وما الناسُ بالناس الذين عرفتهم !!! عبد الله الشقليني

إلى د. طلال فى حربه العادلة و قيادته الماثلة !!! معتصم الطاهر

الجن وعالــم اللامرئيـات/Parapsychology !!! خالــد الحـــاج

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!
آخر الأخبار العالمية

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ > الســــــرد والحكــايـــــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-04-2015, 11:50 AM   #[1]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي أم اسمها آمنة

ألا رحم الله شاعر النيل حافظ ابراهيم وقد قال:
الأم مدرسة اذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
هي لا غرو مدرسة بالفطرة...
وهي الاساس وان لم يسع الناس الى اعدادها!
بالأمس القريب تلقيت (واتساب) من أسرتي يفيد بأن ابن جارتنا آمنة (وهو آخر العنقود) قد نال المرتبة الأولى على مستوى مدرسته وعلى ولاية الخرطوم في امتحانات الشهادة الصغرى من مرحلة الأساس الى الثانوية...
آمنة لها من ال(صبايا) أربع...
ثلاثة منهن تخرجن في جامعة الخرطوم طبيبات والرابعة لم تزل طالبة في كلية الطب بذات الجامعة...
آمنة كانت زوجا للمرحوم الراحل سالم وهو مُقعدٌ لا يقو على سير ولا وقوف -الا بجهد جهيد-منذ أن رأت اعيننا النور وجاورناه...
امتهن سالم رحمه الله (فتل الحبال) من سعف دوم الختمية والسوريبة في كسلا...
وامتهنت آمنة (ضفر البروش والطُباقة) من ذات الزعف الذي يجمعه عم سالم من ضهاري كسلا على حمار له عرجاء...
تلك (الاتان) رأيتها بأم عينيّ ترقد على الأرض كلما عنّ لسالم الركوب عليها ثم تنهض به واقفة...
ياسبحان الله!!!
عندما تخرجت (حورية) كبرى الصبايا كطبيبة في جامعة الخرطوم تقدم اليها طبيب وهو ابن أسرة ثرية تمتلك عمارة في حي الرياض بالعاصمة الخرطوم...
فكان اشتراطها الأوحد أن يأت لها بأسرتها الى الخرطوم ...فما تأخر ابن الاصول في ذلك...
لكن آمنة لم تقبل بذلك...
فما كان من (حورية) الاّ أن سعت الى والدي رحمه الله اذ كان هو موئل اسرتها كلما عنّت لهم (شورة) أو (جوديّة)...
رضخت آمنة لالحاح والدي ...لكنها اشترطت بأن لا تسكن في العمارة لحاجة في نفسها ثم رافة ببعلها سالم الذي لن يقو على الصعود من خلال سلّم البناية...
فقال خطيب حورية:
-محلولة ياخالة...عندنا ملحق في حوش العمارة سأجهزه خلال أيام للسكنى...
وتم الزواج...
يومها رايت (جل) أهل كسلا يضج الفرح على محيّاهم...
لكني رأيت الحزن جاثما بين ثنايا (شلوخ) آمنة!
عُرِفت الخالة آمنة بتفسير الأحلام...
اعتاد الناس الأتيان اليها ب(رؤاهم) من أطراف كسلا في المربعات والكارة الجديدة والسواقي جنوبيها وشماليها...
وقد قالت لنساء الحي قُبيل زواجها من العم سالم:
رأيت نفسي مساء أحد الايام اقف على شط القاش فاذا بطائر (مصاب في جناحيه) يسقط أمامي فتتدحرج منه -على ثوبي- خمسة (جواهر) شديدة اللمعان في ضوء القمر وعندما سعيت الى لملمتهن ووضعهن على طرف ثوبي سقطت أحداهن وانكسرت!...
ثم نهض الطائر مرة أخرى وطار متثاقلا الى الضفة الأخرى ليأتيني ب(عصى من عاج الفيل)!
فسألنَها عن تفسير الحلم فقالت:
لعل الله قد كتب لي بأن أتزوج من رجل به (علة في يديه أو رجليه) وأنجب منه خمس بنات تموت احداهن ثم أنجب ابنا بعد ذلك...
وتمر السنوات...
ويتحقق الحلم!
تتزوج آمنة من سالم الكسيح وتنجب منه خمس بنات تتوفى احداهن وبعد حوالي العشر سنين تنجب ابنا ليصبح آخر العنقود...
يااااه
لكأني بها ماثلة أمامي بابتسامتها المرسومة على شفتيها لاينأى بها عن محياها حزن ولا غضب!
جاءتها ابنتها التي تلي حورية يوما تبكي بحرقة وقد عنفها معلم مادة الرياضيات مع رصيفاتها في الفصل عندما كانت تدرس في المرحلة الثانوية وقد قال:
-مافي واحدة فيكن حتنجح في الامتحان...
فقالت لها أمها وهي تربت على شعرها:
-قومي يابتي وغسلي وشك دا ...
أنا وحات ربي ماااالية يدي منو انو مافي واحدة فيكن حتسقط أو تشقى في الدنيا دي!...
ثم التفتت الى والدتي وقصّت عليها تفاصيل حلمها والجواهر التي تأتلق في ضوء القمر...
وبالفعل تنجح سميرة وتجتاز الامتحان...
وكذلك تنجح الأخريات...
وتستقوي الخالة آمنة والعم سالم بنجاح البنات فيجهدان الليل والنهار لا يكلان ولايملان في سبيل توفير احتياجاتهن مهما غَلت...
قال العم سالم وهو يستلقي على جنبه ل(يبرم) حبلا ملاطفا آمنة...
وآمنة كانت توشك على اكمال الدائرة الأخيرة لطبق دفعت لها فيه زوجة مدير مدرسة الكارة الابتدائية جزء من قيمته مقدما كي لاتسبقها أخرى وتبتاعه:
-تعرفي ياأمونة...
أنا لو ما كنتي عرستيني ماااا كان أظني عرست
فتضحك آمنة وتقول:
مالك آيابة الناقصك شنو من الرجال...
الوليدات الحمدلله جبتهم ...
والشغل تراكا ييدا الماك محوجنا في شي والله...ربنا يحفظك لينا ياأبو حورية ويديك العافية...
فانحدرت دمعتان على خديه وبقي ينظر-وهو على جنبه-الى وجه آمنة دون أن تتلاشي الابتسامة من بين الدموع وقال:
-والله ياآمنة انتي ملاك ماكي بشر
فنهضت آمنة ومسحت دموعه بطرف ثوبها وقالت له ضاحكة:
انتا شكلك كدي خرمان لي كباية شاي ...كدي اللمشي اسويها وأجيبا ليك...
يااااللعوالم التي تكتنف سوح من هم مثل آمنة وسالم!...
القِيَمُ -لديهم- تجدها تمشي على قدمين...
والسعادة -في ربوعهم-يقطر نداها صباح ومساء...
فكما يكون للقمة وجرعة الماء طعم لدى الصائم...فانهما لدى من هم في عوالم آمنة وسالم أشهى وأكثر ريّا!
لن أنس ماحييت ثمار الدوم الذي تأتي به الخالة آمنة من دوم يجاور (ضريح سيدي) لتضعها أسفل (زير) حيث تبترد في مياه ال(نقّاع) وتلين...
ثم تعطيعها لبناتها بديلا للفاكهة بُعيد اجتماع الاسرة على (صينية) الغداء...
فالدوم هو الفاكهة طوال أيام الاسبوع ...
عدا الخميس والجمعة اذ تستبدله لهن بالموز...
وأذكر أنه كلما أتتها الوالدة أو العمة نفيسة بفواكه مما يوجد في الساقية ...كانت تقول باسمة:
-كتر خيرك ياأخيتي ...بناتي ديل ماااابريدن الفواكه الاّ الدوم...
وعندما رَنَت الصغرى يوما الى تفاحة كانت بيد ابن عمتي ...حدجتها آمها بنظرة لائمة وقالت لها:
يابتّي البِتّاكَل في البطن دا كللللو وحد...الأهم كرامة الزول وعزة نفسو!
.ومالبثت نتائج امتحان الشهادة أن أعلنت...
فتحلق الناس حول المذياع لسماع اسماء الناجحين والناجحات...
اليكم اسماء الأوائل:
الأول...
الثاني...
الثالث...
الرابع مشترك...
فاذا بالسادس (حورية سالم)...
فما كان من آمنة الاّ أن خَرّت ساجدة لله على (تقروقة) نسجتها بيديها من قبل...
وضجّت الميرغنية بزغاريد النسوة...
وجاء زوج عمتي بكبش أقرن أملح وأمر ادريس الذي يعمل لديه في الساقية بذبحه...
واجتمعت لجنة الحي لتقرر جلب كل مستلزمات ال(كرامة) من(تعاون الحي) الذي يلي زاوية البرهانية...
يومها...
قالت آمنة وهي تُقَبِّلُ جبينَ حورية:
ان شاء الله ياحورية يابتي تبقي دكتورة وتعالجي الناس بالمجان...
فارتمت حورية في حضن أمها تجهش بكاء ثم قبلتها على راسها ويديها مؤمنة على دعائها والبسمة تغالب دموعها...
يومها رايت عم سالم يضحك كما لم يضحك من قبل...
لم تستطع كفّا ابن عمتي -الذي يصغرني بعامين- من ايقاف ضحكة مجلجلة بعد أن سمعنا ضحكة عم سالم...
فهو يضحك (بالتقسيمة) كما يقول ابن عمتي...
اهي اهي أها اها أهو اهو
أما انا فقد تمالكت نفسي وضحتك في دواخلي ...فرحا لفرحه والله...
يااااه
ما أجمل الصدق حتى في الفرح!
وما أندى روحا تتخلل جسدا لامرء مثل عم سالم...
قال لنا ابن جارنا يوما:
رايت عم سالم يحاول جمع بعض زعف (سعف) الدوم في وسط طريق عام فاذا برجل يأتيه معنِّفا ويضربه بسوط يحمله في يده...
فلم يرد عليه عم سالم ...وانما هش حماره وذهب ...
قال ابن جارنا ذاك:
رايت عم سالم يرفع كفيه الى السماء وهو ذاهب...
فلم تمر دقائق الاّ وأتت عربة مسرعة لتصدم الرجل ويقع سوطه على حافة الطريق وقد فارق هو الحياة!
عم سالم برغم حاله ذاك ...
كان يذهب الى أطراف حي الجسر ليملأ (أزيارا) في (مزيرة) لايعلم أحد من اقامها!
والرجل كان صامتا دوما لم يسمع أحد صوته ...
بل كان العديد من أهل الميرغنية والسوريبة يحسبونه (أبكما)...
أما أنا فكنت أعرف عنه الكثير...
الرجل كان يحفظ الكثير من سور القرآن...
وقد آتاه الله صوتا جميلا وهو يتلو آناء الليل!
وكم كنت اعشق سماع صوته وهو يتلو سورة (طه)...
قلت له مرة:
ياعم سالم عاوزك تعلمني تلاوة القرآن
فلكأني به قد تفاجأ بذلك وما كان منه الا ان سألني بصوته الذي تتخلله (تمتمة) محببة:
-أأأ إنتا يااااولدي أأألقاليييييك منو؟!
فأخبرته بأنني اسمعه من خلف الجدار...
مذ ذاك...
أصبح عم سالم ينام في الجانب الآخر من بيتهم ...كي لا اسمع صوته وهو يتلو القرآن!
ولجت حورية الى (طب الخرطوم)...
انها رحمة مالك الملك ...
رب السماوات والاراضين الأقرب الى الناس من حبل الوريد...
الذي لاتخفى عليه خافية عن عباده ...فما بالك ان كانوا من المخبتين!...
لا أزكي على الله تلك الأسرة اذ الله حسيبها لكنني أحسبها كذلك والله...
وبانصرام العام الأول اذا بحورية الأولى على دفعتها هناك في طب الخرطوم...
وما لبثت أن التحقت بها شقيقتها التي تليها طالبة بذات الكلية وذات الجامعة ال(جميلة ومستحيلة) كما يحلوا للناس تسميتها...
قال عم عبدالرزاق الزبيدي يوما لعم سالم وهو يمازحه:
-بالله ياسالم عندك بنتين بيقروا الطب في جامعة الخرطوم؟!
فابتسم علم سالم وتمتم بكلمات لم يستطع عم عبدالرزاق سماعها...
لكنني كنت (أقدر) على سماع وفهم جارنا دوما...
قال عم سالم:
-الله بِدِّي الجنة!
عدت الى البيت لأجد الخالة آمنة تصيح بالعابرين أمام بيتها بأن ياتوا ليطعموا من بليلة ال(عيش بالسكر)...
وقد اعتادت-دوما-على عمل تلك البليلة كلما طاف عليها طائف من فرح!
يااااه...
لم تفتأ نكهة تلك البليلة الرائعة تتغشى فمي الى يومي هذا!
ولا أدري أكان ذاك الطعم وتلك النكهة مرتهنة بطبيعة مكوناتها من الذرة الرفيعة والسُكّر أم كان الأمر مرتهنا ب(كَفِّ ويدِ) الخالة آمنة...
فكم من طعام تصنعه النساء بذات المواد وذات المقادير ولكن يبقى المذاق متباينا تباينا كبيرا!
وقد عُرفت آمنة ب(طعامة) اليد بين نساء الميرغنية طُرّا!
والناس في ذاك العهد ماكانوا يعمدون الى (كوكتيل) أو يجلبون (طباخا) خلال أفراحهم وأتراحهم انما جُبِلت نساء الحي على اعداد طعام المناسبات بانفسهن...
والخالة آمنة في زخم ذلك كانت لها مكانة مرموقة اذ يسعى أهل كل المناسبة الى دعوتها في مقدمة النساء كي (يضمنوا) جودة الطعام الذي سيقدم الى المدعوّين...
فهي أفضل من تجهز ال(كمونية) بين النساء...
وهي كذلك أفضل من (تقترح) وتصنع ال(سلطات) بينهن...
أما المحاشي...
فقد كانت (تبدع) فيها ايما ابداع:
محشي الطماطم...
محشي الكوسة...
محشي الباذنجان...
محشي الفلفلية...
محشي...
انها لعوالم من المحاشي!:)
وان نسيت فلن أنس يوما (طبقا) اعتادت أن تعده للوالد كلما عاد من بورسودان!
كانت تطلب منه احضار نبات ال(قرنبيط) أو زهرة الشيطان كما يسميها البعض وهي زهرة بيضاء كثيفة اللب تشبه الى حد ما نبات (عُش الغراب) لكنها أكثف لُبا وأكبر حجما...
تأت بتلك الزهرة وتقطعها الى قطع صغيرة ثم تخلطها بفُتات الخبز (الرغيف) بعد تجفيفه وتحميصه في النار ولعلهم يسمونه اليوم بال(بقسماط) ليخلط البقسماط بالبيض فتغمس قطعة الزهرة فيه ثم تُقلى على نار هااادئة...
لأول عهد لي بذاك الطبق ظننت بأني أأكل قطعا من السمك فاذا بهم يعلموني بأنها تلك الزهرة قد أحالتها الخالة آمنة الى الذي أراه وأستمتع بطعمه!
وهكذا ابن آدم ان رضي الله عنه يُلهمه من لدنه بأشياء يرضي بها عنه كل عباده!!
كذلك كانت الخالة آمنة...
لا أزكيها على الله والله حسيبها...
لكنني أحسبها مرضيُّ عنها من فوق سبع سماوات...
لم ار الخالة آمنة ترافق والدتي والنساء الاخريات يوما لزيارة ضريح السيد الحسن ...
كانت تقول:
ربنا دا مامحتاج ليهو لي واسطة!
لذلك كانت نساء الحي يسمينها بالانصارية...
سالت الوالدة يوما:
-امي انتي ليه الناس بيقولو لي خالتو امنة انصارية؟
فاجابتني:
-لانها منكرة ناس سيدي وتابعة لي انصار المهدي...
لم تقنعني اجابة الوالدة وتبريرها فما كان مني الا ان سالت الخالة آمنة عن ذلك فاجابتني بانها لاتتبع الى الانصار ولا الى سواهم...
ثم اضافت وهي تربت بكفها على رأسي :
ياعادل ياجناي ربنا قال تعبدونني ولاتشركوا بي شيئا والناس الله يهديهم بيمشوا الضريح وينذروا ويتبركوا ويدعوا هناك ودا كلللو شرك بالله مالو الزول لو قعد في برش صلاتو دا ورفع يدينو ودعا ربو؟!
ما كان مني الا ان رسخت كلمات الخالة امنة في وجداني فاذا مذ ذاك اشنأ القباب والاضرحة وكل ما يكتنف ذلك -الا ضريح الحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليه-الى ان يسر لي الله فرصة للدراسة وتبيان طريق التوحيد الحق...
عندما تخرجت (حورية) كبرى الصبايا كطبيبة في جامعة الخرطوم تقدم اليها طبيب وهو ابن أسرة ثرية تمتلك عمارة في حي الرياض بالعاصمة الخرطوم...
فكان اشتراطها الأوحد أن يأت لها بأسرتها الى الخرطوم ...فما تأخر ابن الاصول في ذلك...
لكن آمنة لم تقبل بذلك...
فما كان من (حورية) الاّ أن سعت الى والدي رحمه الله اذ كان هو موئل اسرتها كلما عنّت لهم (شورة) أو (جوديّة)...
رضخت آمنة لالحاح والدي ...لكنها اشترطت بأن لا تسكن في العمارة لحاجة في نفسها ثم رافة ببعلها سالم الذي لن يقو على الصعود من خلال سلّم البناية...
فقال خطيب حورية:
-محلولة ياخالة...عندنا ملحق في حوش العمارة سأجهزه خلال أيام للسكنى...
وتم الزواج...
يومها رايت (جل) أهل كسلا يضج الفرح على محيّاهم...
لكني رأيت الحزن جاثما بين ثنايا (شلوخ) آمنة!
عندما رفضت الخالة آمنة ذلك فقد كان بسبب استصحابها لمشاعر زوجها عم سالم الذي تعلم خباياه يقينا-من نظرات عينيه -وقبل أن يبد بها اليها شفاهة!
وقد قال لها عم سالم:
-شوفي يا آمنة:
انا الخرتوم دي ماني مهوب ناحيتا. ..وحتا العقد اليعقد ليها حسن عسوم واللا حسن الدوش ...
-ياسالم يااخوي انا والله شايفاك مدي الموضوع اكتر من حجمو...
-لا لا لا
انا ماداير واحدة من البنات او اخوهم يتعقدوا في دنيتم دي بي سببي انا ...وبس خلاص انا كلمتي دي تاني ماني متنيها...
قال ذلك وجر إلى وجهه الغطاء وتناوم. ..
فنهضت آمنة وربتت عليه بيدها وقال:
-يااخوي البتقولو كلو بيشمي وماعشت لو خليتك تتني ليك كلمة او كسرت ليك خاطر...
وجاء خطيب حورية ومعه أهله...
وتمت مراسم الزواج دون عم سالم الذي (تمارض) واستلقى على (عنقريب) قصي داخل البيت ولم يسمح سوى بزيارة واحدة لانسابه حيث رأوه وراهم وهو مستلق فما كانت من آمنة إلا أن رجتهم بأن لايطيلوا المكوث عنده لكونه لم ينم جيدا البارحة...
وعندما نهض خطيب حورية وقال له ياعم سالم لازم تمشي معانا الخرطوم وتتعالج هناك ماكان منه - عم سالم- إلا أن رفع يده في دلالة على رفضه ذلك فما كان من الخالة آمنة الا أن أشارت باسمة وقالت في همس:
-قلت ليكم عمكم سالم دا جنو وجن الدكاترة فكدي خلوهو هسي انا بتفاهم معاهو بعدين...
الخالة آمنة كانت ممن تحفظ عن ظهر قلب كل ايماءات زوجها سالم بل وسكناته ثم لاتفعل إلا ما يرضيه!...
واعتادت أن تقول لصويحباتها من نساء الحي:
-الحمدلله ربنا قسم لي سالم دا عشان يدخلني الجنة...
عندما التقت عينا آمنة بعيني حورية اشارت لها بان تتبعها ثم جمعت حولها بناتها الاخريات وكذلك ابنها الاصغر محمد وقالت لهم:
-شوفو:
العقد حيعقدوا أعمامكم ديل ...وابوكم دا خلوهو علي راحتو.
وتم العقد...
ومافتئ زواج حورية الى يومنا هذا يوما (يؤرخ) به أهل الميرغنية!
وانتقلت الأسرة إلى الخرطوم...
واذا بالخالة آمنة تستطيع اقناع عم سالم بالإنتقال معهم إلى الخرطوم ولكن بعد أن نفذت له شروطه وهي:
1-عمل مدخل خاص ومنفصل لمكان سكناهم عن مدخل العمارة الأساس بحيث يكون دخولهم وخروجهم بعيدا عن انظار زوج حورية...
2-ان لاينقطعا عن مهنتيهما في كسلا حيث تدع هي الأبناء في الخرطوم وتبقى معه لشهر في كسلا ثم يذهبان سويا إلى الخرطوم بانتاجيهما لبيعه هناك (كل ذلك بدون علم زوج حورية)...
3-ان تقسم بالله بأن لايصرف زوج حورية عليهم (مليم احمر) هكذا قال...
وهكذا استطاعت الخالة آمنة إقناع زوجها...
ويالها من آمنة!
في ذاكرتي من ال(أوامن) خمس احسبهن-والله حسيبهن-لهن وصل ب(آمنة) بنت وهب لها من ربي مايليق وتستحق...
ولعلي اقول:
(الأسماء قوالب للمعاني ومامن أمرء إلا وله وصل بمن حمل ذات الإسم من قبله).
ف بركة آمنة بنت وهب ستظل تنداح في الدنا سوحا وفضاءات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها...
وحقا إن الخالة آمنة قد كانت أمة...
*أمة في اخباتها لله ونصاعة توحيدها (برغم أميتها)!
*أمة في التواؤم مع حراك حياة ذاخرة مع زوج فقير مقعد وإحالتها إلى نجاحات ذات بريق (برغم اميتها)!
*أمة في ذكائها وادراكها ووعيها وقدرتها على حسم المواقف ايجابا (برغم اميتها)!
*أمة في دربتها وإجادتها للأشياء حتى اصبحت مقصد النساء (برغم أميتها) لذلك فقد حفلت عراجين الثمار بالاتي:
طبيبات أربع ومهندس كيميائي اختير معيدا في جامعة الخرطوم بعد أن توالى حصوله على (الإمتياز مع درجة الشرف الأولى) إلى ان اقترن اسمه بالدال...
في البدء سافر العروسان إلى القاهرة لامضاء أيام شهر العسل ثم توجها إلى شقتهما في مسكن أهل الزوج الكائن في حي الرياض بالخرطوم بينما سبقتهما الأسرة إلى الملحق الذي هيء لهم اسفل العمارة...
وما أن عاد الزوجان من القاهرة إلا وشرع عم سالم في التبرم وإعلان نيته للعودة إلى كسلا فما كان من الخالة آمنة الا أن استجابت لذلك برغم اعتراض حورية:
-ياامي لاااااازم تقنعي ابوي دا يقعد خلاص هنا ومايتتلتل تاني ويتلتلك انتي معاهو؟!
-ياحورية يابتي ابوكي دا كويس انو جاملنا وجا معانا لغاية هنا ...انا والله عارفاااااهو مابيقدر علي قعاد البلد دي فكدي ودعيهو انا وهو بكرة ان شاء الله حنرجع سوا ونخلي اخواتك ديل في وداعة الله هنا تحت وتراهو محمد اخوكي معاهن...
فبكت حورية ماشاء الله ثم التفت الأسرة حول الوالد وامضوا معا ليلة سعيدة في وجود حورية التي ما إن أزف منتصف الليل إلا وقال لها أبوها :
-اطلعي يابتي علي راجلك فوق وابقيلو زي ما أمك دي كتر خيرا باقيالي...
وانطلقت آمنة بزوجها سالم صوب كسلا وما إن وصلا ظهر اليوم التالي اذا بنهيق الاتان مختلطا بتاتاة اعلمها يقينا بأنها ماهي الا ضحكة عم سالم فما كان مني الا ان هتفت فرحا بأن (ناس عم سالم جو)!...
فانتهرتني امي قائلة:
-ياولد هي...ناس سالم شنو البجيبم تاني من الخرطوم وحتى البيت سكنوا (بتشديد الكاف) فيهو الولد قريبم دا؟!
-والله العظيم ياامي دا صوت عم سالم...
وبعدين حمارتو دي مابتهونق إلا تشوف عم سالم...
فما كان من الوالدة إلا أن خرجت فتبعتها وإذا ب عم سالم مسنودا على كتف الخالة آمنة يلجان إلى دارهما...
فعادت امي وجهزت لهما طعاما ثم ذهبنا إليهما وبادرتها امي:
-حبااااابكم ياآمنة. ..بالله البرجعكم شنو بعد سكنتو البلد ديك؟!
-تقولي شنو يابت امي...سالم انا عارفااااهو مابتبقاليهو وبيني وبينك اصلا مشيتو معانا كانت بالجلالة وبعد تعب شديد حتى اقنعناهو ومن يومو قال نقعد هناك شوية وهنا شوية...
ثم اسرت آمنة لأمي وقالت:
-والله انا الجية دي قلبي مقبوووووض منها يامريم ماعارفا ليه ...وسالم دا ماعارفاهو فرحان بالرجعة دي قدر دا لي شنو!
طمانتها أمي وقالت لها:
-عاد ياآمنة كسلا دي ياها بلدو القام واتربى فيها ...خرطوم شنو البتقع ليهو!...
فجففت آمنة دمعة انسربت من عينها بطرف ثوبها وقالت:
-الله كريم علينا يابت امي...
وما إن ولج العصر خرج عم سالم تحمله الاتان إلى حيث دوم فقيري على أطراف الميرغنية مما يلي ضفة القاش الشرقية ليباشر عمله...
وينصرم الاسبوع وعم سلام يجتهد كما لم يجتهد من قبل في عمله اذ معه هذا الشاب الخلوق وهو قريب للعم سالم (يتيم) قد اتى من اريتيريا وكاني به من هيئته واهابه ذااااات عم سالم في شبابه ولكن دونما (شلل الاطفال) هذا الذي أقعد بالعم سالم.!..
وما إن انقضى الاسبوع حتى حدثت الفاجعة...
...
تحامل عم سالم على ساقيه النحيفتين وترك قريبه الشاب يكمل غمس سعف الدوم في (براميل) جعلها لهذا الغرض ثم انطلق يخيط الأرض بساقية الواهنتين حيث شبه أحد الصبية من اشقياء الميرغنية يوما هيئة مشيته تلك فقال:
-والله ياعادل جاركم عم سالم دا بيمشي زي مضرب البيض بتاع الكهربا دا...
انطلق عم سالم إلى (أزيار السبيل) الموضوعة في الجهة المقابلة من ساقية فقيري مما يلي عدوة الطريق المودي إلى كبري القاش فشرع يغسلها بيديه من الداخل ليزيل عنها مالصق بداخلها ثم تناول (باغة) واتجه متثاقلا الى الحديقة الكائنة على الجهة المقابلة للطريق ليملأها من (طرمبة ماء) حيث يضع الإناء أمام صنبورها ويتجه إلى ذراعها في الجاتب الاخر ويمسك به بيديه فينزله إلى الاسفل فياتي الماء من صنبورها ثم يأخذ الباغة ويجتاز الطريق ليفرغها في جوف الجرار لمرات عديدة حتى يكمل ملأها ثم يقفل عائدا إلى قريبه الشاب...
ما إن وصل العم سالم الى حيث ترك غلامه اذا به يجده ملقى على الأرض بجانب أحد البراميل وهو يمسك بساقه متالما فعلم بأنه ملدوغ من ثعبان سام فمد يده -بسرعة-إلى سكين قد اعتاد حملها على زنده وامسك بساق الغلام و(فصد) مكان اللدغة ثم جعل يمتص الدماء بفمه ويبصقها على الأرض...
ومضت هنيهة فاذا بالغلام قد استكان قليلا حيث (بدا) عليه بأن الالم قد زال واستلقى على ظهره ...فحمد العم سالم الله على ذلك...
لكنه عندما تحسس وجهه بيديه إذا بدم يسيل من فمه وتبين جرحا فعلم (يقينا) بأنه لامحالة هالك اذ انه يعلم بان مص سم هذا النوع من الثعابين يشترط فيه أن يكون الفم خال من ايما جرح. ..
التفت عم سالم إلى الغلام فوجده بلا حراك وعندما وضع يده على جبينه تبين له بأنه قد فارق الحياة فانكفأ عليه يغمض عينيه ويردد الشهادة...
واذا الدوار يصيب عم سالم...
واذا بالبرودة تشرع في التمشي في أطرافه...
فما كان منه إلا أن استقبل القبلة وسجدلله املا في أن يلقى الله وهو ساجد...
قال مزارع من أبناء البرنو كان بالجوار:
رايت عم سالم وكانه ساجد وهذا الغلام يرقد على ظهره وعندما ألقيت عليهما السلام ولم أسمع منهما ردا جئتهما فإذا بهما قد فارقا الحياة...
ووصل الخبر (أزرق طويل الباع) إلى الخالة آمنة...
كم كان وقعه عليها اليما...
لكنها احتسبت وصبرت واستمسكت بحبل الله...
قالت آمنة:
-والله سالم ابدا ماغاب من خيالي لحظة وانا وسط وليداتي مافي رأي أو قرار اتخذو والا استشيرو في خيالي ويديني الرأي الصاح...
عادل عسوم



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 11:30 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.