(3)
أين ذهبت الديدان المفلطحة
في بدايات مارس كانت المحيطات قد إمتلأت بالمياه، وبدأت اليابسة بالظهور، حيث يعرف العلماء ان اوائل الارض التي ظهرت تقع في ما يعرف بأمريكا الشمالية اليوم، وفي الاسبوع الاخير من مارس تنتظر الارض أحداثا مثيرة جدا...
لا يعرف بالضبط كيف نشأت الحياة في الارض، والغريب ان بداية ظهور الحياة في سنة الارض توافق مقدم الربيع في السنة العادية، فهل نحن نشهد شتاء الارض ونهاية دورة من دورات الحياة؟
في لحظة ما، ومن شبه المؤكد ان هذا حدث في عمق المحيط، امتلكت بعض الجزيئات العملاقة الشبيهه بالبروتينات البسيطة في يومنا هذا، امتلكت القدرة على نسخ نفسها، العلماء لا يعرفون الي يومنا هذا كيف امتلكت تلك الجزيئات هذه القدرة وما الالية التي قادت التفاعل الكيميائي، ولكن من شبه المؤكد انه قد حدث، فالجزيئات غير الحية التي تنسخ نفسها موجودة ، مثل البريون الذي يسبب مرض جنون البقر، هذه الجزيتات تصنع نسخ من نفسها عن طريق جمع المكونات الاولية من البيئة المحيطة بطريقة الية تماما، مثلها مثل اي تفاعل كيميائي، ولأن الطبيعة غير دقيقة والعملية عشوائية، فإن النسخ لا تأتي متطابقة تماما في كل مرة، وبالتالي تكون بعض النسخ ناجحة في ان تواصل نسخ نفسها، وبعضها فاشل...
النسخ الناجحة تزداد تعقيدا شيئا فشيئا، مستفيدة من البيئة الغنية بالمواد العضوية البسيطة مثل الميثان وثاني اكسيد الكربون والسيانيدات الغنية بالنايتروجين، إلا ان يظهر ال DNA وظهور الدنا كان لغزا الي وقت قريب، إلا ان اظهرت النماذج الحاسوبية بالاستفادة من مقدرات الحاسوب الهائلة في زمننا هذا، امكانية تشكل سلاسل ال DNA بذات الية النسخ البسيط السابقة...
تطور الحياة ليس موضوعنا هنا، ولكن من المهم قوله ان الحياة استمرت طيلة شهور مارس وابريل ومايو أحادية الخلية، ثلاثة شهور كاملة والارض لا يسكنها غير كائنات شبيهه بالبكتريا والحيوانات الاولية الموجودة في يومنا هذا، الثلاثة شهور هذه فترة طويلة جدا، ونستطيع تخيلها اذا عرفنا ان الزمن الذي مضى من زمن النبي محمد الي اليوم هو عشرة ثواني فقط في النظام الذي نعتمده للحساب كما تذكرون..
بنهاية مايو كانت الحياة قد دخلت الي مرحلة جديدة وهي مرحلة الحياة متعددة الخلايا، كائنات بسيطة التكوين تسعى في المحيطات، بعضها نباتي يحتوي على مادة خضراء ويطلق الاكسجين الي جو الارض، وبعضها حيواني يستهلك الطاقة التي خزنها النبات من الشمس، ولكن كلها بسيطة التكوين لا تتعدى اشكال بسيطة من الطحالب والفطريات والنباتات السرخسية، وفي جانب الحيوان المرجان وبعض الديدان المفلطحة ...
استمرت الحياة هكذا حتى منتصف نوفمبر، اي خمسة اشهر ونصف، يزداد التعقيد خطوة بخطوة، ويزداد الاكسجين في جو الارض بكل هدوء، صحيح ان بعض اللحظات العاصفة قد مرت بجو الارض خلال تلك الفترة، كتحولها في اغسطس الي كرة من الجليد لمدة ثلاثة ايام كاملة، ولكن لم يحدث تغيير جذري في وتيرة الحياة وبدا وكأن كل شيء سيستمر الي الابد، وان الارض ستحوذ بجدارة لقب كوكب المرجان والديدان الاسطوانية.
فجأة وبلا مقدمات اختفت الديدان الاسطوانية القديمة التي كانت تملأ الارض من السجل الاحفوري، بحلول منتصف نوفمبر تغيير كل شيء بشكل فجائي، وماتت 90% من الانواع الحية التي كانت تسكن الارض في المحيط...
أخذ العلماء من محققي جرائم التاريخ يبحثون في اسباب الكارثة، إلي ان توصلوا الي نتيجة معقولة تفسر ما حدث...
فقد وجدوا دلائل تشير الي ان المحيطات نضبت فجأة من الاكسجين، بالتزامن مع آثار ثورنات بركانية عنيفة تحت المحيط، مما يبرر نضوب الاكسجين من المحيطات، وذلك لان الثورنات البركانية تطلق غازات لها المقدرة على إنتزاع الاكسجين والتفاعل مع الاكسجين الحر، والغريب ان الارض شهدت مثل هذا الحدث عدة مرات في تاريخها وليست هذه هي المرة الاولى ولا الاخيرة ( الصورة أدناه توضح الفترات التي كان جو الارض فيها خال من الاكسجين وتلك التي كان فيها غني بناء على درجة تأكسد الحديد، هذه الصورة لصخرة عمرها 3.15 مليار سنة)
ان الانوكسيا (نقص الاكسجين الحاد) أحد السيناريوهات المحتملة لنهاية الحياة بشكلها الحالي على الارض، والامر لا يستحق اكثر من ثوران بركاني كبير تحت المحيط وهو امر صحيح انه لم يحدث منذ أيام الا انه ممكن الحدوث في اي لحظة.
المهم في الامر ان بركان تحت المحيط قرر الثوران في تلك اللحظة فأباد 90% من الانواع الحية، هكذا كلمة بسيطة تلخص في سطر واحد، 90% من الانواع الحية في سطر واحد! ، ولكن هذا السطر حاسم في تاريخ الارض، فلولاه لما كنا هنا...
العلماء عرفوا اهمية تلك اللحظة في تاريخ الارض بالنسبة لنا كبشر، فسموا ما قبلها بالعصر قبل الكمبري او العصر القديم، وما بعدها بأسماء ومراحل عدة... ما قبل الكمبري امتد عشرة اشهر ونصف، فضممناه في حزمة واحدة لا نه لا يهمنا كثيرا، اما الذي تلاه فقد وليناه جل اهتمامنا..
في العصر الكمبري حصل إنفجار ضخم للغاية، ولكنه إنفجار من نوع اخر..
تابعونا