير ولوجاء إلى ميادين العمل السياسي، وأن اختيار طه بديلاً للبشير يتعارض مع مرتكزات تجديد القيادات، ويهزم فكرة التجديد وتعاقب الأجيال.
غازي يحسم الجدل:
بإلقاء نظرة فاحصة لمجمل المواقف التي صدرت من قيادات المؤتمر الوطني كرد فعل موضوعي لما أثاره الرئيس البشير حول عدم ترشيحه، يدرك أنها مواقف متسرعة لم تفعل سوى أنها عبَّرت عن صدمة وربكة حقيقية، وكشفت جانبًا من اتجاهات الصراع داخل المؤتمر الوطني حول مقعد الرئيس، وكشفت عن عجز الحزب الحاكم، غير أن الموقف الذي أعلنه أمس الأول الدكتور غازي صلاح الدين حول خلافة البشير وتجديد ترشيحه قد كشفت تصريحات غازي خطل المواقف السابقة وعدم قدرة الآخرين على استيعاب الموقف وتحمُّل الصدمة، فطفقوا يلتمسون طرقًا غير قانونية لإجبار الرئيس على البقاء في السلطة «غصبًا» عنه، ونسوا أن القضية قد حسمها الدستور، وأن الطريق إلى تجديد الترشيح يكون بتعديل الدستور قبل كل هذا «الهياج».. ففي غمرة هذا الارتباك قطع رئيس كتلة المؤتمر الوطني بالبرلمان د. غازي صلاح الدين العتباني بأنَّ أمر خلافة البشير والتجديد له لدورة انتخابيَّة قادمة محسوم تمامًا بالدستور، ولا لبس فيه حيث حدَّد الدستور فترة الرئيس بدورتين فقط ما لم يُعدَّل الدستور القائم، مشترطًا الالتزام بالدستور كضامن لاستقرار النظام.
الضرب تحت الحزام:
تصريحات غازي صلاح الدين حول هذه القضية والتي جاءت حاسمة ومقنعة قد وضعت قيادات المؤتمر الوطني أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتجاوزوا الدستور ويعملوا وفق أهوائهم وأمانيهم ورغباتهم الشخصية في حسم الأمر لصالح «القوي الأمين» عن طريق الضرب تحت الحزام وحشد القواعد والتظاهرات السياسية والدغمسة المعروفة.. أو مجابهة الموقف بالقانون أي بمعنى إذا أراد المؤتمر الوطني إعادة ترشيح البشير فعليه أولاً تعديل الدستور ليصبح إجراء إعادة الترشيح على الأقل مقبولاً قانونًا..
هل طه وغازي على خطين متوازيين:
ثمة أمر آخر وهو أن ما أعلنه غازي في مؤتمره أمس الأول من موقف قانوني حول إعادة ترشيح البشير جاء وكأنه رد على مؤتمر علي عثمان محمد طه الذي لم يتحدث فيه عن هذه النقطة القانونية الجوهرية حول موضوع خلافة الرئيس البشير رغم أن النائب الأول هو الرجل القانوني الضليع... ويمكن القول أيضًا إن تصريحات غازي عقَّدت الأمر أكثر وزادت من هول الصدمة لدى القيادات التي تسعى لإيجاد تخريجة للموضوع، ولا شك أن ما لفت إليه غازي هو ورطة قانونية لا يمكن الخروج منها بمسرحيات سياسية، وإلا فسيجد الحزب نفسه في وضع يُحسد عليه سياسيًا وأخلاقيًا.
غازي والسائحون:
ثم بقي أن نقف قليلاً عند إعلان العتباني من خلال مؤتمره تأييده الكامل للمجموعات الإصلاحيَّة الشبابيَّة كالسائحون وترديده «أنا مع الشباب تمامًا وأدعمهم بقوة لتولي المناصب لوطنيتهم». وأوضح العتباني أنَّ جلوسَه مع «السائحون» أقنعه كثيرًا بمقدراتهم، وقال: «أنا مع الشباب تمامًا»، وأضاف: «لهم إرادة عالية والتزام وطني فضلاً عن أنَّهم مؤهلون لتولِّي الأمور»، وزاد: أدعم ذلك بشدَّة.
وكان غازي في لقاء مغلق مع مجموعة «السائحون» وعندما سألوه عمَّا إذا كان سيوافق على تولي قيادة مناصب مفصلية.. كرئاسة الحركة الإسلامية أو رئاسة الجمهورية، قال:«بكل صدق أنا لا أطلب منصباً ولا أزاحم من أجله، فقد علمتني الحياة أن الملك الذي تطلبه يكلك الله إليه، والملك الذي يؤتيكه الله يعينك عليه.. وإذا كان تولِّي أمر سببًا لوحدة المسلمين لا تفرقهم فسآخذه بحقه وأسأل الله الإعانة.
حديـــث علي وغـــازي.. مـــاذا وكـيـــف؟
التفاصيل- الصادق الرزيقى- الانتباهة....... نشر بتاريخ السبت, 30 آذار/مارس 2013 09:44 منذ فترة اختار د. غازي صلاح الدين الصمت وسكت عن الكلام المباح وغير المباح، لكنه خرج عبر مؤتمره الصحفي الذي عقده بمكتبه بالمجلس الوطني، بحديث من العيار الثقيل في كل الشواغل السياسية هذه الأيام..
ووقف كثيرٌ من الناس عند النقاط المهمة التي تناولها، بجرأة ووضوح معروفين في الرجل، خاصة أن دقة وحساسية القضايا التي تناولها تقتضي من الجميع نقاشها في الهواء الطلق وعدم تركها للتأويلات والتفسيرات التي ملأت الأجواء السياسية وزحمتها ولم تترك مجالاً لرأي سديد..
خلال الأيام الفائتة كان حديث السيد النائب الأول للرئيس في مؤتمر صحفي الثلاثاء الماضي، وقبله حديث السيد الرئيس لصحيفة الشرق القطرية، ثم جاء حديث د. غازي أمس الأول عبر مؤتمر صحفي عقده في مكتبه بالمجلس الوطني.
كل هذه الأحاديث أثارت لغطاً كبيراً في الساحة السياسية باعتبارها تصدر عن قوس ومشكاة واحدة، فهم أهل الحكم وقيادة المؤتمر الوطني وتحمل أحاديثُهم وأقوالُهم قيمتها من كونها الإطار المؤسِّس لتوجُّهات وسياسة الدولة أو الحزب..
حديث د. غازي فيه مفترقات واضحة مع حديث علي عثمان، وإن كان في بعض الجوانب مكملاً له أو شارحًا لمتن المواقف السياسيَّة العامة للحكومة التي وردت على لسان علي عثمان.. لكن كلا الحديثين وقبلهما حديث الرئيس صنعا حالة من الإرباك لدى الرأي العام حول حقيقة الموقف والتوقُّعات المحتمَلة.
لكن هناك اختلافات واضحة في بعض النقاط لا بد من التوقف عندها..
علي عثمان في مؤتمره الصحفي أطلق عبارات ذات دلالات عامة ولم يجزم بشيء محدد حول ترشيح الرئيس لدورة جديدة، بينما ذهب غازي إلى القول إن الدستور لا يسمح للرئيس بالترشح إلا في حالة تعديل الدستور ودعا للالتزام بالدستور كضامن لاستقرار النظام.. في هذه النقطة يوجد خلاف بين الرأيين والموقفين..
في قضية الفساد، ما يصدر عن رئاسة الجمهورية خاصَّة الرئيس ونائبه الأول، أن قضية الفساد تتطلَّب جملة من الإجراءات والتدابير ومن بينهما ما يقال دائماً إن من بحوزته معلومات فليقدِّمها للجهات المختصة.. الأمر الذي يجعل الحديث عن الفساد مجرَّد تخرُّصات واتهامات معلَّقة في الهواء، لكن غازي خالف علي عثمان في هذه النقطة بأنَّ الفساد ومحاربته يحتاج لإرادة سياسيَّة تطبق القانون والموجود من تشريعات وليس لسنِّ أخرى جديدة..
ويريد غازي بالرغم من التوافق من ناحية المبدأ والفكرة والشعار مع قيادة الحكومة، بشأن الإجماع الوطني، يريد إجراءات محدَّدة وخطوات معيَّنة لتهيئة المناخ الملائم للحوار بين مكوِّنات العمل الوطني، من بينها الحرِّيات العامة وحُرِّيَّة الصحافة وغيرها من الإجراءات المعروفة في هذا الجانب..
لكن النقطة الأبرز في كل حديث د. غازي موقفه من الدعوات الإصلاحية التي يتصدَّرها شباب المؤتمر الوطني والحركة الإسلاميَّة ومجموعة سائحون وإقتناعه بآرائهم ومواقفهم ودعمه الكامل لهم كما قال..
وهذا الموقف المعلَن من الدعوات والتحرُّكات الإصلاحية الشبابيَّة والسائحون وأي مجموعات وأفراد داخل الحزب، يضع غازي في مواجهة جديدة مع الرافضين لأي منحى إصلاحي والمتشككين في تحركات مجموعة سائحون والقيادات الشبابية التي تريد التغيير ويئست من أي حلول ترقيعية منذ بروز التيار الضاغط المنادي به..
يربح غازي بلا شك هذه المجموعات وقد راهن عليها منذ أوان مؤتمر الحركة الإسلامية الأخير، وتلاقى معها كما أعلن مؤخَّراً، وسيكون التيار الإصلاحي أعلى صوتاً بين شباب المؤتمر الوطني وأكثر جرأة، ولا ينبغي لقيادة الدولة والحزب إغفال تحرُّكات الشباب، فلا بد من الاستماع إليهم وتلبية مطالبهم، فكم أضاع أهل الحكم والمؤتمر الوطني فرصاً وسوانح ثمينة للغاية بصمّ آذانهم عن سماع أي صوت مغاير صدع بدعوة الإصلاح ونادى بضرورات وحتميَّة التغيير المقبول قبل أن ينسدّ الأفق..