الأسماء الرفيعة
الخالق البارئ المُصَوِّر
لا فرق بين الحروف عند الله مُوجدها، ولكن تجليها في عالم المخلوقات يجعل لها دلالات تتخلّق من تأويل البشر لها، حسب مصلحتهم ومنفعتهم، بحيث يكون النظر إليها من بُعدٍ واحدٍ تتحقق عبره المصالح كما يتم به تفادي المصائب.
لذا بالنسبة للبشر، فالحروف تكون ذات يُمن ودلالة يُسْر ما ارتبطت بـ(
الجلال الرحيم) الذي يتجلّى من خلال أسماء رفيعة مثل الرحمن، الرحيم، اللطيف، الكريم، العفو، الحنّان، المنّان، البر، السلام، المؤمن، المُنعم، الرزاق، الرؤوف، الحليم، الصبور، السلام.. إلخ.
وتكون ذات دلالة عُسْر ما ارتبطت بـ(
الجلال المُهيمن) الذي يتجلّى من خلال أسماء رفيعة مثل المُهيمن، الجبّار، مالك الملك، المتكبّر، المتعال، المجيد، المتين، المانع، القهَّار.. إلخ.
تقدَّم فيما مضى أنَّ حرف "كا" و"با" هما روحان لدى الفراعنة. ودفعتُ بتبيين مؤداه أنَّ حرف "كا" هو روح الماء الأولى (الكَديسة)، وأنَّ حرف "با" هو روح البهيمة المرتبطة بمدينة الاسم بور المرتبطة بدورها بالاسم الرفيع (بارئ).
اليدان المبتهلتان رمزٌ للمليون
اليدان المبتهلتان رمزٌ للكا
هاتان الروحان، "كا Ka" و"با Ba"، معروفتان كروحين على نحوٍ غامض، غير مفهوم، لدى الفراعنة وعلماء المصريات، من دون التفاصيل المطروحة معهما هنا. وأضفتُ لهاتين الروحين روح الحرف "را" وقلتُ هي الروح المرتبطة بإله الشمس رع-را لأنَّها الروح المتعلّقة بالنبات، فتصبح بذلك العلاقة مفهومة بين الشمس والنبات.
مما يستوجب التوضيح، الضروري للغاية هنا، أنَّ اسم رع يكتب على نحوين (Re و Ra) أو صوتين، دون إدراك لماهيّتهما من قِبَل علماء المصريات، إذ يتصوّرونه مجرّد تضارب في الرسم بسبب تضارب الحِقَب الزمنية وتلوُّن الاعتقادات، ولكن هيهات!
فـ(Ra) روحٌ تتعلّق بنفخة الله في آدم، بينما (Re: رئ) كُنْهٌ يتعلَّق بالتظهير لروح البهيمة (با Ba) وهو مرتبط بها لا ينفصم عنها، كأنَّما هو أساسٌ فيها، أو هي مشتقَّةٌ منه، وهذا مما قبل آدم.
والروحان (Re و Ra) تتعلّقان برع إله الشمس لأنّهما دالّتان في الإبصار والضياء. وما يُستحسن التنبيه إليه هنا أنَّ الرئي هو ما يجلبه الجن من رؤى للبشر المتعاونين معهم.
شواهد تعريفي لهذه الأرواح بهذه الكيفية ليست هدفي الآن، ولكن في مادة قمينة للغاية يرد لدى ابن منظور نقله {البارئُ: هو الذي خَلَقَ الخَلْقَ لا عن مِثالٍ. قالَ و
لهذِهِ اللفْظَةِ مِن الاخْتِصاصِ بخِلْقِ الحيَوانِ ما ليس لها بغَيرهِ مِن المخْلوقات، وقَلَّما تُسْتَعْمَلُ في غيرِ الحيوانِ، فيُقال: برَأَ اللّهُ النَّسَمَة وخَلَقَ السَّموات والأَرضَ}.
وهذا مما يثبّت الرؤية من زوايا مختلفة، أولاً من زاوية فرز خلق البهيمة عن غيره من خلق، وثانياً يدلّل على صحة ربط مدينة الاسم "بور" بالاسم الرفيع "بارئ". كما يُصادق على استخدام المرويين للبقرة دلالة على حرف "با"، بما يرد معارفهم -فعلاً لا زعماً- إلى معارف بدئية بالخلق الذي جرى في بيئتهم، بجنوب السودان.
إذن يقال {برأ اللهُ النَّسَمة وخلق السموات والأرض}، أو "بديع" السموات والأرض، وكذلك يطلق على تَعْدَاد البشر في المكان الفلاني {كذا نَسَمَة} كما يرد في التوراة {وروح الله يرف على وجه المياه}، وهذا يؤكّد من ناحية ثانية قراءة القصبتين من كونهما كانتا أيضاً -في حقبٍ ما- رايتين مرفرفتين تدلان على الحياة، وأنواع الأرواح
ثم صارتا تدلان تحديداً على حياة الأخوين القاتل والمقتول في حقب ثانية، لتأتي حقب أخرى تحذف إحداهما، أو تُحوَّلُ الرايتان معاً لقصبتين، أو تُصْطَنَعُ رجلان سويّتان لقصبة واحدة في تمثيل بابن آدم، وهكذا.. إلخ من إبدالاتٍ تقع عليهما بحسب المعتقد والتصوُّر.
قصبة برجلين
واتّجاه أنّ الاسم الرفيع "بارئ" يرتبط بـ"با" الحيوان دون غيره، يشرح تسلسل الآية ذاتها والاسمين الرفيعين الآخرين اللذين يرتبطان به {
هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
فـالاسم الرفيع "الخالق" في هذا الحيِّز المرتبط باسمين رفيعين آخرين "الْبَارِئُ" و"الْمُصَوِّرُ" يعني المُوجِد للأبعاد ذاتها وللأكوان، فمع "الخالق" تدخل مدينة الاسم أوكيرا Okura حيث تمَّت "أوكي" مرحلة بدئية من الخلق، كما تقدَّم.
حرف (اليو U) هو حرف الاتحاد بين مكوّني المفردة، مدخلها (Ok) وروح (را: Ra)، الحرف الذي ما يزال يُسْتَخْدَمُ في الرياضيات بكيفية الاتحاد هذه، في نظرية الفئات Set Theory وغيرها.
فروح "را" قد وُجِدت قبل هذا الاتحاد إذن وكذلك روح با، كما يُوجَد في مدينة الاسم (بارا: Bara) مثلاً.
وآية التوراة {
وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه} تعطينا النتيجة ذاتها بحيث تشتمل الروح على الأساسين "الهواء" ودالته الرفرفة، و"الماء" الذي كان يرف عليه روح الله.
ومن خلال مثال القصبتين، نجد أيضاً تأكيد أنَّ الروح المرفرفة، روح الهواء، ارتبطت بـ"را". فاللغتان العربية والإنجليزية، تحفظان لنا روحاً واحدة للأصل، حينما كان رايتين، فـ(
راق
Rag) بالإنجليزية تعادل (
راية) بالعربية.
والرايتان وقفتا مرفرفتين دلالةً على النَّسَمتين، الروحين، ثم دلالةً على روح الأخوين في حقب كثيرة، وأحياناً نجد واحدةً فقط دلالة على نَسَمَة واحدة هي قابيل، ولذلك فمن ضمن معاني مفردة راية في الإنجليزية (الصخرة الصلبة)، الدالّة التي تحفظ لنا أداة القتل على الدوام، كما تحفظ لنا التراب الذي خُلقنا منه.
تردُ في كنزا ربّا مقالةٌ قمينة وبديعة {
وهبني مرگنا المياه الحيّة (48) وتوَّجني بأكليل الحرارة الحيّة}.
فالمياه الحيَّة هذه هي روح الماء "كا Ka" التي جاء منها كلُّ شيءٍ حي، روح الكديسة، القطة، المتنمّرة، المرتبطة بالحساب (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) كما تقدّم في إحدى الصيغ السالفة.
بينما الحرارة الحيَّة هي روح "را Ra" المرتبطة بالشمس والضياء.
وبالعودة مرة ثانية لترتيب الأسماء الرفيعة في الآية {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
بعد توضيح ارتباط الاسم الرفيع البارئ بروح "با" و"رئ"، نمضي مع ارتباط المصوِّر الذي يكون مع البشري دائماً، ولا ينحصر عليه ذلك إلا من باب كونه المكلّف، الخليفة. فالحيوات "رئ" و"با" هي حيوات من علم الله ليست منظورة لنا، والتصوير هو الذي يجعل هذه الحيوات منظورة لنا من خلال التجسيد والتجسيم في أشكال كائنات حيّة بالوسع النظر إليها ورؤية مثولها.
ولعلّه هكذا تتّضح ترجمة أهل الكتاب لتركيبة {خربة وخالية} من آية التوراة {
وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه} بأنّ الخراب والخلو هنا يعنيان {
غير منظورة وغير كاملة}.
فالتصوير مرحلةٌ ضخمة من الوجود، جاءت بنا إلى محيط النظر والكمال، وهو شيءٌ بدئي في علم الله
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} التغابن، الآية 3.
والتصوير نعمة كُبرى للغاية، يعدّدها القرآن علينا كما عدّدتها الكتب السابقة ونحن لا نشعر، ونمرُّ عليها عجولين ولا نوليها أي اهتمام، رُغم ارتباطها بجعل الأرض قراراً، والسماء بناءً، أي ارتباطها بالأسس الأولى
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} غافر، الآية 64.
ولذلك يبدأ اللهُ سبحانه وتعالى استشهاده على البشر بمنطلق قصتهم منذ الخلق والتصوير، وبداية حربهم مع إبليس:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} الأعراف، الآية 11.
وتستمر مسألة التنبيه الإلهي لهذا التصوير في الكثير من النصوص، وبتركيز جوهري
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران، الآية 6.
والشيء المهم كذلك هو ملاحظة ارتباط التصوير بالبعث، فالشيء الذي يُنفخُ فيه من أجل البعث اسمه (الصور) المرتبط بالتصوير.
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} الزمر، الآية 68.
فاسم هذه الآلة مأخوذ من التصوير فكأنَّما هي آلة ابتعاث الصور واستحضارها من قبورها
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} يس، الآية 51.
ولكن أيكون هذا الصور من قرن دابّة فعلاً كما هو عندنا في دنيا البشر الآن!؟ أم هو من شيء علوي آخر، فقط نحن من نقلّده بقرن الحيوانات كي نحذو حذوه!؟ القرن الذي قلنا إنّه حرف (و: O) في اللغة المروية! يرد في حديث عن النبي قوله عن نافخ تلك الآلة الصور، التي كأنّما تستدعي الصُّوَر من قوالبها وغيابها
{ كيف أنعم وقد التقم صاحبُ القرنِ القرنَ وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ، فينفخ؟ قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله ربنا، - وربما قال سفيان: على الله توكلنا}.
فإنَّا حروفُ كُن المضغوطة على نحو إلهي، إنَّا حروفٌ "كا" و"را" و"با"، وما يعلمه الله وحده، نحن لسنا الصورة الماثلة، فلو شاء اللهُ انتزاعنا من هذه الصورة وتركيبنا في أية صورةٍ يشاؤها هو، المُصوِّرُ، لفعل {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} الانفطار، 8.
والله أعلم
---
* (أوكيرا Okura)، لا أعرف الصوت الذي ينطقها به الإخوة الجنوبيون، قايستُها على الاسم الجنوبي أوكير.
* كما أسلفت أنَّ للحروف، أو الرموز وجود علوي، انعكس على وجودنا من خلال قصّة الخلق، فالقرن آلة نفخ ارتبطت في دنيانا بأنصار هابيل الراعي وكبشه. بينما ارتبط القرع آلة الموسيقى بأنصار المزارع قابيل، بعد كرامته الأولى التي بان عندها نقاؤه أو شفاؤه من مجموعٍ من الأمراض لا مرض واحد فحسب. بحثتُ في منطلق آلات الموسيقى فوجدتُ أنّها كانت ترتبط بالحجارة والعظام كما توقّعتُ ذلك بحسبانها أبداداً للحجر وعظم شليل. سأتوسّع في هذه النقطة من خلال مداخلات قادمة إن شاء الله. مع ملاحظة أنّ معظم الأنبياء كانوا رعاةً وأهل صنائع وحِرَف.
أضرب مثل أن القبة رمز علوي، أعتقد حقيقته بكونه قُبّة عرش الرحمن؛ والقبة أول بناء كان في محل الكعبة الحالية، رَفَعَه أبونا آدم بنفسه. والذي عليه الجمهور أنّ العرش أول مخلوقات الله، وهنالك قول ينصّ على أنّ القلم هو الأوّل، والله أعلم.
وقد سقتُ هذا الحديث لأنّه متعلِّقٌ بهذه المادة الحاضرة أعلاه، من خلال ملاحظتنا لكون القصبتين المشقوقتين هما في الحقيقة ما تكوَّن منهما القلم، وسِنُّهُ المشقوقة، لو قمنا بعكس اتجاهيهما فحسب من الرسمة أعلاه. وفي الحديث القدسي {قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إنَّ أوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلمَ قَالَ له: اكتُبْ، قال: مَا أكْتُبْ؟ قَالَ: اكتُبْ القَدَرَ، مَا كان، وما هو كائنٌ إِلى الأبد}.
والذي هو أدق من ذلك بخصوص موضوعتنا، تتمةً لهذا الحديث يرويها القرطبي {ويُقَال.
خلق الله القلم ثم نظر إليه فانشق نصفين، فقال: أجرِ، فقال: يا رب بِمَ أجري؟ قال: بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة؛ فجرى على اللوح المحفوظ}.
وهكذا، نتتبّع رمزاً واحداً، فنجده متصلاً بغيره من الرموز، فلكي يستوي الرحمن كان عرشٌ، ولجلال العرش كانت قُبّةٌ، ولكي يُكتبُ القدر كان قلمٌ، ولكي يجري القلم كان لوحٌ، وللقلم واللوح كان شجرٌ.. إلخ.
بأي حال دالّتنا الحالية أنَّ القصبتين انشقّتا من نظرة الله إليهما، فكان القلم الذي جرى بالأشياء كلّها على اللوح المحفوظ، ولك أن تنتبه إلى فعل الجري عوض الكتابة، وتربطه بالرجلين تحملان القصبة، لحين عودة موسّعة لهذه الموضوعة، لو سخّر الله لي فيها معارف، ومن بعد ومن قبل فالله أعلم بكل شيء.