وما الناسُ بالناس الذين عرفتهم !!! عبد الله الشقليني

إلى د. طلال فى حربه العادلة و قيادته الماثلة !!! معتصم الطاهر

الجن وعالــم اللامرئيـات/Parapsychology !!! خالــد الحـــاج

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!
آخر الأخبار العالمية

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > مكتبات > عجب الفيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 19-12-2006, 03:15 PM   #[91]
haneena
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية haneena
 
افتراضي

salam abdel moneim
haven't got a chance to go through
Just to say salam till coming in full energy and Arabic

stay well



التوقيع: Life is all about choices
haneena غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2006, 03:44 AM   #[92]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

هلا بالحنينة ، افتقدناك



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2006, 10:01 AM   #[93]
محمد ابراهيم قرض
:: كــاتب ::
 
افتراضي

الأخ عجب الفيا / الأخت بيان ..
الهوية و ما أدراك ما الهوية ...
بمعنى لماذا نرهق أنفسنا و نلهث وراء الهوية ؟؟
هل يغير هذا من واقع الأشياء ؟؟
نحن هكذا ، خلقنا هكذا و نعامل و يتعامل معنا الناس هكذا ..
إذا ما فائدة (الخناق) حول الهوية ؟؟



محمد ابراهيم قرض غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-12-2006, 01:51 AM   #[94]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد ابراهيم قرض
هل يغير هذا من واقع الأشياء ؟؟
نحن هكذا ، خلقنا هكذا و نعامل و يتعامل معنا الناس هكذا ..
الاخ محمد قرض
نحن لا نريد تغيير واقع الاشياء
نريد ان نتعامل مع الناس كما خلقنا
لكن البعض لا يريد ان يعترف بطبيعة الاشياء
قلت في اول سطرين من المقال :
"السودان ثقافيا وعرقيا بلد عربي افريقي او أفريقي عربي ان شئت . هذه الحقيقة التي لا تتناطح فيها عنزتان - كما يقال - ظل مثقفو السودان يتناطحون حولها منذ فجر الاستقلال حتي اليوم ."

هذا وصف لواقع الاشياء وليس محاولة لتغيير الواقع



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-12-2006, 05:10 AM   #[95]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

وللاسف كل الصراعات الدائرة الان في السودان سببها الذين لا يعترفون بواقع الاشياء .
يقول محمد المكي في مذكراته :
"ومن يتأمل الجنجويد وحديثهم المبالغ فيه عن (الزرقة) يضحك ضحكاً مراً على النزاع ومبرراته فليس اشد زرقة من واحدهم سوى الآخر، وممكن جداً تبادل المواقع بينهم فيكون بعض الجنجويد افحم سوادا من أعدائهم في المعسكر الآخر" .



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-12-2006, 05:46 AM   #[96]
محمد ابراهيم قرض
:: كــاتب ::
 
افتراضي

اقتباس:
نحن لا نريد تغيير واقع الاشياء
نريد ان نتعامل مع الناس كما خلقنا
لكن البعض لا يريد ان يعترف بطبيعة الاشياء
أن لا نعترف بطبيعة الأشياء هو لعمري
مرض (ساذج) و خطير يا عجب ..

ساذج لأن هويتنا تلازمنا مثل ظلنا ..
و لمن لا يعترف بها فهي تطارده مثل ظله
وين ح نهرب منو وين ؟؟؟؟

و خطير لأننا لا أرى أية عيب ما في هويتي
التي طبعت بها مثل مولدي .. بل هي مصدر
اعتزازي و فخري ...

بيني و بينك تجعلني هذه الهوية مميزا ، متميزا ..
و كنت أطرب في مصر حينما ينادي علي
(بأسمر يا لب) ... يا لها من سعادة غامرة ...



محمد ابراهيم قرض غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-12-2006, 06:40 AM   #[97]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

ولذلك قال محمد المكي يا اخ قرض :
" . فليس للغابة والصحراء أي فضل في خلق الثقافة السودانية فهي حقيقة وجودية سابقة لذلك التيار بل ان الغابة والصحراء تدين بوجودها للثقافة السودانية بحكم انها مجرد توصيف لما هو كائن في الثقافة وليس فرضا لواقع جديد على تلك الثقافة ."
وقلنا :
"ان "الغابة والصحراء" ، ليست مجرد جماعة ادبية او شعرية التقت لفترة ثم انفض سامرها ، وانما هي تعبير عن موقف وجودي وواقع حياتي متجدد ودمغة يحملها كل سوداني كالبصمة . الغابة والصحراء هي السودان . تتغير الشعارات وتتلون الرؤى ، وتتبدل الاسماء ويظل السودان هو السودان . "



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-12-2006, 04:17 PM   #[98]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

الغابة والصحراء مفهوم وليست مدرسة شعرية *

" إلى الذين يرون الأشياء أما بيضاء أو سوداء "
مصطفى سعيد

سألت إيزابيلا سيمور ، مصطفى سعيد ، بطل رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) : ما جنسك ؟ هل أنت أفريقي أم آسيوي ؟ فأجابها أنا مثل عطيل ، عربي أفريقي . فنظرت إلى وجهه وقالت : نعم أنفك مثل أنوف العرب في الصور ولكن شعرك ليس فاحما مثل شعر العرب .

وذات السؤال الذي واجهه مصطفى سعيد روائيا في لندن واجهه واقعيا الشاعران المبدعان محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر في ألمانيا في رحلتهما إليها في الستينات حيث عبر النور عن حيرة الأوربي في تصنيفه بقوله " أنه يرفض هويتي الأفريقية حين أفكر ، ويرفض هويتي العربية حين أكون " . عبارة مشرقة ولا شك تلخص في أسلوب فلسفي رشيق ازدواجية الهوية الثقافية والأثنية للإنسان السوداني . أما محمد المكي إبراهيم فقد جادت قريحته شعرا لتوصيف الواقع بقوله في قصيدته الرائعة ( بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت ) والتي تعتبر من عيون الشعر العربي الحديث :

الله يا خلاسية
………..
يا بعض عربية
وبعض زنجية
وبعض أقوالي أمام الله


وهكذا قد تنبهت الطلائع المثقفة من السودانيين باكرا إلى الخصوصية الثقافية والأثنية للذات السودانية . وقد برز الوعي بهذه الخصوصية أكثر حدة في الخمسينات والستينات مع المد الثوري لحركات التحرر الوطني ودعوات القومية العربية والاتجاهات الزنجية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية . ففطن نفر من هؤلاء المثقفين إلى أن السودان يمتاز بخصوصية فريدة لا تتوفر في غيره من دول المنطقة ، فهو يجمع بين الانتماء العربي والأفريقي في آن معا . فتفتق وعيهم عن صبغة يصفون بها هذه الحالة الفريدة . وحيث أن معظمهم كانوا شعراء فقد هداهم حسهم الشعري إلى صيغة شعرية ذات دلالة رمزية عميقة وهي صيغة ( الغابة والصحراء ) . الغابة إشارة إلى العنصر الأفريقي والصحراء إشارة إلى العنصر العربي . وذلك للدلالة على ذلك التمازج الثقافي والأثني .

ولعل من دلائل التوفيق على حسن اختيار هذه الصيغة الرمزية أن تعبير ( الغابة والصحراء ) لا يتطابق فقط مع توزيع المناخ الجغرافي في السودان بل يكاد يتطابق مع التوزيع الديمغرافي للسكان . فالمعروف أن مناخ السودان يبدأ في التدرج من مناخ صحراء في الشمال ثم يتحول إلى شبه صحراء ثم سافنا فقيرة وأخرى غنية في الأواسط إلى أن ينتهي عند الغابات المدارية في الجنوب . وبذات القدر نجد السكان يتوزعون على هذا النحو إذ نجد العنصر العربي غالب في الشمال مع بعض الاستثناءات ثم يبدأ في التقلص كلما اتجهنا مع بعض الاستثناءات أيضا إلى أن ينتهي إلى غابة العنصر الأفريقي الزنجي في الجنوب .

ومثلما اهتدت تلك المجموعة إلى رمز ( الغابة والصحراء ) اهتدت أيضا إلى نموذج تاريخي يجسد هذا التمازج العربي الأفريقي على أرض الواقع فكانت سنار . وسنار هي عاصمة مملكة سنار أو سلطنة الفونج والتي عرفت أيضا بالمملكة الزرقاء أي السوداء . فالسودانيون يستعملون الأزرق كمرادف للأسود . ومنه جاء اسم النيل الأزرق أي الأسود . وذلك لشدة اعتكار مياهه من كثرة الطمي . ويقولون رجل أزرق يعنى أسود . وكانت العرب تستعمل الأخضر في ذات المعنى ، فتقول رجل أخضر أي أسمر أو أسود . وكذلك يفعل السودانيون وهذا مثال على الخصوصية اللغوية لأهل السودان .
ويرجع اختيار مملكة سنار أو السلطنة الزرقاء ( 1504 – 1821م ) كنموذج معادلة الهوية السودانية إلى أنها أول مملكة سودانية تكونت بتحالف القبائل العربية والقبائل الأفريقية و كانت النواة الحقيقية للسودان المعروف الآن . ولعل الفضل في رواج مفهوم سنار كنموذج لهذا التمازج يعود إلى الشاعر المرهف د. محمد عبد الحي الذي يعتبر أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في العالم العربي وديوانه المشهور ( العودة إلى سنار ) خير دليل على ذلك حيث يقول في ذات السياق :

وكانت الغابة والصحراء
امرأة عارية تنام
على سرير البرق في انتظار
ثورها الإلهي الذي يزور في الظلام


والثور الإلهي هو الثور المقدس عند الدينكا أكبر القبائل الزنجية في الجنوب ويرمز به هنا إلى البعد الديني في الوجدان السوداني .

يتبع ..،
__________
* نشرت بجريدة الخليج الاماراتية 2000
ثم نشرت بمجلة العربي الكويتية عدد اكتوبر 2004 تحت عنوان " جماليات الثقافة السودانية "



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-12-2006, 04:28 PM   #[99]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

(2)

وإذا كان صيغة الغابة والصحراء قد ارتبطت في البداية بمجموعة بعينها من شعراء الستينات هم محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر وصلاح أحمد إبراهيم ، فإن هذا التوصيف للثقافة السودانية قد وجد قبولا ورواجا بين أغلب المثقفين والكتاب في تلك الفترة وتردد في أشعار الكثيرين منهم . وربما يرجع نجاح مفهوم ( الأفروعربية ) المطروح من خلال رمزية ( الغابة والصحراء ) آنذاك إلى الوعي القومي السوداني الذي أفرزته الظروف والتحولات السياسية والاجتماعية التي قادت إلى ثورة أكتوبر 1964م .

والحقيقة أن جذور الوعي بالتوصيف ( الأفروعربي ) للهوية السودانية ترجع إلى عشرينات القرن الماضي حيث تكوين جمعية اللواء الأبيض التي قادت ثورة 1924م ضد الإنجليز وإلى دعوة رائد التجديد حمزة الملك طمبل في كتابه ( الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه ) الذي صدر سنة 1928م حيث ناشد شعراء مدرسة الأحياء الشعري السوداني من أمثال محمد سعيد العباسي عدم الاكتفاء بتقليد الشعراء العرب القدامى والالتفات إلى البيئة السودانية المحلية وتصويرها في أشعارهم . وتأسيا بأفكار حمزة الملك واصلت جماعة مجلة ( الفجر ) في الثلاثينات ومن أبرزهم معاوية نور وعرفات محمد عبد الله ومحمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء الأسبق الدعوى إلى أدب قومي سوداني يعبر عن الذات السودانية ببعديها العربي والأفريقي .
في هذا السـياق كتـب المحجـوب بمجلـة الفجـر الصـادرة فـي 16/6/1935م يقـول " نحن إن نادينا بقيام الأدب القومي للطبيعة المحلية فإنما ندعو إلى خلق شعب بكيانه يعبر عن مرئياته من سماء زرقاء أو ملبدة بالغيوم ومن غابات وصحراوات قاحلة ومروج خضراء ومن إيمان بالكجور والسحر إلى إيمان بالله وحده لا شريك له " .

وفي الخمسينات أعاد الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب إحياء أفكار حمزة الملك وعمل على عكس مظاهر الحياة السودانية في أشعاره وأدخل إنسان الجنوب لأول مرة إلى معادلة الثقافة السودانية في قصائده التي عرفت بالجنوبيات . وقد عبر المجذوب في هذه القصائد عن إنسان جنوب السودان وأعلن صراحة عن العرق الزنجي الذي فيه وهو الذي ينتمي إلى أرومة شمالية تعد نفسها أكثر عرب السودان عروبة حيث يقول في إحدى هذه القصائد .

وعندي من الزنج أعراق معاندة
وأن تشدق في أشعاري العرب


ومن شعراء القصيدة الحديثة الذين سبقوا شعراء ( الغابة والصحراء ) إلى الالتفات إلى الجانب الأفريقي في وجدانهم الفيتوري ومحي الدين فارس وتاج السر الحسن وجيلي عبد الرحمن ومحمد عثمان كجراي . فقد كرس الفيتوري دواوينه الشعرية الأولى للتغني بأفريقيا وأمجادها فكتب ( عاشق مـن أفريقيـا ) و ( أغنيـات أفريقيـا ) و ( اذكرينـي يا أفريقيا ) .

لم يكن الشعراء هم الوحيدون السابقون إلى ا قرار النظرة الأفروعربية للثقافة السودانية . فكان هنالك العديد من الكتاب والأدباء والمؤرخون الذين انطلقوا في كتاباتهم من هذه النظرة ومن أبرزهم جمال محمد أحمد ومحمد عمر بشير ويوسف فضل ومحمد إبراهيم سليم وحامد حريز ويوسف عيدابي وغيرهم كثر .

وكان المفكر والأديب الفذ جمال محمد أحمد يعمل في صمت العلماء بعيدا عن أية نزعات شوفينية في التعريف بالأدب والثقافة الأفريقية وفي كشف العلاقات التاريخية والأثنية بين العرب والأفارقة منذ القدم . فكتب ( وجدان أفريقيا ) وهو كتاب عن الأديان في أفريقيا وكيفية تعايش الإسلام والمسيحية مع الديانات والمعتقدات الأفريقية المحلية و ( سالي فو حمو ) وهو في الأدب الشعبي والحكايات والأحاجي الأفريقية . وكتب ( عرب وأفارقة ) و ( في المسرحية الأفريقية ) و ( مطالعات في الشئون الأفريقية ) الذي صدر عن دار الهلال بمصر سنة 1969م وترجم عن بازل ديفيدسون ( أفريقيا تحت أضواء جديدة ) وغيرها من المؤلفات والترجمات .
وكان لموقف جمال محمد أحمد المتوازن من الأصول العربية والأفريقية للثقافة السودانية التأثير في جيل كامل هو جيل الستينات الذي ينظر إلى جمال نظرة الأستاذ المعلم . فعضوية جمال في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لم تمنعه من رد الاعتبار للثقافة الأفريقية والتعريف بها . وبتأثير من جمال ألف صديقه الأديب والقـاص علـى المـك ( نمـاذج مـن الأدب الزنجـي الأمريكـي ) وترجـم مـع صـلاح أحمـد إبراهيـم كتـاب ( الأرض الآثمة ) لباتريك فان رنزبيرج . كما أصدر محمد عبد الحي كتاب ( أقنعة القبيلة ) في الشعر الأفريقي الحديث .

يتبع ..،



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-12-2006, 04:35 PM   #[100]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

(3)

وعلى الرغم من بداهة التوصيف الذي تطرحه صيغة ( الغابة والصحراء ) وعلى الرغم من أن القول بأن السودان بلد عربي أفريقي ثقافيا وعرقيا هو من المسلمات التي لا يمكن المجادلة حولها . إلا أن أصحاب هذا الاتجاه قد تعرضوا لحملات من النقد وصل في بعض الأحيان إلى حد التشويه المتعمد والاستنتاجات الخاطئة لآرائهم من بعـض ذوي النزعـات الأيدولوجيـة والشوفينيـة . فالإسلاميـون رأوا فـي صيغـة ( الغابة والصحراء ) دسيسة علمانية للحد من دور الإسلام في المجتمع السوداني . وبعض القوميون العرب رأوا فيها محاولة لتحجيم انتماء السودان للعروبة والإسلام .

أما بعض أهل اليسار فرأوا في نموذج ( مملكة سنار ) الذي تطرحه ( الغابة والصحراء ) كمثال للتعايش السلمي والتعددية الثقافية ، استمرارا لتكريس هيمنة الثقافة العربية الإسلامية على الثقافات الأخرى . وربما رأوا فيها ثغرة تعطى المجال لبروز مشروع الدولة الدينية .
لذلك عمد أصحاب هذا الاتجاه إلى إنشاء تجمع مناوئ من المبدعين باسم ( آباداماك ) في أواخر الستينات . وقد أخذ هذا التجمع اسمه من أحد آلهة مملكة مروي النوبية القديمة وكأنهم أرادوا بذلك أن يقولوا لأهل ( الغابة والصحراء ) إذا كنتم ستعودون بنا إلى ( سنار ) فنحن سنعود بكم إلى أبعد من سنار ، إلى مروي أقدم حضارة سودانية أفريقية . إلا أن توجهات ذلك التجمع لم تخرج في مجملها عن مقولات وأطروحات ( الغابة والصحراء ) فلم يجد أصحاب هذا الاتجاه في النهاية بد من الذوبان في التيار ( الأفروعربي ) الكاسح والذي تفرضه معطيات الواقع المتشابكة أكثر مما تفعل الشعارات والأيدولوجيات .

والحقيقة عندما نادى دعاة الأفروعربية بالعودة إلى ( سنار ) للتعبير كرمز للتعبير عن واقع حال الهوية السودانية لم يقصدوا بذلك العودة إلى نموذج الدولة الدينية الذي كان مطبقا في مملكة سنار كما لم يقصدوا تجاهل الحضارات والممالك السودانية السابقة على سنار . وإنما هدفوا ببساطة إلى تقديم نموذج من تاريخ السودان يرمز ويعبر عن التعايش والتمازج السلمي بين الثقافات السودانية المختلفة . وقد رأوا في سنار الخلاصة التي تلتقي عندها كل حضارات السودان القديمة والمعاصرة . والعودة إليها هي بالضرورة عودة إلى مروي وكرمة النوبية وعلوة والمقرة المسيحية .

ففي ديوانه ( العودة إلى سنار ) يستلهم محمد عبد الحي الكثير من الرموز والأساطير من الحضارات النوبية القديمة . وفي ديوانه ( السمندل يغني ) توجد قصيـدة بعنـوان ( مروي ) في إشارة إلى الحضارة المروية القديمة وفي الصفحة المقابلة مباشرة توجد قصيدة أخرى باسم ( سنار ) في إشارة إلى مملكة سنار أكثر من ذلك أن محمد
عبد الحي في دراسته القيمة من أسطورة ( الشيخ إسماعيل صاحب الربابة ) وهو أحد متصوفة مملكة سنار يذهب أبعد من ذلك ويحاول إيجاد وشائج بين سيرة الشيخ إسماعيل وبين سائر الثقافات والحضارات القديمة بما في ذلك التأثر بالتراث اليوناني القديم حيث يرى أن الشيخ إسماعيل هو في الحقيقة أورفيوس سوداني . ويخلص إلى أن سيرة الشيخ الصوفي تمثل اللاوعي الجمعي أو الذاكرة التراثية للإنسان السوداني حيث تلتقي عندها الثقافة العربية الإسلامية بالثقافات اليونانية والنوبية والمسيحية .

لكن يبدو أن البعض يأبى إلا أن ينظر إلى الواقع بعين واحدة ، فيرى الأشياء إما بيضاء وإما سوداء ويعجز أن يرى الرؤية الرمادية التي تفسح المجال للنظرة التعددية المتسامحة .

وللتاريخ نقول أن شعراء ( الغابة والصحراء ) ليسوا جماعة تربطهم رابطة أدبية أو يجمع بينهم أي تنظيم أو حزب سياسي ولم يصدروا حتى بيان مشترك يعلنون فيه عن توجههم وإنما هم نفر من المبدعين التقت أفكارهم في غير ما اتفاق حول رمزية الغابة والصحراء للدلالة على خصوصية الهوية السودانية .

وهذا ما جعل عبد الحي ينفي أن تكون هناك مدرسة شعرية باسم الغابة والصحراء في حوار معه أجرى معه سنة 1984م ظنه البعض تراجع عن فكرة الغابة والصحراء يقول عبد الحي :
" إن مدرسة الغابة والصحراء أمر مضحك فإذا كان هنالك بعض الشعراء والمتشاعرين كتبوا قصائد محشوة بالغابة والصحراء دون أن يكتبوا شعرا رصينا لا توجد مدرسة أو منهج لكل الناس الشعر هو الشعر " . فالغابة والصحراء بالنسبة له مفهوم وليست مدرسة شعرية . وهذا المفهوم عنده ليس حصرا على السودان وحده كما يقول في ذات الحوار بل " يمتد إلى الصومال وإريتريا وشمالي أثيوبيا وشمالي نيجريا ومالي وغانا والسنغال … الخ أنه شعب يكتب باللغة ويدين بالدين الإسلامي وهم داكنو الجلد امتزجوا بثقافتين الثقافة العربية والثقافة الإسلامية … الثقافة هي الأساس وليس بالتوالد " .

وفي سبيل البحث عن صيغة أكثر شمولية لاستيعاب الكل المركب الذي تموج به الساحة السودانية الثقافية أوجد نفـر مـن المثقفيـن فـي الثمانينـات صيغـة جديـدة هـي ( السودانوية ) وهي لا تختلف في أطروحاتها وفي نظرتها عـن ( الغابـة والصحــراء ) إلا أنهــا رأت فــي هــذه الصيغــة الجديــدة خروجــا عــــن ثنائيـــة ( الأفروعربيـة ) ومن أبرز دعاة ( السودانوية ) الشاعر كمال الجزولي والدكتور نور الدين ساتي و للبروفيسور أحمد الطيب زين العابدين .
ومع ذلك هنالك من لا يتحمس لكل هذه الصيغ والنظم الجمالية ويفضل الاكتفاء باسم السودان للدلالة على الحالة الثقافية التي يمثلها ومن هؤلاء الدكتور حيدر إبراهيم علي وغيره كثر .

ومهما كانت الصيغ المطروحة ومهما تبدلت الشعارات والمواقف ستظل ( الغابة والصحراء ) هي الناظم الجمالي الأكثر جاذبية وشاعرية في التعبير عن واقع الهوية السودانية . فالصحراء موجودة والغابة موجودة وما بينهما السافانا كذلك . وهل الحرب الدائرة الآن إلا نتيجة اختلال في المعادلة بين ( الغابة والصحراء ) ؟

انتهي .

عبد المنعم عجب الفيا



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-12-2006, 03:41 AM   #[101]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

أربعون عاما على الغابة والصحراء ..

مضت أربعون عاما على مولد الغابة والصحراء كتيار في الأدب السوداني وفي الشعر بالذات. وإذ يلتفت المرء إلى الوراء ناظرا في ملابسات الولادة والنشوء لهذه المدرسة الأدبية فان ما يسترعي النظر هو تمددها السريع ثم اندثارها السريع في صحراء القبول المتعجل والرفض المتعجل الذي يميز الممارسة الثقافية في السودان.فبعد المناوشات الأولى مع رافضيها من متنطعة العروبيين بدا وكأنها قد لامست شغاف القلب من الكثيرين وشجعتهم على البوح بدخائلهم كمهجنين يغالطون واقعهم وينسبون أنفسهم إلى عرق يريدهم ولا يريدهم، فهو يراهم في بعض الأحيان إضافة للعدد والموارد وأحيانا يرى في انتمائهم إليه إزدراءً به وتحقيراً. وزاد من مظهرية القبول تلك الدعوات التي برزت إلى الوجود منتحلة لباس الغابة والصحراء أو ملتبسة بها مثل تجمع ابادماك ودعوة السودانوية ،وكلاهما لم يأت بجديد ولم يقدم إضافة للفرضية الأساسية. وفي هذا الصدد بالذات لم يحفل احد من مبدعي الحركة بالاحتجاج أو المغالطة باعتبار أن الغابة والصحراء هي أصلا دعوة فنية لإنتاج أدب وفن يعبران عن حقائق وجماليات سودان يعي ذاته ويحبها. أما حين يخرج الموضوع عن نطاق الأدب ويذهب إلى مجالات الاجتماع والانثربولوجيا ودراسات الهوية فانه يكون عندئذ متروكا لطارقيه.

لم تكن الغابة والصحراء معادلة من معادلات الجبر أو نموذجا من نموذجيات الاقتصاد وإنما كانت اعترافاً بالغ البساطة بحقيقة متناهية الوضوح هي الهجنة العرقية للسودان الأوسط ووقوعه في منطقة التنازع بين ثقافة عربية ودم أفريقي. وهي حقائق تعيش على السطح في سيماء السحن والوجوه التي تشير جميعها إلى شعب أفريقي الأعراق تبنى ثقافة شرقية. والوجه الآخر لنفس العملة يرينا شعباً عربياً اندمج في الأعراق الأفريقية وطرأت عليه تغيرات مهمة ولكنه ظل محافظاً على العناصر الأكثربروزاً في ثقافته وخاصة لغته التي لتفوقها التعبيري أصبحت صلة الوصل بين اقوام البلاد .

وللمرء ان يتساءل :إذا كانت تلك الوقائع من قبيل المسلمات فلماذا المبادرة إلى تقريرها ودعوة الناس إلى الاعتراف بها طالما هي بكل ذلك الوضوح؟ وما هو عنصر الجدة والمبادرة أو الريادة إن شئت في أن يتصدى شباب جامعي لترديد تلك المسلمات؟

لم تكن الحال هي الحال في مطالع الستينات ففي تلك الحقبة وما سبقها كان السودانيون يعضون على عروبتهم بالنواجذ في صورة متشددة من صور التمسك بالنقاء العرقي. فقد كانت القبلية حية بين سكان السودان الأوسط وكانت تفرض تراتبية معينة على المجتمع بحيث تأتي قبائل النهر المستعربة في المقدمة تتلوها قبائل النهر النوبية (دنقلة ومحس وحلفا) وفي نهاية السلم الاجتماعي يقبع أهل الغرب وجبال النوبة فالجنوب.وفي ذلك المناخ لم يكن هنالك من يستطيع المجاهرة بأن له نسباً يعيده إلى أصول غير عربية إذ كان ذلك كافياً ليجعل الناس تتحدث من وراء ظهره بما يحرمه من الصهر والإصهار ويهبط بمكانته الاجتماعية من الانتساب الى العرق المتفوق إلى نسل المستعبدين وضحايا الاسترقاق.

وفي نفس الحقبة -أعوام 1963و1964- كانت الحرب بين الشمال والجنوب تشهد فترة ملتهبة من أطوار عنفها الدوري فقد لجأت الحكومة العسكرية لتلك الايام الى اقسى تدابير القمع ضد المقاتلين الجنوبيين وكانت أنباء القتل والإحراق وتصفيات المثقفين الجنوبيين تتسلل الى أسماع المثقفين الشماليين وضمائرهم فتشعل فيها الرفض والاستنكار للفظائع التي يجري ارتكابها باسم الشطر الشمالي الذي ينتمون اليه.وكان من المصادفات المعبرة أن هبت ثورة اكتوبر 1964في مدى عام واحد من ظهور حركة الغابة والصحراء بمناسبة تخص الجنوب السوداني وتهدف الى الاقتصاص له من الحكم الذي مارس ضده كل تلك القسوة والفظاعات.

في تلك الأيام التي تدير الرأس بدا لنا ان الاعتراف بالهجنة العرقية ربما يتكفل بتحقيق التقارب المطلوب بين مكونات البلاد الإثنية ويلغي الحرب التي كانت تخاض على اعتبار انها حرب العرب على الأفارقة. ومتى اعترف العرب المزعومون بانهم أفارقة سود تجمعهم اواصر القربي بأعدائهم المتوهمين فان ذلك يفتح الأبواب أمام السلام ويضع نقطة الختام لحرب سخيفة سيئة التسمية.وكانت الحركة في مجموعها حركة أدباء شباب فقد نأت عن الحراك السياسي واستهدفت وجدان الجمهور القاريء لتوحي اليه من خلال الاشكال الأدبية أن يجد الشجاعة الكافية ليعترف بذاته الحقيقية ويحبها ويحب شركاءه في الدم والوطن.

في ذلك المناخ المتشدد المريض جأرنا بقولتنا فكان ذلك نوعاً من الزلزال الفكري استدعى المقاومة والإنكار من المجتمع. واتخذت المقاومة شكلين كان أفضلهما الرفض الصريح لفكرة الهجنة والنسب المدخول.أما الشكل الآخر فكان التجريح الشخصي والتشكيك في الدوافع. فالأفضل كثيرا أن تجد من يقول لك انك مخطيء وعرب السودان كلهم عرب اقحاح وهذا السواد الذي يجلل سحنهم هو من فعل الشمس أو النسبة الامومية التي لاتقدم ولا تؤخر لأن الانتساب يكون للآباء وليس للأمهات والجمل ينقاد من الأمام وليس من الخلف كما يعبر المثل السوداني. ولكنك تجد من يقاوم فكرك بتجريح شخصك مؤكدا لك انك أنت وحدك مدخول النسب..أنت فلاتي،أنت غرباوي تريد أن تضمنا إلى زمرتك ولسنا منها- نحن عرب نسبتنا مؤكدة إلى العباس وأبي بكر الصديق وجابر بن عبد الله.

ثم هنالك ما هو أوفر مكرا وحيلة ،إذ هنالك من يقول لك أنت راغب في الهروب من مقدسات المجتمع السوداني وتريد أن تتحلل من التقاليد هارباً إلى مجتمع أفريقي بلا خلق ولا اخلاق..أنت ضحية قراءاتك للمستشرقين البريطانيين الذين أوحوا إليك أن في السودان أقواماً ليسوا من العرب وان أنسابنا الصحيحة هي أنساب منتحلة وكل ذلك كلام استعماريين.بمثل هذه الترهات فاه صديقنا الدكتور عبد الله على ابراهيم وذلك انه في حرصه على نشر كامل تراثه وتكبير كومه أعاد نشر مقالة قديمة عفى عليها الزمن هي مقالته الموسومة(الآفروعروبية: تحالف الهاربين) وسنعود اليها بعد حين لنوضح كيف أصبح صديقنا القديم في طليعة الهاربين الى الجنة الأمريكية حيث ما زال يقيم.

أقرر بين هلالين أنني لم أقرأ كتابات المستشرقين على الإطلاق وأنني لم استمد معلوماتي عن التكوينة السكانية لبلادي من الكتب أيا كانت تلك الكتب وانما من علمي الخاص - من المشاهدة ومن أفواه الرجال الثقاة.ولقد نشأت في مدينة الأبيض وهي واحدة من مدن التمازج الثقافي في السودان وهي مدينة متنازعة بين عدة قبائل من قبائل السودان.ورغم أنها أصلا مدينة البديرية(بديرية زاكي الدين) ونوبة الجبال وحاضرة البادية التي تضم دار حامد والحمر والكبابيش والهوا وير،إلا إنها تكتظ بالقبائل المهاجرة وعلى رأسها قبايل البديرية الشماليين (من كورتي والدبة) وقبائل الدفار والدناقلة ،والشايقية وكانوا قد وفدوا عليها بعد ظهور الشيخ إسماعيل الولي الكردفاني وهو أصلا من الدفار. وفي أعقاب أولئك وهؤلاء جاء الشايقية والجعليون والرباطاب والدينكا والنوير متزامناً كل ذلك مع هجرات التكارنة وقبائل التشاد. وخدمت الأبيض كعاصمة إقليمية لأهل دار فور وكل قبائلها ممثلة في أحياء المدينة العتيقة وذلك انسجاماً مع تاريخ طويل أفرد في يوم من الأيام حياً لأهل المغرب وبعض قبائل شمال السودان الذين صاروا يعرفون باسم (الحضور).

وليس عيباً أن يأخذ الإنسان علمه من الكتب ولكن التأكسد يبلغ بالبعض أن يظنوا أن كل معلومات الدنيا محفوظة في دفتي كتاب.ولو كان الأمر كذلك،أي لو كان كل العلم مدوناً مسجلاً لاستحال التأليف ولتوقف الإنتاج الفكري.وأمثال المستشرق فلان لو بعثوا مرة أخرى أو جاء اخلافهم لطلبوا علمهم منا نحن أبناء البلاد ولسألونا عن اصل تلك القبيلة أو هذه فأفادوا علماًغزيراً موثـقاً.

لقد تلقينا تأنيباً عنيفاً في هذه النقطة. فالشاعر محمد.عبد الحي ذو السحنة العربية قيل له مراراً وتكراراً أنت من البيضان، فما شأنك بهذه الزمرة من المتأفرقين. وبعد أعوام قليلة كان ينكر على رؤوس الأشهاد وجود (مدرسة) فنية اسمها الغابة والصحراء ولكن مطولة (العودة إلى سنار) احتفظت له بمقعده دافئاً في نفس الزمرة التي أريد له أن يتخلى عنها..وهوجم النور عثمان بأصوله الأفريقية وفي الدفاع عن نفسه كتب مقاله الشهير(لست عربياً ولكن).ولم أسلم شخصيا من الأذى فقد هوجمت عند نشري الجزء الأول من مسرحيتي الشعرية عن الشاعر النوبي المخضرم سحيم عبد بني الحسحاس وذلك بصورة أفقدتني الرغبة في إكمالها حتى اليوم.وقد اختصني أحد الكاتبين بنقد لاذع فنسبني إلى التأثر بما كتب الإداريون الإنجليز عن أعراق السودان ونعى على قلة الإطلاع على أدب العرب.

ما هذا؟
هل هي الغيرة على مجد القبيلة والدفاع عن نقائها العرقي على طريقة الجاهليين؟ أم هو الرغبة الغريزية في مقاومة الجديد؟أم هي الغيرة من مجد متوهم يصيبه من يبادر إلى أمر من الأمور.

يتبع ...

محمد المكي ابراهيم



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-12-2006, 03:51 AM   #[102]
عجب الفيا
:: كــاتب ::
 
افتراضي

أربعون عاماً على الغابة والصحراء..-2-

محمد المكي ابراهيم


في كل الأحوال ليس ذلك مبحثا مهما والأهم من ذلك واشباهه هو تلك الاشارات التي قدمتها الحركة عن دور الاثنية في تحديد الانتماء فانه من حقائق الدنيا ان الفرز بين الجماعات يتم على ابسط اشكال الانتماء وخاصة في الظروف الاستثنائية كظروف المواجهات والصدام وكثيرا ما يحدث الاصطفاف على اساس القبيلة او العنصر او لون البشرة ويتمايز الناس في الأحوال القصوى بألوان اجسادهم وسحنهم واشكالهم. ولكن السودانيين ذوي الأصول العربية لم يروا في الاثنية حائلا يحول دون اصطفافهم مع الجانب العربي والتماهي التام بذلك الجانب ولهم في ذلك تبريرات كثيرة كما لهم بعض العذر.

يقول البعض ان ذلك التماهي سببه نوع من عمى اللون الذي فرضه على عرب السودان فرط رغبتهم في الانتماء الى السلالات العربية. وهو تعبير مشحون بقدر من السخرية والاتهام ولكن حقيقة الأمر أن عرب السودان فقدوا ذاكرة اللون، ففي المناخ الأفريقي الذي اقتحموه كانوا وحدهم بمواجهة كتلة لونية تتشكل بكاملها من الالوان السوداء فأضحى الآخر بنظرهم هو الأسود و(النحن) هو ما ليس بأسود. وفي حظيرة نفي السواد هذه أدخلوا كل الظلال الممكنة للسواد مثل (الخضرة) والسمرة والزرقة وكلها مسميات لدرجات من السواد او بالأحرى هي اشكال متنوعة من نفي السواد. إلا أن الدنيا لاتثبت على حال والذين قدموا الى السودان بإهاب عربي فاتح السمرة انتجوا عن طريق اختلاطهم بأهل البلاد القدماء اجيالا من المولدين اخذوا عنهم درجات متناقصة من لون الاهاب وذلك أمر ملاحظ من جيل الى جيل حتى في اطار العائلة الواحدة فالجد في غالب الأحوال هو الافتح لونا من الحفيد الا اذا دخلت على العائلة دماء جديدة او اذا لعبت الكروموزمات الموروثة لعبتها الاعتباطية وغيرت من ملامح الحفيد.

يحضرني في هذا الصدد مشهد من رواية (الحنق) للروائي السوداني شوقي بدري (صادرة عام 1970) حيث تحدث ملاسنة غاضبة بين شيخ سوداني وعربي من الشام (خواجة في نظر السوداني) إذ يقول السوداني:
- يبدو أنك خواجا قليل أدب.يجب أن تعرف مع من تتكلم .نحن أسياد البلد وأسيادك أنت أيها الخواجا القذر.

فاستشاط الخواجا غضبا وقال ردا على كلامه الأخير:

- أنا عربي ابن عربي ولست عبدا مثلك يا عبد.

وهنا هجم عم خليفة بقامته القصيرة وجسمه الضعيف وأراد أن يصفع الخواجا الذي دفعه فتعثر وسقط وأقام عثرته بعض الحاضرين وفصلوا بينهما.

يقول شوقي بدري في بقية المشهد:
كاد الأمر يمر بسلام بالرغم من الإهانة الكبيرة التي وجهت إلى كل السادة في البلدة في شخص العم خليفة إلا انه كان للعم خليفة ابن أخ ولسوء الحظ بلغه ان الخواجا قد سب عمه ووصفه بأنه عبد وضربه مستغلا ضعف جسمه حتى سقط على الأرض.ولم يكلف الشاب نفسه مئونة الذهاب للاستفسار عن عمه والسؤال عما حصل بل ذهب مباشرة الى الدكان وصرخ في وجه الخواجا:
- اذاً أنت تتطاول وتصف السادة بأنهم عبيد وتتجرأ بضربهم كذلك .سأشرب من دمك.

وينفذ الشاب تهديده العنيف فيذبح الخواجا ذبح الشاة ويمشى إلى المشنقة متبخترا طالبا من عشيرته ان يعرضوا شواهد ثباته على جمهور الشنق في رسالة دامية من وراء القبر تتمثل بعرض مخلفاته النظيفة بعد سقوطه في قاع المشنقة.

انه تصوير درامي لحالة حقيقية سائدة بين السودانيين.وقد تكون حالة متطرفة ولكنها ممكنة الحدوث وأجد في تصوير شوقي البليغ تعبيرا حقيقيا عن الحالة الاثنية التي كانت سائدة في الستينيات وما قبلها.
لقد ذهب الكثيرون الى التشكيك في واقعة الانتماء العربي للسودانيين على وجه الاطلاق وهو أمر لايحتمل التشكيك ولكنه يسمح بتنسيب النسب وتحديد الانصبة بالطريقة الاحصائية وهو ما قام به البريطانيون في الاحصاء السكاني الأول عام 1956 ووجدوا في نهايته ان 39 بالمائة من أهل السودان يعتبرون أنفسهم أبناء سلالات عربية. ولا يعني ذلك ان تلك النسبة من السودانيين حقيقة عربية الأصول ولكنه يعني ان 39 % من أهل السودان عرب او ابناء عرب أو يريدون ان ينسبوا انفسهم الى العرب . ولم يكن موظف الاحصاء يجادل الناس في اختياراتهم التي يعلنون عنها . واذكر ان موظفي ذلك الإحصاء دخلوا علينا فصول الدراسة وطلبوا منا تسجيل أنفسنا وقبائلنا للاحصاء ولا انسى ان زميلا لنا من اهل السمرة الرقيقة واللسان الفصيح وقف امامنا واعلن لموظف الاحصاء انه ينتمي الى قبيلة الدينكا.وحين ناقشناه في ذلك اقنعنا بالدليل القاطع انه فعلا من قبيلة الدينكا فقد كان اجداده من مشاهير المشاركين في ثورة 1924 وثابت انهم ينتمون الى تلك القبيلة.
اذا كان السودانيون يخترعون أنسابهم اختراعا فانهم ليسوا اول من يقدم ذلك النوع من الادعاء فقد سبقهم الى ذلك اقوام واقوام. ويقول بربر المغرب انهم من اصول حميرية هاجروا الى المغرب وعند البعثة النبوية بعثوا وفودهم الى الرسول الكريم ليبايعوه ويصبحوا من بين صحابته الأوائل. وتحت ذلك الاعتقاد قدم البربر خدماتهم الجليلة للدين الاسلامي حيث عبروا به المضيق أول مرة الى الجزيرة الايبيرية وعادوا وعبروا المضيق مع الموحدين والمرابطين لينقذوا الاندلس الاسلامية ويطيلوا عمرها الى قريب من ثمانية قرون.

ولكنه مستحيل عقلا ان تكون كل انساب السودانيين مختلقة اختلاقا فهنالك نواة صلبة من الحقائق الإثنية هي التي حفزت الآخرين للاقتداء بها في وضع انساب مزيفة تماهيا بالآخرين.ومن السيناريوهات الممكنة الحدوث ان يكون السودان قد لعب دور الملاذ الأخير للعرب الهاربين من وجه السلطان والمطلوبين واصحاب الثارات والمهدرة دماؤهم لأي سبب من الأسباب.وقد يكون ذلك سببا في وجود هذه العائلات والقبائل والأفخاذ التي ترتفع بأنسابها الى علياء الانساب العربية الشريفة مثل كبار الصحابة واهل البيت النبوي والمنسوبين الى دوحتهم كالعباسيين وانصار المدينة. وهنالك من يغالط في ذلك باعتبار انه ليس هنالك ما يحمل تلك القبائل النبيلة على الهجرة الى بوادي السودان ولكن ذلك ليس صحيحا لكونه يتجاهل احتمالات الاضطرار والامعان في الهرب من سلطان جائر او جريرة فعل قام به ذلك الهارب المطلوب. ومعروف في التاريخ العربي ما اضطرت اليه سلالات الدوحة العلوية من الهرب والتخفي والتبعثر في المنافي وقصي الملاذات. ففي صدر العصر العباسي هرب احد ابناء الدوحة العلوية الى المغرب ليقيم فيها دولة الادارسة ومع بعد الدار وشط المزار امتدت اليه يد الخليفة العباسي هارون الرشيد ودست له السم في محاولة اغتيال. والواقع ان المنتسبين الى النبلاء العرب موجودون في كل بقاع العالم الاسلامي خارج الرقعة العربية كما هو الحال في باكستان وافغانستان وايران. ومن المشاهد في مثل تلك الاحوال ان يحافظ النسل على الأصل ضاربا عرض الحائط بما اصابه من تغيرات الاهاب واللسان فتجد قرشيا باكستانيا اوعلويا ايرانيا لايتحدث العربية وتجد شريفا حسينيا او حسينيا اسود الاهاب أو أسمره . وليس ذلك امرا جديدا غير مسبوق فهنالك شواهد مماثلة في التاريخ منها ما رواه ابن شداد كبير قضاة صلاح الدين الايوبي ورفيق غزواته ومترجم سيرته في السفر الرائع الذي يحمل عنوان سيرة ابن شداد.ومعروف عن صلاح الدين انه كان كرديا سنيا عباسي الهوى وبعد ان قضى على الدولة الفاطمية (الشيعية) في مصر والشام استدعى خليفة من سلالة العباسيين ليصبح خليفة على مصر. ويروي ابن شداد تفاصيل الاستقبال الباهر الذي أعد للخليفة العباسي وخروج مصر كلها لذلك لتجد ان الخليفة المرتقب رجل أسود اللون.

هل يظل ذلك الخليفة عربيا من بني هاشم ام يتغير انتماؤه ويتحول الى اثنية مغايرة؟ وكان الامام المهدي منسوبا الى دوحة الحسن بن على عليهما السلام فهل يحول سواد بشرته دون ذلك الانتماء؟ والمراغنة ينتمون الى دوحة الحسين بن على عليهما السلام وهم على ما نرى من سمرة البشرة وخضرتها فهل يحرمهم ذلك من نسبهم الشريف؟.

هنالك من السودانيين المعاصرين من يقف عند حدود الاهاب فمتى وجده مخالفا للاهاب االعربي تنازل عن دعواه واكتفى بنسبة نفسه الى السودان او لأفريقيا وهنالك من يتخذ الموقف النقيض مؤكدا ان عروبة فاغمة تختبيء تحت اهابه الأسود وفي تلافيف عقله وداخل وجدانه ولم لا؟.

هنالك قول مأثور يقول ان الناس مؤتمنون على أنسابهم وهو ما يطابق عنصر الاختيار الذي تنطوي عليه مسألة الهوية في كثير من الظروف فداخل شروط معينة يمكن للانسان ان يختار هويته وليس من حقنا ان نغالطه في خياره ومع ذلك فهنالك حد أدنى يعرفه الناس ويحسونه ليصدقوا ذلك الخيار. وفي الحالة السودانية ليست العبرة باللون واللسان وانما الرغبة الصادقة في الانتماء فهنالك سودانيون يختارون أنفسهم عربا وآخرون يختارون انفسهم افارقة وهنالك كتلة ضخمة من الذين يرون ان كلمة سوداني تعريف تام بالهوية وإشارة الى مرجعية ثقافية تعرف نفسها بنفسها والى هذه الكتلة ينتمي تيار الغابة والصحراء مؤمنا ان شعوب السودان واقوامه قد تضافرت على صنع ثقافة سودانية مميزة لها ذوقها الخاص في الملبس والمشرب والمطعم ولها فنونها ووجوهها الثقافية الكثار وبمقدورها ان تباري اي ثقافة من الثقافات فتثبت تميزها وقدرتها على التفرد والابداع.

عرب متأفرقة أم أفارقة مستعربون؟
إنني أحاول أن أثبت هنا شعور الانتماء العربي الذي يسود بين السودانيين. ورغم ما يتعرض له من نقض وانتقاص فانه يظل قويا في النفوس وكل ما نريده هو أن يسودهم شعور مماثل بكونهم أناسا سود الاهاب وذلك ما ينسبهم إلى لحمة السواد التي تجمع سود أفريقيا بسود أمريكا واستراليا وبالجيوب السوداء في إيران والهند وهي نسبة مرئية مؤكدة لا مهرب منها ولا مناص.وقد رأينا في الغابة والصحراء طريقة نبيلة لمواجهة هاتين الحقيقتين: حقيقة العروبة والأفريقية.
ومع ذلك فقد كان هنالك انتقاد للافرو- عروبية يركز على أنها شأن يخص شمال السودان ويستثني جنوبه ولا بأس من الاعتراف بذلك فليس في الدنيا بلد متجانس في كل شيء ولا بأس أن يكون الجنوبيون أفارقة اقحاحا يعايشون أفارقة عربا في وطن واحد على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والاعتراف المتبادل بالتمايز الثقافي الذي ينشأ عنه الثراء والتنوع وتعدد المواهب الوطنية..
عرب متأفرقة أم أفارقة مستعربون؟
لقد لاحظنا منذ أربعين عاما ان هذا السؤال ليس مقابلة بين حدين تقتضي صحة احدهما خطأ الآخر اي انهما يتبادلان الاقصاء والاستبعاد فواقع الحال ان عرب السودان الاوائل تعرضوا للأفرقة ليس فقط في طريقة العيش ومرتكزات الحضارة بل ايضا في الانتماء العرقي وما ينتج عن ذلك من السحن والسيماء.ولا يتعارض ذلك مع وجود افارقة مستعربين بل هو منطقيا يستدعيه مؤكدا وجود وجهين للعملة. ولكن العلاقة بين هذين الوضعين ليست تجاورا سلبيا أو ما يسميه الغربيون (جوكستابوز) وانما هو عمل من أعمال التفاعل المستمر بين الفريقين فمن عام الى عام تنعقد الوف الزيجات وتخرج القصائد والاغاني والرقصات وتتخلق اللوحات والتماثيل ويجدد الناس مفردات الكلام وتفسير الدين ومن كل ذلك تولد وتتجدد ثقافة سودانية وامة سودانية تزداد تلاحما مع الايام وتزداد احتراما لمكوناتها الأصيلة.

محمد المكي ابراهيم



عجب الفيا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 14-04-2008, 10:46 AM   #[103]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

لا اخفيكم سرا ان قلت بانني مساهر في هذا البوست عدد اثنين ويك-اند :D:D
و هو بوست شحمان و مدرسة ثقافية ، لذلك اريد اشراككم في قراءته .. و التحية
لبيان و عجب الفيا و جميع المشاركين و المشاركات و المشاهدين و المشاهدات ..



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-11-2008, 11:47 AM   #[104]
جمال محمدإبراهيم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية جمال محمدإبراهيم
 
افتراضي

الأستاذ عجب الفيا والمتداخلين وأخص دكتورة بيان ..
كان لزاما علي أن أعود لهذا البوست الشيق لأقول إنني أفدت منه كثيرا في كتابة روايتي قيد الطبع : "دفاتر كمبالا ".....
الشكر أجزله لكما ولجميع المتداخلين ..



التوقيع: http://sudanyat.org/maktabat/gamal1.htm
مكتبة السفير جمال محمد إبراهيم
جمال محمدإبراهيم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-07-2011, 01:42 PM   #[105]
الرشيد اسماعيل محمود
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الرشيد اسماعيل محمود
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فيصل سعد مشاهدة المشاركة
لا اخفيكم سرا ان قلت بانني مساهر في هذا البوست عدد اثنين ويك-اند :D:D
و هو بوست شحمان و مدرسة ثقافية ، لذلك اريد اشراككم في قراءته .. و التحية
لبيان و عجب الفيا و جميع المشاركين و المشاركات و المشاهدين و المشاهدات ..
وأيضاً يا فيصل أنا لي قرابة الــ 3 ساعات بقرا في البوست الممتع دة..
ياخي حكاية عجيبة..
تحيّاتي للجميع هنا.. وأخصّ عجب الفيا بتحيّة كبيرة..
والتحيّة لبيان في رفدها للبوست بالعديد من القراءات..
غايتو يا ريت النّاس تجي تقرا منفستو الغابة والصحراء دة..
وتستمتع بالدقة ومتعة الحوار..



الرشيد اسماعيل محمود غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 09:47 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.