وما الناسُ بالناس الذين عرفتهم !!! عبد الله الشقليني

إلى د. طلال فى حربه العادلة و قيادته الماثلة !!! معتصم الطاهر

الجن وعالــم اللامرئيـات/Parapsychology !!! خالــد الحـــاج

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!
آخر الأخبار العالمية

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ > مسابقة القصة القصيرة 2013

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-02-2013, 06:04 AM   #[1]
مشرف منتدى نوافذ
Super Moderator
 
افتراضي نصوص مسابقة القصة القصيرة 4 فبراير - 31 مارس 2013

تحية طيبة وبعد ،
هذا البوست فقط لتلقي الأعمال القصصية ، أي مشاركة خارج هذا السياق سأقوم بتحويلها إلى بوست المسابقة.
سيكون هذا البوست مفتوحاً منذ اليوم 4 فبراير إلى 31 مارس
يرجى التكرم بقراءة شروط المسابقة

1- يتقدم المتسابق بعمل واحد فقط، على ألا يكون قد سبق وتم نشره في أي مكان
2- أن لا يقل العمل عن 800 كلمة ولايزيد عن 2500 كلمة .
3- لا ترد الأعمال المشاركة إلى أصحابها.
4- يسجل المتسابق بياناته على النحو التالى:
أ‌- اسم المتسابق الثلاثى ب ـ العنوان كاملا ، خاصة - رقم الهاتف البريد الإلكترونى.
5- على أن تكون المسابقة مفتوحة لجميع المبدعين بالداخل والخارج دون التقيد بالسن أو النوع/ الجنس.
6- تنشر الاعمال الاعمال المميزه – والفائزة في مجلة سودانيات .

الإخلال بأي بند من البنود أعلاه سيحرم صاحبه من فرصة المنافسة.

وبالتوفيق.



التعديل الأخير تم بواسطة مشرف منتدى نوافذ ; 14-02-2013 الساعة 06:39 AM.
مشرف منتدى نوافذ غير متصل  
قديم 07-02-2013, 06:42 PM   #[2]
مها عبدالمنعم
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي ااااااااخ .. لو صححت الكراسات بعد جمعتهن!!!!

آاااااااخ .. لو صحَّحتَ الكراسات بعد جَمَعْتَهِنْ!!!!


استوقفتني الورقة مطوية بين أوراق دفتر الطالبة التي أقوم بتدريسها مادة التاريخ. فضولٌ قادني أو استوقفني لاقرأ ما بها. هل قصدتْ أنْ توصلها لي أم أنه السهو؟

أرسلت إحدي الطالبات إليها: عفراء اذهبي إلى الصفِّ الأول، تجدين طالبةً اسمها عيشه أحمد ناديها.

وقفتْ البنتُ ولم تنطقْ؛ لأنتهرها ما بك؟
- لا لا بَسْ يا أستاذه، عيشه دي ماتت أمس.

سمعتُ ما قالتْ إلا إنني طلبتُ منها أن تعيدَ لأسمع مرةً أخرى.

- نعم ماتت لقوها غرقانة في الترعة الوراء بيتُهم.
- وشنو السبب ؟
ماعارف بس قالو انتحرت.
- ليه؟
- ما بعرف والله بس انتحرت.

عدت لمكتبي وأنا أتأفف. لو أننى قمتُ بتصحيح هذه الكراسات قبل أسبوع، لربما عرفت بمعاناتها و من الذي تتحدث عنه؟ من قصدت؟ أم أنها مجرد زفرات مراهقة.

حملتُ فضولي لمكتب المديرة وسألتُ - وأنا أحرص أنْ لا تدخل إلى قلبي لتعرف سِرَّ سؤالي - إنْ كانت تريد الذهاب لبيت البكاء؛ إلا أنها أجابت بكلِّ هدوءٍ:

- آآي والله مشيت بس بكيت، بتعرفيهم ؟
- لا لا بس مُش بِتَّنا المفروض أمشي أعزي أمها والله ..
- مشينا أمس إنتي كنتي ما شغالة، والله الحريم ديل بعملنْ في عمل لا حولا الحياة تمسخ عليك. البت صغيرة أبوها مات يوم ولدوها. أمها دخلتها المدرسة صغيرونة والشافعة شاطره بَسْ سكوووته، مرات لامِنْ أنا أنهرها حتى تنضم. والله وجعتني جنس وجع. امتحان الفتره كانت الأولى وكاتبه أحسن تعبير في العربي، بَسْ تقولي شنو الله يرحمها.

وذهبنا بنهاية اليوم الدراسي. أول دخولي رأيت الأم صغيرةً جداً لا يبدو عليها إلا الحزن الكبير. كيف لأمٍّ أن تحتمل مصيبة فقد ابنتها الوحيدة لأبٍ متوفِ يوم مولدها؟

جلستُ إليها لأسال بحياءٍ مصطنعٍ ماذا بها؟ ألم تلاحظين عليها شيئاً غريباً ؟

- لا فقد كانت تصمت ولا تتحدث إلا إذا طلب منها الغريب. غرقت ليه ما بعرف. فحصوا جنازتها ما لِقوا عليها شىء. يا رب ماعرفتَ حافظتَ عليها ؟ شنو خلاها تقع في الترعه؟ يمكن زول دفرها، يمكن اتزلقت، بس شنو الودَّاها؟

عرفتُ أنها مُجنى عليها إلا أنَّي صمتُّ على أمل أنْ أتعرَّفَ إلى مَنْ كانت تخاطبه بكلماتها.

بعد مجهود قليل تعرَّفتُ إلى صديقتها التي بلا وعيٍ منها لهدف مصادقتي لها، أخبرتني عن عيشه.

- كانت تحب واحد من ولاد جيرانن بس كان بسكر، قام يوم قال ليها أرَحْ معاي بيتنا فاضي، قامتْ زعلتْ وقالت لي عاوزه أنتحر أنا خنت أمي وأبوي في قبره.
- مشت معاه هي؟
- لا لا أبَتْ بَسْ حكت لي الكلام دا الصباح ، العصر سمعت قالو ماتت.

اندهشت، البتْ مراهقه دا شنو التفكير الوداها الترعه انتحرت دا!!

وأنا أرتشفُ شاي البكاء تمرُّ كلماتُها في مخيلتي وكأنها سوط!!

" ليتني مِتُّ قبل أنْ أعرفك "




مها عبدالمنعم عوض
ملحوظة: الهاتف والعنوان في الخاص.



التعديل الأخير تم بواسطة مها عبدالمنعم ; 08-02-2013 الساعة 08:41 AM.
مها عبدالمنعم غير متصل  
قديم 12-02-2013, 01:23 PM   #[3]
أبو جعفر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أبو جعفر
 
افتراضي مدن فاصلة

الاسم: فلان.. اسم الأب: علان.. السكن دار من الدور ... صفوف طويلة من البشر تعج بهم إدارته .. وتمور دواخلهم بمختلف الأفكار والصور الحياتية، ولكنهم بالنسبة إليه اسم وعنوان بلا أي ملامح تواصل .. ليت تلك المسنوحة التي سلبت عقله منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً، وتمخضت عن أبناء وبنات بضجة كونية تتحول كما هؤلاء إلى اسم وعنوان فيفتك منها ما دام بعيداً عنها.. ولكن هيهات وهي متلبسة بأفكاره كما الماء والهواء ..

هو لا ينكر لحظات سعادة عديدة أمدته بها .. ولكنه لا ينسى ذلك السجن الذي حبسته بين جدرانه .. هو سجن المودة والأولاد الذي تقوم بكل شيء داخله .. وهو شيء يريحه .. ولكنه ذو نزعة تواقة إلى التحرر والعودة لقريته المجاورة للنيل بلا خضرة .. صحراء تحتضن ماء عذب في لوحة قل أن يجود الزمان بمثلها .. حيث ينطلق النظر حراً بلا عوائق أو حدود .. ولكنها أرض غير مثمرة مما جعل الهجرة للعمل هي طابع أهل قريته ... فهم قد امتدوا جنوباً حتى ملكال، ولكن شمالاً حبستهم العاصمة كرش الفيل.

حسن ود الصعيد وصل ملكال صبياً بلا مال .. واليوم هو سر التجار في كوستي بعد أن اغتنى من تجارته السابقة في ملكال، وهو كثيراً ما يحكي بأن حكاوي شراء الديك وبيع ريشه بضعف الثمن، هي محض مفارقة يمضي بها الجلابة أوقاتهم في الشمال .. تماماً كمن يحكي عن الأسود والفيلة التي تتمشى في شوارع العاصمة لمن لا يعرف السودان .. ثم يمضي ود الصعيد في الحديث ذاكراً بأن التجار الشماليين اغتنوا بسبب تلك العدوى من المستعمر في التكالب على متاع الدنيا .. وإن الجنوبيين لم تصيبهم تلك العدوى بعد .. وإن كانوا في الطريق إلى ذلك.

والده هاجر للضفة الغربية ليطور مهنة آباءه، فأتجه إلى الزراعة المروية ونجح إلى درجة ركوبه وتشرشل نفس ماركة السيارة .. وأشترى منزلاً بالحجر في العاصمة حيث يسكن الزعيم الذي طالما أعجب بخطبه المتقدمة على الزمن .. وكان يقول أنا قلب مثلث رأسه مشتعل .. وكان يقصد بزوايا المثلث الأزهري والإمام الهادي، وبالرأس المشتعل عبد الخالق محجوب.. وصدق حدسه فقد قتل عبد الخالق الأزهري والإمام الهادي ودمر القلب الزراعي .. ثم أنتحر بعدها وهو يقول الإنقلاب يحمل داخله أنقلاب .. طيب، لم قلبتها وأنت تعلم بأنها ستنقلب عليك!.. عالم محن.

يحسده الآخرون لأن والده ترك له منزلاً في المدينة .. وهو صاحب منصب حكومي - رغم بساطته - يعيش وأسرته من ريعه .. ولكنهم لا يدرون مدى الشعور بالوحدة الذي يكتنفه في ذلك المنزل، فكل شيء حوله فاقد للتناغم والمنطق، والدوامة قد لفت كل الأشياء وغلفتها بقيود مادية صارمة ... أجساد تسير في الحياة بلا منطق أو فكر أو بعد روحي يخفف عنها ... حالة من الاستلاب هو فيها كما قال شاعر العُرب تميم:

أظننت حقاً أن عينك سوف تخطئهم، وتبصر غيرهم
ها هم أمامك، مَتْنُ نص أنتَ حاشيةٌ عليه وهامش

هي الغزالة في المدى، حكم الزمان ببيْنِها
ما زلت تركض إثرها مذ ودعتك بعينها
رفقاً بنفسك ساعة إني أراك وهنت


إني أراك وهنت، فدوام الحال من المحال ... وأنى له بتلك الأيام العطرة حين كان حراً من قيود الزمان والمكان، وتلك الرحلات الصباحية لشاطئ أبو روف وخضرته الوريفة .. حين كان الزمان زمان والشاطئ يعج بصناعة المراكب، ولم يتحول بعد إلى بيع مستلزمات ليل النساء .. ليل ذلك المخلوق الذي أحتكر كل الشعر والنثر والجغرافيا في حياتنا ... نعشقه وندنيه ونحميه .. ويحمينا إن جار علينا الزمان.

صباح اليوم لفتت نظره ابنته وهي تطلب من أمها تغيير حقيبتها المدرسية .. وفكر في حيرة.. ما الذنب الذي ارتكبته الحقيبة حتى يتم تغيرها .. هذه البنت مشروع حبس وتدمير لإنسانية أحدهم .. آه لو يدرون قيمة الحرية .. وقيمة الانطلاق تجاه أسهم الجغرافيا .. ولكن من أين له بقطار أينشتين وسرعته الضوئية حتى يحلق في الزمان بلا عداد يسارع به نحو النهاية ..

لولا النساء من حوله – زوجه وبناته - لما علم غرابة كيف تفكر المرأة .. إذ هي مشروع دراسة يستحق سبر أعماقه .. فذلك كان شغله الشاغل منذ أول كلمة سمعها منها، ومن حينها بدأ في تفكير جدي كيف يحمل هذا المخلوق نفس اسم النوع .. هي بشر وهو بشر .. هي إنسان وهو إنسان .. هذا لا يجوز فهي مشروع تدمير للبشري والإنسان داخلنا .. ولا علاقة بين الإنسان والطاؤوس الماثل أمامه .. الإسم فلانة السكن دار من الدور، تقول ذلك وهي تعدل في وضع خصلة نفرت من شدة ما عانت من الشد والجذب لتطول وتطول وتطول.

هل كان هتلر سيجد الوقت الكافي ليكتب كفاحي إن كانت له خصل مثل تلك الماثلة أمامه .. أم كان موسليني سيعلم أن هناك علم لبلاده يجب أن يرفع إلى النجوم، لو حمل مشقة تلوين وجهه بألف لون ولون كل يوم.. ليت أولئك الطغاة ولدوا نساءً .. ليوفروا على العالم بحور من الدم والخراب خاضوا فيها دون وازع من أخلاق أو ضمير.

يقولون وراء كل عظيم امرأة.. فما باله لم يرتقي نحو أي مجد ... ووراءه كومة من الحريم يفقن أتخن خنساء في رص القول كمتريليوز فقد أداة تحكمه .. وتذكر صف طويل من الذين خلدتهم النساء .. فسرح فكره مع المجنون .. يخشى الفراق والحيان مؤتلفان .. واقتحام عبلة لفؤاد عنترة ببرق السيوف والرماح نواهل .. وكثير عزة حيتك بعد الهجر وأنصرفت .. وجميل بثينة وريعان الشباب جديد .. اصطفافة طويلة من فطاحل الشعر والفروسية أدارت النساء رؤوسهم فأبدعوا ونسبوا إليهن .

لعله هو المختلف في شعوره السلبي نحو المرأة .. لا يدري فهو لا يستطيع بالبوح بسره إلى غيره .. وإلا لانقلبت حياته إلى جحيم واتهموه بالجنون .. مسكين أيها الرجل فقد غابت مدن فاصلة كان محرم على المرأة دخولها.. ولكنها الآن هي التي تدير أمثال هذه المدن.. وليت الزمان يعود إلى مقاهي يوسف الفكي، وجورج مشرقي، وود الأغا، وليت الزمان يعود إلى صبا نادي الخرجين، ودور الرياضة .. انتبه من تفكيره وعاد يسأل الماثل أمامه، الاسم السكن العنوان.



التعديل الأخير تم بواسطة أبو جعفر ; 20-03-2013 الساعة 05:17 AM.
أبو جعفر غير متصل  
قديم 13-02-2013, 05:10 PM   #[4]
مشرف منتدى نوافذ
Super Moderator
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو جعفر مشاهدة المشاركة
الأسم: فلان .. اسم الأب: علان .. السكن دار من الدور .. صف طويل من البشر تمور دواخلهم بمختلف الأفكار والصور الحياتية، ولكنهم بالنسبة إليه اسم وعنوان بلا أي ملامح تواصل .. ليت تلك المسنوحة التي سلبت عقله منذ ما يزيد على خمسة عشر سنة وتمخضت عن أبناء وبنات بضجة كونية تتحول كما هؤلاء إلى اسم وعنوان فيفتك منها ما دام بعيداً عنها.. ولكن هيهات وهي متلبسة بأفكاره كما الماء والهواء ..

هو لا ينكر لحظات سعادة عديدة أمدته بها .. ولكنه لا ينسى ذلك السجن الذي حبسته بين جدرانه .. هو سجن المودة والأولاد .. تقوم بكل شيء داخله نعم .. ولكنه ذو نزعة تواقة إلى التحرر والعودة لقريته المجاورة للنيل بلا خضرة .. صحراء تحتضن ماء عذب في لوحة قل أن يجود بها الزمان.. ولكنها غير مثمرة ولعل هذا ما جعل الهجرة للعمل هي طابع أهل قريته... فهم قد امتدوا جنوباً حتى ملكال، ولكن شمالاً حبستهم العاصمة كرش الفيل.

يحسده الآخرون لأن والده ترك له منزلاً في المدينة .. وهو صاحب منصب حكومي - رغم بساطته - يعيش من ريعه .. ولكنهم لا يدرون مدى الشعور بالوحدة الذي يعيشه رغم الضجيج الصاروخي الذي يكتنف منزله طالما هناك عين لم تغمض في المنزل.

صباح اليوم لفتت نظره ابنته وهي تطلب من أمها تغيير حقيبتها المدرسية .. وفكر في حيرة ما الذي ارتكبته الحقيبة حتى يتم تغيرها .. هذه البنت مشروع حبس وتدمير لإنسانية أحدهم .. آه لو يدرون قيمة الحرية .. قيمة الانطلاق تجاه أسهم الجغرافيا ..

لولا النساء من حوله – زوجته وبناته - لما علم غرابة كيف تفكر المرأة .. هن مشروع دراسة يستحق سبر أعماقه .. فتلك كانت تسليته منذ أول كلمة سمعها منها، ومن حينها بدأ في تفكير جدي كيف يحمل هذا المخلوق نفس اسم النوع .. هي بشر وهو بشر .. هي إنسان وهو إنسان .. هذا لا يجوز فهي مشروع تدمير للبشري والإنسان داخلنا .. فلا علاقة بين الإنسان والطاؤوس الماثل أمامه .. الإسم فلانة السكن دار من الدور تقول ذلك وهي تعدل في وضع خصلة نفرت من شدة ما عانت من الشد والجذب لتطول وتطول وتطول.

لعله هو المختلف .. لا يدري فهو لا يستطيع بالبوح بسره إلى غيره .. وإلا لحولوا حياته إلى جحيم واتهموه بالجنون .. مسكين أيها الرجل فقد غابت مدن فاصلة كان محرم على المرأة دخولها .. ولكنها الآن هي التي تدير أمثال هذه المدن .. وليت الزمان يعود إلى مقاهي يوسف الفكي، وجورج مشرقي، وود الأغا، وليت الزمان يعود إلى صبا نادي الخرجين، ودور الرياضة .. انتبه من تفكيره وعاد يسأل الماثل أمامه الإسم السكن العنوان.
العزيز أبو جعفر ،
تحية طيبة وبعد
جزيل شكري لمساهمتك في مسابقة القصة القصيرة .. إلا أن هذه المساهمتك لم تستوفي الشرط الثاني في المسابقة والمتعلق بعدد الكلمات . أرجو مشكوراً إضافة بعض الكلمات لتكتمل ال 800 كلمة.
ولك مني الشكر أجزله. .
---
ملحوظة : تستثنى مشاركة مها كما أسلفت من شرط ال 800 كلمة ، لأنه حين إشتركت بمساهمتها لم يكن هذا الشرط مدرجاً.



التعديل الأخير تم بواسطة مشرف منتدى نوافذ ; 14-02-2013 الساعة 06:30 AM.
مشرف منتدى نوافذ غير متصل  
قديم 14-02-2013, 08:05 AM   #[5]
هبة الله محمد
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

رفيق طريق
جميلة هي المدينة عندما يقترب المساء..جمال قاس وحشي يستعد للانقضاض، وقلب قد من صخر كمبانيها الأسمنتية..كانت خيوط الظلام ألعنكبوتي قد وجدت طريقها إلى داخل الجراج؛ بين صفوف السيارات، ونسمات من حزن شفيف تسللت مع نسمات الهواء أو ربما.. مع الخطوات الصامتة الكئيبة لشخص قادم..
كان ثمة رجل يجلس هناك لا تعرف سبب وجوده أبدا..يحرس المكان ربما أو ينظفه أو هو موجود هنا فقط لأنه لا يوجد مكان آخر يذهب إليه.. يسلي نفسه بإغماض عينيه والاستماع إلى أصوات أقدام المارة ويحاول أن يخمن إن كان القادم رجلا أم امرأة..شابا أم عجوزا؛ الخطوات المرهقة التي تشعر بأن صاحبها يعرج في مشيته- حتى ولو لم يكن كذلك- هي لعجوز حتما.. أما الخطوات المتعجلة دائما حتى ولو لم يكن هناك ما يشغل صاحبها حقيقة؛ تلك الخطوات التي تبدو وكأنها تريد اختراق الأرض هي لشاب بالتأكيد..لكنه لم يشعر بخطوات القادم هذه المرة..خطوات خفيفة رشيقة كأن صاحبها لا يمشي على الأرض بل يطير؛ حتى صوت احتكاك الرمال بحذائه لا وقع له تقريبا..لم ينبهه سوى صوت دوران المحرك فالتفت لحظة بنظرة لا مبالية ثم عاد يغمض عينيه ليحاول النوم هذه المرة ويرى أشياء لا يستطيع أن يراها وهو مستيقظ..

خرج هو بالسيارة من هناك بحركة متهورة كاد معها أن يصطدم بأخرى ساكنة في مكانها..كان هناك ولم يكن هناك..عقله متلاش ينقب في متاهات بعيدة عن شيء ما لا يعرفه بينما تتولى أطرافه القيادة وحدها..لم يكن يعرف إلى أين ينوي أن يذهب بالضبط..فقط شعر بذلك الاختناق في صدره وأنه يريد أن يبتعد عن هنا..يريد أن يذهب خارج المدينة إلى أي مكان آخر..يتنسم بعض الهواء النقي ويبحث عن هدوء روحي يفتقده فيها..
تحكم في أعصابه حتى خرج من المدينة وعندها ترك لنفسه العنان..ضغط دواسة الوقود بقوة أشد..الأشياء تهرب في ذعر مجنون إلى الخلف بعيدا عن طريق سيارته..هذا الرجل لا يأبه لحياته ذاتها أتراه يهتم لها..القمر فحسب امتلك الشجاعة ليطارده كأنه يريد إيقافه ولكن من يستطيع إيقاف رجل مختنق الروح إلى هذا الحد مثله..بالنسبة له لم تكن هناك مشكلة؛ أليست حياته ذاتها سيارة مسرعة وعندما تحين النهاية ستنحرف عن الطريق وتنزلق إلى الهاوية..ضَغط على زر تشغيل المسجل لعل الصوت الصاخب يغطي على ضجيج أفكاره..وانطلقت الأغنية:
أنا جني في زجاجة يا حبيبي...
تعال...تعال وحررني..

آه..هذه الكلمات تصف شعوره تماما؛ انه كجني يمتلك طاقات هائلة لكنه محبوس في قمقم كبير هو العالم الذي يحس انه ضاق به الآن..ولكن من يا ترى يستطيع أن يحرره؟:
تعال...تعال وحررني..

تبا..لم تساعده الأغنية على الاسترخاء ولم توقف ضجيج أفكاره بل يبدو وكأنه ازداد..أغلق المسجل بضربة واحدة من يده وعاد يجذب أسطوانة أخرى عليها سورة مريم..هدأت روحه قليلا وتكومت دمعة رقيقة في عينه، عبر تلك الدمعة الهلامية التي ارتعشت محاولة التسلل إلى خده استطاع أن يلمح شبح شخص يحمل إطار سيارة، ويلوح بيده للسيارات العابرة..سيتوقف له..نعم لأن الرجل يحتاج مساعدته أو لأنه هو من يحتاج إليه..أي شخص يتحدث معه حتى لو لم يكن يعرفه بل من الأفضل أن يكون لا يعرفه فهذا يعطيه راحة أكثر فلن يرى الرجل ثانية ولن يرى في عينيه تلكما النظرة التي تذكره بأنه كان هشا في لحظة ما.. نعم..لمَ لا يفعل؟..
هدأ قليلا من سرعته لكنه مع ذلك لم يستطع التوقف سوى على بعد أمتار قليلة منه فتراجع بالسيارة حتى أصبح في مواجهته تماما..ضغط على زر إزاحة الزجاج وأطل من نافذة السيارة قائلا:
- "ما المشكلة هنا؟"
- "كما ترى.."
قالها الرجل رافعا يده بالإطار ثم أتجه دونما دعوة إلى المقعد المجاور..على أضواء السيارة استطاع أن يميز ملامحه وهيئته؛ وسيم إلى حد ما..شعر طويل ناعم مصفف إلى الخلف مع بعض الخصلات المتهدلة على جبينه، وقد ارتدى ملابس صيفية خفيفة لا تتفق مع لسعة البرودة التي بدأت تتسلل عبر ذرات الهواء..قال الرجل بعدما استقر في المقعد إلى جواره:
- "لقد كنت عائدا من عمل خارج القاهرة عندما فقدت زوج من الإطارات..تخيل هذا!!..تبدل واحدا لتجد الآخر لم يعد صالحا أيضا..ما فائدة السيارات الحديثة إذن ما دامت تفقد إطاراتها بتلك السهولة..لقد ظللت واقفا هنا أكثر من نصف ساعة دون أن تمر سوى سيارة واحدة وقد رفض سائقها التوقف..كان حظي حسنا جدا كما ترى..أشكرك كثيرا لأنك توقفت..آه..آسف..لقد انخرطت في الشكوى و نسيت أن أقدم لك نفسي؛ أحمد منير"
- "حاتم سالم.."
أشعرته طريقة الرجل المنطقة في الحديث بالألفة؛ كأنه صديق قديم، ووجد نفسه بلا وعي يبتسم:
- "آسف لأنني عطلتك معي..ولكن إلى أين كنت ذاهبا في الأصل؟"
شعر هو بالارتباك للحظة أمام السؤال المفاجئ..ماذا سيقول له؟..لكن الرجل يبدو لطيفا..حسنا ليقل:
- "في الحقيقة..لم أكن ذاهبا إلى مكان محدد..أعني.....أنني كنت أشعر ب...... ببعض الضيق..كنت أريد أن أسير بعيدا عن الزحام..أعني......الهواء هنا أنقى بكثير.. أنت تفهم أليس كذلك؟...."
"نعم..أستطيع أن أفهمك..أنا مثلك عندما أشعر بالاختناق أتجول بسيارتي بلا هدف..وأحيانا كذلك أحب أن أغني؛
وســرت وحـــدي شريدا محطم الخطوات
تهزني أنفاسي..تيرررا..تخيفني لفتاتي..تيرررا"
لم يستطع أن يملك نفسه من الابتسام ثانية؛ خاصة الطريقة المسرحية التي كان يحرك بها ذراعيه مع الأغنية..هذا الرجل قادر على تحويل أي مشكلة إلى مهزلة حقيقة:
- "ولكن ها هي نتيجة سيري وحيدا شريدا؛ لقد وجدتك.."
- "لقد أرسلتك السماء إذن..يبدو.......أووووووووووووووووع...............! !!!!"
ارتبكت يد حاتم على المقود، وهو يلتفت إليه..يا الهي..ما الذي حدث له؟..رآه يضع كفه على فمه..يبدو أنه سيتقيأ؟..ضغط الفرامل بسرعة؛ فاندفع جسداهما إلى الأمام..واستطاع هو على ضوء السيارة الخافت أن يرى الدم يغرق كف رفيقه وقميصه الأبيض..سمع شهقته الأخيرة ثم رأى الجسد يستكين في مقعده بلا حراك..
***
الظلام..وعواء حزين يتردد في الصحراء الموحشة..أغنية الصمت الكئيبة تأكل نغماتها في أعصابه بضراوة..والجسد الملقى بجواره يأبى الحركة..همسة فقط تدل على الحياة؛ وعندها سيرتاح..لكن الجسد ساكن سكون الطريق والصحراء وكل شيء هنا عدا نفسه المضطربة..تبا..ليته ما خرج من بيته الليلة..ليته ما جاء هنا ..ليته لم ير هذا الرجل..ليته ما توقف له..ليته.....ليته.....ليته...عض على يديه في حنق..ما الذي حدث بالضبط؟..لقد كان الرجل يتكلم بطريقة عادية ثم.................وما هذا الدم الذي يغرق ملابسه..يا لها من ليلة!!..إنها ليلة نحسه بالتأكيد..لقد كان هذا واضحا منذ بدايتها..
مال نحوه بأطراف مرتعشة؛ محاولا أن يجعل جسده يعتدل على المقعد..أما زال حيا؟..لا يعرف..لا يستطيع أن يحدد..وجهه شاحب تماما..لكن جسده ما زال دافئا..يا الهي..كيف سيتصرف؟..لم يعرف أبدا كيفية التصرف في مثل هذه الحالات؟..ألا توجد إحدى المستشفيات القريبة مثلا؟..نعم لابد من وجود واحدة..إنها تتواجد دائما..ولكن أين؟..لا يعرف..تبا..إنه لا يعرف أي شيء على الإطلاق..ربما من الأفضل أن يعود به إلى المدينة..ولكن هل سيظل حيا حتى يصل به إلى هناك..هذا إن كان ما زال حيا من الأصل..وماذا عن موقفه هو في حالة وفاة الرجل؟..سيكون هناك تحقيقا بالطبع، وأسئلة كثيرة عن وجود رجل لا يعرفه معه بالسيارة..وسيرتبك هو كالعادة.. كالعادة سيرتبك وعندها............يا له من طفل صغير أحمق..ولكن لابد وان يتصرف..حسنا سيعود.. سيعود إلى المدينة وليحدث ما يحدث..لن يخاطر أبدا بالتوغل في طريق لا يعرف إن كان سيجد فيه مساعدة أم لا..ولكن بالله ما الذي حدث له؟..لقد كان ممتلئا بالحياة فكيف تجرد منها هكذا فجأة..

أدار السيارة في الاتجاه الآخر؛ عائدا صوب المدينة..غمرت أضواء سيارته أسفلت الطريق البارد الجامد..لمَ لا تمر ولا سيارة عبر هذا الطريق؟..وكأنه لم يخلق سوى لهما؛ وكأن الأرض بأكملها أقفرت..نقل عينيه بين الجسد الهامد والظلام على الجانبين وأرتجف..إنه وحيد.. وحيد تماما..لو ينهض رفيقه ويعود كما كان..
"أفق.. بالله عليك أفق.."
لكنه يأبى الحياة من جديد.. شعر بعضلات صدره تنقبض وتنفسه يضيق، ومن بعيد لاحت له السيارة المرتكنة على جانب الطريق؛ سيارة بقايا الرجل الذي بجواره..سيارته..نعم..سيارته هي الحل..ضغط الفرامل بلا وعي ونزل..لا أحد يعرف أن هذا الرجل كان معه..ليس مضطرا للتورط في الأمر..فعلا..لمَ لا يعيد الرجل حيث كان في سيارته؟..لن يعرف أحد بهذا أبدا..تلفت حوله كأنه يخشى وجود شخص وهمي، ثم اتجه إلى الباب المجاور لرفيقه، وفتحه..أيفعلها؟..ولكن........وقف مترددا للحظات..ثم مد جذعه عبر فتحة الباب ليجذب الجسد إلى الخارج..إنه ثقيل.. ثقيل كالكارثة التي ورطه فيها..ولكن هذا الألم في صدره يشتد..الرؤية تغيم أمام عينيه..أصابعه تتراخى على الجسد و....... وسقط بجواره بلا حراك..
***
الجسد الميت ينهض من مكانه حيا من جديد؛ رهيبا؛ كأنه العنقاء تبعث من رمادها..ملامحه مشوهة.. ممسوحة..مغلفة بالدماء..
- "لم أقصد..صدقني..لم أقصد.."
يقولها هو بلا صوت ضارعا..لكن الآخر لا يهتم..يتجه نحوه..بخطوات ثابتة ثقيلة كدقات المطرقة..يلتفت هو حوله..يحاول أن يهرب..لكن قدميه مثبتتان في الأرض بقوة غير عادية..كأنهما قدما تمثال حجري..الوجه الجامد يقترب منه أكثر وأكثر..يمد يديه الملوثة بالدماء نحوه و.................................أفاق أخيرا..لكنه انتفض ثانية إذ وجد الوجه ذاته يحدق فيه؛ بابتسامة مرهقة هذه المرة!!!
- "هل أنت بخير الآن؟"
وصله الصوت بعيدا.. بعيدا.. كأنه من غور سحيق..لم يستطع أن يرد..كان يحاول أن يفهم طبيعة وجوده في هذا المكان..وكيف.. كيف يجلس هذا الرجل أمامه سليما بينما هو ممد على الفراش..أكان يحلم؟..مستحيل... أم أن هذه بقية الحلم...ولكن.....تجمد المشهد أمام عينيه للحظات..وعندما استطاع أن يحرك شفتيه أخيرا خرجت الكلمات باهتة مبعثرة؛ بلا معنى:
- "لقد...كنت........................................ ..................."
ابتسم الجالس أمامه ثم هز رأسه في بطء قائلا:
- "نعم..لقد كان مغشيا عليّ..لقد صار هذا يحدث لي كثيرا هذه الأيام..إن حالتي تزداد سوءا..أعلم هذا..لكنني بدأت اعتاد هذا على أية حال..لم يعد الأمر يزعجني كالسابق..لحسن الحظ لم يكن النزف شديدا هذه المرة..المهم هو هل أنت بخير الآن؟"
عبرت الكلمات حدود ذهنه المكدود؛ بالكاد استطاع أن يكون منها ما يفهمه..لذا عاد يقول في وهن:
- "ولكن......كيف؟"
- "حسنا..ما دمت مصرا على السؤال..لقد أفقت لأجدك ملقى على الأرض..كنت متعبا ومشوشا تماما..لكنني استطعت أن أخمن ما حدث لك..بحثت في جيبك عن أقراص علاجية أو ما شابه، حتى عثرت على علبة..دسست في فمك قرصا منها..ثم حملتك إلى السيارة..واتيت بك إلى هنا..لا أعرف إلى الآن كيف فعلت هذا كله..لقد كنت أترنح تقريبا..و بالكاد كنت أرى الطريق أمامي..لابد وأن الله ساعدني لإنقاذك..و......."
ثم هز كتفيه، وابتسم ابتسامته الشفافة ثانية..وللحظة شردت عيناه، وغاضت الابتسامة على وجهه ثم التفت يسأله:
- "ولكن كان وضعك غريبا..أقصد..ما الذي كنت تفعله خارج السيارة؟"
برغم كل شيء أحمر وجهه بشدة..وحرك يده بصعوبة كأنه يدفع عن نفسه شيء خفي قائلا:
- "لا شيء..لا شيء..لقد كنت أحاول إفاقتك فحسب.."
تمت بحمد الله

هبة الله محمد حسن



هبة الله محمد غير متصل  
قديم 19-02-2013, 06:54 AM   #[6]
ماجد تاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية ماجد تاج
 
افتراضي المطر يعاود الهطول

ـ

( المطر يعاود الهطول )

حين عاد عِبيد كنت نائماً .. تلك هي الحقيقة ، فصباح ذلك اليوم كان لا يختلف عن صباحات القرية الرتيبة المعتادة ، صباح يخلو من بادرة أمل في زوال المحل الذي تربع طوال سنين على الأرض ، تلاه نهار امتد حتى حسبته لن ينتهي ، نهار ممل مسكون بالسموم والحر خلفني منهكاً للغاية بعد أن انقضى ، فقد جبت أطراف القرية وحواريها ، وحتى بيوتها الخلفية بحثاً عن جديد أو حي ، ثم نفضت فكرة البحث عن خاطري وعدت إلى المنزل قبيل مغيب الشمس بقليل .. الحر حينها كان ما يزال جاسماً ، والسموم استوطنت .. سحب بيضاء رهيفة تتجمع على الحواف البعيدة للسماء جهة الشرق بدت مناقضة للحال ، حتى أكثر المسنين خبرة من أهل القرية لم يكن يرى فيها أية ذرة ماء يمكن أن تهطل .. دلفت إلى الحجرة ونزعت أسمالي واستلقيت شارداً بلا أفكار ، عقلي مفرغ من أي معنى ، والشعور بالخواء بداخلي مستقر لكنه ساكن لا يعصف ، لامست حواسي رائحة دخان الطلح فجالت بخاطري عزَّة ، دفعتني فكرة أنها ما زالت تدخن جسدها لرجل لن يتسنى له أن يعود للتبسم بحزن ، عبق الدخان قوي ومستكن لسكون الهواء ما جعله يسيطر على أفكاري ، تخيلتها بجسدها الناحل تتجرد وتلتف بشملتها بعد أن ضمخت جسدها بالدهون .. تحركت مخيلتي الجنسية قليلاً لكن وازع خيِّر أعاد إلى سطح أفكاري رقة تعاملها ، وطيبتها ، وثقتها فيّ .. عزَّة .. لكم أشفق على شبابك الذي تمتص رحيقه لفحات السموم الخالية من الرحمة والوداد ، أرضك التي لا تروى ، وأنت تصرين على انتظار عبيد العام تلو العام بجهد الأنبياء وإيمانهم بحسن الخواتيم ، تعيدين إشعال الطلح كلما لاحت لأمنياتك بارقة تظنين أنها إشارة لعودة عِبيد .. نهضت متكاسلاً ووقفت على سور بيتها وسألتها :
ـ العازة .. ما الجديد اليوم ؟
ـ عِبيد سيعود اليوم .. صوتها مترع بالثقة بصورة لم أعهدها من قبل
ـ من قال لك ؟
ـ ضحكت .. ألا ترى السماء التي أبرزت أثدائها الآن للعطاء ؟ .. هل تظن أنها لن تجود عليّ بعودة العِبيد ؟
ـ رفعت رأسي ودهشت أخيراً .. السحب البيضاء غرقت في السواد وغطت الأفق من أقصاه إلى أقصاه ، تقدمها نحو سماء القرية بطئ لكنه مؤكد ، ضحكت وانطلقت في أنحاء القرية أحمل البشارة بعودة المطر .. من بيت إلى بيت .. أهتف ( المطر سيعاود الهطول .. المطر سيعاود الهطول ) تجمع أهل القرية في الساحة التي تتوسط البيوت ـ كل أهل القرية بلا استثناء .. صغارهم .. كبارهم .. نساءهم .. أطفالهم .. أحرارهم وعبيدهم ـ ودارت حوارات صاخبة ومتصاعدة .. في أنفاسهم تكاد ترى الغبار المنتفض من أرواحهم التي أنهكها المحل ، وأنا كنت سعيداً كطفل عادت أمه بعد غياب ، أنتقل من جمع إلى جمع ، ألتقط خيوط الأمل القوية التي بدأت تنسرب من التحليلات والقناعات التي تترسخ بلا حذر ، كثيرون في تلك اللحظة كانوا على يقين أن المطر سيعاود الهطول أخيراً بينما أبدى معارضون ـ مخمورون ـ اعتراضات تقوم على تحليلات غير منطقية مستندة على أن السحب رغم تراكمها البادي للعيان ليست قِبلية ، وأنا أتنقل كفراشة ، ألبث قليلاً ريثما أجد فرجة في الحديث حتى أنشر يقينيتي وتأكدي ، كقديس يتلو صلوات آخر الليل أقول لهم :
ـ المطر سيعاود الهطول الليلة ..
والناس في جدالهم وصخبهم وغبطتهم مرت رائحة الطلح على أطراف الساحة ، خبيثات من نساء القرية افتقدن عزَّة في تلك اللحظة ، تهامسن وسُمِعت ضحكاتهن المكتومة وهن يخضن في اشتهاءاتها الموؤدة باستمرار .. ثم انهمرت السماء كأفواه القرب بغتة ، حاسمةً كل الجدال والصخب الذي كان يملأ ساحة القرية التي تتوسط البيوت .. بلا مقدمات .. ذرات من المطر كحبات الحصى تساقطت بعنف وتتالي على القرية .. سكن الجمع برهة كأنما ألجمت الحقيقة ألسنتهم .. هاهي السماء أخيراً جادت بعد ثلاثاً وعشرين عاماً من المحل المُمِض المنهك .. هاهو المطر يعاود الهطول .. دمعات حزن خالطت دمعات الفرح واندفع الجمع مرة واحدة في صراخ هستيري .. بكاء .. ضحك .. صرخات .. كأنما ألف مجنون هبطوا على ساحة القرية وأطلقوا لجنونهم العنان فيها ، تقافز الناس ورقصوا ذلك المساء طويلاً تحت المطر المنهمر بعنف لا مثيل له ، مطر قاسي غضوب يضرب الأرض بسياط من الماء تُلهِب ظهرها ، وكلما تصاعد غبارها أعاده إليها مرة أخرى بقوة .. رقصنا تحت المطر ذلك المساء زهاء الثلاث ساعات حتى انهدت القوى ، وتعبت الأقدام ..
فرح مكتوم منذ ثلاثاً وعشرين سنةً عجاف تدفق بغتة تلك الليلة مع انهمار المطر وفاض حتى ملأ كل بيوت القرية ، فرح عارم ومتقد أنهك الأجساد بعد أن عبأ الأرواح بسعادة طال انتظارها ، فرح روّى كل شتلات الأمل التي يبست في هذه الأنفس التي أنهكها المحل الطويل حتى اخضرت في ليلة واحدة .. رويداً رويداً تسرب الناس صوب البيوت وخلت الساحة إلا من قلة .. وفي طريقي إلى البيت مررت ببيت عزّة وهتفت فيها :
ـ مبارك عليك المطر يا عازه .. الجابو يجيب العبيد ..
ضحكت بتغنج من داخل بيتها وأكدت أن العبيد سيعود الليلة لا محالة ، دخلت بيتي وغرقت في نوم عميق ، نمت كقتيل ، نمت عن ثلاثٍ وعشرين سنةٍ كاملة كان نومي فيها منتقصاً بفعل الحر والسموم ، والقلق ، ورائحة الأرض الجافة وبقايا الآمال التي تموت .. لكن في نومي هذه عاد عبيد .. نعم يا سادة .. يحزنني أن العبيد عاد وأنا نائم ..
قليلون من أبناء القرية ورجالها لم يعودوا إلى بيوتهم في تلك الليلة ، خرجوا صوب الحقول وجلسوا تحت أشجار النيم الصامدة سنوات المَحَل يسترقون النظر إلى الحقول التي تجمعت فيها المياه بين كل لمعة برق وانطفاءه ، إمتلأت الأرض وتغطت بالماء من أقصاها إلى أقصاها ، مد البصر كانت المياه تشكل بحيرة عملاقة كأنما ملأها ألف ألف جني من رعايا سليمان ، مطر لم تبين له نهاية في تلك الليلة كان يواصل إغداقه على الحقول حتى استحال اليباس بتمامه إلى بحر بلا ساحل ، حكوا فيما بعد أن العربة التي جلبت عِبيد بدت لهم أضواءها كسفينة نوح وهي تتحرك على صفحة الماء ، وهم محتمون بأشجار النيم تساءلوا : منذا الذي سيأتي للقرية في ليلة كهذه .. أقسموا فيما بعد أن العربة كانت تغرق في الماء ثم تعود لتطفو من جديد وتسير فوقه .. وحكى عقلاء منهم أنها استمرت في سيرها المترنح والمتقطع في الماء ساعة أو تزيد ، وحين اقتربت منهم جاءهم منها صوت ينادي الأمين ود السارة الجالس بينهم .. صوت ضاحك ، ماجن ، معربد ، عالي حد الفجاجة .. نادى الأمين ود السارة حين ميّزه من بين الجالسين تحت النيم :
ـ اللمين ود الخادم ؟
قفز الأمين ود السارة كمن مسه جان ، صرخ وجرى صوب العربة ، ثم جرى صوب البيوت ، ثم عاد وهو يصرخ كالمجنون :
ـ العبيد عاد .. العبيد عاد .. يا ناس .. العبيد ..
صراخه الذي مازج ضحكه وبكاه في آن أعاد إيقاظ القرية التي نامت منذ قليل مرة أخرى ، ضجت البيوت من جديد ولمعت من نوافذها أضواء الفوانيس والمصابيح المتحركة ، تدفقت الحياة في الساحة من جديد وساد هرج ومرج وبكاء لا ينقطع تتخلله ضحكات العبيد الطيبة العالية .. يربت على الأكتاف والظهور ويتنقل من حضن إلى حضن والناس غارقون في دموعهم وفي مياه المطر .. ليلة لن تنسى تلك الليلة التي عاد فيها العبيد وأنا نائم ..
عزَّة لم تكن قد نامت لما عاد العِبيد ، حين ضجت القرية وبلغت أسماعها حقيقة عودة عِبيد قامت بهدوء نبي صوب خزانتها .. دموعها لا تنقطع ، ونهنهاتها مسموعة خارج سور بيتها .. تطيبت كعروس .. وأغرقت جسدها في خُمرتها المعتقة من سنين ، وأعادت تكحيل عينيها مرات ومرات ، مارست تطيُّبها بتركيز وتريث كمجوسي يؤدي طقوسه ، لم تترك جزءاً قد يمسه العبيد إلا وأغرقته خُمرةً ومسكاً وعطراً .. لبثت في بيتها تبكي بصمت تنتظر دخول العبيد عليها .. جارتها أسرت إليها أن عِبيد ينوي النوم في ديوان القرية حتى يدخل بيته صباحاً كعادته حين يعود من سفره ليلاً .. بكت عزّة وأرسلت إليه أن يأتيها .. سارت القرية مع العبيد إلى بيته كأنها تزفه إلى عروسه لأول مرة ، وحين دخل كثيرون لم يبرحوا .. حكوا أن العبيد احتضن العازة بقوة ، وحملها كأنه ينتزع جزع شجرة من الأرض ، وأن تأوهاتها قد أحيت فحولة عديدين من رجال القرية ، حتى العمدة حُكِى في روايات أسطورية أنه طاف على ثلاث من نساءه بسبب صراخ العازة وتأوهاتها ، وضحكاتها الماجنة المائعة التي غطت على صوت المطر ، وأن غرف عديدة في القرية فاحت منها رائحة البخور والصندل والصندلية والمسك والخُمرة .. وأنواع لا تحصى من العطور ، وأقسم أُسطوريون أن رائحة المطر نفسها كانت مضمخة بذات الروائح .. نامت القرية ليلتها تلك تاركة للمطر ساحاتها وحقولها ليفعل فيها أفاعيل الشوق حين ارتواءه ، وتاركةً لعزّة العبيد بمجونه وصخبه ومرحه .. فقد عاد العبيد ، والمطر قد عاود الهطول .

ماجد تاج


ـ



التعديل الأخير تم بواسطة ماجد تاج ; 19-02-2013 الساعة 05:44 PM.
ماجد تاج غير متصل  
قديم 24-02-2013, 12:32 PM   #[7]
علاءالدين عبدالله الاحمر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية علاءالدين عبدالله الاحمر
 
افتراضي غربال

لم اعرها اهتمامي في أي يوم وهي بذلت مابوسها لانتبه لجمالها الفاجر ، في المكتب اللذي نشغله سويا دائما أحس بأنها ترمقني بتالم صامت ولكني مشغول دوما ويرفض قلبي النساء لعدم مقدرتي علي مايريدنه دوما من الرجال .
عندما باغتتني بسؤالها :
- ليه ماعجبتك
: ...
- انا ناقصني شنو عشان تشوفني ؟
: انتي حلوة وماف زو...
- ماتحور الكلام وتحولني من سؤالي !
: انا ماقصدت حاجة كل الموضوع انا مابنفع مع أي واحدة لأني مليان مشاكل وقلبي مافيه غير مشاكلي والحياة صعبة لو قلت أعيش معاك علاقة حب مفترض اعرسك وانا ياداب دخلي بكفي بيتنا حب يعني التزام وأنا ماقدر التزامات مع أي واحدة مفهوم واصلا ال ..
- واصلا انت اجبن من تعترف بمشاعرك لنفسك
: أنا ماكده
- انت كده ونص لأنك مفتري وأنا بستحمل افتراك
: بحاول احميك
- من شنو ؟
: ماحتفهمي
- جربني
: مابقدر أعمل معاك حاجة
- ماطلبت منك غير قلبك
: والنهاية
- نتزوج
: كده فهمتي ليه ماعايزك تتعزبي
- قصدك شنو
: ماحاقدر علي زواج
- وانا اعمل شنو ؟
: وافقي علي اول واحد يجيك
- انا عايزاك انت ( كان من القسوة التعامل مع إمرأة تقدم نفسها مبادرة بحبها متنازلة عن كبريائها كانثي وتطلب قلب رجل كل زنبها انها تحبه ، وأنا انظر اليها كنت لا أسمع غير طنين روحي الفارغة من أي احساس يشتمل علي امرأة أري حركة شفتيها ولا أسمع صوتها )
- أتكلم رد علي
: قلبي غربال مابشيلك ولا الغيرك
- حيشيلني !
: إلا بالحرام
- وأنا موافقة أجيك متين ؟



التوقيع: هل لي غير هذا الوجه
لأعرف وجهك من جديد
وطنا تقاسمه الحنين
غاب في ابد الرحال
ولم يعد لنا وطنا جديد
علاءالدين عبدالله الاحمر غير متصل  
قديم 25-02-2013, 06:25 AM   #[8]
مشرف منتدى نوافذ
Super Moderator
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علاء الدين عبدالله الاحمر مشاهدة المشاركة
لم اعرها اهتمامي في أي يوم وهي بذلت مابوسها لانتبه لجمالها الفاجر ، في المكتب اللذي نشغله سويا دائما أحس بأنها ترمقني بتالم صامت ولكني مشغول دوما ويرفض قلبي النساء لعدم مقدرتي علي مايريدنه دوما من الرجال .
عندما باغتتني بسؤالها :
- ليه ماعجبتك
: ...
- انا ناقصني شنو عشان تشوفني ؟
: انتي حلوة وماف زو...
- ماتحور الكلام وتحولني من سؤالي !
: انا ماقصدت حاجة كل الموضوع انا مابنفع مع أي واحدة لأني مليان مشاكل وقلبي مافيه غير مشاكلي والحياة صعبة لو قلت أعيش معاك علاقة حب مفترض اعرسك وانا ياداب دخلي بكفي بيتنا حب يعني التزام وأنا ماقدر التزامات مع أي واحدة مفهوم واصلا ال ..
- واصلا انت اجبن من تعترف بمشاعرك لنفسك
: أنا ماكده
- انت كده ونص لأنك مفتري وأنا بستحمل افتراك
: بحاول احميك
- من شنو ؟
: ماحتفهمي
- جربني
: مابقدر أعمل معاك حاجة
- ماطلبت منك غير قلبك
: والنهاية
- نتزوج
: كده فهمتي ليه ماعايزك تتعزبي
- قصدك شنو
: ماحاقدر علي زواج
- وانا اعمل شنو ؟
: وافقي علي اول واحد يجيك
- انا عايزاك انت ( كان من القسوة التعامل مع إمرأة تقدم نفسها مبادرة بحبها متنازلة عن كبريائها كانثي وتطلب قلب رجل كل زنبها انها تحبه ، وأنا انظر اليها كنت لا أسمع غير طنين روحي الفارغة من أي احساس يشتمل علي امرأة أري حركة شفتيها ولا أسمع صوتها )
- أتكلم رد علي
: قلبي غربال مابشيلك ولا الغيرك
- حيشيلني !
: إلا بالحرام
- وأنا موافقة أجيك متين ؟
العزيز علاء
جزيل شكري لمشاركتك في مسابقة القصة القصيرة
أو أن أخطرك بأن هذا النص لم يستوفي الشرط الثاني من المسابقة والمتعلق بالحد الأدنى من الكلمات ، يرجى العمل على إستيفاء هذا الشرط ليتسنى للإخوة أعضاء اللجنة الفنية تقييم النص
ولك مني الشكر أجزله



مشرف منتدى نوافذ غير متصل  
قديم 03-03-2013, 11:21 PM   #[9]
Mema
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية Mema
 
افتراضي المملـــــــــــــــــــــــكــة

المملـــــــــــــــــــــــكــة

هي لا تدري ما السبب الحقيقي وراء مرافقتها له. فهي ربما قد لا تكاد تعرفه بشكل كاف لتقرر ترك كل شيء خلفها واللحاق به في تلك الرحلة المصيرية.
ثم أنَّ ما كان يقالُ عنه منذ أنْ دخل إلي قريتهم كان كفيل بإثناء عزمها مهما بلغ..إذ اعتبره البعض مجنونا واعتبره آخرون الشيطان بعينه لكنهم اجمعوا علي ضرورة تجنبه واتخاذ الحيطة والحذر الشديد منه ونبذه كليا بل ومعاداته حتى انه كاد أن يدخل في دائرة نزال عادة ما ينتهي بموت احد طرفيه إذا ما وقع, لولا أن منعه بعض الحكماء بحجة أن أمره ليس جليا بعد ولا احد يعلم ما يخبئه ولا الحقيقة المضمرة خلف كل ذلك الغموض الذي كان يلفه .
نظَرتْ إلي الوراء وسرى تيار بارد في جسدها المتعب ارتجفت علي إثره أوصالها , القرية الآن تبدو كنقطة تائهة في سراب .. لقد ابتعدا كثيرا ..
أزعجتها الأفكار التي راحت تغزو عقلها بعناد .. هل أخطأت التقدير ودفعها حماس ولّدته دماؤها الشابة أو جنون كان نائما واستيقظ في أعماقها ؟ أم أن الدافع الحقيقي لمغامرتها تلك هو إعجابها الخفي برفيقها ذاك ؟
لن تنسي وقع كلماته عليها يوم التقته في تلك الظهيرة ودهشتها بما يحمل في جعبته من أخبار سلبت لبها وشرحت روحها التواقة لضوء الأجوبة ..
تردد صوت الحكيمة في عقلها وهي تحذرها من مآلات الخروج عن المألوف وعن ما كانت تدعوه بالتمرد عن الجماعة وإعلان العصيان علي النمط المرسوم. ولم يكن قول الحكيمة شططا فمنذ أن تكون وعيها واستفاق إدراكها لما حولها وهي تعلم أن كل من في تلك القرية كان يسعى في ذات المسار المحدد منذ الميلاد وحتى الموت .. لا تنكر أنها كانت مطمئنة نوعا ما عندما كانت اصغر سنا لذلك النظام الجلي المستقر .. و مرتاحة نسبيا لفكرة الانضمام لذلك التيار الآمن .. فقد كانت تعرف مسبقا خريطة مستقبلها بدقة ووضوح منذ خطواتها الأولي و حتى يأتي اليوم الذي سترحل فيه تماما كبقية أهلها وأصدقائها .. لكنها راحت تكبر ..وكذلك فضولها الذي كان مثار قلق معلماتها ورفيقاتها بل كل من عرفها ..أسئلتها كانت تربكهم .. ترعبهم .. ولطالما وُبخَتْ وعُوقِبت جراء ذلك لكنها لم تكن تملك القوة الكافية لقتل ذلك الفضول أو إلجام تلك الأسئلة .. فما أن تخرج من آثار مشكلة ما حتى تعود لتغوص في أخرى .. وبرغم اختلافها وعنادها إلا أنها شعرت أن تلك الجذوة المجنونة في روحها بدأت تخبو مع كل ما كانت تلقاه من ممانعة وامتص الجمع الغفير طاقتها المعاكسة الهائلة وبدأت ترضخ للتيار الذي يحمل الكل نحو نفس المصير .. تذكرت شعورها ذات يوم عندما رأت صورتها منعكسة علي صفحة الماء بينما هي سائرة مع أقرانها .. وبدت تشبههم تماما في كل التفاصيل كم انزعجت يومها .. حزنت كثيرا علي ما الحق الزمن بها من تغيير .. بكت فقدانها تمردها وثورتها وكادت تستسلم أبدا لواقعها لولا أن جمعها القدر برفيقها هذا ..فقد جاء من حيث لا يعلم احد .. هو نفسه لا يعلم حقا كيف جاء ولا ما حدث ..ذاكرته المشوشة خذلته جزئيا لكنه كان يحتفظ فيها ببعض الصور التي لم ينساها قط وقد سمعته يتحدث عن أشياء كانت بمثابة الترياق الذي أعاد روحها المتمردة للحياة وأيقظ عطش عقلها المتسائل دوما للبحث الدءوب عن الإجابات وأثار شوق جسدها الصغير للخروج أبدا من تنظيمات الصفوف الطويلة..
تصاعدت أنفاسها وهي تجاري خطاه السريعة وتتجاوز بخفة ما يخبئه الطريق لخطواتها من عثرات .. كانت متعبة وجائعة .. لكن جوع روحها كان أعظم .. وكان لابد لها من الوصول .. لتشبع ذلك الجوع الذي لطالما ارق مناماتها وأرهق تفكيرها ردحا من الزمن ..
التفت رفيقها بسرعة ليطمئن علي قدرتها ورغبتها في المتابعة فابتسمت له بكل عزم لتجيبه قبل أن يسأل .. بادلها الابتسامة وانشغل بعدها بالطريق ..
لازالت تذكر يوم رحلت مربيتها عن عالمهم .. كان الجميع يعلم انه يوم الرحيل .. حزنت كثيرا حاولت الابتعاد عن القرية لكنها لم تمتلك وقتها ما يكفي من الشجاعة لتفعل ..
لم تفهم قط ماهية الرحيل حتى اللحظة ولا تدري لماذا عليهم التسليم بميعاده هكذا وبدون ادني مقاومة أو نزال ..
صرحت بغضبها وأفكارها فزجروها وانتهروها لتصمت .. لكنها رفضت وبكت بشدة وأطلقت العنان لنفسها لتعبر عن كل ما كانت تخفيه من أفكار كانوا يعتبرونها جرائم لا تغتفر .. أخبرتهم أنها لا تؤمن بكل ما كانوا يعتقدونه مقدسا ويخافوه ويمضون أيامهم في خدمته .. أخبرتهم صراحة أنها لا تعتقد بوجوده أصلا وأنهم مساجين لأفكارهم التي ورثوها أب عن جد وكسلوا عن استبدالها بأخرى تناسب جيلهم الأكثر استنارة والأغزر معرفة ..
كان الموقف غريبا يومها .. وما منعهم عنها إلا هول الحدث وفراق المربية العزيزة لكن ذلك لم يثني الحكيمة عن الاختلاء بها بعد ذلك ومحادثتها بجدية عن عظم الخطأ الذي اقترفته بقولها ذاك .. كانت حازمة لكنها كانت حنونة كعادتها .. كلمتها عن المكان الجميل الذي ينتقل إليه الأحباء بعد رحيلهم إن كانوا صالحين.. عن الأضواء هناك والخضرة والطعام الوفير .. عن الهواء النقي والأنهار العذبة والجمال الذي لا يمكن لخيال أن يرسمه مهما بلغ اتساعه..حدثتها عن يوم رحيل أحباءها وعن مدى صعوبة ذلك وحتميته في نفس الوقت .. ثم كلمتها عن ضرورة الالتزام بالقوانين المرسومة منذ الأزل وحذرتها من أنها ومهما بلغت من العلم والقدرة لن تتمكن من فهم كل شيء وأنها تحتاج إلى الصبر والتواضع لتتوصل إلي حالة السلام والمصالحة مع الذات والأشياء ثم أكدت لها أن تلك القوة المقدسة موجودة وان لم تتمكن من استشعارها بحواسها الضعيفة وأنها تراقبهم دوما ولا مجال للفرار بالخطأ دون عقاب. وهي قادرة على أن تمحو آثار المملكة بأسرها في لمح البصر كما حدث منذ عهد بعيد عندما أعلن رهط من الأولين العصيان والتمرد .. حكت لها والخوف يقطر من كلماتها عن مدي عظم ما حل بهم .. وكيف أنهم و مساكنهم قد محيو تماما عن وجه الأرض ولم يعد لهم ذكر ولا اثر .. وان أخبارهم جاءت عن طريق ثلثه نجت من اليوم المشؤوم بإرادة القوة العظمي ..
كانت حزينة جدا .. وأخبرتها أن ما يحدث معها سيقودها حتما إلي الهلاك أن لم تتمكن من السيطرة عليه ..
ما هي القوة العظمي ؟ كيف تبدو ؟ وهل رآها احد من قبل؟ لماذا نخافها ونمضي أعمارنا خاضعين لإرادتها متناهين في خدمتها ولا دليل قاطع علي وجودها ؟ لماذا نرضخ لمسارات مرسومة لنا ومصائر مكتوبة مسبقا ؟ لماذا لا نحاول الخروج من تلك الدائرة؟
هكذا تزاحمت الأسئلة علي عتبات لسانها لكن الحكيمة وكأنما علمت بكل ما دار في خلدها لم تسمح لأي منها بالتسلل خارج ذهنها وقطعت طريقها إلى النور بقولها أن وجود الأسئلة التي لا قدرة لنا علي الإجابة عليها لا يعني ان لا إجابة لها ..
وان بعض الإجابات اكبر منا ومن قدرتنا علي الإدراك .. ولن نستطيع يوما أن نستوعبها مهما بلغنا من العلم المعرفة ..
صمتت يومها واستلمت .. لكنها وفي أعماقها لم تقتنع.
ندت منها التفاتة سريعة أخرى للوراء..لم تعد القرية موجودة الآن عبر امتداد البصر, إنما مساحة عظيمة تفصلها عن عالمها الذي لم تعرف غيره يوما والطريق تزداد وعورة وصعوبة .. هي خائفة حتما لكن رغبتها في الوصول كانت اكبر.
نظرت لرفيقها الغريب وكأنها تبحث عن ما يشجع لحظة خوف ألمت بها لكنه بدا مستغرقا في استكشاف الطريق وعلى ملامحه بدت تعابير خاصة تحمل تصميم وجدية الدنيا ..
تذكرت كيف جزع حكماء القرية, عمالها, مزارعيها, معلماتها و حتى الملكة ذاتها عندما جاء إليهم وراح يحدثهم عن عالم مختلف عن ما يألفون,عن أشياء لم يسبق أن سمعوا عنها أو رأوا مثلها قط. ولأنهم كانوا مؤمنين أن لا عالم آخر بخلاف عالمهم هذا ولا مجال لهطرقات قد تزلزل إيمانهم ذاك وتخرجهم من ما هم فيه فيحل بهم غضب ولعنة .. رفضوه تماما واستبعدوه بقسوة وحرموه من مشاركتهم تفاصيل أيامهم فانتبذ مكان قصيا .. ولم يكن احد ليطل عليه حتى قررت هي أن تزوره ليطلعها علي تفاصيل العالم الذي جاء منه .. وكان ..
حدثها عن مساحات شاسعة وكائنات مختلفة وصفها بدقة من رأي وسمع. عن آفاق لا حدود لها وحياة لا تخضع لقوانين غريبة كتلك التي تقيدهم كما الأصفاد وتحرمهم فرصة العيش كما يجب .
كذويها هي لم تفكر يوما في إمكانية وجود عوالم أخرى غير ما عرفته والفته لكن حديثة وجد طريقة بيسر إلي قلبها وكما السحر سرت كلماته في روحها وأشعلت تلك الجذوة التي كادت تخبو ثم قررت أن ترافقه للبحث عن المملكة الحلم ..
سألها إن كانت تخاف من بطش القوة العظمي والتي يؤمن بها كل ذويها فأجابت أن رغبتها في التحقق من وجود كيان عظيم وغير مرئي متحكم في شؤونهم أعظم بكثير من خوفها منه.. وأنها تميل للتصديق بعدم وجود شيء مماثل وتشعر بالمسؤولية اتجاه ذويها وان عليها أن تقوم بالرحلة المزعومة أولا لتعلم ما خفي وتلتمس الإجابات لتشفي غليل نفسها ومن ثم لتثبت لهم أنهم حتما علي خطأ .. فمن يدري ما قد يحدث وقتها لكن كل شيء سيتغير بلا شك ..
لا تنكر أنها لمست إعجابه بها يومها وربما بادلته إعجابا حاولت جاهده أن تخفيه. ففضلا عن شجاعته وتمسكه بمواقفه رغم ما لاقاه من رفض عنيف أعجبتها قدرته علي شرح الأشياء وتفصيلها كان يعرف كيف يصل إلي العقول والقلوب ويزرع أفكاره هناك . ربما لذالك خافوه .
لم تكن الرحلة خالية من المصاعب والمخاطر لكنها تجاوزتها معه بإصرار .. وكانت المسافات تطوي شيئا فشيئا والمعوقات تتكاثر تبعا وهما لا يتعبان ولا يتوقفان عن السعي الحثيث.
وحدات هائلة من الزمن كانت تهلك مفسحة لليأس مجالا للتسلل عبر الجسدين المتعبين ليستقر في القلبين المتمردين ليثني العزم ويحبط الهمة لكن هيهات فقد تم تحصينهما بإرادة فولاذية وإصرار حديدي. هكذا مضيا حثيثا دون كلل او ملل وكما السحر سري عبر خلاياها شعور لا مثيل له عندما لاح في الأفق جبل عظيم واخبرها هو انه لا بد خلف الجبل تكمن كل الإجابات.
وقفت لبرهه تتابع سيل افكارها مسدده نظرها الى القمة واختلج قلبها دون وعي عندما استعادت كلمات الحكيمة وهي تناجيها يوما ..احذري صغيرتي من ما يخامرك من حماسه تجاه كل ما تكتشفينه عبر مراحل عمرك وإياك وان تسمحي لذالك أن يصيبك بالغرور .. فالغرور هو عدونا الأول لأنه الحاجز الذي يعمينا عن الحقائق ويجعلنا نتحرك وفق أبعاد ضيقة ثم يزينها بما يطيب لنا ..
ليس غرورا سيدتي بل هي ثقة واعتزاز .. وسأثبت لك الآن انك وبرغم حكمتك وسنك أخطأتِ تقديري وفهمي كما يجب ..
بعزم طفقا يتسلقا الأحجار الملساء ينزلقا, يتدحرجا, لكنهما كانا ينهضان علي التو ليحاولان من جديد ..
سألها إن كانت بخير .. فأخبرته عن شعورها الذي راح يتفاقم وعن الحالة الفريدة التي تعتريها وهي علي وشك اكتشاف الحقيقة الآن , هي علي وشك العثور علي ما كانت تبحث عنه طيلة عمرها , ستحطم كل تلك القيود الوهمية بعد لحظات قليله, هذا الجبل يفصلها و قومها عن الحرية الأبدية ,وستعبره بكل تأكيد. هي الآن علي وشك اليقين والشفاء من ظنون كانت تلفها منذ زمن طويل. لا وجود لقوة عظمي .. نحن نقيد أنفسنا بأنفسنا .. هي عقولنا فحسب .. أفكارنا التي تسجننا غرائزنا وخوفنا من المجهول ..لا وجود لما لا يمكن لأحد أن يصفه أو أن يحدد شكله أو ملامحه .. لا وجود لما لا يمكن رصده أو تتبعه ... ستجتاز هذا الجبل نحو المملكة الساحرة هناك .. حيث لا خوف ولا سجون ..وستكون خطوتها الأولى نحو الحقيقة .. نحو الحرية .
بضع خطوات فحسب .. ويبلغا القمة .. بضع خطوات ويصبح كل شيء جليا
خطوة .. واحدة .. و...
وقعت عليها مفاجأة كوقع الصاعقة إذ لم تكن لتتصورها أبدا .. هي ورفيقها الآن يقفان علي قمة الجبل .. حاجز ما يمنعهما من التقدم .. وكأنما ينتهي العالم هنا .. بجنون راحا يتحسسا طريقهما علي طول القمة علهما يجدان فتحة يظهروها أو يستطيعان لذاك الحاجز المنيع اللامرئي واللا منطقي نقبا .. بخوف وحيره جالت كثيرا وفي القلب دب الرعب ولا مكان للكلمات في المشهد ..
واخيرا توقفت وكأنما توقف عقلها عن العمل ايضا اذ لم تتمكن من التفكير حتى فيما يمكن ان يعنيه هذا شعرت بمزيج مريع من الخوف والحيرة والندم ..وكأنما سقطت من اعلي قمة بلغتها طوال عمرها إلى حضيض بئر عميقة .. ماذا فعلت ؟ ماذا فعلت؟...وفي لحظة طغت نكهة الخوف علي بقيه المزيج الذي خامرها عندما اهتز الجبل بأكمله فجأة .. وراح يتهاوى تحت أقدامهم وتساقطت الحجارة من القمة مصدرة دوي مريع .. كل شيء كان يهتز بعنف.. تصاعد الغبار وحجب الرؤيا إلا أنها استطاعت أن تطالع وجه رفيقها للمرة الأخيرة .. كان مليء بالدهشة والحزن والغضب .. ثم ودون وداع غاب عنها للأبد .. عرفت أنها النهاية بلا شك.. وتفاقم إدراكها لفداحة خطأها وهي تراقب الأرض وهي تميد من علي بعد وتتلاطم كموج عظيم .. ورأت كل المعالم تختفي وشعرت بجسدها يهوي في فراغ عظيم وصرخت .. أنا آسفة .. آسفة .. اسفة ..
وفي أعماقها اختلطت كل المشاعر والذكريات والمشاهد و لم تلبث ان تستحيل الى ما يشبه الدخان الكثيف الذي تصاعد مبتعدا ومخلفا كتلة هائلة من الأسف العميق والندم ... خفتت كل الاصوات تبعا وخبا الضجيج المرعب ..
.. سامحيني أيتها القوة العظمي.. سامحيني أرجوك
هكذا همست للمرة الاخيرة بما تبقى لها من انفاس قبل ان ينهال عليها التراب
لكن هل يجدي ذلك الآن؟

وقف بزيه الذي جاهد أن يجعله أنيقا وعدل من وضع ربطة عنق لا تلائم قميصه وابتسم بثقة لا تتنسب مع مظهرة العام مقابلا ذلك الجمع الغفير من الطلاب والأساتذة الذين عجت بهم مدرجات القاعة الضخمة ثم استطرد ..
اليوم سنقوم بمناقشة نتائج المرحلة الثانية من البحث وقبل أن أخوض في التفاصيل أود أن أؤكد علي أهمية هذا المشروع وما سوف يضيفه علي العلوم من مختلف التخصصات وعلي جميع الأصعدة ...
سيتم ترشيح المشروع لعدة جوائز ذات مستوى رفيع حسب تقديرات الخبراء الأولية
والآن
أظن انه قد حان الوقت لأقدم لكم البروفيسور ... ليحدثكم عن البحث وادعوكم جميعا ونفسي لان نقف ونصفق بحرارة تكريما لصاحب هذا المشروع العظيم .. مشروع( المملكة ).
اشتعل المكان بدوي التصفيق ودلف رجل ستيني أشيب الشعر ذو لحية كثة وملامح أليفة بخطي ثابتة وابتسامة لطيفة واثقة اتخذ مكانة علي المنصة الضخمة, عدل من وضع منظاره الطبي ثم القي نظرة على الشاشة الضخمة علي يمينه قبل أن ينظم بعض الأوراق أمامه وكأنما يعطي للحضور فرصة للفراغ من التصفيق ..وما أن هدأت الأكف وعم الصمت حتى بدأ خطابة بشكرهم ودخل إلي لموضوع بسرعة قائلا:
أنا سعيد جدا بتقديم آخر ما توصلت إليه في بحثي الذي عملت علي تطويره ومتابعته لفترة ليست بالقصيرة .. عشر سنوات على وجه الدقة .. ولمن لا يعرف فمشروعي يتلخص في دراسة سلوك مملكة النمل تجاه عوامل محددة ومدروسة بدقة كنا نطبقها علي الأفراد بشكل معين ...
وما كنا نفعله باختصار ..هو أننا كنا نجري التجارب علي مملكة النمل بعزلها في حاويات زجاجية ضخمة وتهيئة البيئة بحيث لا يتبين النمل حقيقة المكان الذي يقطنه ..و نتبع نمط معين لرسم خطوط واضحة لحياة النملة قبل ان نستبعدها من التجربة إذا ما وصلت لعمر محدد .. ثم نقوم بإدخال بعض العوامل والمؤثرات ونراقب ردة فعل النمل علي المدى الطويل ..
الجدير بالذكر هو أن النمل أبدا ردود فعل في منتهي التطور ورضخ للنظام المفروض علي القرية بدقة متناهية رغم شذوذه عن ما يحدث حقا في الطبيعة .. الأمر الذي بدا جليا بعد فكرة الاحتفاظ بنموذج من الجيل السابق الذي تم التخلص منه بعد أن أبدا بعض النمل تمردا على النظام المفروض ..
اعتقد أن هناك تواصل علي مستوى عال من الذكاء بين النمل وان العينة المتبقية من الجيل السابق أوصلت تجربتها بشكل دقيق عن نتائج التمرد علي النظام المفروض وكانت النتيجة هي الرضوخ الكامل لزمن طويل .. ثم قررنا أن نضيف بعض الإثارة وجئنا بنملة التقطناها من الحديقة وعرضنها لتيار كهربائي ضعيف قبل أن نضعها في المملكة .. وكانت النتيجة مثيرة للاهتمام .. إذ تجنب أفراد المملكة التعامل مع النملة الدخيلة وتوقع احد الزملاء أن يتم التخلص منها لكن ذلك لم يحدث بل حدث أمر اشد إثارة, فلقد أغوت النملة الدخيلة احد الأفراد و راقبناها لأيام وهي تعبر الحواجز و المطبات وتقطع المسافة العظيمة التي تفصلها عن جدار الحجرة الزجاجية ثم تسلقت تل الحصى لتكتشف الحاجز ..
كان لابد لنا من إنهاء التجربة مع الجيل الثاني عند ذلك الحد ..
فاحتفظنا بعينة صغيرة وتخلصنا من البقية ولان لدينا جيل جديد ننتظر خروجه من البيض لنبدأ التجربة .

تمت
MEMA



التعديل الأخير تم بواسطة Mema ; 05-03-2013 الساعة 11:25 PM.
التوقيع:
Mema غير متصل  
قديم 06-03-2013, 12:03 PM   #[10]
مهند يحيى حسن
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

مزامير من سفر الفرات

المزمور الأول



مسودة الفقد النؤاسية




صمت ثقيل جاثم على جنبات الرصيف ، والطريق الأسفلتي المتهدل وسط بقايا تمثال تهشمت ملامحه ، جسده يتفصد عرقا ً .. سأجف حتما ً قبل وصولي .. اعتصر واجهة عمامته ليمسح عرقا ً ضايق رؤيته وعاد ليتطلع إلى الملامح المبعثرة عند نهاية الرصيف المهروس .
- ما أبشع أن يتغير كل شئ هكذا .. !
قبل لحظات كنت متواريا ً في دثاري ، أنعم بنوم هانئ متوسدا ً ذراع جاريتي الجديدة التي أهداها اليّ نديمي الرشيد بعد غزوته الأخيرة في بلاد الفرنجة ، إلا أن كابوسا ً مرعبا ً أقض مضجعي ، وجعلني أغادر ايقاعات أنفاسها الدافئة على حين غرة .. اللعنة على الأحلام ، وما تجره على أصحابها من ويلات
رفع رأسه الى السماء مبهوتا ً ، غاضبا ً .. كانت سحابات سود تتوالد وترعى بهدوء .
- فـ ...ـآآآ ..سـ .. !
انتفض بشدة .. العقارب تتنزه في الليالي المتربة .. هكذا قالت جدته وهو صغير .. ذكريات بريئة تتواثب لتنقض على ما بقي في جسده المتعب.. كان يبكي عندما كانت تحكي له قصة لسعتها من قبل عقرب غادر .. لكنه كبر ولا يدري كيف انتقل سم الخوف من مرحلة الطفولة حتى مرحلة النضج.
انتفض لحركة لايعلم مصدرها إلا أنه أحس بدنو عقرب موت يتجه نحوه .
قبل قليل كان برفقة وزير الديوان ، وأخبره أن نديمه الرشيد سعيد بصحبته ، وأنه سيسر إليه بشئ لن ينساه طيلة حياته المقبلة ، لقد تحفز للقدوم مبكرا ً ليغرس مجساته في ناصية الوجع ويعود ليكمل تفاصيل بشارته مع صديقه المخمور.
- اللعنة على الأحلام ، وماتجره علينا من ويلات .. ألم تجد غيري كي تصطاد فرحته بسنارتها المزعجة ، وتحيل موائد الفرح المؤجل فيها الى مأدبة للعزاء
.. يالحظك العاثر ياأبا علي، لم تفترش يوما ً وسادة الفرح إلا وداهتمها دموع الكوابيس ، فما شأنك و تلك العربة المذهبة وبما تصطبغ به من ألوان قاحلة ، ترسم صورة موت مجعد مخفي بين عنق الحكاية ، وعنكبوت الزمن الجاثم فوق أوردة حلمك.
- الـ... فـ..ـآآآ..س..!
لم يستطع أن يرفع رأسه صوب السماء مرة أخرى ، وبخه شيخه في الكُتّاب على تبذيره حبر دواته وهو يحاول أن يتأمل نافذة كُتّابِهِ ِ المتهرئة ليخط من بين شعاع أجنحة حمامها الواقف عليها جملته الأولى
- ..ـلـ..ـب الـ..فآآآآآ .. س .. !
أكنت تظن وأنت تتفاجأ برؤية اسمك محفورا ً على حافة التمثال المقصوف ، أنك ستكون شخصاً مرموقا ً في المستقبل ، حتى تنتعل واقفا ً ما تبقى من حذاء الحكاية ، وتقف مكانه منتهزاً لحظة الفوضى التي عصفت بالموجودين حتى جعلتهم يتسابقون في صراع محموم لتهشيم أروقة بناياتهم الضخمة ، ونهب ما فيها من متاع وأثاث أتعبته يد من استهلكته مثلما هو واضح من آثار ماتقادم عليها من شروخ وخطوط ناعمة ، ثم ماهذا الذي كان يختبأ بين جنبات قدمه اليسرى .. هل كان صندوقا ً مذهبا ً موشوما ً بنقوش فضية .. لا أعلم .. فصرخات أحد الغرباء المتوسدين قطعهم اللاهبة فاجأتني حتى جعلتني أنفض مذعورا ً لأضيع وسط الجمع المتجمهر في وسط الطريق المحتقن
- ..جـ..ـلب .. الفآآآ .. س .. !
بعض بقايا ماتلفظ به هذا الغريب كان عصيا ً على الفهم ، حتى وأنا اتذكر بعض من مفرداتي الأعجمية التي كانت تتلفظ بها جدتي منذ صغري ، ولعل لفظة ( آي فاوند إت ) ذكرتني بأغنية فارسية الا أن لفظة( بوكس ) و (جاك ) الغريبتين ضيعت ما أردت أن أتذكره منها .. يا ترى ماذا كان يقصد ، وماذا كان يوجد في تلك العلبة المذهبة ...؟!
- إ..جـ..ـلـب الفأس ..!
وجه والده القابض على فأسه بكل قوة في حقل مولاه البصري كان يرمقه بوجع مسترسل ، مدفون بلهاث قافية موؤدة ... مات وهو يضع أنفاسه في الضربة الأخيرة
- اجلب الفأس .. !
الذبابة التي تجري في عروقه جعلته يدرك أنه سيسحق تماما ً تحت فأس القدر ، إذا هو لم يتحرك !
مخالفته لأمر والدته وهي تنهره ، وتأمره بالابتعاد عن والبة بن الحباب والجري وراء ملذاته الفانية .. شنيعة جدا ً
تحركت خطواته المعقوفة باتجاه إحدى الأشجار المعدنية ، المنتصبة على يسار الرصيف المهشم .. توقفت الحياة في داخله فجأة .. لايدري كم من الوقت مر ّ قبل أن تتدفق الدماء في عروقه كسيل هادر لتهدم سد الخوار من داخله
تراجع قليلا ً إلى الوراء .. اتكأ على بقايا الشجرة المعدنية التي لم يجد لها اسما ً ، نظر باتجاه قطعة الحجر التي أعثرته وأدمت كاحله الأيسر حتى جعلته يهدئ من خطوه مستسلما ً لعجلات صمته اللاهث .
قطب حاجبيه ... غير معقول .. وجه لأحد شخوص بني العباس
أحس بشئ يوهنه عن الوقوف ، إلا أن إرادة المفاجأة أذهلته وأمرته أن ينهض بالرغم من وطأة مايحس به من الآم ومشاعر متضاربة .. يتقدم صوب الرأس .. يتأرجح ماشيا ً ، حتى يتمكن من القبض على قطعة من فصّ عينه اليمنى ، تأملها بحذر ، ثم أخذ قطعة أخرى من عمامة الرأس ، المطعمة بنقوش طالما ألفها وتعودت عيناه أن تغازلها في كل سهرة ، حاول أن يتلمس بعضا ً مما أحاطها من تجاعيد وطيات متعجبا ً من دقة من قام بنحتها ، وكأنما صاحبها قد تم تحنيطه وتركه ليتحول مع ماتبقى من ملابسه وحليه إلى قطعة من الحجر .. دقة ماحملته من تفاصيل جعلته يغوص مع ذكريات أمسه ( القريب – البعيد ) متذكرا ً ألوانها وبريق الجوهرة المتربعة على أسفل الجبهة الموالية لغرة حاملها و......
- ماهذا ، هل هذه كلمات منقوشة على حواف الجوهرة .. أم أنها مجرد نقوش أخرى .. انها كلمات فعلا ً منقوشة بطريقة لايفهمها الا أهل ذلك الزمن .. ولكن ماذا جاء فيها : فأس ، كلكامش ، وحش .. ماهذا الكلام ..
مسح على ناصيته وأغمض عينيه قليلا ً ، ثم فتحهما بهدوء ، حاول أن يسترجع بعضا ً من أبجديات علومه التي برع فيها ، ليحاول أن يفكك جزءا ً من خيوط هذه الأحجية الغريبة ، وماهي الا لحظات حتى فغر فاه ، فالكلمات هنا –بالرغم من بعثرتها – واضحة ً جلية ، إنها تقول :- (( إذا كنت قد وجدت تمثال رأسي مهشما ً ، فأبحث عن الفأس التي غرسها كلكامش في عنق خمبابا وحش غابة الأرز ، قبل أن يُفتَح َ باب ٌ من أبواب الجحيم ويُنزل على هذه الأرض وحشا ً أعتى منه ، أو من ثور عشتار المجنح ، أو من كلب مردوخ الأعور ذي الرؤوس الثلاثة ، حارس بوابات الجحيم .. لا تتوجل ، فقد كُتِب َ كُل ذلك على ورق الغيب ، وطالعتنا إياه نجوم السماء من قبل أن ندق إسفين الحجر الأول لهذه المدينة ، وقد قمنا بتخبئتها هنا إلى أن يتمكن الشخص المسافر إلى أثواب الغيب من العثور عليه ، فإن كنت ذلك الشخص ، فلا تتردد في دك رأس هذه الشجرة التي ستنهض من أوردة البذور المخبأة تحت أقدام تمثالك ..أسرع ، قبل أن ينزل الغول الذي يظنه البشر ، أنه طعم الله الموشوم بحريته الموعودة على أيدي الأغراب القادمين من وراء البحر .. أسرع ولتحفظك كل قوافي الشعر ، وليالي السمر التي تنعم بالنوم في أعتاب ذاكرتك الصدئة ))
اندهش قليلا ً من عمق ما تفصح به هذه الكلمات الغريبة ، حتى اهتزت يده وأسقطت ما تحمله على بقايا فم التمثال القاحلة
فتح فمه قليلا ً ليتقيأ جزءاً من بخار الكلمات الصادحة بلعاب ما صادفه من متناقضات ، من لحظة نهوضه من أكتاف كابوسه وحتى سقوطه بين ثنايا فكوك خط استوائه .
حاول أن يتراجع لولا أن أصواتا ً أطلقتها حجارته الملقاة بين قدميه داهمت مسامعه .. لم يكن صوت ارتطامها بالأرض بل كان صوت آخر ، هل يعقل أن تكون معاقرته للخمر قد سلخت عنه الحكمة حتى تحول إلى إنسان لا يفرق بين صوت الارتطام والتأوه ، دس يده بين طيات عمامته عله ينزع من أذنيه بقايا ذلك الصوت ، حاول أن يهز رأسه ليطفئ طنينه من قطرات الودق المتساقط على هضبته المنبعجة .. لم يفلح
-آه يا الهي ماهذا الصوت الوافد على عذرية مسامعي .. من أين يصدر .. كفى أتركني ، أرجوك .. لم أعد أحتمل
حركاته الهيستيرية لم تمنع الصوت من مداهمة أذنيه بصفيره المدوي ، تتلاقح الأفكار في ذهنه وتتوالد هديرا ً ينتشر بسرعة عاتية ، ومحلقا ً فوق سماوات تشظياته ، تحتويه غمامة من الأفكار الهستيرية تلقيه عند بقايا الفم المثلومة شفته ، بسقوط لثامه
- ما .. ماهذا .. هل هذا هو مصدر الصوت ؟!.. يا الهي أنه يؤلم
ملازمته لمسك صيوانا اذنيه لم يمنع الصوت من اختراقه
- يا ألهي .. هل أنا أحلم مجددا ً أم أنني لا أزال ملقى خارج بوصلة حلمي الأول ؟ ، أنقذني يا الله ..
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
أدعوك رب ِّ كما أمرت تضرعاً
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير المجرم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم أني مسلم
- ههههه من ماذا تستجير يا فتى ، فأنا الذي تألم من آثار إلقاء جوهرة عمامته على شفته ؟ !
- من .. من أنت ؟؟!
- أنا بقايا التمثال الجاثمة تحتك ألم تعرفني .. ؟!
- ما .. ماذا ، تمثال يتكلم ؟ .. يبدو أنني قد جننت فعلا ً ، أو أكاد أجن ههههههه .. لقد جننت ، لقد جن أبو نؤاس ، يا شماتة كل قوافي الشعر التي قلتها ، وكل كؤوس الخمر التي قبلتها ، يا فرحة شعراء الأمين بهذه اللحظة .
- توقف عن هذيانك يا فتى وأسمع لما أقول فلم يتبق لك الكثير من الوقت .
- ماذا اسمع ، وهل بقي من أذني شئ يستطيع أن يميز شيئا ً بعد الصوت الهائل الذي نفثته فيه .. ثم من أنت ، شكلك مألوف عندي إلا أنني لم أتشرف يوما ً بالتعرف عليك ؟
- الآن لاتعرفني ، أيها المولى الهجين ، لقد كنت تستمتع بمجالس السمر عند وريثي الرشيد ، وتتنعم ببذخ قصوره ، وتسألني الآن من أنا ؟
- الرشيد .. وأين أنا من هارون ، ومن قصره الذي أحيط بأسوار من أبنية وعمارة لم أألفها ، حتى ضيعت ملامح الطريق الذي كنت أحفظه عن ظهر قلب ، من أنت .. هل كنت من رواد مجالس مولاي أمير المؤمنين ؟
- أنا أبو جعفر ..عم والده و جد زوجته ( زبيدة ) ، وباني هذه المدينة العريقة ، وقد هشم المغول الجدد رأسي كما ترى ، وهم يحاولون أن ينفثوا سمومهم بما تبقى من رئتي على هذه الأرض .
- أها ..
- ما بك هذه الأرض التي تقف عليها جزء مني ، وكل ذرة من ترابها تُشكّل خلية من خلايا خارطة جسدي المتعب .
- وماذا تريد مني يامولاي ؟؟ ! .. أنا الآن ضائع وشريد ، خارج حدود زمني الذي أعرفه .. ولا أعلم ان كانت عيناي ستطالعني بشئ من مباهجه ، أم أنها ستقصيني كما أقصت رأسك الى موانئ الوجع الجريح
- أريد منك أن تتشجع ، وتسرع في انجاز الدور الذي وكلت به منذ الأزل
- دور أي دور .. عن ماذا تتحدث يا سيدي ؟
- لا تخف .. هدئ من روعك ، لقد أنتخبتك هذه الأرض لهذه المهمة من قبل أن تولد ، فأحطناك برعايتنا وكلائتنا إلى أن جاء الوقت الذي ترد فيه الجميل ، وتقوم بدورك الذي رسمته لك يد القدر
- يد القدر .. انتخاب .. مهمة عن ماذا تتحدث ، يبدو أن دوي الانفجار الذي بعثر رأسك قد طير ما تبقى من أبراج عقلك المنتهك
- تأدب يا فتى ، واستمع لما أقوله لك ، فلم يبق أمامك متسع من الوقت
- إلى ماذا أسمع إلى هذا الهراء .. آدمي يحدث حجرا ً ؟؟؟ هههههه
يهزه صوت الدوي مرة أخرى حتى يعود ليسقطه ذليلا بين ثنايا الفم المتهدل
- اسمع ... لقد وجدنا مخطوطة قديمة بين بقايا طوق كسرى ، الذي بنينا من حجارته هذه المدينة تخبرنا عن فأس مخبأة بين قصب الأهوار ، واعلمتنا عن ميزتها وعن من سيستخدمها ومتى فأخذناها وخبأناها حتى حانت اللحظة التي سيتم ايصالها الى حاملها ، فنفثنا في نفوس الحاقدين شيئا ً حتى يتجرَؤا ويحطموا هذا التمثال لنمكنه من الاستدلال عليها وتنفيذ ما رسم منه منذ الأزل
- لا تقل لي أنني هو الشخص المختار .. يالشماتة كل ماعلق في ذهني من علوم وفقه
- اسمع .. عليك أن تسرع ، فالشجرة التي سينبتها حفيد جاك من البذور المخبأة تحت قدمي تمثالك على وشك أن تنهض ... هل كنت تظن بأن هذا التمثال قد وضعناه عبثا ً هنا ، أم أنك كنت شيئا ً ذا قيمة في وقت لم يمجد شعرك إلا ماجنيك .. يا لك من شخص مضحك فعلا ً ههههه .
- ها .. لقد تعجبت فعلا ً ، حتى قلت في نفسي ، من هذا الذي يجرؤ على اذلال اسمي بوسم هذه المدينة الطاهرة بواجهة رسمي .. ولكن ، عن أي بذور ، وأية شجرة تتحدث .. لم أفهم هذا الجزء من كلامك ياسيدي .
- عن بذور الشعوبية التي وصمت بها بعد موتك ، وبذور الاباحية والزندقة .. لقد جاء العابرون من وراء الشفق ليعيدوا احياءها ويغذونها بكل ما اعتمل في جوارحهم ، من كراهية وحقد ، حتى يَسِموا أولاد هذه الأرض بأختام النخاسة على جباههم بحجة أنها (( حرية لديمقراطية موعودة ))
- (( ديمقراطية )) لا اعرف عن ماذا تتحدث ياسيدي ، هل نسيت أني من زمن آخر .!
- لا عليك ، فلايهم ان كنت تفهم جزءا ً مما أقوله أم لا ، المهم أن تبحث عن الأداة التي خبأناها تحت مفاصل عنقي كي تهشم بها ما يحاولون غرسه .. أسرع قبل أن يحصل المحذور وحينها لن نستطيع أن نفعل شيئا ً .
- أداة .. أي أداة ؟
- ما بك .. الفأس المذهبة التي قرأت عنها في الكتابة المنقوشة كطلسم حول جوهرتي .. أخرجها ولاتضع الوقت بسؤالاتك الفارغة ..ولكن احذر من أن تظهرها أمام أي شخص إلى أن تصل ، فهي شئ ثمين ، وقد يقتلك الواقفون حولك طمعا ً في قيمتها .
- أمرك ياسيدي
- أخرجها .. وأعلم أنك ستدخل حلبة التاريخ وتنال عظمة لم تنلها طيلة حياتك المزعومة في قصور أولادي
حاول أن يوقظ عيون أصابعه وهو يشرع بتقليب الأحجار المتكتلة على ضريح الرأس المهدم
أصداء صوت والدته وهي تحثه على الخروج من القبو المنعزل ، يخالط شبقه للعثور على عنق الفأس المدفونة
تطالعه غمامة سوداء تتشكل في منتصف المسافة بين تمثاله وقصر الخلد
يأمره الرأس بالإسراع .
تقع عيناه على عجلات مجنزرة مفتوحة ( الفوانيس ) في وضح النهار ، وعلى أشخاص مدججين بمعادنهم اللاهبة وهم يغرسون شيئا ً في رحم الأرض ويسقونها من جثث جماجم َ مشطورة من النصف ويرددون عبارات غريبة مصحوبة برقصات تشبه حلبات القرود
((- ما بالك ياأبا نؤاس لاتضحك .. الا ترى هذا الأعجمي وهو يرقص ويراقص قرده الأحمر
- أعذرني يامولاي ، لقد أهمني أمر جاريتي الحبلى ، وأنا أخاف أن تدهمها لحظة الطلق ولاتجد من يأخذ بيدها أو يسقيها شربة ماء
- لا تخف يا أبا نؤاس .. وأضحك فاليوم (( سمر )) .. وغدا ً (( أمر ))
- نعم يا خليلي اليوم سمر وغدا .....)) بدأت الأرض تهتز وصراخ الرأس له بالأسراع
ظهرت سيقان خضر سرعان مأصفرت حتى اسودت وبدأت تتسارع في الصعود كأذرع أخطبوط عملاق وهي تنث من بين مساماتها دخانا ً أسود ، انقطع الجمع عن الانسياق في هذياناتهم وبدأت العربات المصفحة بمغادرة المكان وهي تردد بأبواق تشبه الحلازين
Came to your Destiny
Came to your Freedom
Ha ha ha ha
وبين هذا وذاك تتسارع الأذرع الخشبية بالتصاعد نحو الأعلى وسط صرخات الرأس ، داعيا ً أبا نؤاس للأسراع في البحث عن الفأس الذهبية ليوقف نهم الغول في الهبوط ، ويفلح في إسقاط هوية الهبة الغريبة ، التي يحاول أن ينزلها الغرباء من أعالي قفصها السماوي المغلق.





مهند يحيى حسن
الايميل : muhannaddeekal_gen@yahoo.com



مهند يحيى حسن غير متصل  
قديم 06-03-2013, 02:10 PM   #[11]
مشرف منتدى نوافذ
Super Moderator
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مهند يحيى حسن مشاهدة المشاركة
مزامير من سفر الفرات

المزمور الأول



مسودة الفقد النؤاسية




صمت ثقيل جاثم على جنبات الرصيف ، والطريق الأسفلتي المتهدل وسط بقايا تمثال تهشمت ملامحه ، جسده يتفصد عرقا ً .. سأجف حتما ً قبل وصولي .. اعتصر واجهة عمامته ليمسح عرقا ً ضايق رؤيته وعاد ليتطلع إلى الملامح المبعثرة عند نهاية الرصيف المهروس .
- ما أبشع أن يتغير كل شئ هكذا .. !
قبل لحظات كنت متواريا ً في دثاري ، أنعم بنوم هانئ متوسدا ً ذراع جاريتي الجديدة التي أهداها اليّ نديمي الرشيد بعد غزوته الأخيرة في بلاد الفرنجة ، إلا أن كابوسا ً مرعبا ً أقض مضجعي ، وجعلني أغادر ايقاعات أنفاسها الدافئة على حين غرة .. اللعنة على الأحلام ، وما تجره على أصحابها من ويلات
رفع رأسه الى السماء مبهوتا ً ، غاضبا ً .. كانت سحابات سود تتوالد وترعى بهدوء .
- فـ ...ـآآآ ..سـ .. !
انتفض بشدة .. العقارب تتنزه في الليالي المتربة .. هكذا قالت جدته وهو صغير .. ذكريات بريئة تتواثب لتنقض على ما بقي في جسده المتعب.. كان يبكي عندما كانت تحكي له قصة لسعتها من قبل عقرب غادر .. لكنه كبر ولا يدري كيف انتقل سم الخوف من مرحلة الطفولة حتى مرحلة النضج.
انتفض لحركة لايعلم مصدرها إلا أنه أحس بدنو عقرب موت يتجه نحوه .
قبل قليل كان برفقة وزير الديوان ، وأخبره أن نديمه الرشيد سعيد بصحبته ، وأنه سيسر إليه بشئ لن ينساه طيلة حياته المقبلة ، لقد تحفز للقدوم مبكرا ً ليغرس مجساته في ناصية الوجع ويعود ليكمل تفاصيل بشارته مع صديقه المخمور.
- اللعنة على الأحلام ، وماتجره علينا من ويلات .. ألم تجد غيري كي تصطاد فرحته بسنارتها المزعجة ، وتحيل موائد الفرح المؤجل فيها الى مأدبة للعزاء
.. يالحظك العاثر ياأبا علي، لم تفترش يوما ً وسادة الفرح إلا وداهتمها دموع الكوابيس ، فما شأنك و تلك العربة المذهبة وبما تصطبغ به من ألوان قاحلة ، ترسم صورة موت مجعد مخفي بين عنق الحكاية ، وعنكبوت الزمن الجاثم فوق أوردة حلمك.
- الـ... فـ..ـآآآ..س..!
لم يستطع أن يرفع رأسه صوب السماء مرة أخرى ، وبخه شيخه في الكُتّاب على تبذيره حبر دواته وهو يحاول أن يتأمل نافذة كُتّابِهِ ِ المتهرئة ليخط من بين شعاع أجنحة حمامها الواقف عليها جملته الأولى
- ..ـلـ..ـب الـ..فآآآآآ .. س .. !
أكنت تظن وأنت تتفاجأ برؤية اسمك محفورا ً على حافة التمثال المقصوف ، أنك ستكون شخصاً مرموقا ً في المستقبل ، حتى تنتعل واقفا ً ما تبقى من حذاء الحكاية ، وتقف مكانه منتهزاً لحظة الفوضى التي عصفت بالموجودين حتى جعلتهم يتسابقون في صراع محموم لتهشيم أروقة بناياتهم الضخمة ، ونهب ما فيها من متاع وأثاث أتعبته يد من استهلكته مثلما هو واضح من آثار ماتقادم عليها من شروخ وخطوط ناعمة ، ثم ماهذا الذي كان يختبأ بين جنبات قدمه اليسرى .. هل كان صندوقا ً مذهبا ً موشوما ً بنقوش فضية .. لا أعلم .. فصرخات أحد الغرباء المتوسدين قطعهم اللاهبة فاجأتني حتى جعلتني أنفض مذعورا ً لأضيع وسط الجمع المتجمهر في وسط الطريق المحتقن
- ..جـ..ـلب .. الفآآآ .. س .. !
بعض بقايا ماتلفظ به هذا الغريب كان عصيا ً على الفهم ، حتى وأنا اتذكر بعض من مفرداتي الأعجمية التي كانت تتلفظ بها جدتي منذ صغري ، ولعل لفظة ( آي فاوند إت ) ذكرتني بأغنية فارسية الا أن لفظة( بوكس ) و (جاك ) الغريبتين ضيعت ما أردت أن أتذكره منها .. يا ترى ماذا كان يقصد ، وماذا كان يوجد في تلك العلبة المذهبة ...؟!
- إ..جـ..ـلـب الفأس ..!
وجه والده القابض على فأسه بكل قوة في حقل مولاه البصري كان يرمقه بوجع مسترسل ، مدفون بلهاث قافية موؤدة ... مات وهو يضع أنفاسه في الضربة الأخيرة
- اجلب الفأس .. !
الذبابة التي تجري في عروقه جعلته يدرك أنه سيسحق تماما ً تحت فأس القدر ، إذا هو لم يتحرك !
مخالفته لأمر والدته وهي تنهره ، وتأمره بالابتعاد عن والبة بن الحباب والجري وراء ملذاته الفانية .. شنيعة جدا ً
تحركت خطواته المعقوفة باتجاه إحدى الأشجار المعدنية ، المنتصبة على يسار الرصيف المهشم .. توقفت الحياة في داخله فجأة .. لايدري كم من الوقت مر ّ قبل أن تتدفق الدماء في عروقه كسيل هادر لتهدم سد الخوار من داخله
تراجع قليلا ً إلى الوراء .. اتكأ على بقايا الشجرة المعدنية التي لم يجد لها اسما ً ، نظر باتجاه قطعة الحجر التي أعثرته وأدمت كاحله الأيسر حتى جعلته يهدئ من خطوه مستسلما ً لعجلات صمته اللاهث .
قطب حاجبيه ... غير معقول .. وجه لأحد شخوص بني العباس
أحس بشئ يوهنه عن الوقوف ، إلا أن إرادة المفاجأة أذهلته وأمرته أن ينهض بالرغم من وطأة مايحس به من الآم ومشاعر متضاربة .. يتقدم صوب الرأس .. يتأرجح ماشيا ً ، حتى يتمكن من القبض على قطعة من فصّ عينه اليمنى ، تأملها بحذر ، ثم أخذ قطعة أخرى من عمامة الرأس ، المطعمة بنقوش طالما ألفها وتعودت عيناه أن تغازلها في كل سهرة ، حاول أن يتلمس بعضا ً مما أحاطها من تجاعيد وطيات متعجبا ً من دقة من قام بنحتها ، وكأنما صاحبها قد تم تحنيطه وتركه ليتحول مع ماتبقى من ملابسه وحليه إلى قطعة من الحجر .. دقة ماحملته من تفاصيل جعلته يغوص مع ذكريات أمسه ( القريب – البعيد ) متذكرا ً ألوانها وبريق الجوهرة المتربعة على أسفل الجبهة الموالية لغرة حاملها و......
- ماهذا ، هل هذه كلمات منقوشة على حواف الجوهرة .. أم أنها مجرد نقوش أخرى .. انها كلمات فعلا ً منقوشة بطريقة لايفهمها الا أهل ذلك الزمن .. ولكن ماذا جاء فيها : فأس ، كلكامش ، وحش .. ماهذا الكلام ..
مسح على ناصيته وأغمض عينيه قليلا ً ، ثم فتحهما بهدوء ، حاول أن يسترجع بعضا ً من أبجديات علومه التي برع فيها ، ليحاول أن يفكك جزءا ً من خيوط هذه الأحجية الغريبة ، وماهي الا لحظات حتى فغر فاه ، فالكلمات هنا –بالرغم من بعثرتها – واضحة ً جلية ، إنها تقول :- (( إذا كنت قد وجدت تمثال رأسي مهشما ً ، فأبحث عن الفأس التي غرسها كلكامش في عنق خمبابا وحش غابة الأرز ، قبل أن يُفتَح َ باب ٌ من أبواب الجحيم ويُنزل على هذه الأرض وحشا ً أعتى منه ، أو من ثور عشتار المجنح ، أو من كلب مردوخ الأعور ذي الرؤوس الثلاثة ، حارس بوابات الجحيم .. لا تتوجل ، فقد كُتِب َ كُل ذلك على ورق الغيب ، وطالعتنا إياه نجوم السماء من قبل أن ندق إسفين الحجر الأول لهذه المدينة ، وقد قمنا بتخبئتها هنا إلى أن يتمكن الشخص المسافر إلى أثواب الغيب من العثور عليه ، فإن كنت ذلك الشخص ، فلا تتردد في دك رأس هذه الشجرة التي ستنهض من أوردة البذور المخبأة تحت أقدام تمثالك ..أسرع ، قبل أن ينزل الغول الذي يظنه البشر ، أنه طعم الله الموشوم بحريته الموعودة على أيدي الأغراب القادمين من وراء البحر .. أسرع ولتحفظك كل قوافي الشعر ، وليالي السمر التي تنعم بالنوم في أعتاب ذاكرتك الصدئة ))
اندهش قليلا ً من عمق ما تفصح به هذه الكلمات الغريبة ، حتى اهتزت يده وأسقطت ما تحمله على بقايا فم التمثال القاحلة
فتح فمه قليلا ً ليتقيأ جزءاً من بخار الكلمات الصادحة بلعاب ما صادفه من متناقضات ، من لحظة نهوضه من أكتاف كابوسه وحتى سقوطه بين ثنايا فكوك خط استوائه .
حاول أن يتراجع لولا أن أصواتا ً أطلقتها حجارته الملقاة بين قدميه داهمت مسامعه .. لم يكن صوت ارتطامها بالأرض بل كان صوت آخر ، هل يعقل أن تكون معاقرته للخمر قد سلخت عنه الحكمة حتى تحول إلى إنسان لا يفرق بين صوت الارتطام والتأوه ، دس يده بين طيات عمامته عله ينزع من أذنيه بقايا ذلك الصوت ، حاول أن يهز رأسه ليطفئ طنينه من قطرات الودق المتساقط على هضبته المنبعجة .. لم يفلح
-آه يا الهي ماهذا الصوت الوافد على عذرية مسامعي .. من أين يصدر .. كفى أتركني ، أرجوك .. لم أعد أحتمل
حركاته الهيستيرية لم تمنع الصوت من مداهمة أذنيه بصفيره المدوي ، تتلاقح الأفكار في ذهنه وتتوالد هديرا ً ينتشر بسرعة عاتية ، ومحلقا ً فوق سماوات تشظياته ، تحتويه غمامة من الأفكار الهستيرية تلقيه عند بقايا الفم المثلومة شفته ، بسقوط لثامه
- ما .. ماهذا .. هل هذا هو مصدر الصوت ؟!.. يا الهي أنه يؤلم
ملازمته لمسك صيوانا اذنيه لم يمنع الصوت من اختراقه
- يا ألهي .. هل أنا أحلم مجددا ً أم أنني لا أزال ملقى خارج بوصلة حلمي الأول ؟ ، أنقذني يا الله ..
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
أدعوك رب ِّ كما أمرت تضرعاً
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير المجرم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم أني مسلم
- ههههه من ماذا تستجير يا فتى ، فأنا الذي تألم من آثار إلقاء جوهرة عمامته على شفته ؟ !
- من .. من أنت ؟؟!
- أنا بقايا التمثال الجاثمة تحتك ألم تعرفني .. ؟!
- ما .. ماذا ، تمثال يتكلم ؟ .. يبدو أنني قد جننت فعلا ً ، أو أكاد أجن ههههههه .. لقد جننت ، لقد جن أبو نؤاس ، يا شماتة كل قوافي الشعر التي قلتها ، وكل كؤوس الخمر التي قبلتها ، يا فرحة شعراء الأمين بهذه اللحظة .
- توقف عن هذيانك يا فتى وأسمع لما أقول فلم يتبق لك الكثير من الوقت .
- ماذا اسمع ، وهل بقي من أذني شئ يستطيع أن يميز شيئا ً بعد الصوت الهائل الذي نفثته فيه .. ثم من أنت ، شكلك مألوف عندي إلا أنني لم أتشرف يوما ً بالتعرف عليك ؟
- الآن لاتعرفني ، أيها المولى الهجين ، لقد كنت تستمتع بمجالس السمر عند وريثي الرشيد ، وتتنعم ببذخ قصوره ، وتسألني الآن من أنا ؟
- الرشيد .. وأين أنا من هارون ، ومن قصره الذي أحيط بأسوار من أبنية وعمارة لم أألفها ، حتى ضيعت ملامح الطريق الذي كنت أحفظه عن ظهر قلب ، من أنت .. هل كنت من رواد مجالس مولاي أمير المؤمنين ؟
- أنا أبو جعفر ..عم والده و جد زوجته ( زبيدة ) ، وباني هذه المدينة العريقة ، وقد هشم المغول الجدد رأسي كما ترى ، وهم يحاولون أن ينفثوا سمومهم بما تبقى من رئتي على هذه الأرض .
- أها ..
- ما بك هذه الأرض التي تقف عليها جزء مني ، وكل ذرة من ترابها تُشكّل خلية من خلايا خارطة جسدي المتعب .
- وماذا تريد مني يامولاي ؟؟ ! .. أنا الآن ضائع وشريد ، خارج حدود زمني الذي أعرفه .. ولا أعلم ان كانت عيناي ستطالعني بشئ من مباهجه ، أم أنها ستقصيني كما أقصت رأسك الى موانئ الوجع الجريح
- أريد منك أن تتشجع ، وتسرع في انجاز الدور الذي وكلت به منذ الأزل
- دور أي دور .. عن ماذا تتحدث يا سيدي ؟
- لا تخف .. هدئ من روعك ، لقد أنتخبتك هذه الأرض لهذه المهمة من قبل أن تولد ، فأحطناك برعايتنا وكلائتنا إلى أن جاء الوقت الذي ترد فيه الجميل ، وتقوم بدورك الذي رسمته لك يد القدر
- يد القدر .. انتخاب .. مهمة عن ماذا تتحدث ، يبدو أن دوي الانفجار الذي بعثر رأسك قد طير ما تبقى من أبراج عقلك المنتهك
- تأدب يا فتى ، واستمع لما أقوله لك ، فلم يبق أمامك متسع من الوقت
- إلى ماذا أسمع إلى هذا الهراء .. آدمي يحدث حجرا ً ؟؟؟ هههههه
يهزه صوت الدوي مرة أخرى حتى يعود ليسقطه ذليلا بين ثنايا الفم المتهدل
- اسمع ... لقد وجدنا مخطوطة قديمة بين بقايا طوق كسرى ، الذي بنينا من حجارته هذه المدينة تخبرنا عن فأس مخبأة بين قصب الأهوار ، واعلمتنا عن ميزتها وعن من سيستخدمها ومتى فأخذناها وخبأناها حتى حانت اللحظة التي سيتم ايصالها الى حاملها ، فنفثنا في نفوس الحاقدين شيئا ً حتى يتجرَؤا ويحطموا هذا التمثال لنمكنه من الاستدلال عليها وتنفيذ ما رسم منه منذ الأزل
- لا تقل لي أنني هو الشخص المختار .. يالشماتة كل ماعلق في ذهني من علوم وفقه
- اسمع .. عليك أن تسرع ، فالشجرة التي سينبتها حفيد جاك من البذور المخبأة تحت قدمي تمثالك على وشك أن تنهض ... هل كنت تظن بأن هذا التمثال قد وضعناه عبثا ً هنا ، أم أنك كنت شيئا ً ذا قيمة في وقت لم يمجد شعرك إلا ماجنيك .. يا لك من شخص مضحك فعلا ً ههههه .
- ها .. لقد تعجبت فعلا ً ، حتى قلت في نفسي ، من هذا الذي يجرؤ على اذلال اسمي بوسم هذه المدينة الطاهرة بواجهة رسمي .. ولكن ، عن أي بذور ، وأية شجرة تتحدث .. لم أفهم هذا الجزء من كلامك ياسيدي .
- عن بذور الشعوبية التي وصمت بها بعد موتك ، وبذور الاباحية والزندقة .. لقد جاء العابرون من وراء الشفق ليعيدوا احياءها ويغذونها بكل ما اعتمل في جوارحهم ، من كراهية وحقد ، حتى يَسِموا أولاد هذه الأرض بأختام النخاسة على جباههم بحجة أنها (( حرية لديمقراطية موعودة ))
- (( ديمقراطية )) لا اعرف عن ماذا تتحدث ياسيدي ، هل نسيت أني من زمن آخر .!
- لا عليك ، فلايهم ان كنت تفهم جزءا ً مما أقوله أم لا ، المهم أن تبحث عن الأداة التي خبأناها تحت مفاصل عنقي كي تهشم بها ما يحاولون غرسه .. أسرع قبل أن يحصل المحذور وحينها لن نستطيع أن نفعل شيئا ً .
- أداة .. أي أداة ؟
- ما بك .. الفأس المذهبة التي قرأت عنها في الكتابة المنقوشة كطلسم حول جوهرتي .. أخرجها ولاتضع الوقت بسؤالاتك الفارغة ..ولكن احذر من أن تظهرها أمام أي شخص إلى أن تصل ، فهي شئ ثمين ، وقد يقتلك الواقفون حولك طمعا ً في قيمتها .
- أمرك ياسيدي
- أخرجها .. وأعلم أنك ستدخل حلبة التاريخ وتنال عظمة لم تنلها طيلة حياتك المزعومة في قصور أولادي
حاول أن يوقظ عيون أصابعه وهو يشرع بتقليب الأحجار المتكتلة على ضريح الرأس المهدم
أصداء صوت والدته وهي تحثه على الخروج من القبو المنعزل ، يخالط شبقه للعثور على عنق الفأس المدفونة
تطالعه غمامة سوداء تتشكل في منتصف المسافة بين تمثاله وقصر الخلد
يأمره الرأس بالإسراع .
تقع عيناه على عجلات مجنزرة مفتوحة ( الفوانيس ) في وضح النهار ، وعلى أشخاص مدججين بمعادنهم اللاهبة وهم يغرسون شيئا ً في رحم الأرض ويسقونها من جثث جماجم َ مشطورة من النصف ويرددون عبارات غريبة مصحوبة برقصات تشبه حلبات القرود
((- ما بالك ياأبا نؤاس لاتضحك .. الا ترى هذا الأعجمي وهو يرقص ويراقص قرده الأحمر
- أعذرني يامولاي ، لقد أهمني أمر جاريتي الحبلى ، وأنا أخاف أن تدهمها لحظة الطلق ولاتجد من يأخذ بيدها أو يسقيها شربة ماء
- لا تخف يا أبا نؤاس .. وأضحك فاليوم (( سمر )) .. وغدا ً (( أمر ))
- نعم يا خليلي اليوم سمر وغدا .....)) بدأت الأرض تهتز وصراخ الرأس له بالأسراع
ظهرت سيقان خضر سرعان مأصفرت حتى اسودت وبدأت تتسارع في الصعود كأذرع أخطبوط عملاق وهي تنث من بين مساماتها دخانا ً أسود ، انقطع الجمع عن الانسياق في هذياناتهم وبدأت العربات المصفحة بمغادرة المكان وهي تردد بأبواق تشبه الحلازين
Came to your Destiny
Came to your Freedom
Ha ha ha ha
وبين هذا وذاك تتسارع الأذرع الخشبية بالتصاعد نحو الأعلى وسط صرخات الرأس ، داعيا ً أبا نؤاس للأسراع في البحث عن الفأس الذهبية ليوقف نهم الغول في الهبوط ، ويفلح في إسقاط هوية الهبة الغريبة ، التي يحاول أن ينزلها الغرباء من أعالي قفصها السماوي المغلق.





مهند يحيى حسن
الايميل : muhannaddeekal_gen@yahoo.com
العزيز مهند :
أسرة سودانيات تحييك وتتمنى لك طيب الإقامة..
جزيل شكري وتقديري لمشاركتك في مسابقة القصة القصيرة ، بيد أن هذا النص لم يستوفي الشرط الأول من شروط المسابقة والمتعلق بألا يكون قد تم نشره من قبل..
فهذا النص سبق أن تم نشره هنا
http://www.adabfan.com/criticism/8824.txt

تحياتي.



التعديل الأخير تم بواسطة الفاتح ; 23-03-2013 الساعة 02:03 PM.
مشرف منتدى نوافذ غير متصل  
قديم 06-03-2013, 08:23 PM   #[12]
مهند يحيى حسن
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مشرف منتدى نوافذ مشاهدة المشاركة
العزيز مهند :
أسرة سودانيات تحييك وتتمنى لك طيب الإقامة..
جزيل شكري وتقديري لمشاركتك في مسابقة القصة القصيرة ، إلى أن هذا النص لم يستوفي الشرط الأول من شروط المسابقة والمتعلق بألا يكون قد تم نشره من قبل..
فهذا النص سبق أن تم نشره هنا
http://www.adabfan.com/criticism/8824.txt

تحياتي.

شكرا لتوضيحكم لي أيها الرائعون ، الا أني أحب أن أنوه الى أن الرابط المشار اليه ، ماهو الا دراسة من الناقدة دنيا نبيل له ، وقد اختارت دراسة هذا النص بالذات بناء ً على اطلاعها على مسودة مجموعتي القصصية التي لم يتح لها الحظ بأن تحظى بدار نشر متميزة ، تقوم بنشر المجموعة كاملة ، ومع هذا فقد تشرفت باطلاعكم عليها ، وهذا هو جوهر مشاركتي في وجود قارئ يشاركنا الاطلاع على ما نسطره في لحظة من لحظات خضوعنا لهاجس الأدب .
تقبلوا مودتي



مهند يحيى حسن غير متصل  
قديم 20-03-2013, 06:18 AM   #[13]
مشرف منتدى نوافذ
Super Moderator
 
افتراضي

تحية طيبة وبعد ،
يرجى من السادة الذين لم تكتمل نصوصهم للحد الأدنى ، الشروع في إكمالها قبل تأريخ 25 مارس ، حتى يتسنى للإخوة أعضاء اللجنة الفنية عمل ما يلزم.. وفي حال لم يتم التعديل بعد التأريخ المعني ، لن يتم النظر في النصوص التي لم تستوفي الشرط المتعلق بعدد الكلمات.. لأن هذا البوست سيقفل في نهاية هذا الشهر.
آمل أن تتفهموا دواعي هذا الإجراء..
ولكم مني الشكر أجزله.



مشرف منتدى نوافذ غير متصل  
قديم 21-03-2013, 04:45 PM   #[14]
تغريده
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية تغريده
 
افتراضي *شبابيك نسوان*

غايتو الراجل دا حرامى بصورة ماعادية حسى بس كيس الحنة الحبة دا يقول بتلاته جنيه الله لا كسبه وحات شيخى ود بدر دا رجل واحدة مابحننا ، كان ذلك حوار صفية وهى تحادث نفسها عن صاحب (البقالة عثمان) ، صفية أمرأة فى الأربعينات من عمرها ضخمة الجثة مبحوحة الصوت فهى كثيرة الصراخ والملاعنة مع طفليها ننو وبيسو( ننو هو أسم الشهرة للصغيرة نمارق التى لم تتعدى الثلاث سنوات ،وكذلك بيسو هو باسل شقيق ننو يكبرها بعامين) لم تنل حظها من التعليم وكانت تهتم وتحب الحنة ومايتبعها من طقوس جداً. فى أثناء أنهماكها بترتيب المنزل تلقت صفية إتصالاً هاتفياً من جارتها سعاد التى تقطن فى المنزل المجاور لهم , كان فحو الإتصال دعوة كل الجارات ليتجمعن فى بيت سعاد لتناول شاى المغرب للدردشة والونسة. تهللت أسارير وجه صفية بعد هذا الإتصال فهى تحب تلك التجمعات وتعتبرها فرصةً "للخبارات والشمارات". ومن هول المفاجئة المفرحة أنتشت وهى تترنم :
( ياود العزاز انت
الليلة شرفت
جبت الشيله بالدسته
جبت الهمر وقفته
جيبك ما بشيل الفكه
الليله شرفت
وبتشيل العشره بالربطه
لسانك مابقول غلطه(
الليله ش .... قاطعها حسين زوجها وهو قادم من مكان عمله باكراً على غير عادته : يامرة بطلى الهضربة دى أنا جاى مسخن ورأسى واجعنى،. لم تكترث صفية لكلامة وواصلت فى غناءها (ياود العزاز الليلة شرفت وفجأة توقفت بعد أن جلس حسين وأنتهى من تغيير ملابسة وبادرته قائلة :
"أسمع ياخوى سعاد أتصلت وقالت الحريم كلهن ملمومات عندها جايات يشربوا شاى المغرب وأنا ماشة وحاخلى ننو وبيسو معاك . سادت لحظة من الصمت العميق وباغتها بنهرة تهتز لها الأوصال : "هووووووى يامرة طيرى محل ماتطيرى وأولادك ديل تسوقيهم معاك فى شعبة يدك دى فاهمة أنا مصدع وداخل أنخمد".
تلقت تلك النهرة أو القهرة كأنها لم تكن موجهةً لها وصاحت تتغنى بصوت أعلى من سابقه ( أمه الشنافه العقرب في كتافه والحمى الرجافه وطشت لرعافه ونكير ده ما شافها للااااا للاااا
أخته الطويلة البقصت الشيلة عقرب رتيله تنهيها في ليلة ) للاااا لللللاااا
.صمتت لبرهة من الزمن وأخذت تنادى "ياننو يابيسو يلا على الحمام نحنا طالعين" وفى لمحة بصر كانو يستعدون للخروج.
وصلت صفية فى وقت مناسب فهى أول الحاضرات دائماً فى مثل هكذا لمات , وتبعنها بقية النساء .
إكتملت الجلسة وكانت عامرة بالونسة والقهقهات وننو وبيسو جلوس بالقرب من والدتهم صفية.
فجارتهم سعاد لم يكن لها أطفال صغار بعمر ننو وبيسو فقد كانو بالمراحل الثانوية والجامعة ، وقد كان حضور كل الجارات المدعوات من غير أطفالهن لذلك آثرت صفية جلوس ننو وبيسو بقربها فهى على علم بما يحدث أن فارق هذا البيسو قربها فسيحيل المكان إلى دمار شامل ليشبع رغبته التخريبية المستطلعة على كل شئ.
بادرت صفية بسؤال لجارتها عزيزة( تعتبر صديقة سعاد المقربة فقد كانت شبيهتها فى كل شئ حتى تلك المشية مشية البقرة الحلوب الغير آبهة لمن هم بعيدين عنها) التى كانت تجلس فى محاذاتها : "أصبرى ياعزيزة صحى أمانى حامل؟" أنفجرت عزيزة ضاحكة بتهكم وسخرية "اى والله حكمة الله بالغة, وكان شفتى قاليك تتوحم بالغصب وجنس دلع بطنى واجعانى بطنى واجعانى , وتستفرغ شغلة بلا شغلة". (أمانى تسكن فى المنزل المقابل لمنزل عزيزة وتصغر صفية وسعاد بالعمر فهى فتاة صغيرة متغنجة بعض الشئ قليلة الخروج والزيارات لجاراتها لا تهتم بتلك التفاصيل التى يعشقنها صفية وسعاد من حنة وتبيعاتها فهى تحب أن ترتدى البنطلون ) .
شاركتها صفية بنفس الضحكة "شكيت محنك انتى يايمة هى يختى كان الهواء ساى لفح وشها دا تقول يااااى عاد خليها التبقى مرا وعلت ضحكة قوية ساخرة أخرى بينهن , تستطرد صفية قائلة والله ياعزيزة أنا لمن كنت حامل بيبيسوا دا جننت ليك حسين راجلى دا عديل كدى من الأستفراغ وعدم الأكل لمن جانى هبوط وودونى المستشفى تصدقى ، ردت عزيزة : وسمح يختى مالك بتعيبى على أمانى وأطلقت ضحكة ماكرة على أثرها صمتت صفية وهى فى قمة الأمتعاض ، شعرت عزيزة بلذعة جملتها وبادرت قائلة : وبرضوا يختى سمعتى بزولتك دى زاتها قالوا حامل. (يقصدن سعاد) ترد عليها صفية وهى تتصنع عدم أهتمامها بما قالت: اااى بالحيل وهى داساهو لكن برضو الوحم فاضحه , شوفى خلقتا دى كيفن التقول تترمدى من طرف توبا, وقد كان كنه سخريتهن من ذلك أن سعاد قد تجاوزت الأربعين عاما ً( سعاد أمرأة وقورة رفيعة القوام تتصف بالرزانة وقلة الحديث صوتها به نعومة مصطنعة، تخفي به أصلها المتواضع، تستعلي على جاراتها كونها أكملت تعليمها الجامعى)، وكأنما أحست سعاد بحديث صفية وعزيزة عنها من خلال نظراتهن الموجهة إليها وهن يتهامسن فبادرتهن قائلة شنو ياجماعة الفطائر دى ماحلوة ولا شنو عليكم الله مدوا يدكم .
فى تلك اللحظة نهضت ننو من جلستها وبدأت تصيح ماما آه ماما آه بطنى واجعانى ألتفتت إليها صفيه وهى فى قمة الغيظ فقد قاطعت ذلك الهمس اللذيذ بينها وعزيزة مالك يابت فى شنو جننتينى فى عمرى دا؟ تولى الرد بيسو قائلاً بسرعة ماما ننو حامل!.



التوقيع:
[OVERLINE]اللهُم آنيّ آستودعك أياما مضتّ من عمريّ
بآن تغفرهآ ليّ و ترحمنى و تعّفو عني و آن تُبارك لي في آيامي آلقادِمـۃ
[/OVERLINE]


تغريده غير متصل  
قديم 24-03-2013, 10:35 AM   #[15]
معتصم الطاهر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معتصم الطاهر
 
افتراضي سبت أخضر إلا ربعاً رمادي السيرة .

سبت أخضر إلا ربعاً رمادي السيرة .


كلافتة مرور تسمّرتُ في منتصفِ الطريق المسفلت ورأسي يسجل درجة غليان تفوق حرارة الأسفلت، وعقلي "يتاوره" ضُرس المشاكل و تشوكه ضرّيسة الشك و "تطاعنه" الظنون، صُمَّت أذناىَ عن أبواق السيارات التي تتعالى حولي وتتقصدني. أخرج أحدهم رأسه من نافذه السيارة و صاح فيني:
- " يا بتي الله يعرّس ليك - وقفتي الحركة- " فهمت خباثته لكن بعض الذكاء يزيح ثقالة بعض المضايقات.
- "شوفى ليك صينية أقيفي فيها" .. قالها آخر يجلس على ظهر عربة مفتوحة و إحدى رجليه خارج صندوق السيارة..
أنهيت تحديقي الى المجهول ثم "حدرت" للأخير فصمتَ الشارع كأنه يصغى لكل " الجوطة" التى تدور فى عقلي، و أتخذت قراري .
" للخلف دور" .. أدار جسدى رجليّ أو رجلى جسدى، لا أدرى أيهما كان صاحب القرار، لكنها حركة نصف دائرية عنيفة لم أفعلها منذ معسكرات التدريب الإلزامي.
- "ملعون ابوك حكومة لا تساوي بيننا والرجال إلا في معسكرات التدريب."
قفلتُ عائدةً إلي مدخل العمارة حيث أعمل ثم صعدت الدرج كما كل يوم لثلاثة اشهر فائتة و لكني أرتقي الدرجات هذه المَرّة بحنقٍ و أنا أضربُ على بلاطِها الجديد بنَعلِي و أتخيله ينهال على رأس مدير مكتبنا بشيباته المسبسبة الناعمة.إختل توازني وأنا اصعد الدرج، فأنا من اللائي يطلق عليهن وصف "شتراء" حتى أن البعض يقول إنّه ليس فى إستطاعتي صعود درجات السُلَّم و أنا أمضغ علكة، أو ألوك سيرة أحدهم. كدت أنكفئ على وجهي لولا أن استندت على درابزين الدرج . أعدتُ توازن الجسد ولكن العقل أبى و استنكر، ليتني أرشُد قبل أن يمضى عقلي و أتحول لإنسانة بدائية.مثل أغلب الخلائق المكناة رجل و بعض نساء. ولكني مضيت فى عزمي. لن أتركه يتهنأ بباقى نهاية الأسبوع بعد أن فعل بي ما فعل.
عند إرتقائي آخر درجة من الدرج ألقيت طرحتي من فوق رأسي على كتفي، و ذاك أمر تستنكره أمي " يا بت إنتي بتكشفي راسك سِرِّية و لا شريرة" و تخشاه كل نديداتي فما يليه هو إنفلات العنف اللفظي. وهي علامة أني رميت حذر العواتك و نزعت قيود الوقار .حينها أحسست أنّ ما يجري فى عروقي حمم تلتهب وتحرقني و تلهب بديلاً عن دماى.
فى ممر الطابق الأول المؤدي الى المكتب أظن أني مررت بزميلتنا سلمى تجلس فى ردهة الانتظار – لابد أنها تضع سماعة الأذن و تعبث بهاتفها و هي تنتظر زوجها - لم أرها، لكني شممت رائحة عطر المتزوجات الأنثوي – أسميه الفعل الشَّرطي المنعكس أو فياجرا الأنف السودانية - تذكرت نقاشها مع زميلنا عدنان ،
- "يا جماعة كمان جابت ليها " دِلكة ودخان" ما قلنا العطرالنافذ لا يجوز فى المكتب."
فردت عليه :
- " والعطر النافذ من الخشوم و القدوم !! وهل شراب العرقي من الصباح صاح .. يا صاح؟ "
فقال لها :-
- :" بايتة معاى و اللهِ .. " -_و اللاّى_ قالها هكذا بقافية ..
فردت بذكاء تمتاز به وبقافية مغناة بلحن بنُّوتي:
- " أنا بايتة معاى برضو .. ، لو تابُو ، لو ترضو ". ثم أردفت "الصّفْقة باردة" مُلمّحةً لعدم مشاركتنا فى تلك المنافسة.
ضحكنا و أحسسنا بأنها المنافسة على منصب رئاسة القسم ،وقد بدأت فعلياً.
هذ البت أو " السيدة الصغيرة" علها تستمع الآن لعفاف السليمية أو عوضية الدروشاب أو ساورا أو ميشيل خليفة وهكذا ذوقها رفيع و مشاتر. سلمي امرأة تفِّر ثنايا الفم تلميحاتها و تتحكّر فى ثنايا القلب ملامحها.
ابتسمت فى دواخلى لذكرى تلك " المناقرة" و راجعنى عقلى قليلا - فقط قليلا - بسؤال:-
- ما دليل أن ما فعله كان تحرشا ؟"
فماءت النّمِرة داخلي مضرضرة :
- " ألم تعرفي تلكم النظرات منذ شب ذاك التل كحمم بركان الجسد؟ ألم تأكل النظرات طفولتك و تكسر نظرتك و قضت على أيام مراهقتك ؟"
خطوتُ خطوةً واسعة و الثانية أوسع بما تسِع تورتي مسرعة نحو المكتب و أنا احدث نفسي و أملؤها غيظاً و تحريضاً..
- " كم خدش كبرياءك احتكاك الكوع و الملاصقة فى الحافلات؟ كم صفيق صفعتِهِ حتى صارت لك صديقات فقط ليحتمين بك؟ ويأتي هذا المخلوق و بعد أن نضج كل شيئ فيك !! ... "
و الممر صامت .. لا يكسر صمته إلا وقع حذائي ..
شعرت بنظرات سلمي على " قفاى" و تنزل لتقتفى أثر غضبي على البلاط.
هل يبدو هذا الغضب بيّناً على الخطوات؟ سمعت وشوشة ملابسها و هي تقف من على كرسيها فى ركن الممّر.
إلتفت نحوها .. و بعيني كل الغضب ، فجلسَت منكسرةً من فضولها و نظرتي المُنذِرة المُحَذِّرة.
خطوتين .. ووقـْعُ فرقعة الحذاء على بلاط الممر يُنْبئ عن إمرأة مُرعدة ليست رعديدة، و طرقعة إرتداد الحذاء على كعب رجلى الناشف يعلن عن عِينة المطر، وبر ق عيوني "عبّادي". لابد أن أسفل الحذاء الأيمن قد سُحق أكثر من اليسار، فصوته مختلف كأنما "الخرسان" تداخل مع "النترة". أو هو فعل أشتر كما صاحِبَته. – "علىّ أن أشترى حذاءا جديدا من مرتب الشهر القادم، هذا إذا لم أفصل من هذا العمل اليوم . أو أتقدم باستقالتي."
- "هل سأُفصَل؟ ..
- "نعم .. إذا لم تتراجعي عن مشوارك هذا!"
- فليكن .. إلا إهانة المرأة فينيّ .. لماذا أنا (فقط أنثى لا غير). رقم فى شيك دنيا الرجال و الأعمال.هكذا تحدثني نفسي الأمّارة بالمشاجرة .
هكذا تصارعت الأسئلة داخلي .. ولا احدها يصرع الآخر.
لم أحسب أن هذا المكتب بهذا السوء من قبل، وأقر أنها مؤسسة نادرة التي قبِلت موظفيها وفق مؤهلاتهم العلمية والخبرة. نعم، لست بذاك الجمال ولكني والآخرين ندرك تماماً أن بروزاً ما فوق ضلوعي بدأ مثيراً للإنتباهِ ومُمـَغنـِطاً للنظرات. فقبل أن تضع نديداتي الطرحة على رؤوسهن وضع ذلك النهد بكلكلِه علىّ. و مع تلك الخرقة وُضِعت علىّ رأسي مسئولياتٌ و قيودٌ لم تُلزَم بها رفيقات الدراسة و الحي. كُنّ يحسدنني عليها و كنت أنحني حتى لا يظهر ما لا يمكن إخفاؤه. حتى أن المغني حينما يردد " شُفناه شفناه" كنت أظنه يقصدني فوجهت كرهي أغاني الحقيبة التى تعري جسدي و رضيت كل من يتغني بي كإنسان.
لا أنكر أن مدير المكتب عرض على الوظيفة ومخصصاتها خلال سيرتي الذاتية التي أرسلتها بالبريد الإلكتروني حسب الإعلان في صفحة داخل صحيفة، فقط مؤهلاتي وخبرتي المناسبة ثم إستعدادي لترك الوظيفة التي كنت أشغلها، صورتي المرفقة معها لا يستبين بها "كلكل همي" ذاك .فبعد معاينة قصيرة بوجود قريبته "صفصاف" السكرتيرة ذات الصلاحيات المتعددة بدأت عملي، ووعد باختيار أفضلنا لرئاسة القسم .
"عدنان الراجل" هو منافسي الأول لرئاسة القسم وكُنِّي بذلك لأنه درس الجامعة من الناضجين بعد أن عمِل فترة قبل إلتحاقه بالجامعة وقِيل أنه طلّق قريبته قبل أن يبدأ الدراسة، أما سلوى فجُل همها " عدُّولي" زوجها الذي بتنا نعرف كل شيء عنه و التي ولو تنبّهت قليلا لكانت أحقنا بالمنصب لمعرفتها و ذكائها. "عدنان الراجل" كان منافسي منذ أيام الدراسة الجامعية وهو يسبقني بالتخرج فى الجامعة و العمر والتجربة.
مشحونة بكل تلك الأفكار، وأغلِي كتنّور متحرك دلفت الى المكتب وصدري يسبقني كموج عاصفة و وجهي تقطّب و تجمّع فى منتصف جبيني .. رأتني صفصاف السكرتيرة على هذا الحال فسألتني أن أجلس .
أشِرت الى الباب الموارب أمامي قائلة كلمة واحدة " المدير ." وفى عينيّ غضب و حنق و حزن و ربما بعض ضعف .
وقفتُ أنتظر إذنها بالدخول وأنا أنقر الأرض بمقدمة حذائي اليمين بعصبية بالغة .. وقفت ضفصاف و انحنت فوق مكتبها لتنظر الي رجلي تهتزُ بعصبية زائدة .. يا لهذه الصبية الغياظة ، ألا ترى القيظ ينفر من عيني وهي تمارس " حركاتها" و رسائلها الهادئة و المهدئة!
لما رأت إصراري على الدخول قالت بخبرة السكرتيرات
- " ليس الآن و أنتِ بهذه الحالة!.. ثم أنه يوقّع الآن أوراقا سريّة و مهمة !! " وعيونها تقول أنها تعرفها.
و أنا أرد بلغة العيون فى هذا الحوار الأنثوي
- " تعرفينها جيدا..أولست من قام بطباعتها..!"
ثم نظرت إليها بنظرة لوم و لؤم ثم تحولت الي إتهام وغضب .. ثم إنتابتي فكّرة خبيثة بل فلنقُل إتهام ..
" هل تعمل هذه البنت فى مهام خاصة غير عملها معه كسكرتيرة؟"
لما رأت حديث عيوني و قد أنتحى عن مسار العام سألتني ..
- " هل هي المعاينة؟" ثم أضافت مبتسمة بخبث ...." أم المعاينة.. !!"
متجاهلة نظرتي و التى فهِمَتها تماماً . هكذا نحن النساء بيننا تواصل نعرفه جيدا.
كان المدير قد استدعاني و أيضا ( زميلنا عدلان و زميلتنا سلوى). لمعاينة رئاسة القسم والتي تضمّنت أسئلة شخصية - لحد معقول- فى ظاهرها لكنها تظل شخصية . أسئلة لم يسألني لها عند بداية تعييني فى هذا المكتب .
سألني أنْ لو وجدت فرصة لرئاسة القسم عن خطتي لتطوير الأداء و لإدارة المكتب و ملاحظاتي عن زملائي و أدائهم. و من أحقهم برئاسة القسم لو تم اختيار غيري؟ ومن لا يستحق أن يعمل فيه ؟ ثم سألني عن عائلتي و سكني و حالتى الاجتماعية و لماذا لست مرتبطة .. هذا السؤال أجبته بإجابتي " المسيخة " المعروفة .. "ما لقيت خاتم قدري" ثم رمى بسؤاله:-
- "... هل أستطيع حضور إجتماعات متأخرة أحيانا فى نهاية كل مشروع؟"
ما أغاظني أيضاً فى هذه "المعاينة" هي نظراته إلي صدرى ، مما جعلني أعدل وضع غطاء رأسي ثلاث مرات .. مرة لأغطي ما هو ظاهر رغم وسع القميص الفضفاض و قطرات العرق التى أحسست بها تجمعت فى ذاك الوادي – تسميه صديقةٌ مقربةٌ الأخدود، -هي الوحيدة التى تتجرأ بالتعليق دون أن أغضب،-
في المرة الثانية بعد نظرته الرابعة سحبت طرف الطرحة لأستر الحجم أما فى الثالثة فقد كتّفت يدي عليهما.
عند نهاية أسئلته سألته بدوري ..
- "ممكن سؤال يا أستاذ ؟" وقبل أن يأذن لي واصلت حديثي " هل الأمر عن رئاسة القسم فقط؟"
سكت .. فواصلت حديثي .. .
" لماذا تسألني كل هذه الأسئلة الشخصية ؟ و ما دخل سكني! أو لست أحضر فى الوقت المحدد و كذا أنصرف؟ و هل حضرت يوما بزي غير محترم ؟ لماذا تسألني عن أسرتي .. ؟ "
ثم صمتُ عن بقية الأسئلة عندما وضعت السكرتيرة التي تجلس بجانبي يدها على كتفي.. لم أنظر لأحدهم بعدها و اندفعت الى الشارع قبل " خلف دور".
تباً له.. يبدأ أسئلته بمِهنيّة و يختمها أسئلة شخصية. لولا وجود السكرتيرة لكان تحرشا واضحا غبر مسسترا.
رغما عن السكرتيرة دلفت المكتب و كان حينها يوقع أوراقا أمامه . و وقفت أمامه بهيئتي تلك.
" ممكن أسألك يا أستاذ؟"
رفع نظره ناحية وجهي. و ردّ " تؤجل الأسئلة ليوم السبت، إذا مدّ الله فى الآجال."
رجل جبان ، ها قد سقط عنه ثوب الجلال والوقار، ها هو يهرب من مواجهتي و قد بدا عارياً إلا من رجولة شرقية جوفاء . بد لى جلده الناعم أحرشا كسمكة ناشفة.
وضع الخطاب بعد وقعه داخل ملف " الجاري " و خرج به و تركني قائمة ..
خرجت خلفه مغتاظة .. ولكني أهدأ قليلا .. إستلم حقيبته من يد السكرتيرة بعد أن سلّمها الملف .
حينها أحسست بان الجو مشبع بالتوتر و الترقب و الغموض ..
وقفت انتظر منه رداً أو أن يلتفت ، و لكنه أنصرف ببرود ملقيا السلام و ابتسامة المنتصر أو الشامت. رجال بلا حياء أو بلا إحساس.
وضعت السكرتيرة ورقة من الملف فى مظروف و أخرجت مظروفا آخر من مكتبها و سلمتني المظروفين.
يستبين من شكل المظروف الثاني أن به أوراقا نقدية. لمحت اسمي و رقم على المظروف . كان الرقم يساوي مرتب شهر من راتبى. إذن لم أستحق الترقية / بل كتبت نهاية خدمتي بنفسي.
وقعت على إيصال الاستلام . و طالبتني السكرتيرة بمراجعة المبلغ فلم افعل. وضعت المظروفين داخل حقيبتي و لم أخرجهما إلا بعد مغادرتي الحافلة قرب بيتنا و التي ترجّل منها أخي، مخاطباً صمتي و شرودي
- " مالك يا عفصة؟" و دائما ما يحرّف اسمي عندما يرى تغيُـّر وجهي و عبوسي.
حكيت ما حدث باختصار و بمحاولة يائسة لإقناعه بخطأ المدير، - وهل كنت مقنعة لنفسي!- ومددت له المظروفين و نحن ندلف البيت.
رأيت فى وجهه الحنين شحوب وجهي و عبرات عيني . فقال مواسيا :
-" تسلمي يا حنينة. و ألف وظيفة تنتظرك " .. قالها و هو منذ عامين يخرج مرتين فى الاسبوع يبحث عن عمل.
جرت دموعي كما لو أن لها إرادة منفصلة عني. وأنفلتت من صدري آهة رغم حرصى على التحكم فى كل أحزاني .
أخفيت وجهي بيدي و أسرعت تجاه منزلنا. وجدت الباب مورابا دفعته و دلفت.
تمددت على الفراش بملابس العمل و رجلي اليسرى تتدلى بإهمال و قلق . ألأرجحها حينا و حينا أضرب بها رجل السرير.
على هذا السرير سكون الروح وراحة الجسد .. كأنه راحة أبِي تحط بحنان على جبيني أو يربت على كتفي قائلاً " أنت الآن راجل البيت و أميرته" .فأردت بعناد " يابا .. ست البيت"
لماذا ليس كل الرجال مثلك يا أبي؟ لماذا ترحل قبل ان أتعلم كل شيء.؟
و بدأت أحدث نفسي " كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر إلا الحزن يبدأ كبيرا ثم يصغر"
كنت على هذه الحالة و البحث عن وظيفة هَمٌ لا أحب أن يزيد همومي .. حينها دخل أخي مبتسما قائلا:
- " تعيشى و تاخدى غيرها !" ..
و مدّ لى الورقة التي مع مظروف المال كان مكتوبا فيها بخط السكرتيرة ولون قلمها البنفسج ( احتفلي جيدا و اشترى لنفسك هدية ، الكرت المرفق لمحلات ملابس تعطي تخفيضا لشركتنا .. مبروك رئاسة القسم)..
بوهن وألم وخجل رفعت هاتفي لأتصل بأحدهما، ماذا أقول ؟
و ارتخت يدي ، فقد تذكرت أني لا أحفظ و لا أعرف رقم أي منهما.
" يا بت السبت اخضر"



.



التوقيع:
أنــــا صف الحبايب فيك ..
و كـــــــــــل العاشقين خلفي
معتصم الطاهر غير متصل  
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:38 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.