الولوج والخروج:
لدي قناعةٌ راسخةٌ بأنه بالنظر إلى مُجملِ النص (بمعنى قراءته ككتلةٍ واحِدةٍ) لأكثر من مرةٍ (إن أجبرك على ذلك) وتلمسك لحيويته،
نضجه،
مباغتته لذهنِكَ بلمحاتٍ تحركه،
واحتوائه لموسيقاه المشتعلة المخبوء منها والظاهر،
تلك الموسيقى التي تولدها العباراتُ حاملة النص وتناغمها فيما بينها أو منفردة...
لدي قناعةٌ راسخةٌ بأن هذا كافٍ لتطلق حكماً على النص سلباً أو إيجاباً،
وباعتقادي أن النص يلقى من أول وهلةٍ/قراءةٍ هذا الحكم،
ومن ثم تأتي المراحل اللاحقة للتعاطي معه...
هذا من الناحية الإيجابية للتعاطي مع النصوص برمتها أي ناحية الرؤية الشخصية المحضة للمتلقي دون ظِلالِ مداهنةٍ وغيرها مما لا نفع منه ولا طائل...
والنص (من مقامات عشري) أعلاه قد نال جواز مروره إليّ كمتلقٍ لاشتغاله على بعدين:
العادي والمباغت وإن طغى العادي...
وقد أشرت إلى هذا بمداخلتي الفائتة...
فالقول أن الحزن والاغتراب/الرحيل والرعب لم تكن صدفة أراه عادياً فمن المسلم به أنها ليست صدفة "ولا أنكر بذلك لزوم وجودها لحاجة النص أو لحاجة الكتابة عموماً إلى التزود بـ ومن الواقع المحض فليست الكتابة كلها ضرب خيال وتصاوير لا تمت للواقع بصلة، وإنما هي باعتقادي مقدرة الاختزال في الكتابة الجديدة بصورٍ تدل ولا تمسك ويحبذ في وجه دلالتها المفاجئ بارع التصوير" ولم يكن يستوجب كل تلك المقاطع المهمة (إذ هي مدخل النص والذي ينبغي فيه أن يكون أكثر تحدياً لذهنية القارئ وبمعنى أن لا يكون من نوع الكلام المعلب المكرور) مما يعيدنا إلى وتيرة الوقوف على الأطلال واستحداثها هنا بنظرية تتناغم والكتابة الحرة (المقيدة أكثر من تلك التي تحكمها ضوابط الوزن والقافية من كلاسيكية إلى تفعيلة، وهنا ليس مقام التحدث عن هذا) وتمثلت في تفخيخ النص بمدخل متهاون أو لنقل سهل يمهد للقارئ حتى لا ينصرف باكراً عن النص (حيث القارئ إما راغباً في الإدراك الكامل للنص ويتأتى ذلك من سهولة الوصول إلى معناه أو راغباً في مساحات من التأويل لا حد لها وذا يرغب في قراءة الممتنع أو السهل الممتنع ويهرب من السهل المعلب) هذا من جهة ومن أخرى كأرضية يمهد بها الكاتب للانتقال التسلسلي المنطقي لمراحل تالية من النص،
وأثق بأن النص يستحق وسطه ما بذل لأوله وهكذا...
وأقول كان من الممكن معالجة هذا الأمر برد الأمر برمته إلى عدم وجود صدفة فيما نقدم عليه أو يصيبنا مثلاً بكيفية مختزلة نقبلها كتمهيد لازم...
ولننتقل إلى مرحلةِ ما أطلقت عليه مباغت
وفي البدء
لم يكن للنساء الجميلات طعم لذيذ كهذا قبيل السفر
فكيف تسلم بأنهن جميلات ثم تأتي بما تلى
منطق القراءة يقول بأنهن حظين باكراً بصفة الجمال والجمال بالضرورة تنبع منه اللذة حين تذوقه إن سافرنا أو مكثنا...
إذن فإنه سيقال بأن (الجميلات) عبارة ليست بمكانها بمعنى أنها غير موظفة بشكلٍ جيد...
لكن يمكننا قبولها بمنطق أنه حتى النساء الجميلات أو أخص النساء الجميلات عن سواهن بأنهن كن بلا طعم قبيل السفر...
ثم يتواصل تواصلنا مع النص
فماذا لو كانت بدلاً عن زينته في (قبل أن يأخذ الحزن زينته من هواء المطارات) عبارة (هيئته) لتناغمها مع (هواء المطارات) وفي الوقت عينه المؤكدة لاكتماله، فالزينة قد تخفي بعض الملامح لكنها لا تخفيها كلية، بينما الهيئة أكثر اكتمالاً، وأيضاً يمكننا قبولها كعارض قابل للزوال...
وأتوقف مطولاً بعبارة (المضمحل) والتي لمحتها بكتابتين لك هنا مما قد يعني سطوة لها وحضور ولا تسريف في ذلك، لكني أنظر إليها هنا كتوظيف غير موفق إذ لا ينسجم الأمر بعودتنا إلى مطلع النص حيث تجولنا في البلاد البعيدة وتأكيدها بالعبارتين الزائدتين المدن المرحلية،
فالاضمحلال الضمور والنقص بينما جاب يجوب من الإكثار لا الإقلال من الفعل...
أما مقام النساء (من الحوارات)
فيستحق إفراد ورقة تخصه لأنه حفل بالتناغم والاشتغال العميق الذاخر بأبعادٍ مدروسةٍ وشساعة، وأحسبه امتداداً وإن منفصلاً لمقام السفر...
فيلوح صوتُ السائل والذي هو ذاته المجيب حول سأمه الحياة والمعني ما تناول في مقام السفر النساء والسفر وما بينهما من أشواقٍ ولذةٍ وأحزان... أو هكذا أحسب... واعتقد أن أخر جملة جاءت فيها عبارة (أرمل) أن المعني بها (أمل) {لا أدري ربما لمناسبتها أكثر}...
وبمقام النشيد اعتقد أنه ليكتمل المعنى في (والمدمنين التساؤل...) ينبغي أن تسبق عبارة التساؤل (على) ولو أنها مقبولة كما جاءت...
وأضيف ما قلته سابقاً وهو أمر مهم بالنسبة لي أني أحب أن ألحظ لحظة خلقٍ عاليةٍ في الكتابة، أي احتدام روح خالقها، وهذا لن يتأتى مطلقاً في تلك النوعية من الكتابة المصطنعة التي لا دافعية فيها ولا غوص في الأقاصي ساعة تخلقها وإنما رص عبارات وتنغيم، وباعتقادي أن ذلك أمر قد لا يمسك لكنه يشم...
كل الإعزاز، وأملي أن أكون خفيفاً في عبوري عبر كتاباتكم...