وما الناسُ بالناس الذين عرفتهم !!! عبد الله الشقليني

إلى د. طلال فى حربه العادلة و قيادته الماثلة !!! معتصم الطاهر

الجن وعالــم اللامرئيـات/Parapsychology !!! خالــد الحـــاج

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!
آخر الأخبار العالمية

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتــــدي التوثيق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-10-2007, 02:47 PM   #[16]
عمار مكى عمر حسن
:: كــاتب ::
الصورة الرمزية عمار مكى عمر حسن
 
افتراضي

والله ما عليك يا ود البلد



التوقيع: sudany
عمار مكى عمر حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-10-2007, 02:48 PM   #[17]
عمار مكى عمر حسن
:: كــاتب ::
الصورة الرمزية عمار مكى عمر حسن
 
افتراضي

نطيل
حبالهم
لا كى نطيل حياتهم
بل
لتكفيهم لينشنقو



التوقيع: sudany
عمار مكى عمر حسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-11-2007, 11:21 AM   #[18]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

مرحب عمار و الجيلي.

لنواصل معا.....



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 19-11-2007, 12:06 PM   #[19]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

النص الكامل لمحاكمة الاستاذ عبد الخالق محجوب ظهر الثلاثاء 27 يوليو 1971م

انعقدت المحكمة المكونة برئاسة العقيد احمد محمد الحسن رئيس القضاء العسكري ، والمقدم منير حمد جلستها في تمام الساعة الثانية بعد ظهر يوم الثلاثاء 27 يوليو1971 . وتولى الادعاء المقدم محمد حسين طاهر والمقدم عبد الوهاب البكري .

رئيس المحكمة : المتهم عبد الخالق محجوب هل تعارض في ان اكون رئيسا للمحكمة ؟
عبد الخالق محجوب : نعم . لي اعتراض لا يتعرض لشخصك ، ولكن هذه المحاكمة سياسية . ورئيس المحكمة ذو اتجاه سياسي ينتمي للقوميين العرب . هذا الاتجاه الذي دفع البلاد في طريق شائك ولم يتفهم الابعاد الوطنية والتقدمية للحزب الشيوعي . ولي اعتراض على العضوين الاخرين اللذين لا اعرفهما ، ولكن يستطيع رئيس المحكمة التاثير عليهما . ان اعتراضي لا ينصب على الاشخاص وانما يتعلق بطبيعة المحاكمة والاحداث السياسية والصراع الذي وقع بين الاتجاه القومي العربي والاتجاه الشيوعي الديمقراطي .
الرئيس : انت تحاكم بمقتضى قانون العقوبات السوداني المادة 69 بتهمة اثارة الحرب ضد الحكومة السودانية .
ليس هناك اتجاهات سياسية في القوات المسلحة ، الا ما اثاره بعض الضباط الشيوعيين .
محجوب : هناك اتجاه قومي عربي فانت تنتمي اليه .
الرئيس : ليس هناك تنظيمات في القوات المسلحة ، وانما هناك الضباط الشيوعيين الذين اثاروا الاحداث الاخيرة .
وعلى كل ستتداول المحكمة في اعتراض المتهم .
انسحبت هيئة المحكمة في الساعة 2,10 ورفعت الجلسة ثم عادت للانعقاد بعد 15 دقيقة حيث اعلن رفض اعتراض المتهم وتصديق رئيس مجلس الثورة على القرار .
ثم اقسم رئيس المجلس العسكري الميداني واعضائه على ان يسلكوا سبيل العدل والحق بمقتضى قانون الاحكام العسكرية المعمول به الآن دون مراعاة الغرض والميل والهوى وان لا يذيعوا الحكم إلا بعد التصديق عليه أو يدلوا باي راي صادر من اعضاء المجلس ما لم تقض بذلك الواجبات المرعية .
الرئيس : عبد الخالق محجوب . انت متهم بالآتي : ـ
1/ مخالفة المادة 3 من الامر الجمهوري الثامن بالدفاع عن السودان مقرونا بالمادة 96 بان تعمدت اثارة المعارضة ضد الثورة بقصد الاطاحة بنظام الحكم واثارة البلبلة والفوضى .
2/ مخالفة المادة 14 الامر الجمهوري ، بان نظمت وادرت منظمة غير شرعية قامت بعرقلة مسيرة ثورة 25 مايو ، وعملت على تفتيت الوحدة الوطنية مما يؤدي الى الانقسام وتفتيت وحدة البلاد . وبالاشتراك والتستر على قلب نظام الحكم بالقوة المسلحة بغرض الاستيلاء على الحكم .
3/ مخالفة المادة 96 من قانون العقوبات ، باثارة الحرب ضد الحكومة ، وبالتآمر مع بعض الضباط المطرودين من القوات المسلحة لقلب نظام الحكم الشرعي، مما ادى الى انقلاب 19 يوليو، ونتج عنه خسائر في الارواح والاموال.
هل انت مذنب او غير مذنب في الادعاء الاول ؟.
محجوب : غير مذنب .
الرئيس : هل انت مذنب او غير مذنب في الادعاء الثاني ؟
محجوب : غير مذنب .
الرئيس : هل انت مذنب او غير مذنب في الادعاء الثالث ؟
محجوب : غير مذنب .
الادعاء : سيدي رئيس المجلس العسكري ، السادة الاعضاء يقف امامكم متهم وجد كل الفرص والامكانيات ليخون وطن اعطاه اكثر مما اعطى لابنائه ، ولكنه لم يعمل لصالحه . متهم ظل حجر عثرة في سبيل التقدم الوطني استغل ما استثمره فيه الوطن من عرق البسطاء لتعويق مسيرة هؤلاء البسطاء . خيل له انه عظيم متميز على ابناء وطنه يسير الوطن كما يراه ...
انه تابع مقاد ، متأثر لا مؤثر . يريد ان يبيع عرق السنين للتبعية يحكم عليهم بالتبعية لمن يتبع ، مستغلا طيبتهم ، يسعى لمصلحة فئة ضالة كفرت بالله وبالقطر السوداني ..
تآمر حتى جاء 19 يوليو فقتلوا الابرياء قتلوا اشرف الرجال ..
وهذا يظهر لمحكمتكم الموقرة ما اراده هؤلاء الاشرار .. لو لا رحمة الله وشجاعة الرجال المؤمنين التي انقذت البلاد . فجاء الحق ممثلا في هزيمة من يعملون ضد مصلحة الوطن ..
وهيئة الاتهام لديها من البيانات المستمدة من آراء المتهم نفسه واقوال الشهود ما يثبت التهمة .
( ونودي على الشاهد الاول حامد الانصاري )
الادعاء : منذ متى تعرف المتهم ؟
الشاهد : منذ عام 64
الادعاء : كم مرة قابلته بعد 19/ 7
الشاهد : مرة واحدة في منزلي
الادعاء : هل تعرف السبب
الشاهد : للسلام علينا
الادعاء : هل انت الصديق الاول له
الشاهد : اعتقد
الادعاء : هل له اصدقاء آخرون في بيتك
الشاهد : زوجتي
الادعاء : هل له صلة قرابة بزوجتك
الشاهد : لا
الادعاء : هل تربطهم صداقة شخصية
الشاهد : يربطهم الفكر الماركسي
الادعاء : هل زوجتك من التنظيم في القمة
الشاهد : في القمة .. يقال انها عضو في اللجنة المركزية
الادعاء : بحكم معايشتك لزوجتك في المنزل ، هل تباشر اي عمل حزبي داخل بيتك
الشاهد : ابدا
الادعاء : هل يحدث ان يتواجد في بيتك اكثر من واحد من الشيوعيين في وقت واحد
الشاهد : يحصل
الادعاء : آخر مرة اجتمع عدد غير عادي في بيتك اكثر من 3 او 4 متى
الشاهد : لم يحدث اكثر من 3 او 4
الادعاء : هل تعقد اجتماعا في بيتك دون علمك
الشاهد : اذا كان دون علمي كيف اعرف
الادعاء : هل انت على علم بكل الاجتماعات التي عقدت بمنزلك
الشاهد : ليس لي علم باي اجتماعات عقدت
الادعاء : قلت ان عبد الخالق قابلك مرة واحدة في منزلك للسلام عليك بعد 19 يوليو ماذا دار بينكما
الشاهد : كنت في المنزل ، نزلت وجدته في الصالة سلمت عليه ، عرضت عليه الفطور قال مستعجل
الادعاء : هل انت على علم بكل ما يدور في منزلك
( رئيس المحكمة يعترض على السؤال )
الادعاء : هل هناك وحدة فكرية بينك وبين زوجتك ، هل انت شيوعي
الشاهد : ابدا
الادعاء : متى علمت بحركة 19/ 7
الشاهد : من الراديو
الادعاء : هل تناقشت مع زوجتك عن تحليلاتها للوضع بعد 19 / 7
الشاهد : ماحصل
الادعاء : مصدر دخلك الحالي ماهو
يصلني 250 جنيه شهريا من الشركة بتاعتي المصادرة
الادعاء : ماهو سبب المصادرة
الشاهد : ماعلمت حتى الآن . الا اني سمعت اني متهم بمساعدة الحزب الشيوعي بالاموال
الادعاء : اين تسكن الآن
الشاهد : بجوار منزل عبد الخالق محجوب
الادعاء : قلت انك على علم بكل ما يدور في منزلك كيف تفسر اشياء خطيرة تحدث ولا تقول عنها
الشاهد : على ما اعلم لا يوجد شئ خارق للعادة يحدث إذا كان يحصل شئ خبرني به
الادعاء : جاء في اقوال احد الشهود ، ان اجتماعا تم يوم الخميس بحضور زوجتك وفي منزلك وحضره المتهم واتخذت فيه قرارات
الشاهد : لا احضر هذه الاجتماعات ولست على علم به
الادعاء : ( للمحكمة ) واضح من اجابات الشاهد انه ممتنع أو متحفظ . واطلب اعتبار الشاهد ، شاهد عدائي ( ليس في مصلحة الاتهام ) .
محجوب : اطلب سؤال الشاهد
الرئيس : فيما بعد . وتوافق المحكمة على معاملة الشاهد كشاهد عدائي .
الادعاء : هل يلجأ اليك افراد الحزب كأفراد أو باسم التنظيم للاستعانة باموال أو مطبوعات .
الشاهد : كتنظيم لا ، وبعض الاصدقاء يطلبون مساعدات مالية كاصدقاء
الادعاء : آخر واحد استدان منك من هو وما المبلغ الذي استدانه .
الشاهد : كان المبلغ 75 او 90 جنيها لا اذكر للشفيع احمد الشيخ .
الادعاء : بالتفتيش في منزلك وجدت مستندات تتعلق باحداث 19 يوليو . وقد ذكرت انك تعرف مافي منزلك . وضح اسباب وجودها ؟
الشاهد : المستندات التي وجدت في البيت كما تقول . لم اكن موجودا في البيت لا انا ولا زوجتي اثناء التفتيش ، وما انا متاكد من انها وجدت في بيتي .
الادعاء : ( يعرض على المحكمة المستندات وهي خطاب من عبد الخالق محجوب الى السيدة سعاد ابراهيم احمد عقيلة الشاهد حامد الانصاري ، وورقة عليها ترشيحات لحكومة )
الشاهد : لا أعلم شيئا عن هذا
الرئيس : ( يعرض الخطاب على عبد الخالق محجوب )
محجوب : نعم هذا خطي وهو خطاب من القاهرة بتاريخ 22/ 6 / 1970
( وطلب رؤية المستند الثاني )
محجوب : كانت هذه الورقة في جيبي وتركتها مع علبة السجاير في منزل الشاهد وهذه ليست ترشيحات وانما مشاورات واقتراحات بعد نجاح 19 يوليو .
الرئيس : منذ متى كنت تعرف بحركة 19 يوليو
محجوب : كنت اعلم ان هناك ضجرا
الرئيس : تكلم في الموضوع
محجوب : كنت اعلم ان هناك ضجرا في البلاد
الرئيس : تكلم في الموضوع
محجوب : كنت اعلم ان هناك ضجرا وقلقا في البلاد وفي القوات المسلحة . ولكن هذا الضجر متى يعبر عن نفسه بحركة ، لم اكن اعرف . لم اكن اعلم بالتوقيت والمكان والاشخاص ولم تكن اللجنة المركزية في الحزب تعلم شئ عن الانقلاب ولكننا اجتمعنا بعد الاعلان عنه في الراديو وساندناه
الرئيس : ذكرت في اقوالك انك قمت بتدوين البيان قبل الانقلاب .
محجوب : غير صحيح
الرئيس : ( للادعاء ) .. الم يذكر المتهم في بيانه انه يعلم الانقلاب وقام بتدبيره
الادعاء : نعم
الرئيس : استمر مع الشاهد
الادعاء : المستند رقم 5 وبه ترشيح لعقيلتك كعضو في الوزارة .
الشاهد : ليس لي علم
الرئيس : لماذا يقوم الحزب بترشيح الوزراء
محجوب : في كل تغيير وطني يطلب من القوى الوطنية دعمه . حدث هذا في 25 مايو بل ونوقش قبل شهر من 25 مايو في اشياء كثيرة . ونوقش ايضا بعد 25 مايو .
الرئيس : كل الترشيحات شيوعيين
محجوب : الاسماء المكتوبة في هذه الورقة ليست كلها لشيوعيين فالوضع لا يحتمل كل هذا العدد . ويتطلب وجود كل العناصر الوطنية والتقدمية . ومن بين الاسماء المقترحة اسماء وزراء حاليين .
الادعاء : ( للشاهد ) هل كنت تعلم بتحركات زوجتك ليلة 18 ، 19 ، يوليو
الشاهد : يوم 18 يوليو كانت معتقلة في البيت محددة الاقامة .
الادعاء : هل تطلعك زوجتك على نضالها في الحزب
الشاهد : لا
الادعاء : هل توافقني ان الاسرة نوع من التنظيم
الشاهد : نعم
الادعاء : بماذا تفسر عدم اطلاع زوجتك لك عن نشاطها في الحزب
الشاهد : هذا تنظيم لست فيه وليس لي الحق في الاطلاع على اسراره ولا اسألها عنه .
الادعاء : هذا الموقف فيه عدم منح الثقة للزوج . نوع من عدم الولاء للتنظيم الاسري .
الرئيس : ترفع الجلسة لمدة نصف ساعة
( وتحولت بعد ذلك الى جلسة سرية ) .

ولم تستمر الجلسة المهزلة طويلا وتم اعدام الاستاذ عبد الخالق سريعا بعد تعرضه للضرب والتعذيب الوحشي.




التعديل الأخير تم بواسطة فيصل سعد ; 21-11-2007 الساعة 09:01 AM.
التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-11-2007, 08:21 AM   #[20]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

دفاع عبدالخالق محجوب فى قضية الشيوعية الكبرى :
الرأى العام بتاريخ الأحد 11/ 10/ 1959




يا سعادة القاضى :‏

ان هذه القضية المعروضة أمام محكمتكم الموقرة ، قضية مختلقة من أساسها . دافعها االحقد والتشفى ، حقد النظام الراهن على شخصيا ، وحقد كبار ‏رجال البوليس للأسباب الآتية: ان النظام الراهن يعلم سلفا .. (لم يترك القاضى عبدالخالق يمضى فى حديثه . بل أوقفه وطلب اليه ألا يتخذ من المحكمة ‏مسرحا لاثارة أشياء لا تمس للقضية )‏

المتهم : عاوز أشرح الدوافع ولماذا قدمت الجبهة المعادية للاستعمار دون الأحزاب الأخرى للمحاكمة .‏

القاضى : برضو أحب أنبهك ألا تجعل من المحكمة مسرحا لكلام خارج عن القضية .‏

المتهم : أريد أن أبين دوافع كبار المسئولين فى البوليس ، وفى أسباب أحب أشرحها للمحكمة .‏

القاضى : أرفض أن تكون المحكمة مسرحا لشىء خارج عن هذه القضية .‏


المتهم : أنا سعادتك أريد أشرح الدوافع التى حركت هذه القضية – فى دوافع خارجه عن نطاق القانون – دوافع شخصية . فيها حقد ، وسأشرح الدافع ‏الذى أتى بهذه القضية للمحكمة .‏

القاضى : التهمة التى أمامك ذات شطرين ، وهى تقول أن جمعيتكم تنتمى لمنظمة غير شرعية . والمحكمة تطلب منك حصر كلامك فى هذه القضية .‏


المتهم : قبل 17 نوفمبر كان معروف رأينا فى الانقلاب .‏

القاضى : انت منو


المتهم : أنا عبد الخالق محجوب .‏


مرة ثانية لفت القاضى نظر المتهم أن يحصر كلامه فى القضية (محاورة بين هيئة الدفاع والقاضى)‏


المتهم : أقرر أن هذه البيانات التى قدمها البوليس مختلقة ، ويكفى لتوضيح ذلك ماقاله شاهد الاتهام ، الذى أبلغ المحكمة بأنه أغرى بالمال تحت التهديد ‏والخوف ليشهد ضدنا . وليس ذلك بغريب . فأنا شخصيا معروف رأيى فى الحكومة الراهنة قبل ميلادها بشهر كامل حينما أعلنت فى ليلة سياسية بميدان ‏عبدالمنعم بأن السيد عبدالله خليل (رئيس الوزراء) يخطط مع نفر من كبار ضباط الجيش والسفارة الأمريكية للقيام بانقلاب فى هذه البلد .‏

القاضى : ألفت نظرك للكلام فى القضية .‏


المتهم : وأحب أن أقرر وأؤكد بأنى منذ 17 نوفمبر 1958 ، والى أن تم القبض على ، كنت موجودا . ولكن لا أملك المقدرة التى تجعل الأعمى يبصر . وقد ‏قمت بكل المجاملات الاجتماعية مثل وفاة السيد عبدالرحمن المهدى وقابلت بعض أعضاء المجلس الأعلى . والقول بأنى كنت مختفيا قصد به التشويش ‏وتبرير المرتبات التى تصرف والزيادات التى طرأت على الميزانية .‏


أنا لما وجدت الأوضاع فى السودان تغيرت بشكل لا أرضاه .‏


القاضى : مرة ثانية لا تتحدث عن الأوضاع الحاضرة .‏


المتهم : طيب . أنا مقر بأنى شيوعى ، أى شخص مؤمن بعد دراسة بالثقافة الماركسية . وحوربت وطوردت بسبب انتمائى لهذه الثقافة التى أحملها ، ‏بينما فى البلد جمعيات تجسسية ينضم اليها الكبار و لا يسألون . أما أنا فلمجرد ثقافتى حوربت وتصادر كتبى وأتعرض للتفتيش من وقت لآخر . هذا هو ‏السبب الذى أضطرنى لأرحل من بيتنا فأنا لا أقبل أن يدخل رجال البوليس بيتنا وهذا يتعارض مع تقاليدنا وأنا حسب معرفتى بهذه البلد سيأتى اليوم الذى ‏تكون فيه حرية الرأى مكفولة . (انتهى)‏


خلفيات هذه القضية :‏


فى يوم 18 يونيو 1959 القى القبض على الأستاذين عبد الخالق محجوب وعبدالرحمن عبدالرحيم الوسيلة ، ولم يجد البوليس بحوزتهما ما يمكن اتخاذه ‏ذريعة لتقديمهم للمحاكمة . وبعد بضعة أيام جرى اعتقال سمير جرجس والتيجانى الطيب وقد أحضرا من معتقل ناقشوط بالاضافة الى أشخاص آخرين . ‏نسبة لعدم وجود شهود يعتد بهم لتحريك هذه القضية أوعز أباروا (مدير الأمن) لرجاله بأن يعملوا على شراء بعض ضعاف النفوس للأدلاء بشهادات ضد ‏المتهمين تؤكد صلتهم بادارة منظمة مناهضة للحكومة . فوقع الاختيار على شخص يدعى عبدالقادر حمدتو . وتم تهديده باجراءات صارمة اذا لم يتعاون ‏مع ممثل الاتهام فيما عرف بقضية الشيوعية الكبرى . ولكن شاهد الاتهام أصغى لصوت العقل والضمير وقلب مجريات المحاكمة رأسا على عقب حينما ‏طلب منه الادلاء بشهادته وذكر : "يا سعادة القاضى أنا انتظرت هذه الحظة من مدة عشان أخلص ضميرى. قبض على فى البيت . فتشوا ولم يجدوا شيئا ‏ووضعت فى الحراسة حتى الصباح الساعة 6:30 . طلب منى ضابط البوليس أن أردد أمام المحكمة بعض المعلومات التى كتبها فى ورقة وهددنى ‏بالاعتقال اذا لم أنفذ بالحرف الواحد كل كلمة كتبها . وفى اليوم التانى قابلت السيد أبارو وقال لى : علمت بأنك اعترفت . قلت ليهو أنا ما اعترفت ولكن ‏كررت ما أملى على . قال لى أنا عارف ولكن أحسن تتعاون معنا . قلت له كويس . وبعد اسبوع نادانى وقال لى اعتقلنا عبد الخالق ووسيلة وعاوزنك ‏تشهد ضدهم . قلت له : ولكن لا أعرفهم . فماذا أقول . قول بأنك شيوعى وبأن عبد الخالق هو سكرتير الحزب وأن وسيلة حضر معكم عدة اجتماعات . قلت ‏له ولكن كيف أقول حاجة لأضر أشخاص آخرين . قال لى من مصلحتك تقوله ومش حتحصل ليك حاجة . و لاتنسى أن اعترافك موجود ويمكن أن نستعمله ‏ضدك فى أى لحظة . بعد داك أعطانى 25 قرشا للمواصلات... ‏


فى بداية المحكمة قدم أبارو مرافعة طويلة حول تاريخ الحزب الشيوعى وطرق عمله والأسماء الحركية للمتهمين . وأعقبه شهود اتهام من أفراد البوليس ‏حتى جاءت شهادة عبدالقادر حمدتو الذى فجر قنبلة داوية وأدلى باعترافه وتعرضه للتخويف والاغراء ليدلى بشهادة لا يقر بصحتها . وهكذا تحولت ‏المحكمة الى فضيحة مدوية تناقلها القاصى والدانى كواحدة من سلسلة السقطات الكبيرة لأجهزة الأمن والقائمين عليها فى فترة الديكتاتورية العسكرية ‏الأولى (1958-64).

مرافعة هيئة الدفاع : هذا هو التلخيص القانونى للقضية كما قدمه الأستاذ الرشيد نايل :‏
تحقيق قضائى بمحكمة جنايات الخرطوم : عبدالخالق محجوب وآخرون




‏ قاضى جنايات الخرطوم (يحى عمران)‏

‏ المحترم‏


سيدى – بالنيابة عن المتهمين المذكورين أعلاه ، وتعقبا على البينات التى قدمها الاتهام ، أرجو أن أقدم لسيادتكم الآتى :‏


ان البينة المقدمة من شاهد الاتهام الأول السيد أحمد أبارو مساعد الوكيل الدائم لشئون الأمن بوزارة الداخلية ، لا يمكن أن تعتبر بينة .‏

ان الشاهد يقول بأنه بالمعلومات السرية التى تصله بحكم عمله كمسئول عن الأمن ، والتى لايبوح بمصدرها و لايتحدث عن عمله هو ..‏

مثل هذه الشهادة كان الواجب استبعادها قبل ادلاء الشاهد بها فهى شهادة غير مباشرة ولا تصل حتى الى درجة الشهادة السماعية ، التى يحكى شاهدها ‏عن اناس معينين . فالشاهد هنا أدلى بمعلومات قال انها وصلته هو ولم يبين مطلقا كيف وصلته . ‏

فاذا كانت الشهادة السماعية غير مقبولة أصلا فان مثل هذه الشهادة يجب استبعادها جملة وتفصيلا . ما ينطبق على شهادته الكلامية ينطبق على الأوراق ‏والمخطوطات والجرائد التى قدمها ، وذكر بأنها وصلته من مصادر سرية . وكل هذه الوثائق غير مقبولة قانونيا ولايعتد بها . انه لم يحدث فى تاريخ ‏محاكمنا ، حتى فى زمن الآنجليز أن قام مسئول من رجال الأمن بالادلاء بمثل هذه الشهادة . انها توضح أن الاتهام وقد عجز عن تقديم بينات ملموسة أراد ‏أن يفوت على القضاء شهادة لايقرها عرف أو قانون . ولو صح أن هذه الشهادة يمكن قبولها لكان هينا على الاتهام أن يقدم بينات تحصل عليها بطريقة ‏سرية توضح أن المتهمين أعضاء فى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السرى أو أى منظمة أخرى دون أن يلجأ لشهود متعددين - ان السبب الرئيسى ‏فى عدم قبول الشهادة السماعية أمام المحاكم هو مخافة التلفيق والفبركة . واذا كان ذلك هو الحال بالنسبة للشهادة السماعية فأى تلفيق وفبركة يمكن أن ‏يصيب شهادة شاهد وبياناته التى يحجم عن كشف مصادرها . .. لهذا السبب نطلب استبعاد جميع الشهادات والمعروضات السرية التى قدمها شاهد الاتهام. ‏ان تقديم مثل هذه الشهادة يعد مهزلة..‏


ثانيا : نرجو من سعادتكم بالنسبة لهذا التحقيق أن تأخذوا بعين الاعتبار المواقف غير العادلة والتى لاتتفق مع القانون كما فعل ممثل الاتهام والمتحرين ‏والمعالجة الخاطئة لهذه القضية . وهاكم بعض الأمثلة :‏


أ . ان جميع المتهمين بسجن كوبر يعاملون تحت لوائح السجون وهذا قبل محاكمتهم .‏

ب . ان المتهمين ممنوعون من الحصول على أى أوراق أو أقلام ليعدوا بها دفاعهم أو مناقشته مع محاميهم .‏

ج . ان البينات التى قدمها الاتهام مأخوذة بطريقة لا تقرها أى هيئة تحترم نفسها أوتحترم الناس ، فبعض أوراق المضاهاة حصلوا عليها من الخطابات ‏الشخصية التى أرسلها المتهمون وهم معتقلون تحت رحمة السلطة . ان هذه طريقة معيبة .‏

د . ان شهادة شاهد الاتهام عبد القادر حمدتو تدل على المستوى الذى تدهور اليه التحرى والتحقيق فى بلادنا . وكان الأجدر بالاتهام ألا يقدم مثل هذا ‏الشاهد ليكون برهانا على هذه الحالى السيئة .‏


ان مثل هذه الأعمال يجب أن أن تكون فى اعتبار سيادتكم عند تقدير البينات التى أوردها الاتهام بينما حرم المتهمون من فرص يتيحها القانون للدفاع عن ‏أنفسهم .‏

أخيرا ، أطلب من سيادتكم أستبعاد الشهادات التى لاقيمة لها وأن تأمروا يشطب هذه القضية . ‏


‏ المخلص‏

‏ الرشيد نايل - المحامى


نقلا عن موقع رضوان همت
http://www.postpoems.com/cgi-bin/dis...cgi?pid=474708



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-11-2007, 08:41 AM   #[21]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

كلمة : أين وقفت :
بقلم المهندس حسن بابكر (المهندس) - نائب


وقفت بالأمس فى الجمعية التأسيسية ضد قرار تعديل الدستور وحل الحزب الشيوعى . لا دفاعا عن الشيوعية ولكن دفاعا عن الوطنى الاتحادى وجماهيره . وقفت دفاعا عن الحرية والديمقراطية وقفت بجانب أساتذة الجامعات وهم منارات العلم وطلابها رجال الغد المشرق . وقفت بجانب الصحفيين والمحامين وهم الذين دافعوا عن حرية هذا البلد المنكوب فى أحلك الظروف . وقفت بجانب العمال والمزارعين والكادحين الذين وقفوا فى الماضى وسيقفون فى المستقبل دفاعا عن حقهم فى الحياة وهو حق هذا الشعب . وقفت بجانب الموظفين وهم الطبقة المستنيرة فى هذا القطر ، ولا يستطيع مكابر أن ينكر دورهم العظيم فى معركة الحرية الثانية وسيقفون فى معركة الحرية القادمة . وقفت بالأمس بجانب كل من له ضمير فى هذا البلد بعقل لم تطمسه الأغراض ، وتحول بينه وبين الرؤية الصادقة . وقفت مع كل هؤلاء لكى لا أسجل فى تاريخ حياتى أنى كنت يوما حربا على الحرية والديمقراطية .


عاشت الحرية وعاشت الديمقراطية
وعاشت ذكرى شهداء اكتوبر
وعاش الأحرار فى كل مكان

الأيام 23 نوفمبر1965



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-11-2007, 09:27 AM   #[22]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

[align=center]يوميات عبدالخالق بمعتقل الشجرة :
مقتطفات من كتاب عثمان الكودة
"الحزب الشيوعى والمؤامرة الفاشلة فى 19 يوليو"
[/align]

نورد هذه الأجزاء المقتضبة من كتاب العريف عثمان الكودة . وحتى الآن لم يتوفر مصدر آخر يؤيد أو يعارض ما جاء فيها. ولذلك فهى مصدر هام وفريد ، لالقاء الضوء وتجميع أطراف تلك الفترة الحاسمة فى حياة عبدالخالق محجوب والحزب الشيوعى السودانى . ولهذا وجب الشكر علينا . وكشأن كل الروايات التى يتم تسجيلها ونشرها بعد وقوع الحدث ، تكون هذه عرضة لكل ما يطرأ على الراوى من تبدل فى المواقف والرؤى أو بفعل عوامل النسيان أو التأثر باحداث تحمله على اعادة النظر فيما شاهد وسمع . ولا ينطبق هذا على الكاتب عثمان الكودة استثناءا ، بل على كل الراوة . وقد بلغ التوجس مداه لدى أبن خلدون فى المقدمة حينما ذكر بأن "آفة التاريخ هم الرواة" . من كل ذلك نخلص الى أن الكودة قد قدم الينا رؤيته وذهب الى أبعد مما شاهد وسمع فى كتاب ربما يستحسنه البعض ويسقطه البعض ويتأمله البعض بعين ناقدة تدعو لمزيد من التقصى ووضع أحداث تلك الأيام التاريخية فى سياقها المعلوم . وليت العريف عثمان محمد عبدالقادر وكذلك العريف الطاهر أبو القاسم اللذان شاركا فى صنع أحداث تلك الأيام يفصحان عن بعض مالديهم من حقائق حول الفترة التى قضاها عبدالخالق محجوب فى المعتقل وانتهاءا بهروبه واختفائه المثير.

فى أغسطس 1970 تم اعتقال عبدالخالق محجوب والدكتور عزالدين على عامر . وفى بداية الأمر جرى اعتقال عبدالخالق فى السجن الحربى بأمدرمان وعزالدين بمصنع الذخيرة فى ضاحية الشجرة , وبعد فترة وجيزة نقل عبدالخالق الى مصنع الذخيرة وعزالدين الى السجن الحربى . وفى ذلك الأثناء لم يكن الحزب الشيوعى على علم بمكان اعتقال قادته ، ولم يكن أى من هؤلاء على علم بالتطورات التى أعقبت اعتقالهم . وفى نفس اليوم بلغت الحزب بأن الزميل عبدالخالق قد "شرفنا" بمصنع الذخيرة . نقلت الخبر للزميل عبدالمجيد شكاك وكانت دهشتى عظيمة بأنه لم يفاجىء بما نقلته اليه . وبدا لى بأنه على سابق علم بما جرى .

كالعادة بدأت فى حراسة عبدالخالق ... فى أول يوم أبدأ معه الحراسة كنت حريصا ، حسب توجيه الحزب ، على عدم اشعار أى شخص بأنى على صلة به . انتظرت حتى نهاية ساعات العمل وانصراف الرائد (الفريق لاحقا) اسحق ابراهيم عمر المكلف بحراسة عبدالخالق . دخلت له بحجرته وسلمت عليه وعرفته بنفسى . وفوجئت بأنه يعرف اسمى وأسماء الكثيرين من الزملاء بالمصنع دون أن يعرف أشكالهم . وشعرت بأنه اطمئن ثم سأل ... عن عدد المعتقلين فأجبته بأنهم اثنان ، هو وعزالدين الذى نقل للسجن الحربى . تمت الصلة بين عبدالخالق والحزب وأحضرنا له راديو صغير.. وقد تغيرت معاملته عما كان يسمح به لعزالدين، من تلقى للصحف والمجلات والكتب . وقد منعت عن هذه عبدالخالق تماما . ولم يكن مسموحا له بقراءة أى شىء . وحتى الحراسات كان يحرم عليها احضار جرائد أثناء فترة الحراسة . كان الضابط أو من ينوب عنه يحضر السجائر فقط.

بدأ عبدالخالق فى بناء علاقات مع الجنود وضباط الصف المكلفين بحراسته ، خاصة فى الأمسيات عندما يغادر الرائد اسحق . لم أكن أعرف عبدالخالق قبل وصوله لمصنع الذخيرة معرفة شخصية ، ولذلك كنت فى الأيام الأولى أتعامل معه كسكرتير عام للحزب الذى أنتمى اليه . ولكن شخصية عبدالخالق هى التى جعلتنى أتعامل معه بتحفظ عندما أتناقش معه . أحيانا أحس بأنه زميل عادى كأى زميل ، وفى بعض الأحيان يشعرنى بأن لديه أحساس بأنه غير عادى . لا أستطيع أن أحدد بالضبط ولكنه احساس بأنه يختلف عن بقية الناس . وأحيانا يكون لطيفا جدا ، وله نكات كثيرة.. وأحيانا كنت أجلس معه عند العصر وأناقشه فى قضايا تدور فى معظم الأحيان حول الحزب .. ولقد حكى لى كيف تم اعتقاله وابعاده الى مصر . قال لقد عرفت بأنه سوف يتم اعتقالى ، فأخذت حقيبة اليد وبها ما أحتاج له بالمعتقل . وركبت سيارتى الفولكسواجن وخرجت من منزلى وقابلتهم فى منتصف كبرى شمبات . وبعد أن استلموا منى السيارة أخذونى فى عربة جيش لاندروفر مقفلة بستائر الى أن وصلت لمكان ما وعندما فتح باب السيارة كنا أمام سلم طائرة وبسرعة شديدة طلعوا معى للطائرة ، وحلقت الطائرة من دون أن أعرف الى أى وجهة لأن الستائر كانت مغلقة . وكان ظنى بأنها متوجهة الى الجنوب أو الى غرب السودان . وبعد ساعات هبطت الطائرة وعند خروجى تبينت بأننا فى مطار القاهرة . ونزلت وكانت المفاجئة بأن شاهدت الصادق المهدى ومعه كمية حقائب (وعدد من أفراد أسرته) . لقد ذهبت للصادق بعد أن استأذنت من الحرس وقدمت له واجب العزاء فى وفاة عمه الهادى المهدى الذى كان مشكوكا فى موته . بالله شوف يازميل عثمان ، الصادق معتقل اعتقال أولاد قبائل ، وأنا الذى أوصيت به نميرى فى صبيحة 25 مايو بأن يعامل معاملة خاصة لأنه يرجى منه مستقبلا (لا أجد سوى هذه المعامة المهينة) .

لقد لاحظت أن عبد الخالق محجوب يعرف معظم ضباط القوات المسلحة ، وخاصة من رتبة نقيب وما فوق . وان فاتته معرفة أحدهم لم تفته معرفة والده أو أحد أفراد عائلته أو شىء من تاريخه فى المدارس الثانوية ، ويستطيع أن يصنفه سياسيا .كانت نوبة حراسة عبدالخالق محجوب تسمى من قبل الجنود وضباط الصف بالمحاضرة . وسمى عبدالخالق بدلا من المعتقل بالأستاذ . وأصبح كل جندى يحرص على ألا يفوته دوره فى الحراسة. وأصبحت نكاته وكلامه عن مايو يناقش فى المصنع بطريقة طبيعية . وقد ساعد ذلك فى ترشيح عدد كبير من الجنود وضباط الصف ، ولكن لم نستطع استيعابهم فى صفوف الحزب ، لأن الحزب اعتاد فى ظروف المضايقات أن يجمد التجنيد خوفا من تسلل (الغواصات) . وكان الحزب فى حالة اعادة ترتيب بالداخل بعد الانقسام .

أذكر حادثة مع مامون عوض أبوزيد ، ولم أكن حاضرا ولكن كل المصنع تحدث عنها وذلك أن عبدالخالق كان يشكو من ألم فى عينيه وكان يأتيه الطبيب لعدة أسابيع . وصادف يوما أن جاء مامون عوض أبوزيد زائرا (متفقدا) عند العصر لعبدالخالق والدكتور موجود . وكان هناك فراش من ميز الضباط يسمى ود الزبير، يأتى يوميا بعد العصر لصناعة القهوة لعبدالخالق . كان الطبيب يكشف على عيون عبدالخالق وكان مامون عوض أبوزيد موجودا ، ودخل عليهم ود الزبير الذى لا يعرف مامون و لايعرف الدكتور . وكان ود الزبير يتعاطى الخمور البلدية وجاء وهو يحمل القهوة لعبدالخالق . فقال له عبدالخالق: أيه الحكاية ياود الزبير ما لسع الوقت بدرى . وكان كثيرا ما يلاطفه . رد ود الزبير خلاص ياأستاذ المواعيد جات . لازم الراس يتوزن . هنا قال عبدالخالق: تعرف ياود الزبير أنا بنصحك أوعك تشرب مريسة مايو . أشرب مريسة الفتريته ، لأنه مايو دى قشرة خارجية فقط ولكن الداخل فاضى ما فيها شىء . وهنا ضحك ود الزبير الذى لا يعرف مايعنيه عبدالخالق وذهب لحاله . بينما ارتبك الطبيب. وأعتذر لعبدالخالق بأنه سوف يمر عليه غدا .

هروب عبدالخالق محجوب:

يستطرد الكاتب عثمان الكودة فى سرد تفاصيل الخطة التى وضعت ونفذت لتهريب عبدالخالق محجوب من المعتقل:

فى الفترة مابين مايو ويوليو 1971 تم تكليفى بواسطة الزميل عبدالمجيد شكاك بدعوة عدد من أعضاء الفرع لاجتماع طارىء . فى البداية نقل شكاك للأجتماع قرار الحزب بتهريب عبدالخالق محجوب بعد أن توفرت لديه أدلة على المخاطر التى تهدد حياته . وفى سياق ذلك ذكر بأن هنالك محاولة سابقة لم يكتب لها النجاح ولم تتم أصلا . وكان من بين المحددين لتنفيذها العريف عثمان عبدالقادر الذى اشترك اشتراكا فعليا فيما بعد فى تنفيذ عملية الهروب الناجحة . فى هذا الأجتماع صدر اقتراح للزميل شكاك بأن يحمل وجهة نظرهم لقيادة الحزب لتتخذ كافة الاحتياطات لضمان سلامة المشاركين فى تنفيذ عملية الهروب . وكان هذا رأى الزميل عثمان نفسه .

التقينا ثانية للتخطيط لهروب عبدالخالق من المعتقل . وكان لقاؤنا فى منطقة الرميلة جنوب غرب الخرطوم ، فى وسط غابة من المسكيت على مقربة من المقابر. كان رأينا فى البداية أن تتم عملية تخدير الحراسات فى وجبة العشاء . ولكن الزميل شكاك أوضح فى اجتماع لاحق أن الحزب يخشى أن يؤدى ذلك لنتائج معاكسة . وأخيرا اتفقنا على خطة بديلة يبدو أن لعبد الخالق محجوب الضلع الأكبر فبها . ووضح أن المشاركين فى تنفيذ العملية ثلاثة هم عثمان محمد عبدالقادر والطاهر أبوالقاسم وعثمان الكودة . الطاهر تنحصر مهمته فى استقبال عبدالخالق خارج المصنع وتوصيله للسيارة وأيضا يقابل عثمان محمد ابراهيم عبدالقادر ويوصله لسيارة ثانية ومهمتى أنا التنسيق بين الحزب وعبدالخالق محجوب بما يسهل عملية الهروب.

اتصلت بالرقيب عبدالله محمد الحسن ، وكان مسئولا عن جدول الحراسات وطلبت منه أن أكون أنا المسئول عن حراسة عبدالخالق يوم الأثنين الموافق 27 يونيو 1971 على أن يكون الزميل عثمان مسئولا يوم الثلاثاء 28 يونيو 1971 . ولم يكن عبدالله يعرف شيئا عن العملية .

بعد العصر (28 يونيو 71 ) دخلت غرفة عبدالخالق محجوب ووجدته جالسا على كرسى وعندها قرأ فى وجهى أن ساعة الصفر قد حانت فوقف وبعد السلام أعطيته مذكرة من شكاك وبها مبلغ ثلاث جنيهات .(لم أفهم مغزاها) . وقال لى انتو جاهزين يازميل . فقلت له نعم الخطة محكمة وأن الزملاء فى مستوى المسئولية . فوضع يده على كتفى وربت عليه وقال سوف يسجل لكم التاريخ هذا العمل . وأشار الى بالجلوس على السرير، فجلست على طرف السرير فقام ودخل دورة المياه وجاء بكمية من القصاصات والأوراق وبعض الكتيبات الصغيرة بالأنجليزية وراديو صغير أحضر اليه عند وصوله للمعتقل وطلب منى ابادة كل ذلك بما فيه الراديو وتمريره فى دورة المياه . وفعلا خرجت ومزقت الأوراق وحطمت الراديو ، وذلك خوفا من الكلاب البوليسية كما قال عبدالخالق . وسألته قبل أن أغادر اذا كان جاهزا حتى أبلغ الحزب، فأجاب بأنه جاهز. وتمنيت له التوفيق .

جاء عثمان عبدالقادر ورجاله للمصنع فى تمام الساعة الثامنة صباحا. سألنى عن مكان المفتاح وأخبرته بأنه موجود مع الزميل عبدالخالق . وقلت له سوف أعطى الضوء الأخضر عند السادسة مساء. فقال انه جاهز. لم يكن عثمان كعادته مرحا حتى فى أحلك الظروف . كنا وكأننا لانعرف بعضا . أستطيع أن أجزم بأن الزميل عبدالخالق ، ورغم خبرته الطويلة وتجاربه كان يبدو غير طبيعى ومتوترا . وهنا يجب أن أذكر بعض تصرفاته التى اعتاد عليها الجنود منذ حضوره للمعتقل ، ولم يفطن لها أحد الا بعد هروبه . كان كثيرا ما يبدل ملابسه عدة مرات وفى أوقات غريبة . مثلا يكون لابس بنطلونا وقميصا فى أثناء النهار . وحوالى الثامنة مساء يدخل الحمام ويحلق ذقنه ويبدل ملابسه بجلابية وعمامة ويأتى ليجلس مدة بسيطة ثم يقوم ليغير وينام . فى مرات يغير الجلابية بلبسة كاملة بعد أن يدخل ويحلق ويتعطر ويلبس اللبسة كاملة وحذاء وجوارب ونظارات. هذا يحدث حوالى الساعة الثانية عشرة ظهرا وأحيانا الساعة الثامنة صباحا ومرات ليلا . استغرب الجنود لذلك التصرف فى البداية ، ولكن بعد عدة أشهر تعودوا على ذلك . وفى يوم الهروب فى الساعة الثامنة والنصف مساءا لبس لبسة كاملة بحذاء وجوارب ونظارات ، ولم يلفت ذلك نظر أحد فقد أعتاد الجميع على ذلك .

أما عن العريف عثمان محمد عبدالقادر فهو رجل متزن و ملتزم وقوى العزيمة . لم يشارك فى تنفيذ عملية الهروب لأنه اختلف مع العميد المرحوم أورتشى كما أشاع البعض . ولم يساوم الحزب الشيوعى للحصول على مكافأة مقابل ماقام به . وهو انسان عفيف الطبع . وحتى الاقتراح بأن يرسل عثمان الى خارج السودان بعد اتمام العملية جاء بمبادرة زملائه الذين اشتركوا فى تخطيط وتنفيذ عملية الهروب .

تعين على العريف عثمان بعد أن يستلم الحراسة، حسب الخطة الموضوعة أن يتغيب عن منطقة الحراسات لفترات متباعدة لمدة تتراوح بين ساعة وساعة ونصف لكى لايفقده جنوده بعد أن يهرب ، الا بعد فترة من الزمن . اقتضت الخطة أن يجمع عثمان جنوده قبل وقت وجيز من ساعة الصفر بينما يستعد عبدالخالق للهروب . عندما صاح عثمان لجنوده : أجمع ! كان هذا يعنى أنه غير مسموح لأى جندى أن يلتفت لأية جهة مهما حدث . أغلق عبدالخالق الباب محدثا صوتا عاليا وكأنه يدخل غرفته . ولكنه فى حقيقة الأمر توجه الى مسرعا الى الجهة الغربية من المصنع وفتح الباب الخاص بالفراشين بالمفتاح الذى كان لديه مسبقا . وترك الباب خلفه مغلقا دون طبلة حتى يتمكن عثمان من الهرب . وحسب الخطة يقابله بعد بضعة أمتار الزميل الطاهر أبو القاسم . وكانت كلمة السر "عمرو بن العاص" . كان على عبدالخالق أن يذكر كلمة "عمرو" ويرد عليه الزميل الطاهر "أبن العاص" . فيطمئن الاثنان ومن ثم يلحق بهما الزميل عثمان بعد أن يصرف جنوده ويلحق بالطاهر لأخذه فى سيارة ثانية .

توافد الجنود على المصنع فى صباح اليوم التالى للحدث وقد سبقتهم الى المصنع سيارات الشرطة والكلاب البوليسية وأعضاء فى مجلس قيادة الثورة وعدد من قادة الجيش . ولم يكن الجنود الذين وصلوا للتو على علم بما حدث . وأخذت الشرطة والكلاب البوليسية تمشط المنطقة فى محازاة النيل الأبيض . وأشار أحد ضباط الشرطة الى احتمال "أن يكون الشيوعيون بهيئة الارصاد قد شاركوا فى التخطيط لتلك العملية .." .

يواصل عثمان الكودة روايته :" دخلنا المصنع وبدأ العمل طبيعيا . وكان ذلك يوم الأربعاء الموافق 29 يونيو 1971 . وعرفت فيما بعد أن كل جنود الحراسات التى كانت مع عثمان عبدالقادر قد تم حبسهم . وعرفت أن الضابط المناوب لم يعرف بالأمر الا حين جاءه جندى من حراسة عبدالخالق يبلغه بغياب عثمان محمد عبد القادر . وهرول المساعد بابكر الطيبب وفتح الغرفة ووجد السرير مغطى بطبقة كثيفة من التراب.. وهنا انبهر وصاح "اوع تكونوا حارسين غرفة عبدالخالق وهى فاضية" . وهنا قال الجندى أبدا سيادتك عبدالخالق موجود ...


نقلا عن موقع رضوان همت
http://www.postpoems.com/cgi-bin/dis...cgi?pid=474708



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-11-2007, 10:39 AM   #[23]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

[align=center]
وصــية الشهـــيد عبدالخـالق محجـوب عثمـان
شعر : صديـق ضرار


وتواعدنا على الشطِّ مِرارا
كان يسـبقـنى ،
ويحـترق انتظارا
وببؤبؤِ عينيه تحدٍّ واخضرارْ
وحديث لا يُجارى
عن أغانى الإنتصارْ
كان مغنِّيها يُغار
حينما ينسرب الضوءُ جهارا
ليبث الروح فى رحم النهارْ

لا تسألونى : ـ خابَ ظنُّه ؟
أم من الحزن توارى ومضُ عينِه ؟
أم سُهاد الليل قد غير لونَه ؟
كان شيئاً غير هذا . .
لا يجارى .
هدهد حزنى ،
وبوجدٍ ليس مثله
كان يسأل :
عنكمُ ، عن كل شهيد
تقمصت روحُه بلوريتارياً جديد
كان يسأل عن قضايا الشعبِ ،
عن دور اليسارْ
وهتافٍ غاضبٍ ، ينمو على كل جدار
عن رفاقٍ خلف قضبان الحديدْ
ومواقيت انتهاءٍ للتتارْ

ثم نادانى إليه ، وقال :ـ
ليس هذا الوقت وقت للسؤال
كن بقبضة هذا الشعب خنجر
واطعن الباغى بحدَّك ،
لا تشفق عليه
إن مثلى لَيولِّى
تاركاً خلفى البديل
إن مثلى يستطيل
مثلما يمتد نيل
. . ببلادى
ليبثَّ الوجد للوادى الأحنِّ
ولهذا الشعبِ حقٌّ ،
ليس يرجى بالتمنى

فانطلق فى الغابةِ . . فى العتمورِ
وفى صوت المغنى
ولتكن موتاً زؤاما ،
على الباغين لعنة
ولتكن لابرنث يحيط بكل مارق
وأُوصيك بأبنائى البلوريتاريا الأوفياء
من زمان ساد فيه الفسق والإفساد
وقرصان تربع فى حماه
فلتجنبهم دجاهْ [/align]



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 24-11-2007, 10:39 AM   #[24]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

[align=center]فى علايل "اب روف"
مقتطفات من كتاب "عنف البادية" .. وقائع اللحظات الأخيرة فى حياة السكرتير العام للحزب الشيوعى السودانى ..


د. حسن الجزولي[/align]


ظل عبد الخالق يتتبع الأزقة المظلمة الخالية، ويتجنب الأماكن المضيئة والمطروقة، حتى عبر، بسلام، حى القماير وحى الكبجاب الكائنين فى الجزء الشمالى الشرقى من أمدرمان القديمة، ومن هناك دلف إلى حى أب روف من جهته الشمالية الغربية. كان حظر التجول قد أًعلن، وكان عبد الخالق يسمع، فى ذلك الوقت المتأخر من الليل، أثناء سيره وسط الأزقة الضيقة، أجهزة الراديو والتلفزيون تردد من داخل البيوت المتقاربة نداءات جهاز الأمن ووزارة الداخلية للمواطنين بمساعدتها فى القبض على قادة الحزب الشيوعى، وتهديد كل من يأوى أحداً منهم.

فى العتمة طرق منزل أحد معارفه من الشيوعيين. فتح الرجل الباب، ورحب بعبد الخالق، والأسى ملء عيونه، ووقف يتحدث إليه فى تلك العتمة همساً. شرح له بلباقة أنه، وبحكم موقعه الجماهيرى فى العمل السياسى خلال الأيام الثلاثة الماضية، أضحى (مكشوفاً) لرجال الأمن الذين يتوقع وصولهم، بين كل لحظة وأخرى، لاعتقاله وربما لتفتيش المنزل أيضاً، ولذلك فليس من الحكمة أن يورط عبد الخالق بإيوائه أو حتى بالاقتراب منه فى مثل ذلك الظرف. تفهم عبد الخالق الموقف وشكره ومضى فى طريقه.

فى غضون ذلك كانت أرتال الدبابات والمصفحات العسكرية تجوب شوارع العاصمة وتنشر الرعب فى النفوس. وكان جنود السلطة العائدة يجوسون بين الأزقة، ويداهمون المنازل، مدججين بالبنادق الرشاشة، وكل أنواع الأسلحة الخفيفة، بحثاً عن المطلوبين. وقد نشط كل من جهاز الأمن القومى حينها واقسام وزارة الداخليه فى تعقب الشيوعيين ومن شايعهم، وامتدت الملاحقات إلى كل أنحاء العاصمة والاقاليم، حتى بلغ عدد المعتقلين، خلال بضعة أيام، آلاف المواطنين والمواطنات من 83 مدينة وقرية.

حى أب روف يقع فى الجزء الشرقى من مدينة أمدرمان، على الشاطئ الغربى لنهر النيل. يحده من الشمال حى الكبجاب وحى القماير، وتتداخل معه من الغرب عدة أحياء كالهجرة وسوق الشجرة والخنادقة وود أرو، أما من ناحية الجنوب فيتداخل مع حى بيت المال تداخلاً شديداً. ويعد حى أب روف من أعرق أحياء المدينة، فقد تأسس فى أعقاب انتصار الثورة المهدية، ومع بدايات نشوء أمدرمان نفسها، متخذاً اسمه من اسم الأمير أب روف، أحد قادة الثورة المهدية. ومن أقدم وأشهر الشخصيات التى سكنته رابحه الكنانية التى عاشت حتى منتصف الخمسينات، وكانت قد اكتشفت، على أيام الثورة المهدية خلال الربع الأخير من القرن 19، تدبير الادارة الاستعمارية التركية لمباغتة جيش المهدى فى قدير، فتسللت فى نفس الليلة مشياً على الأقدام لمدة 12 ساعة كى تبلغ المهدى بأمر الهجوم العسكرى الوشيك، وبهذا أنقذت الثوار من ابادة محققة .

ويُعد حى أب روف، ضمن جملة أحياء أخرى بأمدرمان القديمة، رصيداً تقليدياً للحزب الشيوعى بما لديه فيها من وجود مميز، وهى الأحياء التى شكلت خارطة (الدائرة 22 أمدرمان الجنوبية)، حيث فاز عبد الخالق، عام 1968م، على منافسه أحمد زين العابدين مرشح الحزب الوطنى الاتحادى، فقد أحرز عبدالخالق 7665 صوتاً بينما نال الآخير 7122 صوتاً. وكانت تلك الدائرة تضم، بالاضافة إلى أب روف، الأحياء التى تقع على طول الشريط الحدودى الموازى لنهر النيل والذى يضم أحياء بيت المال والملازمين والموردة حتى مدينة الفتيحاب، وإلى ذلك أحياء بانت والعباسية وحى الضباط وأب عنجة وغيرها. وقد نافح أعضاء الحزب وأصدقاؤه فى تلك الأحياء، ومن بينها أب روف وبيت المال، عن دار الحزب الكائنة داخل بيت المال، متصدين، ببسالة نادرة وتضحية جمة، للهجوم الذى شنته عام 1965م، على الدار وعلى الشيوعيين بالسلاح الأبيض، القوى والجماعات المعادية للحزب، آنذاك، بقيادة الأخوان المسلمين وحزب الأمة، والتى سعت لحل الحزب، وحظر نشاطه، وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية، وذلك فى أعقاب حادثة معهد المعلمين العالى الشهيرة التى تعرض فيها أحد الطلاب فى ندوة سياسية لبيت النبوة، فسارعت تلك القوى والجماعات تنسبه فى لهوجة مفضوحة للحزب الشيوعى.


كان حسين أحمد عثمان الكد، وشقيقه التوأم حسن، من أبكار خريجى كلية غردون التذكارية، ومن المثقفين اليساريين، بمعايير ثلاثينات القرن الماضى، الذين أسسوا جمعية أب روف للقراءة، وتأثروا بفكر الفابيين FABIANS فى بريطانيا. وكان حسين حتى وفاته فى منتصف ستينات القرن الماضى صديقاً لعدد من الماركسيين، من بينهم قريبه وسكرتير الحزب الشيوعى السودانى عبد الخالق محجوب، والصحفى وعضو لجنة الحزب المركزية محجوب عثمان، وآخرون.

ومنذ ما بعد ظهيرة يوم 22 يوليو كانت أسرة حسين الكد بحى أب روف، على مقربة من شاطئ النيل، تواجه ظرفاً عصيباً. فقد ادلهمت الخطوب عليها دفعة واحدة، حيث كان ابنها الضابط خالد حسين الكد قد أعيد إلى الخدمة بالقوات المسلحة السودانية بقرار من القيادة الجديدة عقب نجاح انقلاب 19 يوليو مباشرة، وبذلك تم إلغاء قرار تسريحه السابق، الأمر الذى كان مصدر سعادة للأسرة. لكن ها هى الأنباء ترد إليها، وإن كانت غير مؤكدة، بأن خالد قد قتل أثناء المعارك الشرسة التى ظلت دائرة منذ عصر ذلك اليوم، 22 يوليو. فهناك من يقول إنه قتل بكبرى شمبات! وآخرون يؤكدون إصابته قرب إحدى محطات الوقود.

من جهة أخرى تضاربت الأخبار أيضاً حول مصير ابن الأسرة الآخر والشقيق الأصغر لعبد الخالق، الرائد محمد محجوب عثمان، والذى تم تعيينه عضواً بمجلس قيادة الثورة فى انقلاب 19 يوليو أثناء وجوده خارج البلاد. وكان من المفترض أن يطير من برلين الشرقية إلى لندن، ليكون برفقة بابكر النور وفاروق حمد الله فى طريق العودة إلى الخرطوم على متن نفس طائرة الخطوط البريطانية التى اختطفتها سلطات القذافى وأجبرتها على الهبوط بمطار بنغازى ليعتقلا هناك تمهيداً لتسليمهما للنميرى عقب عودته لينكل بهما! وسوف يتضح فى ما بعد أن محمد محجوب لم يتمكن، لأسباب فنية، من اللحاق بتلك السفرية المشئومة.

أما من الجهة الثالثة فها هو عبد الخالق أيضاً تهدر الدبابات والشاحنات فى أثره، ويضج المذياع والتلفزيون بنداءات جلاديه إلى المواطنين ليساعدوهم فى القبض عليه.


فى تلك الساعة المتأخرة من الليل كان الأديب المعروف طه الكد، الشقيق الأكبر لخالد، يجلس مهموماً مغموماً على كرسى بفناء منزل الأسرة، يحاول متابعة الأخبار من راديو ترانزيستور، وذهنه مشغول بأفكار مبعثره ولا يكاد يقوى على التركيز، وإلى جانبه يستلقى خاله محمد التجانى على سريره، ومسبحته تكر بين أصابعه، بينما شفتاه تنثران الأدعية، وعيناه معلقتان بالسماء البعيدة.

وفى الجزء الداخلى من البيت كانت الهموم تجثم على صدور جميع أفراد الأسرة بعد أن رأوا، أول المساء، وجه النميرى يطل من شاشة التلفزيون، بعينين تقدحان شرراً، وحنجرة ترغى وتزبد كالثور الهائج، وتتوعد الانقلابيين والشيوعيين، وتطالب بالقبض عليهم "واحداً واحداً"، لافظاً بطريقة غريبة إسم ابن الأسرة "خالد الكد و .. something"، على حد تعبيره.

كانت زخات الرصاص وانفجارات الدانات ما تزال، أنذاك، تاتى متقطعةً يحمل صداها نيل أمدرمان، الصامت الحزين هو الآخر، طوال مساء وليل ذلك اليوم. كان الظلام دامساً، وحركة الشارع قد خبت تماماً مع حظر التجوال والوقت المتأخر من الليل.

وكان لحوش آل حسين الكد، على عادة بيوت أمدرمان العتيقه فى إشهار كرم الضيافة، باب مفتوح فى كل الأوقات، ولا يغلق إلا فى الهزيع الأخير. وعبر هذا الباب الغارق فى العتمة انتبه طه فجأة إلى حركة آتية، فى تلك الساعة، من جهة الشارع الغارق، هو الآخر، فى العتمة، فوضع جانباً جهاز الترانزيستور الذى كان ما يزال يكرر، بشكل رتيب، نداءات وزارة الداخليه وجهاز الأمن للمساعدة فى القبض على عبد الخالق ومجموعته، ونهض ليستجلى مصدر تلك الحركة قرب الباب المفتوح، فلاحظ طيف شخص يدلف إلى داخل الفناء. ظل طه واقفاً يحاول بصعوبة أن يتبين ملامح ذلك القادم كلما اقترب رويداً رويداً من الهالة الشاحبة التى ينثرها، بالكاد، ضوء المصباح الخافت فى الفيراندا العتيقة على جزء من الفناء. ولما اقترب القادم أكثر رأى طه فيه رجلاً يرتدى جلباباً أبيض ويضع عمامة تخفى جزءاً كبيراً من رأسه ووجهه ويتلفع بملفحة سمنية وينتعل حذاءً أبيض.

كان محمد التجانى، خال طه، مازال مستلقياً على السرير ممسكاً بمسبحته، غير منتبه للقادم حتى بعد أن ألقى بالتحية عليهما. وعندما لم يعد يفصل بين طه وبين القادم سوى خطوة أو خطوتين ظهرت بوضوح ملامح عبد الخالق لطه الذى ألجمته المفاجأة لبرهة بددها فوراً بأن اندفع نحو ابن خاله معانقاً له فى صمت، وجسده يهتز من شدة الانفعال لفترة طالت، حتى انتبه محمد التجانى فنهض هو الآخر يعانق عبد الخالق بتأثر شديد، ثم ما لبث ثلاثتهم ان دلفوا من فورهم، عبر الفيراندا، إلى داخل الديوان.

لم يكن طه الكد فى الواقع منتمياً للحزب أو حتى مناصراً لأيدولوجيته، بل يمكن القول بأنه كان مناوئاً للماركسية، انطلاقا من قناعاته الفكرية، ونشأته المحافظة، ورؤيته الخاصة للثقافة العربية الاسلامية، اٍضافة الى أنه لم يكن لديه فى الأصل أى ميل إلى السياسة ومعتركاتها، بل كان منصرفاً عنها بكلياته إلى الأدب العربى الكلاسيكى، وبخاصة الشعر العربى بأغراضه وعروضه وأوزانه وقوافيه القديمة التى ظل شغوفاً بها، منافحاً عنها، ومعتزاً بذلك. ومع هذا فقد كانت له، فى المستوى الانسانى، علاقاته الحميمة بكثير من الشعراء والأدباء الشيوعيين، كما كانت تربطه بابن خاله عبد الخالق وشائج من المودة والاحترام. وربما يعود ذلك إلى قدرات عبد الخالق الفذة، وإحاطة موسوعيته بالثقافة العربية الاسلامية منذ بواكير صباه، من جهة، وما عرف عنه من شجاعة وبسالة وصمود، من الجهة الأخرى، وإعجاب طه واحتفائه، أصلاً، بمثل هذه الملكات والخصائص الشخصية، من الجهة الثالثة، علاوة على صلة الرحم التى يعتز بها طه أيما اعتزاز، من الجهة الرابعة، بغض النظر عن الاختلاف فى الرأى والفوارق فى الأفكار.

وثمة عامل إضافى لا يقل أهمية بالنسبة لطه، فقد كان عبد الخالق على علاقة حميمة ووثيقة بحسين أفندى الكد أوان حياته. ولا غرو، فقد كان والد طه، كما سبق أن أشرنا، من كبار المثقفين فى زمانه، وأحد أبرز مؤسسى (مدرسة أب روف) اليسارية، بمعايير ثلاثينات القرن الماضى، والتى انتمى إليها أيضاً توأمه حسن الكد وحماد توفيق وابراهيم يوسف سليمان ومكاوى سليمان أكرت وغيرهم. وكان عبد الخالق ".. كثيراً ما يقضى أوقاتاً طويلة مع والد طه كلما زار حوش أبناء عمته بابى روف، حتى أنه خلال فترات اختفائه فى سنوات سابقة، كان يحرص على زيارة حسين أفندى الكد، حيث يقضى معه فترة طويلة ثم يغادر عند منتصف الليل).

وإذن فقد كان لدى طه ألف سبب فى محبته لعبد الخالق.


ـ "لو كنت أعرف مكاناً آخر فى هذا الظرف لما اضطررت للحضور إليكم وأنا أعلم وضعكم حالياً" قال عبد الخالق لطه.

فرد طه بصوت مزيج من الانفعال والحزم:

ـ "ثق يا عبد الخالق .. والله لن أتخلى عنك أبداً حتى لو قطعونى اٍرباً اٍرباً"

ثم أضاف قائلاً له:

ـ "هذا بيتك ياعبد الخالق .. الله الله.. ولكن يجب أن نبحث عن سلامتك" .

ولكن للخاتم عدلان رأى لا نتفق فيه معه حول أن لجوء عبد الخالق إلى طه الكد هو لجوء "لرابطة الدم بعد أن لم تسعفه رابطة الانتماء الحزبى عند بعض الرفاق الذين كانوا يستجدونه استجداءً لزيارتهم فى منازلهم فى ليال غير تلك الليلاء. ولم يكن عبد الخالق ليذهب إلى طه، ثم يبقى ثلاثة أيام فى منزل قريبه ذى المنصب الحكومى الكبير، وبعلم ذلك المسؤول الكبير، لولا أن تلك الأبواب قد أغلقت فى وجهه"

وأخشى أن هناك تناقضاً فى هذا الكلام. فمن ناحية، وبعد أن يؤمن الخاتم نفسه على أن ذلك السلوك بدر من (بعض الرفاق)، يعود ليعممه على مجموع الحـزب، وهذا غير منطقى. أما من الناحية الأخرى فإن أحداً ممن لامسوا عبد الخالق عن قرب فى تلك الأيام لم يقل إنه أشار لشئ من ذلك أو أنهم أحسوا بأنه ينطوى على مثل هذا الشعور. ضف إلى ذلك أن المصادر المشار إليها أثبتت مشاركة شيوعيين آخرين، قدر معرفتهم واستطاعتهم، فى الجهود التى بذلت لإيواء عبد الخالق وحمايته. وبالتالى فاٍن حق لنا الاحتكام لوقائع الافادات التى وردت وسترد لاحقاً فى هذا الخصوص والتى اٍجتهدنا قدر ما نستطيع للحصول عليها واٍخضاعها للفحص، فانها لاتشير قط الى ثمة أية شبهة فى تردد بدر من شيوعيين أعضاء حزب تجاه قيم المروءة والشهامة والبسالة لكى يخفوا للذود عن سكرتيرهم العام وقائدهم الفكرى من أجل حمايته، وبالتالى فاٍننا نخشى على الخاتم من هذا التفسير الوحيد الذى أبرزه.


أوضح عبد الخالق لطه حاجته للبقاء فى أب روف لثلاثة أيام على الأقل، ريثما يتمكن من إعادة ترتيب الاوضاع فى ظروف التطورات الخطيرة التى كانت تجتازها البلاد آنذاك، ".. وأنه فى حاجة للقاء أحد أعضاء الحزب ممن يقطنون بالحى حتى ينسق معه ومع طه ما يستوجب عمله، وأن الأمر يحتاج لكثير من العجلة، واستطرد بالانجليزية : Things are moving very fast.

وهناك رواية أخرى لملكة الكد، الشقيقة الصغرى لطه وخالد، تؤكد "أن عبد الخالق .. لم يطلب من طه سوى أن يوفر له بأقصى سرعة أى وسيلة لمركب.. ينقله الى الطرف الآخر من نهر النيل عند الخرطوم بحرى! فطمأنه طه بتدبير الأمر مع بعض (مراكبية أب روف) صباح اليوم التالى"

وإذا تركنا مؤقتاً رواية الرفاعى، وتعاملنا مع رواية ملكة، فمن خلال قرائن الأحوال ومنطق الأحداث نجد أن هناك احتمالين لرغبة عبد الخالق فى الانتقال إلى الضفه الأخرى من النهر: الأول أنه كان يريد الوصول إلى حلة خوجلى، حيث الخليفه النور، أحد خلفاء السيد على الميرغنى ووالد زوجة فاروق عثمان حمد الله، والذى قيل إن علاقة وثيقة كانت تربط بينه وبين عبد الخالق. ولكن أفراداً من أسرة الخليفه ينفون هذا الأمر. ورغم ذلك يظل الاحتمال قائماً، حيث أن فى أسرة عبد الخالق من يؤكد تلك العلاقة! أما الاحتمال الثانى فهو أن عبد الخالق كان يريد الوصول إلى بيت صديقه محمد نور السيد الذى رأينا، فى ما تقدم، أنه كان قد أسند اليه مهمة البحث له عن منزل بديل لمنزل (ص. أ) بالخرطوم/2، والذى كان قد أصبح قبلة الناس، مما أعاق أداءه لمهامه. وهكذا فإن من المحتمل أن يكون عبد الخالق قد قصد الاتصال بصديقه القديم لينقله الى ذلك المنزل، واثقاً من قدراته المجربة.


قضى عبد الخالق بعض ليلته تلك فى فناء منزل حسين الكد، بينما نام بقربه كل من طه وخالهما محمد التجانى، فكأن ثلاثتهم "فى جفن الردى وهو نائم"

وقبيل فجر الجمعة 23 يوليو انتقل عبد الخالق إلى داخل (الديوان) لبعض الوقت. وهنالك ظل رابط الجأش، يتابع الأحداث، فى صمت، من خلال جهاز الراديو. وكان، كما نقل عنه طه، "هادئ النبرات، ثابت الجنان، تشى قسمات وجهه بصرامة وحزن عميقين"

ولأنه لم تكن لتخفى عليه فداحة الاخطار التى كانت تحيط بمنزل يُتوقع أن يقتحمه عسكر السلطة فى أى وقت بحثاً، على الأقل، عن خالد، ضمن من انطلقوا يبحثون عنهم منذ أول المساء، فقد ناقش الأمر مع طه الذى اقترح، فى البداية، الانتقال إلى منزل خالهما محمد التجانى، الكائن على تخوم منطقتى القماير والكباجاب شمال حى أب روف. (ولكن محمد التجانى أبدى كثيراً من التردد رغم العاطفة التى يكنها لعبد الخالق)، وبإزاء ذلك اقترح طه الانتقال إلى حوش عمه حسن الكد، فمع كونه يقع على مرمى حجر فى الجوار، إلا أن المنصب الخطير الذى يشغله ابن عمه كمال فى أجهزة النميرى الأمنية ربما .. ربما تعصم ذلك الحوش بالذات عن التفتيش.

هكذا بدت الخيارات ضيقة إلى ذلك الحد.

وكان عبد الخالق، عندما يرى قريباته منتحبات جزعاً على مصيره ومصير خالد ومحمد، يعمد إلى تجاهل حزنه هو الرابض فى جوفه كالجبل، ويروح ينهمك فى ملاطفتهن وممازحتهن ليبدد عنهن رهق الأحزان الجاثمة على صدورهن. وما أن يهدأن قليلاً حتى يعود إلى ارتشاف قهوته ومتابعة إذاعة أم درمان التى كانت تنقل أخبار المحاكم العسكرية الميدانية التى تشكلت على عجل لتطال بأحكامها غير العادلة العديد من قادة ورموز يوليو، عسكريين ومدنيين، بينما سحابة من الحزن العميق لا تخطئها العين تلوح على محياه، وترتسم على تقاطيع وجهه، علاوة على تعب كل تلك الأيام.


ما لبث عبد الخالق أن تسلل مع طه، قبل شروق الشمس، إلى منزل حسن الكد. وهو المنزل الذى سيسمع فيه، عبر جهاز الترانزيستور، نبأ إعدام هاشم العطا وعثمان أبو شيبة ومحجوب (طلقة) وعبد المنعم الهاموش وغيرهم من الضباط الشيوعيين والديموقراطيين رمياً بالرصاص، والذى سترد إليه فيه معلومات غير مؤكدة عن إقدام النميرى على تنفيذ حكم الاعدام شنقاً حتى الموت، بسجن كوبر جنوب شرق الخرطوم بحرى، على الشفيع أحمد الشيخ، الرجل الثانى فى الحزب وعضو لجنته المركزية ورئيس إتحاد عام نقابات عمال السودان ونائب رئيس الاتحاد العالمى لنقابات عمال العالم والحائز على وسام النيلين من حكومة السودان ووسام لينين من الاتحاد السوفيتى قبل ما لا يزيد على العام فقط من ذلك، بالاضافة إلى جوزيف قرنق، عضو سكرتارية اللجنة المركزية. ومما زاد من احتمالات صحة تلك المعلومات القرار الذى صدر وتم بثه عبر الاذاعة والتلفزيون بتجريد الشفيع من وسام النيلين.

وسيبدى عبد الخالق غضبه الشديد من تلك الأخبار، خصوصاً إعدام الشفيع وجوزيف، وذلك لمعرفته الأكيده بأن أية محكمة، بأدنى قدر من العدالة والانصاف، ما كانت لتنزل بهما مثل هذه العقوبة الفظيعة، وسيظل يردد أنهما لا صلة لهما بما جرى، وأنه إذا قدر له أن يعيش فإنه لن يترك ما فعله النميرى ونظامه يمر بدون عقاب.

كما سيستطرد عبد الخالق قائلاً لطه، فى ذلك المنزل، إنه ليست لديه ولا للحزب أدنى علاقة بتدبير الانقلاب، و"أنا لن أنكر مسئوليتى .. لأنهم سوف يقولون إن عبد الخالق خاف وأنكر، سوف أدافع دفاعاً سياسياً إذا قبضونى، ولكن أحملك أمانة أن تقول عنى حين تكون فى مأمن أننى رفضت فكرة الانقلاب، وأننى سمعت به فى الراديو كأى مواطن آخر" .


وبهذا الصدد فإن ثمة حديثاً ظل متداولاً فى أروقة الحزب بصورة غير رسمية عما يسمى (بوصية عبد الخالق)، وفحواه أن عبد الخالق كتب بعض الملاحظات فى كراسة قام طه الكد، فى وقت لاحق، بتسليمها لمحمد ابراهيم نقد الذى انتخب سكرتيراً عاماً بعد إعدام عبد الخالق، وذلك حين التقاه طه فى مخبئه لأجل هذا الغرض. غير أنه لم يصدر عن قيادة الحزب ما يشير لهذه الكراسة. بل لقد أبدى كل من استفسرته عنها من القياديين دهشته نافياً نفياً قاطعاً معرفته أو حتى سماعه بها فقد أشار التجانى الطيب إلى أنه لا علم له "بأية وصية مكتوبة من عبد الخالق سلمت بصورة أو بأخرى لمركز الحزب" . كما نفى يوسف حسين، عضو السكرتارية المركزية، علمه بأية وصية من عبد الخالق، سواء كانت كتابة أو شفاهة .

على أن للخاتم عدلان، أيضاً، إفادة مغايرة يؤكد من خلالها أن عبد الخالق سلم أوراقاً لطه طالباً منه ألا يقرأها "وعندما سألته بعد ذلك بسنوات: هل قرأتها ياطه؟ قال لى: أنا أبوك يا حسين أنا أحنث بالقسم؟ أنا أخون الأمانة"؟ ويضيف الخاتم أن طه قام بالفعل، بعد فترة من الأحداث، بتسليم تلك الأوراق إلى نقد وهو مختفى، و".. سألته شخصياً عنها فأكد لى أنها موجودة معه"
لكن محمد ابراهيم نقد، السكرتير العام للحزب، ينفى "قصة الوصية جملة وتفصيلاً، بل ويؤكد أنها محض أسطورة .. عبد الخالق لم يكتب شيئاً ولم يكلف طه بحمل أية رسالة إلى قيادة الحزب، كتابةً أو شفاهة، وربما اختلط الأمر لدى البعض، فطه قد سلمنا بالفعل كراسة .. ولكنها الكراسة التى تحتوى على إفادته هو نفسه، أى طه، عن الأيام التى لازم خلالها عبد الخالق بأب روف.

ومن جانبه يفيد كمال الجزولى الذى ربطت بينه وبين طه علاقة صداقة خلال السنوات التى أعقبت عودة كمال من الاتحاد السوفيتى فى أغسطس عام 1973 وحتى وفاة طه فى ديسمبر عام 1977م، قائلاً: "لا أستطيع بالطبع أن أنفى أو أؤكد فأنا لم أكن حاضراً تلك الأحداث. لكن طه حدثنى كثيراً، وفى مناسبات مختلفة، عن وقائع تلك الأيام. وأذكر أن أطول تلك الأحاديث، وأكثرها استفاضة وتفصيلاً، كانت بعد يومين تقريباً من هزيمة حركة الثانى من يوليو عام 1976م بقيادة محمد نور سعد. وكنا عدنا سوياً، فى الظهيرة، إلى أم درمان بعد أن قضينا بعض الوقت مع بعض الأصدقاء فى زيارة اجتماعية إلى منزل الكاتبة خديجة صفوت بمنطقة العمارات بالخرطوم، فعرج معى إلى منزلنا بحى بانت جنوب أم درمان، حيث تناولنا الغداء، وأمضينا الساعات التالية، حتى أول المساء، وهو يحدثنى عن أدق تفاصيل تلك الفترة التى كان خلالها لصيقاً بعبد الخالق بأب روف. وأخبرنى فى النهاية بأنه قد ضمن كل ذلك فى (كراسة) سلمها للحزب فى وقت لاحق. لكنه، على كثرة التفاصيل والاستطرادات التى أوردها فى حديثه، والزمن الطويل نسبياً الذى استغرقته مؤانستنا، لم يذكر لى أى شئ عن (كراسة) أو وصية أو رسالة أو مذكرة طلب إليه عبد الخالق تسليمها للحزب.

أما سعاد ابراهيم احمد، عضو اللجنة المركزية، فتقول إنها لم تطلع على وصية من عبد الخالق، وإن أحداً لم يثر أمرها معها وسط الضغوط والمهام التى كانت تواجه الكادر القيادى فى تلك الفترة إلا أنها تشير إلى أن عبد الخالق .. ربما يكون قد رتب بعض الأمور التنظيمية ومن بينها مسألة القيادة ، فقد كان يكن احتراماً عميقاً وثقةً فى شخصية قاسم أمين، ومن الممكن أن يكون قد أشار إلى ذلك فى تلك الرسالة.

ومع أن سعاد لم تؤكد أو تنف وجود تلك الوصية، إلا أن إفادتها تضمنت (إيحاءً) فى غاية الخطورة ، ومن شأنه أن يثير جدلاً واسعاً وأسئلة مقلقة. فهل الحزب قائم، من حيث بنيته الفكرية والتنظيمية، على المؤسسية أم على شئ آخر؟ وهل يعقل أن عبد الخالق الذى وهب عمره لقضية التغيير الاجتماعى التى تعتبر فى مضمونها من أوثق القضايا بمفاهيم الحداثة، يمكن أن يكون قد (أوصى) بأن تؤول القيادة من بعده لشخص محدد؟

وفى شأن "الوصية"، تؤكد فائزة أبو بكر عضو فرع الحزب بأبروف ضمن إفادتها للكاتب بأن عبد الخالق وقبل انتقاله للمنزل الثالث والأخير الذي تم اْعتقاله منه قد أودع لديها (قصاصات) صغيرة الحجم تشير فائزة إلى أنها ربما تكون ملاحظات مهمة حرص على تسجيلها في فترة اختفائه بأبروف، ثم تضيف: "للأمانة لم أطلع عليها، وبعد فترة من تلك الأحداث قمت بتسليمها للمرحوم طه الكد".


بهذه الإفادة لفائزة فإن قصة (وصية عبد الخالق) تزداد غموضاً ضمن مجمل أحداث تلك الفترة على ماهى عليه من تعقيد وإرباك فبينما يشير الخاتم عدلان إلى أن طه قد أكد له أن عبد الخالق سلمه كراسةً طالباً منه أن لا يطلع عليها، وأنه سلمها نقد فيما بعد حسب رغبة عبد الخالق ، فهاهي فائزة تشير إلى أن (قصاصات ) أخرى كانت بحوزة عبد الخالق قامت هي فيما بعد بتسليمها طه الكد . السؤال هو أن افترضنا صحة رواية طه للخاتم بأنه سلم كراسة اْستلمها ( يداً بيد) من عبد الخالق وأودعها نقد، فهل تكون تلك (القصاصات) التي سلمتها فائزة لطه فيما بعد ضمن تلك الكراسة؟ ولماذا لم يشر طه الكد إلى ذلك في حديثه للخاتم عدلان؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فما هو إذن مصير تلك القصاصات التي سلمتها فائزة إلى طه الكد، حسب إفادتها؟


عندما دلف عبد الخالق وطه من الباب الخارجى إلى فناء منزل عم الأخير كان الفتى بابكر حاج الشيخ، الشقيق الأصغر لزوجة عم طه، ينام بحوش المنزل، فأيقظه طه هامساً له أن برفقته عبد الخالق الذى ينبغى أن يقضى بعض الوقت هناك، طالباً منه أن يتكتم على الأمر. وعلى حين ربض عبد الخالق غير بعيد فى الجزء المعتم من الحوش، بدا لطه أن الفتى شد قامته، وشمخ برأسه، قبل أن يؤكد له بعزم أنه لم يعد يافعاً حتى يثرثر بأمور كهذه.

والواقع أن طه الذى كان يتحوط ، خلال تلك الأيام، لكل شئ، قام فى وقت لاحق بصرف خدم المنزل، كما حرص على تجنب الضيوف بقدر الامكان.

لم يكن هناك إذن من كان يعلم بأمر عبد الخالق سوى أفراد الأسرة القلائل من أقربائه. فبالاضافة الى طه وخاله محمد التيجانى وبابكر حاج الشيخ كانت هناك شقيقات طه: بتول وصفية وملكة. لكن، فى ما بعد، وضع طه، بطلب عبد الخالق وتوجيهه، قلة من عضوية فرع الحزب بأب روف فى صورة ما يجرى. وقبل ذلك كانت ثريا الشيخ، زوجة شقيق عبد الخالق الأصغر محمد محجوب، والتى لم تكن قد التحقت، بعد، بعضوية الحزب، قد زارته لبعض الوقت، وكان عبد الخالق يصبرها مشجعاً ويذكرها ببعض الآيات القرآنية "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، وذلك عندما كانت تنتحب ولا تستطيع كتمان جزعها .

ظل الفتى بابكر يقوم على خدمة عبد الخالق طيلة فترة وجوده هناك. ولم يكن بابكر فى واقع الأمر عضواً بالحزب، إلا أنه كان على المستوى الشخصى معجباً بشخصية وثقافة وبسالة عبد الخالق، فتعاطف مع الحزب كأغلبية شباب تلك المنطقة من أم درمان القديمة الذين حملوا عبد الخالق إلى مقاعد الجمعية التأسيسية عام 1968م. هكذا، ورغم فارق السن، نشأت علاقة حميمة بين بابكر وبين عبد الخالق فى تلك المدة الوجيزة بصالون حوش حسن الكد، وتحت ظروف ذلك الكرب، ورهق الساعات بل الدقائق التى كانت تمر ثقيلة متباطئة، والمصير المفزع الذى كان يدنو من عبد الخالق رويداً رويداً! فقد عمل عبد الخالق على إزاحة حاجز الهيبة والرهبة من نفس الفتى تجاهه، ورفع غطاء الكلفة عن علاقتهما، حتى خيل لبابكر أنه يتعامل مع صديق قديم حميم، يتقاسمان السيجارة الواحدة (تخميسة)، ويستدعيان ذكريات تلك الحملة الانتخابية الأنيقة. ومن بينها ذلك الحادث الذى كاد أن يودى بحياة بابكر لحظة اٍعلان النتيجة، عندما تهجم أحد الاتحاديين على بابكر بفأس حُمل على أثرها إلى مستشفى أم درمان، حيث ظل طريح سريرها لأيام زاره خلالها عبد الخالق للاطمئنان على صحته، فعد بابكر ذلك اليوم من أسعد أيام حياته.

سأله عبد الخالق عن شقيقه الأمين، وعن طبيعة عمله بتلغراف الخرطوم، وعن هواياته، وعن كيفية قضائه لأوقات فراغه. ودرءاً لأى التباس قد ينشأ فى ذهن الفتى الذى قد يكون منفعلاً فقط بقيم البسالة، دون أية دراية بمقتضيات العمل السياسى السرى، شرح له عبد الخالق أنه ليست للحزب أو له شخصياً علاقة بالانقلاب، وهو لم يلجأ للاختفاء فى تلك الظروف، خوفاً، ولكن واجبه القيادى يقتضيه الاختفاء فى مثل تلك الظروف حتى يستطيع أن يتحرك بحرية باتجاه إنقاذ ما يمكن إنقاذه والتقليل من حجم الكارثة بقدر المستطاع . ويروى بابكر أن عبد الخالق، عندما أذيع خبر إعدام هاشم العطا ورفاقه الضباط، تأثر تأثراً بالغاً، حتى أنه لاذ بصمت مفاجئ، واستلقى على سريره منكفئا بوجهه على عمامته لفترة طويلة، حتى خيل لبابكر أنه قد غط فى نوم عميق.

وفى صبيحة السبت، وبينما كان بابكر يتهيأ للذهاب إلى عمله، أخطر عبد الخالق بأنه سيطلب إذناً بالخروج مبكراً من العمل فى ذلك اليوم، كى يعود سريعاً ليكون إلى جانبه. فأوصاه عبد الخالق بأن يجلب معه، عند عودته، بعض الصحف والسجائر، كما طلب منه موافاته بإحصائية عن برقيات التأييد التى وردت لسلطة 19 يوليو والجهات التى بعثتها. لكن بابكر، عندما عاد للمنزل، وجده مقفلاً، وعند ذهابه للاستفسار فى حوش حسين الكد عرف أن عبد الخالق قد غادر الى مكان آخر .


كان عبد الخالق، عندما غادره بابكر إلى عمله، مايزال مشغول البال بأمر الضفه الشرقية، حيث عاود سؤال طه عما إذا كان قد فعل شيئاً بهذا الخصوص. ويبدو أن طه كان قد تراجع عن فكرته الأولى حول ترتيب المسألة مع بعض (مراكبية اب روف)، حين استشعر خطورة تلك المغامرة على حياة عبد الخالق. وكان من المحتمل، بالفعل، أن يكون شاطئ اب روف قد أصبح مرصوداً أيضا من قبل الدوريات العسكرية وعيون العسس التى انتشرت مبثوثه فى كل الأمكنة. فنقل هواجسه تلك لعبد الخالق الذى لم يشاطره الرأى، بل كان يبدو متيقناً من سلامة (العملية)، ولكنه ساير طه، على أية حال، وصرف النظر عن المسألة برمتها.

أصر عبد الخالق، بعد ذلك، أن يتحول من منزل حسن الكد، حيث قدر أن لهاث أجهزة الأمن فى البحث عن خالد الكد لن يلبث أن يدفعها، إن عاجلاً أو آجلاً، إلى مداهمة ذلك الحوش، رغم المنصب الأمنى الرفيع الذى يشغله إبن الأسرة كمال.

كان طه وقتها يكاد يكون قد انصرف تماماً عن كل شئ، بما فى ذلك حتى مشكلة شقيقه خالد، وركز كل جهده فى إنقاذ ابن خاله عبد الخالق، فأجرى، بتوجيهات الأخير، بعض الاتصالات مع القلة التى لم يطالها الاعتقال بعد من أعضاء فرع الحزب بأب روف. وبالنتيجة تقرر نقل عبد الخالق إلى منزل آخر لا يبعد كثيراً، لكن الشبهات لا تحوم حوله كون مالكه هو أحد رجالات حزب الامة.


قبيل ظهيرة السبت الرابع والعشرين من يوليو كانت العربة التى يقودها المرحوم بكرى السمانى تقف ملاصقة تقريباً لباب منزل حسن الكد. وكان يجلس إلى جواره شقيق زوجته فضل البلولة (أحد أعضاء فرع الحزب بالحى). ومنذ ذلك اليوم أطلق طه إسم (الفحل) على بكرى الذى لم يكن عضواً بالحزب ومع ذلك تبرع بتنفيذ نقل عبد الخالق بعربته، بل وأصر على قيادتها بنفسه. وعلى حين وقفت صفية، إحدى شقيقات طه، تراقب الشارع ريثما يخرج عبد الخالق ليستقر بالعربة، كان هو يلح فى إبعاد طه عن المكان تحسباً لأى طارئ بعد أن رأى حرصه على مرافقته والبقاء إلى جانبه .


هكذا، وفى وضح النهار، انطلقت العربة تشق أزقة ذلك الحى الشعبى، وعلى مقعدها الخلفى جلس الرجل الذى كانت تبحث عنه أرتال عسكر مايو وعسسها، بجلبابه الأبيض وعمامته البيضاء بعد أن أحكم لف ملفحته السمنية حول عنقه ورأسه و صفحتى وجهه. وفى ما بعد حرص طه على رش منزل عمه بمادة تمحو آثار عبد الخالق فى حالة اصطحاب رجال الأمن لكلابهم البوليسيه.

أوقف بكرى العربة ملاصقة أيضاً لباب منزل قطب حزب الأمة، ونزل عبد الخالق ليجد فى استقباله فائزة أبوبكر العضو بفرع الحزب بالحى وإٍبنة صاحب المنزل، حيث قضى وسط أسرتها الصغيرة ما تبقى من ذلك اليوم حتى فجر اليوم الذى يليه. وقد أفادت فائزة لاحقاً بأن "عبد الخالق قال لى بالحرف: أنا ما عندى علاقة بالانقلاب وبختفى ليس خوفاً من الموت ولكن من أجل أبناء وبنات الشعب السودانى وربنا يقدرنا نقدم ليهم ما يطورهم ويسعدهم، وكانت هذه كلماته الأخيرة لى"

ما كاد ينقضى وقت قصير منذ وصول عبد الخالق إلى هذا المنزل حتى حدثت واقعة اعتقال لأحد الذين يقطنون المنزل الذى انتقل اليه عبد الخالق ،ذلك المنزل المأهول بعدة أسر صغيرة من عائلة واحدة كبيرة، كأغلب منازل أمدرمان القديمة، وعلى الرغم من أن اعتقال ذلك الشخص قد تم من مكان عمله بالخرطوم الا أن ذلك قد جرى دون أن يفطن رجال الأمن لوجود الشخصية المحورية فى حملاتهم المحمومة بمنزل ذلك المعتقل، بل ولم يخطر لهم ذلك أصلاً.

لكن عبد الخالق وما أن ورد خبر الاعتقال، حتى طلب من طه الذى كان قد وصل آنذاك الاسراع بنقله الى منزل خالٍ من السكان. والواقع أن عبد الخالق كان قد اقترح ذلك قبل مغادرة بيت حسن الكد، إذ يبدو أن إقدام النميرى على إعدام قادة الانقلاب من العسكريين، وعلى البطش بالمدنيين، جعله يفكر جدياً فى تسليم نفسه للسلطة المهتاجة، والتى قدر أنها لن تبرأ من سعارها، أو تتوقف عن دمويتها وبطشها بالشيوعيين والقوى الديمقراطية، إلا بالقبض عليه. وقد حاول طه، جهد طاقته، أن يثنيه عن قراره ذاك، إلا أنه تمسك به كقرار نهائى. فطلب منه طه التريث حتى يتم تدبير منزل مناسب، لكن عبد الخالق واصل إلحاحه على أن يتم ذلك فوراً فخرج طه وأجرى اتصالات نتج عنها، على عجل، تدبير منزل أهله على سفر. ".. ويمكن القول هنا أن عبد الخالق كانت تشغله فى تلك اللحظات .. الطريقة التى يفدى بها حزبه ورفاقه، حتى اٍذا اقتضى الأمر تسليم نفسه لموت محقق. ويمكن أن يقال .. إنه كان يفكر فى تقديم نفسه قرباناً لحزبه، ولكنه لن يكف عن أن يكون شهيداً لهذا السبب .. فإن جميع الشهداء بالمعنى الواسع للكلمة هم بطريقة ما وبمعنى من المعانى قرابين".

ولا بد أن عبد الخالق قد أحس بصورة أو بأخرى أن الأمر قد قضى، وأن الخناق أصبح يضيق تماماً، فلم ينتظر، حيث غادر منزل قطب حزب الأمة على عجل برفقة شقيق فائزة أبوبكر،التى قالت "لم يأت أى أحد ليغادر معه ولكن ذهب معه معاوية شقيقى وقد كان وقتها وزير دولة وفيما بعد أصبح وزيراً للتشييد والأشغال وتوفى عام 1978، وكان صديقاً لعبدالخالق، وقد ذهب معه سيراً على الأقدام الى المنزل الذى انتقل اليه، والذى كان قريباً من منزلي، "

هكذا انتقل عبد الخالق، فجر الأحد الخامس والعشرين من يوليو، إلى هذا المنزل الأخير الذى سيعتقل منه، والذى دبره المرحوم عثمان مصطفى عبد الرحمن ، أحد أعضاء فرع الحزب بأب روف، ويمتهن حرفة النجارة، والذى تؤكد فائزة أنه بذل قصارى جهده من أجل تأمين عبد الخالق، وقد وقع اختياره على ذلك المنزل باعتبار أنه لا تحوم حوله أية شبهات، وأنه مملوك لعمه المرحوم الطاهر حاج حمد الذى كان وقتها يرافق زوجته فى رحلة علاج بالقاهرة.



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-11-2007, 12:05 PM   #[25]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

[align=center]
إسمو عبد الخالق
ختاي المزالق
أب قلبا حجر
يا أرض الوطن
يا أمو العزيزة
ختالك ركيزة
دائما باقية ليك
في الحزب الشيوعي

طيري يا يمامة
وغني يا حمامة
وبلغي اليتامى
والخائفين ظلاما
عبد الخالق حي
وبالسلامة
في الحزب الشيوعي[/align]



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-12-2007, 10:40 AM   #[26]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

شاهدتهم يحاكمون عبد الخالق محجوب
ادريس حسن


الصدفة:

قادتنى الصدفة ، والصدفة وحدها لحضور أخطر محاكمة جرت خلال تلك الأحداث «انقلاب الرائد هاشم العطا» وهى محاكمة الأستاذ عبدالخالق محجوب الأمين العام للحزب الشيوعى السودانى آنذاك. وقد اتصل بى فى صباح ذلك اليوم عن طريق الهاتف بمنزلى الأستاذ فؤاد مطر ، رئيس تحرير مجلة التضامن التى تصدر الآن من لندن . وكان وقتها يعمل رئيسا لقسم الشئون العربية بمجلة "النهار" البيروتية . وقد كنت مراسلا لها فى الخرطوم . وذهبت للأستاذ فؤاد مطر حيث كان ينزل بالفندق الكبير . وقد جاء خصيصا لتغطية الأحداث ذات الأصداء الواسعة فى العالم . وقد صاحب اهتمام العالم بأحداث السودان نقد عنيف فى تعليقات الصحافة والاذاعات العالمية ، بل واحتجاجات من بعض الهيئات العالمية على الاعدامات والطريقة التى تمت بها بالنسبة لقادة الانقلاب وقادة الحزب الشيوعى السودانى ، وعلى رأسهم حتى تلك اللحظة المرحوم الشفيع أحمد الشيخ الذى كان معروفا فى كثيرمن الدوائر العالمية بوصفه أحد قادة الحركة النقابية العالمية.

وجلست فى أحد أركان الفندق أتحدث مع الأستاذ فؤاد مطر.. وفجأة بدأت فى المكان حركة غير عادية . اذ أخذ رجال الاعلام والصحافة العالمية يحملون معداتهم ويهرولون خارج الفندق ويتجمعون حول عدد من العربات الحكومية .. وعندما استفسرت عن حقيقة الأمر ، قيل إنه سمح للصحفيين الأجانب فقط بحضور محاكمة عبدالخالق محجوب . والتى أعلن أنها ستكون ميدانية اسوة بالمحاكمات الأخرى التى تمت من قبل.. كان أغلب ظنى بعد تحرك العربات بنا ، أن الضباط الذين كانوا يشرفون على عملية ترحيل الصحفيين الأجانب ، اعتقدوا أننى وزميلي المصور«بشير فوكاف»موظفان من موظفى وزارة الاعلام ، والا لما سمحوا لنا بالذهاب خاصة بعد أن تعرضنا بعد انتهاء المحاكمة الى مصادرة أوراقنا والأفلام التى التقطها فوكاف .

مع عبدالخالق وجها لوجه:

تحركت بنا العربات من الفندق الكبير متجهة من شارع النيل الى شارع الحرية، فى اتجاه الجنوب على طريق الشجرة ، وكان الطريق حتى منطقة الشجرة محطما تماما بسبب ما أحدثته الدبابات حتى بات كالأرض المحروثة لكثرة مالحق به من أخاديد.. وبعد مسافة ثلث ساعة وجدنا أنفسنا أمام مقر قيادة سلاح المدرعات بالشجرة . وبعد التأكد من هوية الضباط المرافقين لنا سمح جنود الحراسة للعربات وبمن فيها بالدخول الى مقر القيادة ، حيث تجرى المحاكمة . كل المحاكمات جرت هنا وكل أحكام الاعدام رميا بالرصاص بالنسبة للعسكريين نفذت هنا ، كما علمنا فيما بعد.

أدخلونا أحد المكاتب وكان يجلس فيه ضابط برتبة عقيد ، فتلى علينا تعليمات مفادها عدم التحدث الى المتهمين . وكانت تنعقد فى ذلك المكان محاكمات أخرى غير محاكمة عبدالخالق محجوب . وأذكر أننى كنت أول الخارجين من ذلك المكتب ، فإذا بى أفاجأ بالسيد عبدالخالق محجوب وجها لوجه . وعقدت الدهشة لسانى وأضطربت اضطرابا شديدا لم أستطع أن أحييه الا باشارة من يدى رد علىَّ بمثلها . كان بادى الارهاق والتعب حتى خيل لى أنه مريض . وكان يرتدى جلبابا أبيض ولكنه متسخ ' مع حذاء أبيض أكثر اتساخا . وكان واضحا أنه لم يتمكن من حلاقة ذقنه لبضعة أيام . وكانت عيناه محمرتين ، كأنه لم يذق طعم النوم دهرا كاملا . وقطع علىَّ هذا المشهد السريع ، القاسى أحد الضباط الذى اقتاد السيد عبدالخالق ، واختفى به من المكان تماما لمدة تزيد عن الساعة . كنا خلالها ننتظر فى قاعة المحكمة التى تم اعدادها فى احدى ورش سلاح المدرعات .

بدأ رجال الصحافة والاعلام الأجانب فى تجهيز معداتهم وكاميرات التصوير مختلفة الأنواع وآلات التسجيل. كان المكان أشبه بخلية النحل من شدة الحركة . ثم زاد المكان حركة وضجيجا عندما دخل عبدالخالق محجوب قاعة المحكمة مع حراسه و«صديق المتهم»العميد محمود عبدالرحمن الفكى ، الذى اختير حسب النظم العسكرية التى تقضى بأن يكون للمتهمين الذين يمثلون أمامها أصدقاء لهم يعاونونهم فى الدفاع عن أنفسهم .

دخل عبد الخالق محجوب المكان وأنطلقت الكاميرات هنا وهناك تصوره . وكان قد القى التحية على الحاضرين عند دخوله القاعة . وتبادل التحايا الخاصة مع أحد الصحفيين الأجانب الذين يعرفونه باسمه . بل أن السيد أريك رولو وهو مراسل "ليموند" الفرنسيه قد شد على يده مصافحا . كان مظهر عبدالخالق قد تغير تماما عما بدا عليه فى المرة الأولى . كان حليق الذقن ، بادى الحيوية والاطمئنان ، وعلى وجهه لمعة واشراق . كان يرتدى جبة افريقية أنيقة للغاية«سمنية اللون»، وينتعل حذاء بنيا لامعا يكاد أن يكون قد تسلمه من المصنع لحظتها . وكان يحمل فى يده اليسرى بعض علب السجائرالبنسون. جلس فى المكان المخصص له فى المحكمة ، على مقعد خشبى أمام طاولة صغيرة وجلس بجانبه صديق المتهم ، ووقف خلفه حراسه المخصصون . وخيم على المكان صمت شديد بعد أن هدأت حركة الآلات . لم يقطعه الا صوت أحد الجنود الذى فتح الباب فى جلبة وضوضاء صائحا بالجملة التقليدية ..محكمة !

أشبه بفرسان الأساطير:

انتظمت هيئة المحكمة وكانت برئاسة العميد أحمد محمد الحسن وعضوية عدد من الضباط من بينهم المقدم منير حمد ثم شرع رئيس المحكمة فى توجيه قائمة الاتهامات الموجهة الى عبد الخالق محجوب وهى تتلخص فى شن الحرب على الحكومة واحداث تمرد فى القوات المسلحة وادارة تنظيم محظور والتسبب فى مقتل عدد من ضباط وجنود القوات المسلحة . وقد أجاب عبدالخالق على كل تلك التهم بأنه غير مذنب . بعد ذلك طلب رئيس المحكمة من ممثل الاتهام العقيد عبدالوهاب البكرى أن يتلو مرافعته . وكانت خطبة منبرية قاسية الكلمات . وصف فيها عبدالخالق محجوب بالدكتاتور المتسلط الذى أعمته شهوة الحكم عن كل شىء سواها ، وحمله نتيجة كل ما حدث من مآسى . وكانت الخطبة متأثرة بالجو الذى كان سائدا . بعد ذلك أتيحت الفرصة لعبدالخالق وكان منظره مهيبا مثيرا أشبه بفرسان الأساطير القديمة . بدأ حديثه وصوته هادئا صافيا ، فنفى التهمة الأولى المتعلقة بشن الحرب على الحكومة ، وقال إأنه لايملك أدوات تلك الحرب ، لا هو ولا التنظيم الذى يتولى قيادته . وسرد فى هذا المضمون حديثا طويلا عن طبيعة الفكر الماركسى ، قاطعه خلاله رئيس المحكمة أكثر من مرة بلهجة مصرية صارمة بقوله:«هذا الكلام لايفيدك». ثم تطرق عبدالخالق محجوب للاتهام الذى يليه وهو احداث تمرد فى القوات المسلحة قال عبدالخالق إن حزبه ضد الانقلابات العسكرية وأن موقف الفكر الماركسى من هذا واضح ، وسبيله للتغيير هو الثورة الشعبية .. قال إنه وحزبه كانوا ضد انقلاب 25 مايو قبل حدوثه ، وأنهم تعاملوا معه بعد ذلك كأمر واقع مع تبنى أغلب شعاراتهم.. وعن عدم مشروعية الحزب الشيوعى ، قال ان مايو عندما تولت السلطة حظرت جميع الأحزاب ما عدا الحزب الشيوعى . بل على العكس أنها طلبت التعاون معه واختارت عددا من وزراء فى حكومتها بصفتهم الحزبية . وقال ان مايو كانت فى بدايتها تعمد فى مسارها اليومى على«مانفستو»يعده الحزب الشيوعى . وقال انه عندما حدث الخلاف على بعض المسائل الجوهرية بين مايو والحزب الشيوعى كانت هنالك لقاءات وحوارات بين ممثلى الطرفين. اشترك فيها من جانب الحزب الشيوعى الشهيد الشفيع أحمد الشيخ ومحمد ابراهيم نقد ومن جانب مايو الرئدان أبوالقاسم محمد ابراهيم ومامون عوض أبوزيد عضوا مجلس الثورة . وقال إن السيد بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس الثورة كان يحضر بعض هذه الاجتماعات.. وأضاف متسائلا كيف يمكن أن يكون الحزب الشيوعى محظورا والسلطة على أعلى مستوياتها تتعامل معه . وطلب شهادة أعضاء مجلس الثورة الذين ذكر أسماءهم . ولكن رئيس المحكمة رفض طلبه .

أما في ما يتعلق بمقتل بعض الضباط والجنود فإن الأمر يبدو متعلقا آنذاك فى بيت الضيافة ، وقال إن ذلك الحدث معروف ومعلوم ولا دخل لنا فيه . وقال إن كل مافى الأمر أنها تهمة يريدون الصاقها بنا للقضاء علينا . وقال إن كل مايعلمه عن انقلاب 19 يوليو هو أن الشفيع أحمد الشيخ كان قد أخبره بعد هروبه من معتقله أن بعض الاخوان«يقصد الضباط الشيوعيين - ادريس»نقلوا للشفيع بأنهم يدبرون لاحداث انقلاب ، وقال إنه لم يعلم من هم أولئك العسكريون و لا متى سيتم الانقلاب . بل إنه لم يعر الأمر برمته اهتماما لأن الجو كان مشحونا بالشائعات والتوتر. ولأن نظام مايو كان قد دخل فى خصومات كثيرة مع قوى سياسية متعددة . وقال إنه لم يعلم بالانقلاب الا بعد حدوثه . وأنهم تعاملوا معه بعد ذلك ليجنبوا البلاد المشاكل .

ونفى أن يكون للحزب الشيوعى كادر عسكرى داخل القوات المسلحة . وقال إن هاشم العطا وبابكر النور وفاروق حمدالله ليسوا أعضاء فى الحزب الشيوعى«ذكر عبدالخالق حسب روايات أخرى من داخل قاعة المحكمة أن هاشم وبابكر أعضاء فى الحزب الشيوعى وأن فاروق ليس عضوا ولكنه متعاطف معهم - المحرر».

تأجيل وكتمان وسرية :

وبعد هذا الحديث أعلن رئيس المحكمة تأجيل الجلسة بعض الوقت وكانت قد استغرقت أكثر من أربع ساعات . وقد أخطر الصحفيين الأجانب أن المحكمة قد انتهت بالنسبة لهم . وأن الجلسة التالية ستكون سرية وكان فى تقديرى أن الغرض من احضارهم لمحاكمة عبدالخالق بالذات يعود الى أهمية شخصية عبدالخالق نفسه والى أهمية الحزب الشيوعى السودانى بحسبانه أكبر حزب شيوعى فى المنطقة . هذا بالاضافة الى ما صدر من تعليقات فى وسائل الاعلام العالمية حول المحاكمات وتنفيذ أحكام الاعدام ووصفهم للنظام بالهمجية . لهذا أراد القائمون على أمر النظام أن يظهروا ما هو جارٍ وكأنه أمر عادى فيه قانون ومحاكم وعدالة.

بدأت الجلسة السرية للمحاكمة فى الساعة الثانية والنصف بعد الظهر . وكانت عبارة عن اعادة استجواب من المحكمة لعبدالخالق محجوب ومناقشة أقواله ، فمثلا قال رئيس المحكمة الذى كان يتحدث مع عبدالخالق، أما الآخرون من أعضاء المحكمة كان يبدو عليهم وكأن الأمر لا يعنيهم . قال رئيس المحكمة يا عبدالخالق انت اذا لم تدبر الانقلاب كيف هربت من المعتقل وبهذه الكيفية وبمثل هذا التوقيت المطابق تماما لتوقيت الانقلاب . وأردف قائلا: ام الذى يستطيع الهروب بتلك الطريقة من معتقل داخل القوات المسلحة يستطيع أن ينظم انقلابا . رد عبدالخالق ، لقد خشيت على حياتى من الموت لأنه وأثناء وجودى فى المعتقل سمعت معلومات منها أنهم يدبرون لاغتيالى بعد اذاعة نبأ عن هروبى من المعتقل . قال رئيس المحكمة : فسر لنا يا عبدالخالق لماذا تم الانقلاب بعد هروبك مباشرة . أليس الذين دبروا هروبك من المعتقل هم نفسهم الذين قاموا بالانقلاب؟

وقال عبد الخالق إننى وكما ذكرت أن ليس للحزب الشيوعى أى كوادر داخل الجيش ، وأن الأمر كله لا يعدو أن يكون صدفة خاصة وأن أى شىء كان متوقع الحدوث قال رئيس المحكمة ، فيم اختلفتم مع الثورة؟
رد عبد الخالق قائلا: حول السياسات التى كانت تمارسها . قال رئيس المحكمة : مثلا . قال عبدالخالق ضربة الجزيرة أبا والقرارت الاقتصادية الخاصة بالمصادرة والتأميم . قال رئيس المحكمة: أليس موضوع سيطرة الدولة على وسائل الانتاج وقيام مجتمع اشتراكى من الشعارات التى ينادى بها حزبنكم وتدعو لها النظرية الماركسية؟ والا لازم تنفذوها انتو بس . قال عبدالخالق نعم اننا ندعو لتحقيق تلك الشعارات ولكن ليس بالكيفية التى تمت بها تلك القرارات والتى تجاهلت كافة ظروف البلاد . بل إن القرارات نفسها جاءت مرتجلة وغير مدروسة وسابقة لأوانها . وقال إننا كنا قد أوضحنا موقفنا فى سلسلة من المقالات فى جريدة«أخبار الاسبوع»وأخذ عبدالخالق يفيض فى الحديث موضحا أخطاء قرارات التأمين وما صاحب تنفيذها من أقاويل واشاعات حول الفساد الذى حدث فى بعض المؤسسات . وقاطعه رئيس المحكمة قائلا بلهجته المصرية الصارمة:«خلص..خلص»وللحق فقد كانت هذه هى المرة الوحيدة التى رأيت فيها المرحوم عبدالخالق محجوب متأثرا عندما قال لرئيس المحكمة ياسيدى الرئيس أرجو أن يتسع صدر المحكمة بالنسبة لى لبضع ساعات فقط .

وقد لاحظت أن الدهشة علت على وجوه الحاضرين بعد سماعهم لكلمات عبدالخالق محجوب . التى كانت أشارة واضحة الى أنه كان يعلم سلفا بأنهم قد قرروا اعدامه . لقد كان الأمر أكبر من الدهشة وأعمق من الخوف . لقد كانت لحظة صراع رهيبة بين شخصين أحدهما يريد أن يضيف لعمره حتى ولو بضعة دقائق معدودة لعل معجزة قد تحدث . والآخر يريد أن أن يخلص نفسه بسرعة من مهمة ثقيلة حتى ولو كانت حياة انسان .

تجاهل واستعجال :

وقد لاحظت أن رئيس المحكمة تجاهل الحديث عن ضربة الجزيرة أبا على الرغم من أن عبدالخالق كان قد ذكرها ضمن أسباب الخلاف مع مايو . وفجأة سأل رئيس المحكمة عبد الخالق : هل لدى حزبكم أسلحة ؟ وكان رد عبدالخالق أكثر من مفاجأة : نعم . وقد أرسلها لنا الرئيس جمال عبدالناصر عام 1967 عندما تعرض الحزب لهجمة شرسة من جانب القوى الرجعية أدت الى طرد نوابه من الجمعية التأسيسية بسبب ما سمى بندوة معهد المعلمين العالى«شوقى محمد على».

وبعد.. فان ذلك كل ما أذكره عما دار فى المحاكمة التى كانت أشبه بالمسرحية الدرامية التى تنهمر فيها الدموع . وان كان لابد أن أعلق فلا بد أن أذكر موقف عبدالخالق كانسان فقد كان شجاعا بكل ما تحمل الكلمة من معانى . وثابتا كل الثبات . كان يتحدث فى أحرج الأوقات وكأنه يتحدث فى ندوة سياسية . بالرغم من أنه كان يعلم مصيره المعد سلفا . لا ريب أن عبدالخالق كان أكثر ثباتا من الذين حاكموه فقد لاحظت أثناء المحاكمة أن القلق والاضطراب يتملكان رئيس المحكمة وأعضاءها . بل إن بعضهم كان ينظرالى ساعة يده بين الفينة والفينة وكأنه يتأهب لموعد أهم . وفى حوالى الساعة الخامسة مساء أعلن رئيس المحكمة نهاية المحاكمة . وقال إن المحكمة سترفع قرارها الى القائد العام الذى كان مرابطا هناك بصورة دائمة ، حيث اتخذ مقره فى مكتب قائد سلاح المدرعات العميد أحمد عبدالحليم .

طلبت من المقدم عبدالمنعم حسن الذى كان يعمل بفرع القضاء العسكرى أن أنتظر معه حتى يتم التصديق على الحكم . وطال انتظارى حتى بلغت الساعة منتصف الليل . وكان المقدم عبدالمنعم كثير الخروج من مكتبه . وفى احدى المرات عاد وطلب منى أن أذهب معه الى حيث مقر جعفر نميرى لأرى ماذا يفعل . كان المقدم عبد المنعم متأثرا تأثرا شديدا بما يحدث مما دفعه الى كتابة عريضة ينتقد فيها ما تم من اجراءات . وقد فصل من الخدمة بسبب تلك العريضة .

ذهبت الى مقر الرئيس نميرى ووقفت بالقرب من النافذة لأرى عجبا ، النميرى ينهال ضربا على أحد الضباط ويسبه بالفاظ بذيئة وهو فى حالة من الهياج . أخرج الضابط وأحضروا آخر وتكرر نفس المشهد معه . ولم تتوقف هذه العملية الا عندما همس أحد الضباط فى أذن نميرى الذى رفع سماعة التلفون وكانت محادثة من القاهرة . عرفت هذا من ردود نميرى على محدثه . وانتهت المحادثة التى لم تستغرق وقتا طويلا . وعلمت بمزيد من التفاصيل مادار عندما دخل على نميرى العميد أحمد عبدالحليم . وقد بدا نميري بعدها سعيدا جدا بمضمون المحادثة ، بل منفجرا من الضحك ، وقال إن السادات أخبره بأن الجماعة الروس طلبوا منه أن يتوسط لدي لكى نبقى على حياة عبدالخالق محجوب، ولكن السادات حثه بأن يسرع ويخلص عليه . وقد وصف نميرى السادات بأنه داهية وخطير. وفى الثانية صباحا حضر الى مقر المدرعات المرحوم موسى المبارك والتقى بالنميرى لبعض الوقت وعند خروجه كان بادى التأثر وأخبرنى أن حكم الاعدام قد نفذ فى عبد الخالق محجوب .



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-12-2007, 06:12 AM   #[27]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

[align=center]من اقوال الشهيد و كتاباته:[/align]

"هل صحيح أن الفكرة الشيوعية فى السودان تدعو لاسقاط الدين الاسلامى ؟ كلا ان هذا مجرد كذب سخيف.ان فكرتى التى اؤمن بها تدعوا الى توحيد صفوف السودانيين المسلمين منهم والمسيحين والوثنيين واللادينيين ضد عدوا واحد هو الاستعمار الاجنبى ، وبهدف واحد هو استقلال السودان وقيام حكم يسعد الشعب ويحقق امانيه.وان القوى التى تقف حائلا دون اسعاد وحرية السودانى المسلم او المسيحى لايمكن ان تكون الاسلام لاننا لم نسمع او نقرا فى التاريخ ان الجيش الذى غزا بلادنا عام 1898 هو القرآن أو السنة ولم نسمع فى يوم من الايام ان المؤسسات الاحتكارية البريطانية التى تفقر شعبنا جاءت على اساس الدين الاسلامى او المسيحى .ان الفكر الشيوعى ليس امامه من عدو حقيقى فى البلاد سوى الاستعمار الاجنبى ومن يلفون لفه. اين هذا الهدف من محاربة الدين الاسلامى؟
ان الفكرة الشيوعية تدعو فى نهايتها للاشتراكية حيث يمحى استغلال الانسان لاخيه الانسان .اين هذاالهدف من محاربة الدين الاسلامى ؟
ان الفكرة الشيوعية تدعو الى اخضاع العلم والمعرفه لحاجيات البشرية من بحوث علمية وطبية وادبية وتشذيب الانسان من الخوف والحاجة بانهاء الظروف الاقتصادية والفكرية التى تنشر الخوف من المستقبل وتدفع الانسان تحت ضغط الحاجة الى درك لايليق بالبشر من سرقة ودعارة واحتيال وكذب .أين هذا الهدف من محاربة الدين الاسلامى؟؟

بقى ان اقول للدوائر التى اصدرت هذا المنشور ان الرجل الشريف يصرع الفكرة السياسية بالفكرة السياسية ويعارض فكرة معينة بالحجة والمنطق.ان محاولة تزييف افكار اعدائكم ـ او من تتوهمون أنهم أعداؤكم ـ بهذه الطريقة الصغيرة لاتليق, فوق أنها عيب فاضح.اما اساليب الدس فهى من شيم الصغار ـ الصغار جدا حتى ولو كبرت اجسامهم وتوهموا فى نفسهم علو المقام..."

" اننى لم اصل الى الفكر الماركسى اللينينى عبر النضال السياسى وحسب رغم ان هذا وحده يكفى توصلت اليه فى بحثى وراء الثقافه التى تنسق عقل الانسان ووجدانه وتساعد بينه وبين التناقضات العقليه والعاطفيه التى عاشها جيلنا ومازالت تعيشها الاغلبيه من المثقفين السودانيين واندفعت ضمن من اندفع ابحث عن مضمون فكرى اعيشه ومنهج ثقافى مكتمل منسق يشبع جوانح الفكر وينفى جموح العواطف الخيره ولقد سلكت فى هذا السبيل طريقا صعبا وركبت مركبا شاقا اتعب وابحث اقلب وافكر واطرق ابواب المعرفه وابحث من اجل تكامل شخصى مرتبط بالجماعه وناجح فى حل المشاكل التى كانت مازالت تلاقيها بلادنا من فقر مادى وقحط ثقافى واهتزاز فى القيم الروحيه والثقافه الحقه هى سلوك ومنهج قبل ان تكون معلومات تكدس فى الروؤس ولاخير فى معرفه لايلزمها التطبيق وتوصلت الى مشارق الماركسيه فاشبعت تعطشه واتخذها منهجا فى حياته وقضت على التناقض بين القديم والحديث وعرف من خلالها اسرار التناقض فى ثقافه الغرب فعرفت وغيرى من خلال هذه النظره الانسانيه الحديثه الافائده لفكر لاينتقل بالبشر الى الامام ماديا وروحيا وطرقت باب الماركسيه بعد جهد وتعب وليال من الشك صراع بين مدرستين فكرتين فوجدت فيها راحه طاب مرجها المشرب وبلسما شافيا للتناقضات التى عشنا فيها وعاملا حاسما للتكامل الشخصى والارتواء العاطفى والفكرى ورابطه شديده بين نمو الفرد والمجموعه تلك المشكله التى وقف دونها الكثير حيارى وسلكو فيها دروبا وعره داميه لقد رايت ومازالت ارى ان الانسان حينما يتوصل الى سر الكلمه المكتوبه يضع اقدامه فى طريق شاق تحفه المسئوليات الاجتماعيه وخاصة بلد مثل السودان تفشى فيه الاميه وان الامانه التى يتحملها المعلم تنوء تحتها الجبال فعليه ان يعد نفسه لتحملها ويسعى ويجاهد نفسه لكى يصبح صالحا لاحتمال المسئوليه الاجتماعيه امام مواطنيه ،فهو رائد والرائد لايكذب اهله فالمتعلم الذى يضع نفسه فى قفص عليه قضبان من المصالح الشخصيه والتعصب الفردى عضو مشلول يتهرب من المسئوليه ويعض اليد التى طالما اسدت اليه الجميل.
ان الجمال لايورث القبح والعبوديه والانطلاق لايخلق القيد وان قيم الحريه والجمال لاتقتصر على المتعه الذهنيه التى يصيبها الفرد بل لابد ان تطل المجتمع باسره باجنحتها . وان الحديث عن العدل والمساواه والاخاء لايبحث عنه الانسان فى الماضى فالعالم يسير الى الامام بل يبحث عنه المرء فى حاضره ومستقبله وهو ممكن التحقيق على وجه كوكبنا الارض لا فى جمهورية افلاطون والاقاصيص المثاليه وان الطريق لتحقيق قيم الجمال الاجتماعيه فى ذراتها المتلخصه فى العدل الاجتماعى طريق شاقا ولكنه ممكن"



[align=center]خطاب السيد عبدالخالق محجوب للسيد وزير الداخلية : [/align]

السيد المحترم وزير الداخلية

بعد التحية ،

استمعنا اليوم الى بيان سيادتكم حول مادار فى الندوة التى أقيمت بالمعهد العالى للمعلمين ، مساء الثامن من هذا الشهر ونرجو أن نبدى الآتى :

أولا : أن الطالب الذى تحدى مشاعر المواطنين فى تلك الندوة ليس عضوا فى الحزب الشيوعى السودانى .

ثانيا : ان ما جاء على لسان الطالب يقابل من جانبنا بالاستنكار التام والاشمئزاز .

ثالثا : ان الحزب الشيوعى السودانى يحترم عقائد السودانيين ويحترم الاسلام بصفة خاصة . ولا يمكن للحزب الشيوعى أن يسمح بالاساءة اليه فهو الدين الحنيف الذى تؤمن به أغلبية شعبنا وهذه الحقيقة ثابته فى دستور الحزب الشيوعى الذى صدر قبل ستة أشهر من هذا التاريخ . ويود الحزب الشيوعى أن يؤكد أن صفوفه تمتلىء بالمسلمين وبأصحاب الديانات الأخرى .

سيادة الوزير :

دفعنا لارسال هذا الخطاب اليك حرصنا على سيادة النظام والقانون ومصالح بلادنا العليا التى يجب أن توضع فوق كل اعتبارات حزبية أوسياسية وننتهز هذه الفرصة لنتوجه الى كل القوى الشعبية الملتفة حول الحزب الشيوعى بأن تحافظ على الهدوء وتتحللى بضبط النفس .

حفظ الله السودان المستقل الديمقراطى .

عبدالخالق محجوب عثمان



[align=center]
عبد الخالق يعلق على خطاب الدكتور منصور خالد
فى الملتقى الفكرى العربى 15- 22 مارس 1970[/align]


"يشرف الملتقى الفكرى العربى عل نهايته عندما أدفع بهذا التعليق للمطبعة ، وسيكون تقييم هذا الملتقى محل جدل قد يطول أمده أو يقصر وفقا لما أصاب من نجاح أو فشل وما قدم من اسهام يضاف الى الملتقى الفكرى السابق بمدينة الجزائر . لهذا السبب وغيره لا أرمى من وراء هذا التعليق الى تقييم هذا الملتقى قبل أن تكتمل الصورة وتتوفر العوامل المساعدة لانشاء مثل ذلك التقييم . .
ولكن ما دفعنى كتابة هو الحديث الذى أرسله السيد وزير الشباب (الدكتور منصور خالد ) فى مطلع الملتقى لأنه يمثل منهجا فى التفكير أثر على الهيئة التى طلع بها الملتقى الفكرى ، ولأنه تناول قضايا فكرية خطيرة بت فيها بالرأى وقطع فيها بالحجة المنهج الذى جرى كالخيط المتصل فى حديث الدكتور منصور سمته وطابعه الغالب الفصل بين الفكر والتطبيق ، بين النظرية والعمل ، سأدخل فى باطن هذه النتيجة فيما بعد بقدر ما لاحظت من تفاصيل ، وفى رأيى أن هذا المنهج الفكرى هو الذى صاغ الملتقى الفكرى على الهيئة التى خرج بها بما طرح من قضايا وما قدم من حلول من قبل مهندسى هذا الملتقى ، فالنظرة السريعة لجدول أعمال الملتقى تدعم هذه الحجة اذ أن القضايا المطروحة قدمت بصورة مطلقة وبطريقة معزولة عن أخطر المشاكل التى تواجه الفكر العربى والعمل العربى على حد سواء .
وفى رأيى أنه من المستحيل مناقشة القضايا النظرية للثورة العربية بعيدا عن المشكلة الجوهرية التى تواجه الجماهير العربية ، وأعنى هزيمة يونيو 1967 . وما دفعت به من قضايا على رأسها الاحتلال الأجنبى للأراضى العربية ، وما تفرع من هذا الواقع من مشاكل فكرية وعملية . ,
لقد وقعت حرب يونيو ، لا ينفى من وقوعها حقيقة أنها حرب خاطفة حسم أمرها فى ستة أبام أو أقل من ذلك بكثير ، كما لا ينفى نتائجها الادعاء بأن الجماهير . لم تشارك فيها . وكل الحجج التى قيلت تبريرا لواقع الهزيمة لا تنفى ذلك الواقع و تقلل من ثقله والحرب هى الامتحان العسير الذى لا تخطىء مقاييسه ، لا فى تقييم الأجهزة العسكرية وحسب بل فى تقييم الأجهزة الاقتصادية والسياسية والفكرية .
وحرب يونيو طرحت للتفكير وللتفهم النظرى كافة أوجه النشاط الثورى العربى خلافا لحرب 1948 . فالصوت العالى فى عام 1948 كان للقوى الرجعية بينما كان الصوت المدوى عام 1967 للقوى الثورية العربية .
فكيف اذن يمكن مناقشة الأرضية التى التى تتحرك منها الثورة العربية مثلا أو المرتكزات الفكرية والروحية لها -
الى نهاية جدول الأعمال الذى وضعه مهندسو الملتقى الفكرى بعيدا عن واقع الهزيمة ، وما أثارت من رؤى جديدة وما أجرت من تحديات للفكر الثورى العربى .
العقبة الأساسية :
لا يستطيع الانسان أن يفهم فكرا اشتراكيا يتناول قضايا الاشتراكية ويبحث عن التراث الروحى والفكرى للثورة العربية بعيدا عن المعاناة العملية للجماهير العربية فى هذه اللحظات الحاسمة من تاريخها . كما أن هذا بعيد أيضا عن منابت الفكر الاشتراكى الجاد فى البلدان العربية وهو الذى نما عبر نضال طويل وقدم وفق قدراته الحلول للجماهير العربية وهى تخوض معاركها المختلفة بطريقة تحترمها الجماهير وترد على تساؤلاتها ان لم يغرز أرجله فى تربة الوطن وبين معاركه التاريخية الحاسمة . فقد طرح واقع الهزيمة بحدة أمام الجماهير العربية حقيقة أن الاستعمار الحديث وفى مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية هو الذى يهدد الوجود العربى وهو العقبة الأساسية أمام انطلاق حركة الثورة العربية. الجماهير العربية تنتظر من مفكريها الجادين أن يمدوها بالزاد النظرى لتجمع قواها وتستجمع أوصالها فى معركة هائلة ضد هذه العقبة الخطيرة التى تسد المنافذ أمام الثورة العربية. وقد كان ملاحظا من الكثير أن السيد وزير الشباب - هو الذى يطرح بحكم توليه أمر الندوة وجهة نظر الشعب السودانى . جاء خطابه خاليا من هذه القضية الجوهرية. وعندما يشير السيد الوزير من بعيد الى تلك القضية ، يطرحها بطريقة غامضة كحديثه عن الضغوط الأجنبية والنفوذ الأجنبى .
استشهادا بقول الرسول (صلعم) "أعوذ بالله من علم لاينفع " . ورجوعا الى النظريات الثورية الحديثة وفى مقدمتها الماركسية اللينيينية , والنظرية مرشد للعمل ، ونجد أن الفصل بين الفكر والعمل قاد الى تقديم الندوة بهيئة لا تتمشى واحتياجات الثورة العربية فى ظروفها الملموسة الراهنة . والملتقى بهذه الهيئة لن يضيف الى محصول ندوة الجزائر عام 1967 ، كما اننى أشك كثيرا فى تأثيره على حركة النضال الشعبى العربى .
لقد نشأ هذا الموقف فى تقديرى من المنهج الذى سلكه السيد الوزير فى معالجة قضايا العمل الثورى كما اشرت من قبل . فهو يطرح المنهج السوسيولجى على حد تعبيره بداية بالنظر فى التراث العربى ونهاية بمعالجة قضايا الماركسية اللينينية . وهذا المنهج ليس جديدا على الفكر البشرى ، بل هو يمثل مدرسة كاملة بين مفكرى أوربا الغربية فى فرنسا وبين خريجى معهد ماساسوتش للتكنلوجيا (فى الولايات المتحدة) . محتوى هذا التفكير أنه يفسر المجتمع ، تفسير التاريخ ولكنه يحرر كل نظرية اجتماعية من محتواها الثورى . فالمعرفة فى نظره ان كانت تراثا قوميا أو انسانيا لا تعالج بوصفها محصول الجهد البشرى الثورى فى اكتشاف قوانين الطبيعة وتطويعها لارادة الانسان ، وفى اكتشاف قوانين التطور الاجتماعى والقوانين الباطنية لتطور الفكر بل تجرد من الحركة وارادة الانسان فى التغيير وسعيه الدائب للاستحالة والتغ ي ير من حالة الى أخرى . وقد ورط هذا المنهج السيد الوزير فى أخطاء منهجية كبيرة . فالملتقى حسب ماأعلن عنه ، ملتقى للمفكرين الثوريين العرب ، والثورة هى التى تغير المجتمع . ان السوسيولوج يا تبحث عن تفسير المجتمع أصابت النجاح أم لقيت الفشل . ولكن الفكر الثورى لا يضع تفسير المجتمع وحسب بل يستهدف من التفسير وبارادة كاملة اكتشاف القوانين التى تغير المجتمع والعمل لا حداث ذلك التغيير أو الثورة . وفى هذا تكمن منعة النظريات الثورية التى تثير ضجة كبرى فى عالم اليوم ، وتترك أثار أقدامها واضحة على الأرض التى تعبر من فوقها البشرية فى موجات متتابعة للوصول للمجتمع الفاضل .
تصور خاطىء
بهذا التصور الخاطىء اقترب السيد الوزير من قضايا عصرية مقدمة فكان أمرا طبيعيا أن يصل الى نتائج ممعنة فى الخطأ . لقد صور الوزير الفكر الماركسى فى هيئة التحليل النقدى الأكثر تطورا للمجتمع الأوربى المسيحى ، وهاجم المثقفين اليبراليين من العرب الذين يرفضونه بغباء وان كانت الماركسية كما صورها الدكتور منصور تحليلا ناقدا للمجتمع الأوربى المسيحى ، فما غناها لمفكر عربى يريد تغيير مجتمع ليس أوربيا وليس مسيحيا ؟
وفى اعتقادى أن المنهج السوسيلوجى الذى يتبعه الدكتور الدكتور منصور هو الذى أوقعه فى هذا التناقض البادى للعين . وباعد بينه وبين الحقيقة . صحيح أن الماركسية نشأت فى أوربا فى القرن التاسع عشر ولكنها كانت فى شقها الاجتماعى الاقتصادى تحليلا ناقدا للمجتمع الرأسمالى . والرأسمالية كما يدرك كل متعلم ليست جنسيتها قاصرة على أوربا ، كما أن دينها - ان كان لها دين - ليس قاصرا على المسيحية . لا أريد أن أرجع الى الشواهد التاريخية فى تطور العلاقات الرأسمالية عبر تاريخ الانسانية حجة على ما أقول ، اذ أن مثل هذه الشواهد أصبحت من بين المعلومات العامة التى ي د ركها كل متنور .
ولأن الدكتور منصور يحلل تطور المجتمع الانسانى ونضال الجماهير من أجل التقدم على أسس حضارية متعارضة فهو يقدم صيغة غريبة للمفكرين العرب فيما يخص النظرية الماركسية .انه يدعو لقبول علاقات الانتاج فى المجتمع الاشتراكى مع رفض الجوانب الفلسفية الماركسية والتى حددها فى "نظرية الحركة عن طريق النقائض ، والنظرية الجبرية التاريخية ، وفكرة نهائية العلم والرؤيا المستقبلية للمجتمع المذهبى" . وقد استشهد فى دعوته بالتجربتين المصرية والجزائرية . وكان الدكتور الداعية للتفسير الحضارى يصور الفلسفة الماركسية جزءا من الحضارة الأوربية المسيحية التى لا يقبل ها التكوين العربى ، فى حين أن القسم العملى منها الذى لا يؤثر على حضارتنا (الاقتصاد) يمكن قبوله . هذا فى تقديرى تصور متعسف للنظري ة الماركسية ، وهى كل لا يتجزأ . فالتنظيم الاقتصادى على الخط الماركسى نتيجة منطقية للمنهج الماركسى فى المعرفة ومحصول طبيعى لكل من المادية التاريخية والفكر الجدلى وهما لب الم ا ركسية . اذا رجعنا الى كتاب رأس المال - ومكانته معروفة فى الفكر الماركسى - نجد أنه تحليل نقدى للانتاج الرأسمالى ولكنه فى نفس الوقت تجسيد للتفسير المادى للتاريخ ، والمنهج الجدلى الماركسى . وما كان لمؤلفه أن يصل الى نتائجه التى يقبلها الدكتور منصور منظمة للاقتصاد العربى الحديث ، من غير أن يتوسل اليها بأدواته الفلسفية . ان النظرية الاقتصادية لفائض القيمة التى يقوم عليها تنظيم المجتمع الرأسمالى هى السند لفكرة الصراع الطبقى وهى التى تؤدى فى نهاية الأمر الى الى تصور الماركسية لحرية الانسان وزوال غربته فى المجتمع اللا طبقى . فكيف يمكننا أن نخرج الاقتصاد الماركسى من هذا النسيج الدقيق كما نخرج الشعرة من العجين ؟
نظرية علمية شاملة :
أن الفكر العربى مدعو اليوم لمواجهة مشاكل جماهيرية ملموسة . مدعو لطرح نظرية علمية شاملة تواجه الاستعمار الأمريكى والصهيونى فى الأرض العربية ، تعيد استكمال الحرية الوطنية ، ومواجهة فى الشق الاجتماعى لطرح نظرية تخرج الجماهير العربية من الفقر والشقاء والتخلف الى رحاب المجتمع الاشتراكى ، والنظرية الماركسية منهجا وحصيلة عمل يقدم تحليلا ناقدا للاستعمار الأمريكى والصهيونية . ويقدم دعوة واضحة لاتحاد الجماهير الكادحة فى النضال ضد تحكم الطبقات الرجعية العربية ومن أجل الاشتراكية . وأزمة مجتمعنا ليست أزمة حضارية كما يحتج الدكتور منصور بل هى أزمة المنظمات الثورية والفئات الاجتماعية النشطة فى حقل الثورة السياسية والاجتماعية ، تلك الأزمة التى تحول بينها وبين قيادة الجماهير لحل مشاكل الثورة الوطنية الديمقراطية العربية ثم الانتقال لبناء الاشتراكية . وفى هذا التضال لا مفر من طرح الماركسية اللينينية . وحركة الجماهير هى الحكم . وهى التى تقرر الطريق الذى تسلكه دون وصاية ولا احتكار لمفكر او غير مفكر .
وفى هذا الفرز المبتسر للجانب الاقتصادى للماركسية والجانب الفلسفى منها تورط أيضا السيد الوزيرحينما صور الجانب الفلسفى فى الماركسية على الهيئة التى أورتها من حديثه . لقد هوجمت الماركسية تقليديا بأنها تدعو لجبرية التاريخية وتحجب ارادة الانسان فى تغيير مجرى التاريخ . وهذه حجة قديمة مردودة اذ أن ماركس قدم القاعدة المادية بوصفها الحاسمة فى تطور التاريخ بين عدة عوامل أخرى فى التركيب الفوقى للمجتمع . وهذه ميزة كار ماركس الكبرى كعالم اجتماعى دفع بالتاريخ الى مجال الوضوح النسبى وأخرجه من متاهات الاستنتاجات الذاتية التى تفقد المقياس والمؤشر فى نهاية الأمر . وعندما يقول ماركس بأن نظريته لا تدعو الى تفسير المجتمع بل الى تغي ي ره . وعندما يطرح للقوى الاجتماعية المكلفة تاريخيا بتغيير المجتمع شعاره المعروف : يا عمال العالم اتحدوا ، فانه يفتح الباب على مصراعيه للارادة الانسانية المدركة لذاتها أن تتدخل وتصوغ تاريخ البشرية وفقا لمتطلبات التقدم لا أظن بأننى سآتى بحجة جديدة فى دحض ما أقول . فكلانا يغترف من ماعون اغترف منه الكثير خلال أكثر من قرن من الزمان . أما فى نظرية الحركة فان اسهام ماركس الفلسفى لم يرد فى حيز نظرية المتناقضات التى سبقه اليها أستاذه هيغل بل ترد على وجه التحديد فى أنه قلب جدلية هيغل رأسا على عقب وأخرجها من حيز التفكير الميتافيزيقى الى حيز التفكير المادى والفلسفى المادية . والخطأ الذى وقع فيه دكتور منصور خطأ شائع وذائع أمره بين الكثير من المثقين الذين قرأو ا عن الماركسية ولا يقرأونها .
ويكفينا هذا وسأعود فى مناسبة أخرى لمناقشة قضية "نهائية العلم" كما فهمتها من حديث الدكتور منصور .
المنهج السوسيولوجى :
ولقد أورد المنهج السوسيلوجى الدكتور منصور موارد الخطأ أيضا فى تفسيره لا تجاهات فكرية عربية قديمة وحديثة على السواء . أن ملتقى المفكرين من الثوريين العرب تطرح أمامه بالحاح قضية النظرية الثورية التى يمكن أن تقود الجماهير العربية الكادحة فى النضال ضد الاستعمار الحديث والصهيونية ، وفى سبيل استكمال الثورة الديمقراطية والتوجه نحو الاشتراكية . وعندما يعرض هذا الملتقى لتراث العربى فانما يعرض له ليفرزه وليبنى من فوقه الأفكار الثورية الاجتماعية والسياسية . بين تراثنا نظريته الثورية لتغيير المجتمع العربى فى الثلث الأخير من القرن العشرين ومن فوق واقع الاحتلال الجاسم على صدر الأمة العربية . لا ينكر أحد أن الفكر العربى فى سالف أيامه أسهم اسهاما كبيرا فى ميادين الرشد والعلم . فابن خلدون توصل الى نتائج جزئية فى علم الاجتماع , بل يمكن القول بأنه تصدى للتفسير المادى للتاريخ بقدر محصول عصره من المعرفة . وكل من أورد الوزير ذكره من العلماء الأجلاء أسهم بقسطه فى تنمية المعرفة وفى اثراء منهج العلم القائم على التجربة . لا جدال فى هذا . ولكن العلم يولد تقليديا نظرية ثورية تكون الجماهير العربية زادها وعدتها فى المعركة المصيرية الراهنة . ان العلم ، وقد استقر بين الفكر الأوربى خلال فترة النهضة ثم فترة التنوير والثورة الصناعية لم تتولد منه بصورة عفوية النظرية الثورية التى نقدت المجتمع الرأسمالى ، بل أن ارادة الانسان وفعالية الفكر وتعمده هى التى ولدت النظرية الاشتراكية بعد أن تهيأت لولادتها الشروط الموضوعية اللازمة . ان استكشاف الجوانب المضيئة فى حضارتنا العربية ووضعها فى مجرى الحضارة الانسانية أمر لايختلف حوله اثنان . ولكن المشاكل التى تواجهنا عموما تقع فى ميادين أخرى غير هذا الميدان . فالصدام بين الشعوب العربية والاستعمار الأمريكى لا يرجع لصراع بين الحضارة العربية والأمريكية . بل يرجع للطبيعة التوسعية للنظام الرأسمالى الأمريكى . وتخلف مجتمعاتنا فى القرن العشرين وقصورها عن تحقيق مجتمعات اشتراكية متقدمة لا يرجع لتنكبنا طريق السلف الصالح أو لننا أولينا ظهورنا لمجتمع فاضل كنا نعيشه فى الماضى ولكن لأننا لم نستطع أن ندخل الوعى الاشتراكى بين جماهيرنا الكادحة المجاهدة، وأن نفجر طاقاتها لتهدم العلاقات الاجتماعية القديمة وتبنى فوقها علاقات متقدمة تستشرف الاشتراكية . ومايفيد من تراثنا فى هذا الميدان هو ما بذل الثوار العرب عبر تاريخنا الطويل فى سبيل نصرة الحق ، والتصدى لمشاكل الجماهير العربية المغلوبة على أمرها . وما قدم أولئك الثوار من نظريات تدعو لتقدم المجتمع وتطوره والتفكير العلمى الذى وطد أركانه المفكرون والعلماء العرب الذين ذكر السيد الوزير طرفا من أخبارهم يمكن فى حركة البعث العربى المعاصرة أن يسهم بدوره فى اقرار العلم منهجا للفكر الثورى الداعى لتغير المجتمع والعامل فعلا لذلك التغيير . كل ذلك يتم على أساس منهج نقدى يربط حاضر حركتنا الشعبية بماضيها .
حاضر الفكر العربى :
وهذا الخلط فى فهم مايدخل من تراثنا فى بنية النظرية الثورية التى تقود حركة الجماهير العربية - وهو خلط ناتج عن المنهج الخاطىء الذ سلكه الدكتور منصور خالد - قاد صاحبه أيضا الى أخطاء فى تق ي يم حاضر الفكر العربى . فهو على سبيل المثال يورد سلامة موسى رائدا من رواد "الاسلوب الاشتراكى طريقا للحياة" ، وهذا خطأ تردى فيه المتحدث . ان اسهام سلامة موسى الحقيقى فى الفكر العربى هو طرحه للمنهج العلمى وتقديمه لنظرية النشوء والارتقاء الداروينية . ونستطيع أن نقول أنه والدكتور مندور كانا من رواد الفكر الليبرالى فى المنطقة العربية . صحيح أن الأستاذ سلامة موسى فى بعض ما أنشأ الى الاشتراكية ولكنه كان متأثرا بالاشتراكية الفابية التى سقطت فى معارك التحرر الوطني لأنها اشتراكية الأقسام العليا من الطبقة العاملة الأوربية المتشابكة المصالح مع الاحتكارات الاستعمارية . كذلك يظل تحليل الدكتور منصور قاصرا حينما يعرض للتجربة الثورية فى كل من مصر والجزائر ، وال م ؤثرات الفكرية التى أحاطت بهما ، ليقفز من فوق مقدمات تاريخية طويلة ليصل الى ما قبلت الثورتان من النظرية الماركسية وما رفضتا . ان هذه المقدمات هامة وخاصة فى تفهم الثورة المصرية . يمكننا أن نلخص هذه المقدمات فى قولنا بأن الثورة المصرية طرحت أفكار التقدم الاجتماعى بعد أن خاضت تجارب طويلة كثورة وطنية ضد الاستعمار البريطانى ومن بعده الاستعمار الأمريكى . خلال هذه التجارب حققت مصر استقلالها الاقتصادى وبدأت تواجه مشاكل التنمية الداخلية . ولكن الضغوط الاقتصادية ذات الطابع الاستعمارى جعلت من المستحيل تحقيق الأمن الوطنى والتقدم الاقتصادى من غير اللجوء الى قطاع الدولة فى الانتاج . وقد كان دخول هذا القطاع فى قيادة الاقتصاد المصرى وخاصة بعد اجراءات يوليو هو الأساس المادى للأفكار التقدمية والاجتماعية الجديدة . أعتقد أن هذا الطابع الوطنى ال ج اد للثورة المصرية هو الذى جعلها تميل فى الميثاق الى أفكار اجتماعية فيها كثير من الصلابة . وبها رفض قاطع للاشتراكية اليمينية الوافدة من غرب أوربا . والميثاق خلافا لتقييم الدكتور منصور يأخذ بعض الجوانب الفلسفية الماركسية كما صورها . فهو يقر المنهج الطبقى فى تحليل الحياة السياسية المصرية ! ويؤكد حتمية الحل الاشتراكى تاريخيا . كذلك نلحظ فى التجربة المصرية غياب نظرية شاملة ومنهج شامل قاد خطواتها للوصول الى أفكار التقدم الاجتماعى التى طرحت بوضوح فى الميثاق . أكد الميثاق هذه الحقيقة عندما أكد أن "هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثورى من غير تنظيم سياسى يواجه مشاكل المعركة . كذلك فأن هذا الزحف الثورى بدأ من غير نظرة كاملة للتغيير الثورى ."
* ميثاق العمل الوطنى :
ان تقييم هذا العامل أمر هام بالنسبة لتقدم العمل الثورى العربى ، فبعض المفكريين اليمينيين يصنعون نظرية كاملة لتبرير غياب النظرية الشاملة فى العمل الثورى العربى استنادا الى التجربة المصرية . محتجين بأن الفكر العلمى يقوم على "التجربة والخطأ" وفى اعتقادى أن غياب النظرية الشاملة أضر بمسيرة الثورة فى مصر وأخر من خطواتها كما أنه حرمها فترة من اتخاذ مكانتها التاريخية بين النسيج الثورى فى المجتمع المصرى قبل ثورة يوليو . وقد كان وضع الميثاق ثم ما أعقبه من نشاط سياسى فى مصر تصحيحا لتلك الثغرات ، فعندما يطلع بعض المثقفين مبشرين الآن لغياب نظرية شاملة للتطور فانما ينسخون تجارب طويلة وحقبة غنية من تاريخ الثورة المصرية . والخطير على الفكر العربى هو احتجاج هؤلاء المثقفين بالتجربة والخطأ فى كل ميادين المعرفة الاجتماعية . ان مقياس التجربة والخطأ هو المقياس العلمى مافى ذلك شك . والمثقفون الداعون لذلك لا يضيفون جديدا الى ماهو معروف لدى كل من له قسطا قليلا من التعليم . ولكن التجربة والخطأ شىء والدعوة الى فقدان المنهج ، الى فقدان النظرية شىء آخر . الأول صحيح لأنه المقباس الوحيد لمعرفة صحة العموميات النظرية والثانى خطأ لأنه دعوة للتجريبية وهى فلسفة متكاملة تلغى وجود الحقيقة . والأخطر فى هذه الفلسفة أنها عندما تطبق فى العمل السياسى تفقده كل محتوى ثورى وتشكل عقبة خطيرة فى نضال نضال الشعوب وقضاياها . اذا طبقت هذه النظرية فى ميدان النضال الوطنى أنزلت عليه الخراب لأنها تحرم الشعوب من يقينها الواقعى فلا صديق للشعوب ولا عدو لها الا بعد التجربة . وان طبقت أيضا فى ميدان التغيير الاجتماعى نسفت كل جهد شعبى فيه ، فلا منهج يتبع ، كما أنه ليست هناك صيغة للمجتمع التقدمى أو الاشتراكى يناضل الشعب من أجلها .
فى رأيى أن تبرير الفترة التى غاب فيها منهج العمل الثورى فى مصر ، وتقديم نظرية لهذا الموضوع كما فعل الدكتور منصور فى وقت تجاوزت فيه التجربة المصرية هذه الفترة ، دعوة واضحة للتجريبية. وهذا خطر على نضالنا الوطنى ضد الاستعمار ، وعلى نضالنا الديمقراطى من أجل التقدم الاجتماعى والاشتراكية . وهو خطر أيما خطر فى فترة نحن أحوج مانكون فيها لنقد أنفسنا وللبحث العميق فى ذواتنا لكى نخرج بالنتائج السليمة من واقع هزيمة 1967 . وهو أيضا منهج خطير بالنسبة للثورة السودانية التى تأتى فوق مطامح عالية للجماهير الشعبية فى بلادنا وقد حرمت لأكثر من ثلاثة عشر عاما من جنى ثمار الاستقلال فى كل ميادين العمل السياسى والاجتماعى على حد سواء . ان نجاح التجربة الشعبية التى يخوضها شعبنا منذ الخامس والعشرين من مايو يشمل كل الجماهير الكادحة ويشركها فعلا فى النشاط الخلاق لتغيير الواقع الاقتصادى الى ثورة اقتصادية تصلح جذور التخلف . والتفكير البراغماتى الداعى لغياب نظرية شاملة للعمل الثورى يخلق هوة بين مطامح الجماهير وحركة الثورة السودانية لتلبية هذه المطامح . هناك رغبة مشروعة فى فى التغيير الاجتماعى الحاسم والسريع ، وهناك توقف انتظارا لاكتشاف الحقائق المتغيرة على الدوام وفقا للنظرات الذاتية العملية لدعاة الفلسفة البرغماتية .
لقد أطلت وشفيعى فى هذه الاطالة المملة أن حديث الدكتور منصور مس قضايا فكرية خطيرة ذات أثر على الثورة العربية والثورة السودانية رأيت من المهم التصدى لها ومانلتها جميعا . ولكل مقام مقال ولكل شيخ طريقته."



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-12-2007, 02:09 PM   #[28]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

[align=center]في رثاء الشهيد عبد الخالق محجوب
كمال الجزولي

طبلان .. واحدى وعشرون طلقة ل 19 يوليو
" الى الذين نصبوا متاريس الفرح الجرىء عصر يومنا التاسع عشر من سنة الواحد والسبعين "


الطبل الأول

الشعر الليلة - مطر الدم ، رعاف يهدر فى الفم
صخاب ظهر أبى ، وخصيب رحم الأم ،
فلنشعل تار "الدوبيت" اذن ، ونوقد جمر النم
ولنعرض ببنادقنا وسط الأصوات

الطبل الثانى

أجيد القول - الليلة - فى المسحوقين ،
فى الناس الغبش
على طول السودان ،
وكل بيوت الطين ،
فى المارد فى وثبته ،
القابض جمر الحق ،
الرائع فى وقفته ،
تنداح سنين الزهو ، الحقد ،
الحزن على "جبهته" ،
أقول.. أعيد القول - الليلة - فى قوته ..
وبطولته ، وأفاخر .. بالتاريخ وبالصولات

الطلقة رقم (1 )

امتطت الريح الصهوات ،
ترجل قرص الشمس وأحنى النخل الهامات
سقط العقرب فوق العقرب
كان اليوم التاسع عشر ،
دقات الساعة أتت أربع مرات
الزمن الأول
الزمن الثانى
الزمن الثالث
الزمن الرابع
الزمن الوهج الزمن المازوت
الزمن الغائر بعد الظهر ،
الزمن النسر ،
اندفع الى الأضلاع ، الى الأعراق ، الى الحدقات
لما جلجل سلح القصر
وانهمر الصحو برش الفرح المجهد
فى الطرقات

الطلقة رقم (2 )

هذا فجر العيد تدلى
فى الآفاق مشانق ،
الباشق حلق فى
اثر الباشق ،
وتهاوى النجم رواشق

الطلقة رقم (3 )

آتون الساعة فى "الهبباى " ،
وفى الأمطار ..
وفى الوهج الغاضب .. فى حقد
" خماسين " ،
فى طمى النيل الخالق ..
فى نار التكوين ،
فى قمة "كررى" ، من حيدوب "
من "التاكا " ،
من "مرة" آتون ،
آتون من العلو السامق
آتون كما الومض البارق
مرحب .. مرحب عبدالخالق
الليلة أطفال السودان على
طول الطرقات ،
ينتظرون قدومك بالحلوى ، بالرايات الحمر ،
وبالباقات ،
أطفال السودان الجرحو الحدقات ،
يا عبدالخالق ..
من ولدوا ليل الثامن والعشرين
من يوليو
عام الغضب الحارق ،
ينتظرون على طول الطرقات
بالحلوى ..بالرايات الحمر
وبالباقات ،

الطلقة رقم (4 )

قلب الشاعر شاهد ،
قالوا فى الحكمة ،
فى أمثال الناس ..
وأنا ينهال القلق على ،
الواحد .. بعد الواحد
أعرف هذا الاحساس
أدركنى فى القرن الماضى ،
عند سقوط الخرطوم ..
لحظتها كانت "موسكو "
تتلفع بالمغرب
والشفق الأحمر ليس دما
الشفق الأحمر بحر نبيذ
وأنا .. والراديو
لا نتعب ،
لا يغشانا النوم
أعرف هذا الاحساس
أدركنى فى القرن الماضى ،
عند سقوط الخرطوم
أدركن و
بركان القلق تفجر ،
هطل الشدو من الحلقوم ،
تحدر
فوقفت أغنى عارى الصدر
وحافى القدمين ،
فى وسط الميدان "الأحمر "

الطلقة رقم (5 )

من هذا القادم ؟
من هذا الفارع كالنخلة ..
الأسمر .. حقل الكاكاو القاتم
والسيف المصقول الصارم ،
والدرع الفاحم
من هذا ال
ويحى
ذلك هاشم
ذلك هاشم

الطلقة رقم (6 )

وتعدد صوتك عبر المدن المسروقة
أشعل شط النيل
ودوى فى الحارات المسحوقة
السلطة للعمال
لعبيد أرضى .. لكل جريح وشح دمه
" بيت المال "
لكل عريس أوقد نارا
ثم مضى .. "اكتوبر "
ولكل شريف فى "كوبر "
ولتذهب لجهنم حنجرة الزيف المخنوقة

الطلقة رقم (7)

زغرودة أمى أعرفها ..
من بين ملايين
الأصوات ،
أميزها ..بالشرخ الراعف فيها
بالآهات
زغرودة أمى لك وحدك
هذه الليلة ،
وأبى حمحم مثل الفرس الأصهب
صال وجال
هز السيف وأنشد شعرا
كالشلال ،
" لشفيع" الناس المقهورين ،
" شفيع" الموج الأول فى
بحر العمال
من هدروا خلفك ظهر الثانى
والعشرين ،
جاءوك - الليلة - من "جودة " ،
من ورش الصهر ..الترميم ..الوابورات
جاءوك على مر الأجيال
فتعال ..تعال .. تعال
أهلا بك أهلا ..
ان لم يحملك الرأس ،
أشيلك فوق الكتفين
اخضر الساعد .. هبت
ريح المد ،
واجتمع العقد ..
بايعلو فوق
السد ..
هانحن - الساعة ننسج فى عينيك
وشاحا .. وجديلة ،
وهلالا يسطع فوق جبين
الغد

الطلقة رقم ( 8 )

زحفت على اسلاك التلفون ،
وطرت مع الريح .. مع الرعد
مع الحقد الملعون
وسبحت أنا .. حتى انقطعت
أنفاسى ،
بين "الأسود" و "المتوسط "
وركضت .. ركضت ..كما الفرس المطعون ،
يا أمى
وعبرت النيل اليك ،
وعند الشاطىء كنت أرى ،
ما أبشع ما كنت أراه ،
" كتشنر" يعود بخوزته الحجرية ،
وجنود بصديد فى الصدر ،
وقمل فى الأفواه
وأنا أركض يا أمى
فيك ،
ألملم تاريخى .. وأخترق المدفع
كى أحميك
أركض .. أركض مثل الفرس
المطعون ،
لكن الطاعون
اجتاح عروقى تلك الليلة يا أمى ،
أوغل فى عينيك
" كتشنر" .. الطاعون .. الغدر
الخوزات الحجرية
جاءوا يا أمى من كل حقول النفط .. الذهب
ومن شط "الأبيض" و "الأحمر "
من عمق الصحراء الغربية !
وتشبثت بكفيك .
كبوت .. نهضت .. رفعت الرأس اليك
ورأيتك يافرحى
شامخة أنت .. كما أنت
كما النار الخالدة الأسطورية

الطلقة رقم (9)

الكوكب مختل العقل
الكوكب مهر جمح .. فدار ودار
وسقط على الوجه ،
لما أنهكه الاعياء
وأنا أرجو يا كوكبنا
لو أوهب مقدرة
لأعيد على وجهك ترتيب الأشياء
لكنى
ولأنى لست بساحر ،
و لأنى لا أملك غير المزمار الثائر ،
فسأبقى - معذرة - أنفخ فى رئتيك أناشيدى
حتى تنهض من هذا الاغماء !

الطلقة رقم ( 10)

تحترق لهاتى حين أغنيك ،
تلتهب العينان ..
يركض صوتى ، يعلو يهطل فوق
شوارع أمدرمان
أقسم أنى ما غنيت لسلطان ،
ما شلت العيب ، ولا مارست العهر
على رئة "الطنبور "
لكن الساعة يا بابكر النور ،
أطلق شدوى ،
أعزف فوق الجرح الغائر فى صدرى
أجعل من أضلاعى ربابة
ياروحى ،
وأحلق فى أنفاسك عبر عذابات السودان !

الطلقة رقم ( 11)

أمدد كفك يا "فاروق " ،
أبشر بالخير ،
أزهر جرحك ..
نبت القمح الأسمر
فوق جبينك .. سقسق فى عينيك
الطير،
وفاح نزيف دمائك فى الصحراء ،
وهاش خريف
أمدد كفك ،
لمع التاريخ على فوهات بنادقنا
يا قلبى الراعف
شب على حد السيف !

الطلقة رقم (12)

باعوا الغابة يا جوزيف !
باعو المانجو الناضج والنى باعوا "البفرة " ،
والرمح وبوق الصيد ،
باعوا كل طبول العيد
يا جوزيف .. وسحر قبائلنا ،
وثن ألأبنوس .. وسن الفيل
والكوخ النائى .. والأمطار
وكل تماسيح النيل ،
باعوا الفيضان و أثداء الفتيات
الأبكار ،
والماعز .. والأبقار ..
يا جوزيف ،
باعوها لأنه السوق القادم من
كل فنادق أوربا
من كل عصور الزيف ،
بالويسكى بالموهير اللامع .. والدولار !
برباط العنق .. وبالدبوس الذهبى
وبطاقات ال
وختم الماس !
لكن الناس !!
لكن الناس !!

الطلقة رقم (13)

أجمل أطفال السودان
لم يولد بعد ..
أحلى زهرات الغد
ما نبتت حتى الآن
كلنا نقسم بالايمان :
أن الأشجار ستطرح أطفالا
لم أشهد أجمل منهم عينان
فالسلطان
غول من قش
والعرش
قنبلة تحت السلطان !!

الطلقة رقم (14)

ابعد مكانك يا عثمان،
يقترن "الأبيض" "بالأزق" فى جرحك ،
فافتح جرحك للآخر
يتلاقى "حرس القصر" بغضب الشارع
فى جرحك
فأفتح جرحك للآخر
يا سيف الصاعقة الباتر ،
لا وقت - الليلة - للأحزان !
لا وقت - الليلة - للأحزان !

الطلقة رقم (15)

عيناك الجمر !
يا "ود الريح " ،
كتفاك قلاع النخوة .. والفخر
أنشد - هأ نذا - فى مدحك ،
أنشد للماضى ، والحاضر حين اعتنقا
لما وثب "الماظ" بمدفعه
وتهدم فوقك "مستشفى النهر " !

الطلقة رقم (16)

زين الفرسان سلاما ،
" ودالزين "
زين الشرفاء المأزومين
أشعل قنديلك يا شبل الأهوال ،
" مهيرة" أمس تنظم فيك
عقود المدح الليلة
أختى ماحت وسط الساحة "بالشبال "
فالبرق القبلى "شال " ،
يا ود الزين ،
وعرق العزة وهوة عبر الأجيال !

الطلقة رقم ( 17 )

ما كنت جميلا يا وطنى
كجمالك ذاك العصر
لما فجرك القهر ،
فى بدنى
مثل الديناميت ،
وفجرنى !

الطلقة رقم ( 18 )

لا يجنى الموت سوى الموتى
فارفع قلبك للريح ،
يا عبد الحى
كقرنفلة حمراء
للريح ،
لا يجنى الموت سوى الموتى
وأدلقك دمك المسفوح
ليعطر حارات بلادى
يا عبد الحى
فيوقدها
بيتا .. بيتا

الطلقة رقم (19)

حار دلوك يا حاردلو
حار دلوك يا ولدى
من لهب الرفض
ولهذا أنت ستعلو
دوما كالبيرق تعلو
وسنضفر من شريانك

الطلقة رقم (20)

عبد المنعم طبل العز ،
" نحاس" الغبرة ،
عبد المنعم .. جبل
قل "للباشا" : كنت
اذا صدقت سراب
فنحن رضعنا - قبل اليوم
دماء الثورة !

الطلقة رقم (21)

فقأوا عينى
وكسروا يا وطنى
منعوا عنى ضوء الشمس
لكنا لا بأس
فأنا أعصابى أوتار ،
وسأحفر كلماتى
فوق جدار السجن
باظافرى[/align]



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-12-2007, 12:38 AM   #[29]
الجيلى أحمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الجيلى أحمد
 
افتراضي

(عبد الخالق
أب قلبآ حجر)

ياشباب ممكن تنزلوها بصوت وردى...??



التوقيع: How long shall they kill our prophets
While we stand aside and look
Some say it's just a part of it
We've got to fulfill de book
Won't you help to sing,
These songs of freedom
'Cause all I ever had
Redemption songs
الجيلى أحمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-12-2007, 10:26 PM   #[30]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي

اتقدم بطلب للامين العام و ادارة المنبر بنقل هذا البوست لمنتدى التوثيق ، مع تحياتي للجميع و كل عام و انتم بخير.



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 07:09 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.