.......
عزيزي، , وأخي جارثيا، لم تثير الشجن..
القطار.. القطار!!...
كنت طفل، حين تحسست جوارح بلدي به، أنا الطفل الصغير، الفقير، اليتيم، بل حديث اليتم، توفى ابي في نهاية السنة الدراسية، وارسلت لي أختي الكبرى (علوية)، كي اقضي الاجازة الصيفية معهم في بورسودان، ذهبت بشنطة ساذجة، مليئة بالالغاز وتختخ، والصبيان والتسالي، وويكة ارسلتها امي، وبخور التيمان، وجوابات من بنات خالي، لبنات علوية، امي تبكي في المحطة، وانا احدق في مخلوق ليس له نهاية، كحلمي، أنه قرية راحلة، وجوه وسحنات، كنت انظر لمحطة الخرطوم، تخيلت الخرطوم كلها راحلة، بشر بشر بشر، تجار ومرضى وطلاب، خيالي غض، لا يبتعد عن الحدث، يغرق فيه، يسوح فيه، المواسير الكبيرة، حممت رأسي، التصق العرق بالعنق، والشعر، والقيمص، اخفيت على أمي زرارة انقطعت...
باعة هنا ، وهناك، رجل عجوز يشتري جريدة، فتاة تغتني مجلة، وطحنية، ماهذا، لم اتعود على سفر طويل، كل رحلاتي لا تتجاوز 30 كيلو، أربعين كيلو، اكثر قليلا، أو أقل، ماهذا السفر الذي يحتاج لعطام، ومفارش، ومجلات، وبكاء، الجميع يبكي (هل كلهم ايتام مثلي)، لست أدري، قد يكون يتم (احمد شوقي)، ان اليتيم هو الذي تلقى له، (أما تخلت، او أب مشغولا)، كم كنت مذهولا بسعة المحطة، قطارات كتيرة، نحو نيالا، نحو حلفا، نحو بورسودان، وداع واستقبال، نساء تجلس على الصفائح والكنب بانتظار قيام القطار، سيقوم القطار الرابعة عصرا، ونحن منذ الفجر، لم يأتي قطارنا، السكة التي سيقف عليها تمتد خالية، هناك قطارات لمدن أخرى، بنات جميلات، ورجل سمين يقف لوحده، لا أحد معه، أحسست بحنو نحوه، عروس وأهلها، كيف يسع القطار هؤلاء، هناك مسجون، مكلبش ومعه جنود يحروسه، (هل القطار سجن)، هناك طلاب وطالبات، وفد (لزيارة مدينة عروسة الساحلية، السياحية)، شعورهم طويلة، والبنات الوان متوهجه (هم من معهد الفنون الجميلة)، أكثر شاعرا، وروح، وتقبل، اصوات بوري القطار، هنا، هناك، كبري السجانة، تمر فوقه السيارات، وتحته القطارات، كأفعى (حديدية، كما يقول نغوغو واثنفو)، في تويجات الدم أو حبة قمح لا أدري، كنت ألبس رداء، وقميص، جلست امي على سور مبني على شجرة جميز كبيرة، وحولها اسر واسر واسر، انشغلت بفضولي، جريت لآخر المحطة، كي أرى القطار، تسلقت عربة فارغة، يااااااااااه، كراسي وكراسي، ممرات، حمامات، غرف نوم، مطبخ، واستراحة، ومقابض، وروائح، وكراسي خشبية، وأخرى ناعمة، وغرف نوم وسراير مزدوجة، كيف يتحرك هذا المخلوق، انه قرية كاملة متحركة، قرية تجري، لم اجد مئذنة، أو حقل، لأقسمت بأنها قرية، تجري.. بل هناك سيارات كاملة فوقه، وشاحنات، لم ارى في حياتي سيارة تحمل سيارة من قبل، وعجلات (من حديد)، وليس لستك، وتجري في شارع من خطين بس، وليس شارع ترابي،...
ظهر اخي عبدالعزيز، طالب في الثانوي (مدرسة الخرطوم القديمة)، جاء لوداع اخيه الصغير، كل الاخوان يحبون اخوانهم، ولكن هو أكثر وانضر، واجمل (جلب لي معه طحنية، وإلغاز)، ألم أقل أنه أجمل، واعمق (أنه يعرف رغباتي، كما لو أنه كاهن، أو ولي)، ومن قال غير ذلك، كان يبكي مثل أمي (من يتسلق ظهره، ويرهقه بالاسئلة عن الله، وأين يسكن، ولونه، وهو عاري أم لابس) من بعدي، أختي محاسن هادئة، رغم أنها طفلة، لا أدري لم؟ يقول جدي فرويد، نحن نولد (عجزة)، أي (نرث عقل لا واعي جمعي)، يحوي تجارب لا تحصر، أصدقه، لأن (محاسن هادئة، جدا)، ولا تسأل (عن زوجه الله، وأولاده)، ....
عمال السكة يغيرون اتجاه العربات، القاطرات، أجلستني امي مع اسرة من (جبيت، لا ازال اذكر اسمهم، سلمى نور الدين كرم الله)، لا ازال، كحلوى في الفم، (لا اكذب عليكم، استغليت فكرة انني حديث اليتم مع هذه العائلة بصورة مبالغة، بحيث ان الكوته من الحلوى كانت تضاعف لي، أكثر من بناتها، وأولادها)، وكنت أنام معها في الكنبة، وينحشر بقية الخلق تحتها، على أرضية القمرة الخشبية،، وكنت احتل النافذة بقية الرحلة، كي أرى اشياء عالية، كنهود النساء، يقال لها الجبال (كأنها ترضع السحب، تلك الرقة)، وكي أرى شندي، وعطبرة، وأرى المسافات تلد المسافات، وأرى عالم كامل يجري، وينحني، ويصعد، ويهبط، لأيام، وليس ساعات، ينام الناس فيه، ويصحو، ويتقوضوا، ويمارسوا (العشق، والجنس في غرف النوم الفارهة)، وهي تسعى بهم، من وادي لآخر، ومن جبل لآخر، .. وتحت ايقاع واحد، صوت العجلات وهي تحتك بقضيب السكة حديد، بل يظل (رنين العجلات معك لأيام وأيام)، كعادة الذاكرة في حفظ الاشياء ، حتى الطعم تحفظه الذاكرة، فهل ننسى طعم الموز، أو الصعود، أو الطمي..
يتبع...
عزيزي جارثيا، والله هذا النص كتب للتو، صباح اليوم، الاثنين، بدون مراجعة، ولكن تدفقت للذاكرة احداث وروائح وعوالم، والله اعمق المحبة ليك، ولسه الذكرى لتحرك القطار، والمرور على بحر، والسقاي، والجيلي، وبانقا، وشندي، والدامر، وعطبره، وهيا، وجبيت وسكنات
|