أكـــــــــتوبر الأخــضر ،،، !!! النور يوسف محمد

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

آخر الأخبار العالمية

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > مكتبات > بركة ساكن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-11-2008, 08:04 PM   #[46]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي

مبروك العروس يا صديقي صلاح


طبعا الحاتزوجها، الما معروفة منو


انا سعيد بمرورك

وفي انتظار نقد بدون حب، عارف نقد بدون محبة،.............؟



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-11-2008, 11:58 AM   #[47]
أسامة الكاشف
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة الكاشف
 
افتراضي

العزيز بركة
نسجت عوالم غير مطروقة لذا كاننت مدهشة
لم تكتفي بالسرد
وهي المحريه فيك
الأدب إن لم يعمل على تفعيل الحراكات الاجتماعية يظل جماد جمالي
سرعان ما يسقط من الذاكره
لكن ود أمونه وألم قشي سيظلان لوقت طويل ضمن الذاكره الجمعيه لمحبي هذا المنبر

عرضت لواقع مبني على علاقات انتاج جائره
عالم فقير
لكن استطاع رواده أن يخلقوا منه فضاء للجمال
سرقوا لحظة البهجة والمتعه من فم الأسد
أنا منتظر رد مدير البنك وانفضاح الأكذوبه
منتظر لحظة يتجلى فيها الجنقو وعياً وإدراكاً بما حولهم
أتوقع ان تحدث شركة الاتصالات حراك اجتماعي وتغير في المفاهيم
هذا العالم الأولي على وشك أن تفض بكارته مدنيه تتميز بشراهتها للربح
العلاقات الانسانية التي تأسس عليها النص
مذهلة وبسيطة
أقترح مناقشة مفتوحه بعد اكتمال الروايه حتى نقرأها بروية
في انتظارك .. ما تتأخر



أسامة الكاشف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-11-2008, 12:45 PM   #[48]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي الفصل الثاني: ديسمبر.


زِينَتُهُ ونِسَاؤه: الجنقوجوراي.


يوم الخميس هنا يوم عيد، يقضيه الجنقوجوراي تحت شعار محفوظ ومعروف وهو:خميسك ولو تبيع قميصك، يهبطون إليه من المشاريع والتايات البعيدة والقريبة، عابرين مزارع الذرة والسمسم أو غابات الكتر والطلح الصغيرة المتفرقة بين هنا وهناك، مثيرين الرعب في الأرانب البرية والفئران والسحليات عن طريق دق أرجلهم الخشنة على الأرض الطينية السوداء، عن طريق أصواتهم التي تطلق أغنيات حصاد بائدة قديمة نشاز، في سماوات الفلوات الشاسعة، على ظهورهم القوقو متخماً بعروق الشجر ووصفات لعلاج مرض الصعيد ولدغات الثعابين والعقارب وحتى خادم العقرب الصغيرة السوداء المؤذية، وما استطاعوا جمعه من زينة إلي تلك اللحظة، وعندما يصفو لهم الجو أو يبلغ بهم التعب أشده يجلسون تحت شجرة لالوب أو طلحة رؤوم ويحكون عن أرباب العمل والنساء وحي قرش، وهم غالباً ما يتجنبون الحديث عن المال، هذا المخلوق الغريب اللّزج، الذي لا يستقر في جيب ولا كف ولا قوقو، الذي يأتي بالمريسة والعرقي، يأتي بالشيّة والمرس والكجيك وما لا يحلمون به من طعام، يأتي بالنساء في لمح البصر، الذي ـ ذاته ـ يعرف كيف يهين الرجال ويمرّغ أنوفهم في التراب، وينهي رحلة حياتهم بشجرة الموت في فريق قرش بالحُمرة.
ولكنه في هذا الشهر، وطالما كان الجنقوجوراي في كامل صحته وفي تمام مقدرته على العمل ومواقعة النساء، فإن المال مهم لاكمال الزينة، وهي جزمة أديدس أو كموش،بنطلون جديد ويفضل الجينز البُوقِي بجيوب كبيرة وأحزمة،قميص أو قمصان جيدة، ذات ياقات كبيرة لها ألوان زاهية أو حارة، عطر البخور أو المنتخب،بطارية جديدة ماركة رأس النمر، الإنجليزية الأصلية، سويتر، منديل كبير مصنوع من القطن، علبة فازلين كبيرة تستخدم كحُقة للصعوط فيما بعد،
مسجل كبير بسماعتين ملحقتين، والأجمل و الأكثر إثارة والذي يعطي وضعية اجتماعية أفضل للرجل هو ماركة سانيو بالذات أو انترناشونال المكتوبة بالفضي بارزة ما فوق علبة التشغيل، شنطة هاندباك كبيرة وهي ما يطلقون عليها تدليلاً: قُوقُو. نظارة شمسية سوداء اللون أو عاكسة للضوء، كبيرة تغطي نصف الوجه العلوي، تحب البنات رؤيتها هناك،
ساعة يد كاسيو طالما لا توجد سيكو أصلية ولا ستيزن أو جوفيال، والبعض، وهم قلة يحتفظون بقلم بِك ونوتة صغيرة، وهما طالما يدُلان على معرفة بالكتابة والقراءة والثقافة، ويحددان موقع الشخص في منظومة العمل، حيث إنه غالباً ما يكون قد حُظي بوظيفة وكيل مشروع وهي غاية ما يحلم به الجنقوجوراي،وتلك هي فائدة العلم ودخول المدارس، ويستطيع أي جنقوجوراي مع بعض الاجتهاد أن يكمل زينته في فصل الدَرَتْ، في هذا الشهر ديسمبر، ففي كل خميس يحاول العامل جهده أن يشتري بعضاً من هذه الأشياء وأن يستمتع فوق ذلك بخميس جيّد متميز يرفع من قدره وهو يحكيه في العودة، عند التاية وكنتوش اللقمة على النار، والأصدقاء التعابى يفترشون جوالات الخيش على الأرض، يطلقون عضلاتهم وأخيلتهم لسحرة الراحة يعبثون بها ما شاءوا، لا يميل الجنقوجوراي كثيراً للنساء، بل هم زاهدون في شأنهن، ولا يبطئون في إطلاق لقب هَوَانْ، على كل من فضّل مصاحبة النساء على معاقرة الخمر، المريسة هي المعشوقة النهارية الأمتع الأفضل، العرقي يشربونه بالليل حيث يبرد الجو وتتبخر سكرة المريسة، ويحتاج الذهن إلي مسكن يجعل العضلات المرهقة التعبة تسترخي وتنام، إنهم الآن في شهور الكسل،التي تبدأ منذ الخامس عشر من ديسمبر شهور ما بعد الحصاد، وهي عبارة عن استراحة محارب إجبارية، نزقة بليدة، مُرّة، طيعة، حلوة، شقية، مراوغة، تنبهنا لكل ذلك عندما أتى لمسامعنا الحوار الذي انسرق عبر صريف القصب من بيت خميسة النوباوية، بينها وأحد الجنقو، عرفنا أن اسمه عبدرامان.
. أنا غلطان يا أمي، سامحيني-
يا عبدرامان، إنتِ لسانِك حُلو، ولكن عملك شين زي الخرا.-
ثم دار حديث خفيض، و لأن سمعي غير جيد، فلم اتبينه، ولكن عندما طلب منها عبدرامان غرضه، كان الصوت واضحاً
- كويس، خلي قميصي الجديد دا معاكي، وأديني نُصِّيةْ واحدة، وبكرة لو ما جبت القروش ما تديني القميص.
ضحكت خميسة ضحكة مجلجلة
نفس حكاية المسجل... -
شربت خمسة شهور: عرقي، مريسة، عسلية، كاني مورو، بقنية لمّان شبعتِ تبْ، وبعدين جيت قلعت المسجل، لا قرش، ولا تعريفة، حتى البِتْ القُلت عايز تعرسها، غشيتيها، عروسي... عروسي، ولكن اليوم البدا الكديب، تاني عين تشوفك تنقد، إلا الليلة.. لمّان الدرت جاء وبقيت عاطل ما عندك شُغل.
قال في سرعة
البَتْ!! البَتْ يا أمي حَسِعْ نعرسيها، شوفي فكي علي الزغراد وين، حَسِعْ يشيل لينا الفاتحة.-قالت بصوت قوي وصارم
. منافقة ود أم تيظ -
وحَياة جِدِيْ برمبجيل!!. والله يا أمي ما نكضب، جَدْ جَدْ، وحَياة رأس أبوي جدْ جدْ -
أتى صوت رقيق من مكان قصي في بيت خميسة
- يا أمي أنا ما عايزاو... ما عايزاو... ما عايزاو... وتاني ما عايزاو. الجنقوجوراي يا أمي في الدَرَتْ يَحَنِنْ وَفِي الخَرِيفْ يَجَنِنْ.
قال عبدرامان ضاحكاً في انتشاء بيّن
. هييه كلتومة، أمسكي عليك لسانك، لمّن نعرسيك نوريك أدب المدايح-
دخل الحوار شخص آخر، تحدث عن بيت الحلال وحلف بالطلاق والحرام أن يأتي المأذون الآن ويتم العقد الآن، ويدخل عبدرامان على كلتومة: حَسِعْ دِيْ.
يأتي صوت كلتومة من عمق قصي في بيت خميسة النوباوية
. ما عايزاو.. ما عايزاو.. ما عايزاو-
يجيني لمّان يَفَلِسْ، إنت وين لمّان القروش في إيدك زي التُراب في موسم السِمسِمْ، إنت وين بعد قطع العيش؟ ما عايزاو.. ما عايزاو يا أمي... ما عايزاو.
قال بهدوء
- والله السنة دي معانا سنة كبيسة، أنا بعت فيها مُسجلي ونظارتي الإشتريتها من القضارف ويا دوب دا شهر!! شهر واحد دخل علينا، ما عارف يجي شهر ستة كِكيف؟
قالت خميسة النوباوية
. البِتْ قالت ما عايزاك-
- تسمعي كلام المرا، في مرا تابى الجواز، الشُخل الحلو دا بينأبى؟ ثم أضاف:
- يا أمي خميسة كدي أدينا نُصِّيِةْ، نشربها على بال ما مُوسى ود محجوب يجيب الفكي الزغراد ويقرأ الفاتحة، ونَخُشْ على بِنيتك دي ونبقى لحم ودم.
. ما عايزاك، ما عايزاك. إن شاء الله نُصّك للكلاب-
أكدت أصوات أخرى على أهمية أن تَنَزّل الآن خميسة النوباوية نُصِّية إكراماً لزوج ابنتها المرتقب واحتفاءً بالمناسبة ومباركة للدُخلة العاجلة والخَمَرةُ ـ كما يقولون ـ زغاريت
السرير ، أبشري يا كلتومة.
أكدت خميسة أنها لن تفعل، إذا أراد أن يتزوج من ابنتها عليه إحضار الرجال غداً بعد الظهر، وإحضار ماله.
- الرجال ساهلين يا أمي بخيتة، ولكن المال في دَرَتْ سُخُنْ زي دا، الله يعلم. ثم أضاف بصوت خفيض بعض الشيء وكأنه يحدث نفسه: أنا لو عندي مال كنت اشتريت النُصِّية شربتها ونمت مُرتاح البال، عزيز ومكرم، لا عرس ولا كلام فاضي، أنا حَسِعْ عايز أعرس ليه؟! مُش عشان ما عندي حَق النُصِّيةْ؟ قروش قُبّال ما يَحل موسم قَطْع القصب ولا أمْبَحَتَيْ ولا الفحم؟؟ والله إلا لو عندي جَان.. ولا شُنو يا جماعة؟
- ما عايزاو... يا أمي أنا ما عايزاو.. وتاني ما عايزاو.. جنقوجوراي مُفلس أنا دايره بيهُ شنو؟ وعايز كمان يعرسني عشان نُصِيَة؟ ما عايزاو ما عايزاو.
دار حوارٌ بعيدٌ عن مسامعنا وكانت تصلنا منه همسات مشوشة ما يشبه الطنين وحك الحناجر، يتخلله صوت كلتومة صارخة أو شاتمة، كانت ألفاظها المرّة الساخنة تتسلل عبر صريف القصب لتنتشر في المكان كله، تنخلط مع ثغاء السكارى، ووسوسة الوطاويط هرجلة الكلاب، وحوحة القطط وفحيح بعض الذين أووا لعناقريبهم يتجاسدون،وفجأة دوت الزغاريد شارخة ظلام الحي الشرقي الدامس، من وسط حُوش خميسة النوباوية. في الثواني الأولى، عرفت الحِلة كلها أن عبدرامان ود أبكر البلالاوي، قد تزوج كلتومة بت خميسة النوباوية، في تلك الثواني ذاتها علّق الناس أن عبدرامان يتزوج للمرة الرابعة في سنته الرابعة في الحِلة، وأنها لن تكون الأخيرة، إذا كان في العمر بقية، وأن كلتومة بت خميسة النوباوية قد تزوجت للمرة الرابعة كعذراء، حتى لا يسأل المأذون، ذات المأذون الذي عقد عليها في المرات السابقات، عن قسيمة الطلاق في كون أنها ثيب. وأكد الجميع للجميع، أن عبدرامان ود أبكر، سوف لا يخرج من هذه الزيجة: بأخوي وأخوك، سوف يحصل له ما حصل لأزواج كلتومة السابقين،أو أسوأ: واحد منهم في السجن إلي الآن، ثانيهم، مات مقتولاً في ذات البيت، ثالثهم، طَفَشَ لا أحد غير الله يعلم، أهو حي أم ميت. والسبب وراء ذلك أن خميسة لا ترضى الحقارة، وينتقم لها كُجور التِيرا عاجلاً وليس آجلاً. والجنقو حقارين. وعبد رامان يعرف، ولكن كما قال لنفسه: المَعَايِشْ جَبّارَة.
الناس هنا لا يتنبأون، ولكنهم يعرفون، يقرأون المستقبل دون لبس أو تشويش، بل يَروُنَه رؤية.



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-11-2008, 12:54 PM   #[49]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي

وَصَتْنِي وَصْيِّتَا

الصافية، أصبحت مشروع حياته الآني، والآني هنا كلمة مهمة وذات دلالات غير محايدة، وسوف يغتاظ فعلياً إذا علم أنني استخدمها في هذا السياق، فهو عندي متقلب المزاج، طائش، تطوف برأسه أفكار كثيرة وقد تكون متناقضة في ذات لحظة تولدها أو إنتاجها ولكن الثابت هو أنه يتبناها ويشرع في تنفيذها مباشرة، تماماً كما يفعل طفل نزق في الحلم، أو فنان مجنون في لوحة، وهذا طبعه منذ أن تعرفت عليه في طفولتنا الأولى، وأعرف، طالما اختلق فكرة مشروع الصافية، فإنه سيصل إلى قاع الفكرة المظلم البارد وسيلقم من حصبانها المالحة، فما اعتبره تطفلاً يسميه هو مهام صعبة، وهذا ما يفرِّق ما بين شخصيتي وشخصيته وهو ليس اختلافاً في الدرجة كما يظن كثير من أصدقائنا المشتركين، فهو مشكل أخلاق وفهم للحياة، أنا أحب الآخرين، مع الاحتفاظ بمسافة وإن كانت متوترة بيننا، أما هو، فأول ما يفعله هو إلغاء هذه المسافة، لا يُوجد - حسب وجهة نظري ـ في الصافية ما يجذب رجل مدينة، شرب مفاهيم جمال عربية منتجة بدقة عبر المدرسة ومناهجها، عبر التلفزيون والراديو والجرائد، عبر الشارع والتربية الدينية وحتى مفهومات أسرية، وفي إمكانه، وبين يديه هذا الموديل، رهن إشارته، فهي خيارات متنوعة، سهلة وجاذبة في تناغم مع ذوق انشئ عليه، وهو أيضاً ليس مريضاً نفسياً، ولا رجلاً شهوانياً، ولو أن علاقته مع النساء متطورة وهو أعرف بهن مني، ولكن دافعه الأكبر نحو الصافية كان دم المغامرة الساخن، الذي يغلي في عروقه فهو رجل لا يتحمل انغلاق اللغز إطلاقاً هذا ما أفهمه عنه، لم أندهش بالقدر الكبير عندما قال لي
. أنا عايز أحسم موضوع الصافية دا-
قلت له
سوف تموت .-
قال بثقة لا معنى لها
-أنا لن أموت مقتولاً، كلمتني قارئة فنجان وكف حلبية قابلتها في بورتسودان، أنا حأموت غرقاً وفي عمر كبير، ربما بين السبعين والثمانين.
كويس، هل قالت ليك حتغرق بكامل أعضاء جسمك وأطرافك عيونك مثلاً؟ -
ضحك وهو يغلق باب الشارع خلفه، ولكني تلمست في ضحكه خوفاً جيداً ومؤثراً، وقالت لي نفسي إنه سوق يلغي المغامرة. وهذا مؤكد: أنا العارف به.
كعادتها في الأيام الأخير أخذت ألم قِشي عندما ينتصف الليل، تغلبها الوحدة، حيث إن أدّي الأم خصصتها لي وحدي أو هي التي خصت نفسها بي، تأتي إليّ في منزل مختار علي، ونمضي معاً إلى بيت أدّي، طلبت مني ألم قِشي ولأول مرة أن أجعلها تحبل مني بطفلة، قالتها واضحة هكذا:
. أنا عايزة كده!! عايزة بِتْ مِنّكْ!! بِتْ سَمَحَة تشبهك كدا-
راقت لي الفكرة، وشحنتني بحماس شبقي رهيب، سيطرت على لساني ومكامن اتخاذ القرار في عقلي وكأنما أنا صاحب الفكرة أو أنني كنت انتظر مبادرة ما منها في هذا الشأن بالذات، وحتى لا يُطلق على ابنتي بنت حرام، في مجتمع متخلف كمجتمع الحِلة هذا، قلت لها
خلاص، حأتزوجك .-
قالت في هدوء:
. طبعاً-
قلت لها:
. أمبارح اتزوج جنقوجوراي اسمه عبدرامان كلتومة بت خميسة-
قالت ضاحكة:
-عبدرامان حمّلها ثلاث مرات، كان ساكن معاهم في البيت، ياكل ويسكر ويصاحب بالدين. حيطة العوضة كلها شخوط. كان مصاحبها،
. أيوا، دا راجلها عديل، وهي بدونه ما بتقدر وهي تحبه زي عيونها
لكن عرسها أمبارح؟-
الجنقو ما بيعرسوا إلا لمّان يفلسوا، ويعرسوا النُسوان العندهم قروش .-
؟ وكلتومة دي عندها قروش-
-عندها قروش ودهب، أمها عندها شياطين وكُجور تجيب ليها أي حاجة عايزاها، عندها سُفلي كمان.
جاء ود أمونة في هالة من العطر في صحبة الفكي الزغراد وأدّي التي تلبس زي الحماسين القومي الأبيض الجميل، تحمل مذبة جميلة، حضر صديقي، مختار علي كان أبي ووكيلي، حضر نفر من الجيران والسكارى العابرين، تم عقد الزواج، باركنا الفكي علي وتمنى لنا ذرية خيّرة تزيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، تبرعت لنا أدّي بسكن معها إلي ما شاء الله، أو أن نبني بيتاً خاصاً أيهما أقرب، تبرع ود أمونة بتجهيز ألم قِشي لي كلما أطلب منه ذلك ولكنه لم يقل مجاناً ولم يقل نقداً، وأقام لي موظفو الشركة والآخرون الذين جاءوا من المدن الأخرى أي الجالية، احتفالاً كبيراً، جاءوا بفنان من القضارف وكان له الفضل في إدخال أغنية:

وصتني وصيتا
قالت لي اترجل
خليك في الواقع
أصلو الفراق واقع
كان ترضى
كان تزعل

التي أخذ الناس فيما بعد يرددونها في حفلاتهم، حفظها ود أمونة عن ظهر قلب، غناها العجوز بـأم كيكي، بعد أن حوّر قليلاً في لحنها لتتماشى مع وترهِ الواحد وسلالمه الموسيقية العجيبة، في الحق هو الذي جعلها متاحة للجميع، ولجميع الأغراض، كأغنية سَيرة، وأغنية دلوكة، كأغنية كََلَش ودُمُك، كأغنية كيتا ونوّبة، كأغنية تُمْ تُمْ لترقيص العروش وقطع الرحط وحينما طلب منه كردفانيون حنوا فجأة لرمال بلدهم، غناها لهم بإيقاع المردوم، وغناها لعزابة من الشمالية يعملون في الطُلمبة بإيقاع الدليب، بالإضافة إلي أنه مكنها من أن تصبح أغنية الحمام المفضلة للجميع، ثم ظهر فستان وقميص وطريقة للبس التوب باسم وصتني وصيتا، بل سُميت بها طريقة لركوب الحمير، الشئ الوحيد الذي صعب على القرويين في الحلة هو ابتكار رقصة معينة محددة الملامح بهذا الاسم، وتم التاريخ لزواجنا بظهور هذه الأغنية في الشرق، وهذا ما اعتبرناه فألاً حسناَ، بالرغم من القصة الحزينة التي شِيِعَ أنها السبب في تأليف الأغنية، والمصير المأساوي الذي آل إليه الشاعر المسكين حيث إنه أصيب بالجنون بعد كتابة القصيدة مباشرة، ولم ينته الأمر هنا؛ بل أن الشاعر هام في فلوات الله الفسيحة وفي قرية على أطراف الخرطوم سقط في بئر مهجورة ومات شر ميتة، وليتها كانت هذه هي النهاية للمأساة ولكن حبيبته المسيحية الجنوبية الجميلة التي رفض والدها أن يزوجها له، عميت من البكاء، وشِيع أن أول قصيدة كتبها هذا الشاعر في حياته وآخر قصيدة هي وصتني وصيتا، ورغم ذلك، اعتبرنا ألم قِشي وأنا أن ارتباط زواجنا بهذه الأغنية فأل خير، لأن بها، في كلماتها جوامع وكنائس أجراس ومعابد وأهمها وجود المنجل، حيث إنه من الأشياء المشكورة في الحلم، هنا في الشرق.

في هذه الأيام تشكو النساء بأن:السُوق بارد. حيث تكسد المريسة وتبور وتضرّ بها سُخونة الجو، فتصبح حامضة وتفسد، يكسد عرقي البلح أيضاً، وقد يتوقفن عن صُنع العسلية إلا بالطلب، لأنها مكلفة وتفسد بسرعة، ويَقُل المال المتداول في الحلة، تنتعش روح المقايضة وتصبح مسؤولية كل ربة منزل هي أن تحافظ على تماسك أسرتها في هذا الفصل، الصيف، ما أمكن، فالمسألة مسألة حياة أو موت، والاعتماد على الرجل في هذا الموسم بالذات، هو ليس سِوى عملية تعجيل الطلاق أو إفساد سكون وهدوء المنزل، وقد يعرضها هي ويعرض أبناءَها للضرب، كنت استمع باهتمام لألم قِشي.
لقد أصبحنا من لحم ودم ونحن الآن مشغولان في إنجاب الطفلة، بنشاط وهمة وعمل دؤوب، وفيما يشبه استراحة المحارب، كنا نحتسي القهوة بالبن الحبشي والزنجبيل، كانت تحكي لي، بلكنتها الحبشية الخفيفة المنعشة التي هي كرائحة البُنِ الحبشيِ التي هي كصباح على شاطئ النهر، التي هي كتنهيدة حبشية تعشق، دعوني هنا امتدح الحبشيات قليلاً، دعوني أصف الهالة السوداء الساحرة حول أعينهن، هي ميزة تخص سكان الهضاب وحدهم،
دعوني أصف كتفها وهو يشبه كتفها وحسب، ربما، صُنِفتُ اليومَ من الرجال العِّنييَنين، وهم صنف من الرجال لا تفك طلاسم حزنه سوى امرأة ولكن أي النساء؟! تحررت من عنتي في ظل لمسات هذه الساحرة، في ظل صبر أناملها المجنونة الشبقة، في ظل ظليل من ذات صبرها، ذات معرفتها، ذات صُوفيتها، ذات جَنونها، ذات حِنكتها، سِكَتِها، ذات حبشيتها
ودعوني أقول: وأنا في هذا الجذب العنيف، دعوني أقدر أن النساء في الكون اثنتان إما حبشيات وإما أخريات، أما الحبشيات فحبشيات، أما الأخريات فشتى: فمنهن العاملات والعاطلات وذوات الجنسيات، اللاجئات، المغتربات، الجنقوجورايات، النحيفات، ذوات الأرداف، العالمات، المعلمات، الطالبات، العاشقات، العشيقات، الطويلات، الجَدات، مناهل، السكرانات، المحاميات، القاضيات، الصحفيات، ذوات الكعب العالي، الناكحات، العطشى، اللائي يضعن نظارات طبية سميكة، الناظرات، الضاحكات، اللائي يمشين كما يمشي الوحي الوجل، الراقصات، العاريات، اللابسات، الزانيات، العفيفات، الشريفات، النظيفات، التقيات، البائسات، الجائعات، الأمهات، الصديقات، الأخوات، البنات، د. م م ت، الشاعرات، الكاتبات، اللات، السَامَاياَتْ..............
كانت ألم قِشي تحكي لي، زوجتي وحبيبتي ألم قِشي، وهذا مقام ضد العِنّة، وتسألني عن خوف الرجال المميت من العِنّةْ؟
قال لي ود أمونة ذات مرة
. أنا حلمت كم مرة أنا امرأة، وكنت فرحان جداً جداً-
ولكنني أنا أحب أن أكون رجلاً، رجلاً يضاجع النساء بقدرة وفعالية ويقذف في أرحامهن ويجعلهن يحبلن ويلدن، ولا أفهم كيف يرغب ود أمونة أن يكون امرأة، لأنه ببساطة، أن تكون امرأة يعني أن تتحمل الرجل وهذا الاسوأ في الأمر، لعمري كيف يمكن تحمل مخلوق بهذه البجاحة والأنانية والعنطظة؟
قالت لي ألم قِشي إنها تزوجت من قبل، من رجل في همدائييت اسمه موسى حربة حربة، له أسرة تعمل في التهريب والتجارة، إلا هو، فكان الجنقوجوراي الوحيد في الأسرة، كانا يسكنان الجِيرَةْ في بيت على شاطئ النهر مباشرة، ولأنه ليست هناك منازل للأثرياء وأخرى للفقراء، فكانا يسكنان كما يسكن الجميع، قطية كبيرة، أمامها راكوبة من القش والعدار، لها سور من أشواك أشجار الكتر وقصب الذرة، كانت تعمل في الصيف مثل كثيرٍ من النساء في صناعة الخمور البلدية، وفي كل ثلاثاء تصنع برميلاً من المريسة. هو لا يفعل شيئاً سوى لعب الكوتشينة تحت الأشجار الظليلة مع العساكر، أو، أحياناً يذهب في رحلة القنيص لصيد الأرانب، الحَلُوٌفْ، القرود والأصلات في غابة زهانة، مرّة مرّة يذهب لسوق الكترة شارياً أو بائعاً، اعترفت لي أنها أنجبت له بنتين، هما الآن مع أسرته في همدائييت، بنتان جميلتان تدرسان بالمدرسة الابتدائية، الكبرى في الصف السابع والصغرى في الصف الخامس، طلّقها في صيف ساخن جاف مغبر قبل ثلاثة أعوام، لا لسبب واضح سوى أنها قالت له:
-أبقى زي الرجال، خلي الكسل واشتغل في الجيش أو التهريب.
فأخذ البنتين إلي أبيه الثري بهمدائييت، عندما عاد، أقام مع امرأة مطلقة في حي السوق، ولكنه انتظم في زيارتها، مرتين في الأسبوع على الأقل عند منتصف الليل، مدعياً أن له حقاً فيها طالما لم تتزوج إلى الآن، ومن حقه أن يعيدها إلى عصمته وقت شاء وأن يضاجعها وقتما أراد، طالما لم يُعطِها قسيمتها بعد، فهو شرعاً زوجها، وأكد لها:
. اليوم الألقى راجل معاك حأكتله وأكتلك-
لم يقف أحد في صفها، كان عليها أن تقبله كما هو، لأنه ليس استثناء، أنها الاستثناء، والنشاز هي نفسها، قالت ألم قِشي في حنان وهي تمد لي يداً بها فنجان قهوة يرسل بخاراً شهياً في الهواء:
-إنت زول مختلف... ما بتشبه رجال البلد دي، عشان كِدا أنا حبيتك. وقلت أنت الأب المناسب لبت أربيها، لأنها حتاخد طبعتك، فهمت ولا ما فهمت.

ليس هناك ما أفعله في الحلة، كانت الأيام تتمطى مثل كلب كسول تحت زير ماء ندي، كلما يجب أن يقوم به رجل قد مضى أوانه، والآن أوان الكسل، مصاحبة النساء، الاستدانة عن طريق رهن الزينة، والبعض يعمل في تنظيف الأرض وصُنع الفحم، عنّت لي فكرة أن أمتلك أرضاً زراعية على تخوم خور مغاريف، وأقوم بخدمتها وتنظيفها بنفسي حتى لا يُقضى عليّ ضجراً، وأنا رجل لم اعتد على أن تقوم النساء برعايتي مقابل المصاحبة أو إشباع السرير، تبقى لي من التأمين الاجتماعي مبلغ يوفر لي أرضاً رخيصة وشاسعة، لم لا أغامر واترك، (التِرقِدْ والتِجِدِعْ) في البيوت.
استشرته في الأمر، ولكنه فضّل أن يقضي هذا الصيف في المدينة وربما سافر إلي أديس أبابا أو القاهرة، حيث إنه يود حضور معرض الكتاب الدولي في شهر فبراير، واقترح عليّ أن آخذ ألم قِشي إلى المدينة لأن الحياة لا تُطاق هنا في هذا الفصل، سألني سؤالاً مباغتاً
-ما سألتني عن الصافية؟
قلت له ضاحكاً
. الناس كلها تعرف تفاصيل التفاصيل-
يَعرفُ أنه قد أصبح من أسطورات هذا المكان، الأسطورات الأكثر إدهاشاً، يكفي أن يذكر اسمه؛ حتى تلهج الألسن بحكايته مع الصافية، التي يحكيها كل من شاء، كيفما شاء، أينما شاء، لمن يشاء.
ولكن أقرب الحكايات إلي الواقع والدقة هي الحكاية التي سوف أحكيها أنا، العارف به، كما أنني اعتمدت في حكايتي، كما ستلاحظون... على كثير من المصادر وقارنت، وثقفت الأقاويل، بل أنني أقمت ما يشبه الندوة في بيت أداليا دانيال، يوم مريستها، بالسبت، وحضرها الفكي علي وهو رجل مشهور بمعرفة المستور وفضح النوايا الحسنة منها والسيئة على السواء، بل يستطيع التنبؤ بتاريخ موت الأشخاص وميلاد أطفالهم حيث إن لديه كتباً مثل:
الجلجلوتية وأصول الفقه.
شمس المعارف الكبرى.
أبو معشر الفلكي الكبير والصغير.
واضح البيان في استخدام الجان. وكتاب الطاسين المشهور. وهو أكره الناس للخرافة وشطط القول، لأنه يستخدم العلم: علم الكتاب.
كان صديقي معنا أيضاً، ولكن أحداً لم يعتمد روايته، حتى أنا نفسي لأنها كانت الأبعد عن الواقع، بل رأى الجميع فيها الكذب بعينه والخرافة بقرونها، وقد أقسم مراراً بأنه يقول الحق، وأنه يحكي ما حدث له بالضبط دون زيادة أو نقصان، إلا أن الناس فيما يُشبه الندوة في بيت أداليا دانيال يوم مريستها بحضور الفكي علي الزغراد، اتفقوا على أن يعتبروا كلامه كلام زُول سكران لا أكثر، وقد احتج علي جملة الفكي علي، ولكنه لم يغادر الندوة، وأخذ يستمع في صبر إلى حكايته الصحيحة مع الصافية، يَقُصها المنتدون، يتحدثون بلسانه، يجرون حوارتٍ يُفْتَرضْ أنها وقعت بينه والصافية، بل أنهم يغرقون في تفاصيل ما حدث بدقة حسدها عليهم كثيراً، بتأكيد وطمأنينة عظيمين، لم يحاول الاعتراض على شئ، لأن لا أحد سوف ينتبه له، كل ما يعتبره حقيقة يعتبره الآخرون تخريفاً، كذباً وتلفيقاً، وإتلافاً متعمداً لوقائع اعتبرها الناس: مِلْكَاً لهم، لا يختلف اثنان في أنه طرف في الحادثة ولكن الحادثة لا تخصه وحده، بل قد لا تخصه إطلاقاً، إلى أن انفض الجميع، حيث ذهب ثلاثتنا إلى منزل مختار علي، صلينا العشاء في جماعة، تعشينا، ناما، ذهبت أنا إلى قُطيتي في بيت أدّي حيث تنتظرني ألم قِشي في صحبة ود أمونة.



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-11-2008, 05:12 PM   #[50]
حليمة
:: كــاتب ::
 
افتراضي بركة من بركة

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد العزيز بركة ساكن مشاهدة المشاركة
(ملحوظة: نشرت الكتابة الأولى من هذه الرواية في سودانيات بعنوان عرس الطين، هذه هي النسخة الأخيرة، حيث
ظلت الرواية في حالة كتابة منذ عام 2004، اكتبوا ملحوظاتكم عليكم الله.
).

ود أمونة سلام عليك
دخلنا حوش إبدعاك أأنا واشواقي ولهفة شوفتك الجميلة قلنا ناخد لينا خشم خشمين معاك لكن غلبها الثبات ورجعتنى عطشانة من كله, بطلع أهدهدها وألوليها إمكن تنوم ,,,,
وبرجع ليكlooool



التوقيع: نحن سودان صلَى سلَم نحن عشاق الرسول
نحن للدنيا بنعلم منطق الزوق والإصول
نحن هلالا ساطع مانا نجيما افول
حليمة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-11-2008, 08:33 AM   #[51]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي الشَيَطَانُ، البَنَكُ...........



الشَيَطَانُ، البَنَكُ...........،
سَجَمِيْ.

أُفْتِتَحَ البَنكُ في وقت حُسِبَ بدقةٍ ليواكب المُوسم الزراعي لهذا العام.. وجاء الموظفون ونزلوا في ضيافة شركة الاتصالات، إلى أن تكتمل اللمسات الأخيرة لميس خاص بهم، تَم بناؤه من المواد الثابتة وشبه الثابتة ليوائم المُناخ وطبيعة المكان، كان يدور حوله صريف من القصب والشُوك كغيره من بيوت السُكان، ولكن القطاطي فيه مَبَنِي الجزء الأسفل منها بالطوب الأحمر والحجر، الجزء الأعلى من القَشْ النال والقنا، كما تبتني القطاطي عادة في الحلة.. أول من تعرف عليه موظفو البنك كانت ألم قِشي.. حيث أنها تعمل في ميس شركة الإتصالات، وعندما سألوا عن شخص يعمل معهم كمراسل.. اقترحت عليهم ود أمونة بدون تردد.. كان الشخص الوحيد الذي بدا لها مفيداً، في هذه المِهنة، ولربما لمعرفتها التي اكتسبتها من معاشرة أولاد المُدن في ميس الشركة، ولمعرفتها لود أمونة، حيث أنه طيع وطائع وسهل التعامل، ويمكن إرساله لأي غرض مهما صغر، كإشعال سيجارة مثلاً، ومهما كَبُرَ كخطبة امرأة.. فلا يشكو أو يتبرم.. دائماً ما يُرى نظيفاً طلق الوجه، لا يسكر إطلاقاً بالنهار مهما كان الندامى، أما عند الليل ليس بعد أن يتأكد أن لا أحد يحتاج إلى خدماته.. شخصٌ مثله نادراً ما يُوجَدْ، حيث السِمة العامة للرجال هنا هي الفظاظة والرعونة والرائحة النتنة: ود أمونة.. ود أمونة.. ما في غيره.. ظريف وسيم مؤدب طيع ومسكين ويترسل.
حدثتهم.. إنه يعمل الآن في بيت الأم بأجر زهيد، وشرحتْ لهم الصفات التي إعتبرها بعضهم نعمة. لم يرفض، شَكَرَهَا، اشترى بنطلون وقميص وصتني وصيتا جديدين، وذهب للعمل.
في الحقيقة الأم هي التي أعطته المال ليبدو بمظهر يليق بمراسلة كان يعمل عندها منذ زمن طويل، ومثل أم رؤوم دعت له بالتوفيق والنجاح في مهنته المقبلة، وطلبت منه أن يبتعد من خِصْلةٍ وحيدة سيئة، رافقته منذ الصغر.
- أوعك من: القُوالة والسُواطة.
وتقصد الأم: نقل الكلام من زول لزول.
أرسلت له أمه أمونة من القضارف عندما عرفت بوظيفته الجديدة، حذاءً جديداً من الجلد الأصلي، دعت له بالخير والبركة وحذرته من خِصَلةٍ وحيدةٍ سيئةٍ فِيه، رافقته منذ أن أخذ يعمل عند الأم.
- أوعك من فَشْ أسرار الناس.
وتقصد أمونة: علاقات الناس العاطفية وعاداتهم التي يريدون أن تبقى سرية.
أهدته أداليا دانيال ساعة سيكو جميلة لها خلفية ذهبية كانت قد اشترتها من أحد الجنقو قبل موسم مضى، وحذرته من خِصْلةً واحدة سيئة فيه اتصف بها منذ أن عرفته.
-أوعك من التعرصة !!
وتقصد أداليا دانيال، عدم المقدرة على مقاومة الرغبة الجامحة نحو جعل كل فتاة جميلة أو غير جميلة أيضاً، تنام مع رجل ما ويكون الفضل له في ذلك وحده، وعندما يتم مثل هذا اللقاء، يشعر ود أمونة برضى في نفسه ولذه لا تشبهها لذة أبداً.
أرسل إليه فكي عليْ طالباً أن يبارك وظيفته الجديدة، أعطاه حِجاباً يقيه من الحسد والغيرة وأولاد الحرام وبنات الحرام، وحذره من خِصْلة واحدة سيئة فيه، عرفها عنه الفكي منذ عامين ونيف.
- أوعك من النسنسة والدسدسة والخسخسة.
ويقصد الفكي عليْ، فِعلة كان هو طرف فيها، والطرف الآخر الشرطة، ولُقِّنَ فيها الفكي درساً لن ينساه.
طلبته بوشي، أهدته شريط أغنيات حبشية، وحذرته من خِصْلةٍ وحيدة فيه، إذا تركها فانه سيمتلك القلوب.. قالته له
-أوعك من الكذب.
وتقْصِد ما شهد به في ندوة بغيضة من قبل أعوام، نُوقِشَتْ فيها حقيقة عذريتها.
أرسلت له العازة هدية من سجنها بالقضارف، وهي عِبارة عن شَالٍ من الصُوف، صنعته بيديها، و أوصته بأن هنالك خصلة واحدة فيه، عليه الحفاظ عليها، وهي: الوفاء.
وتقصد كما هو واضح وجلي، إلتزامه نحوها بدفع ما عليها من دِيّة، حتى يتم إطلاقها من السجن.
وطلبه كثيرون لأجل هدايا ووصايا، إلا أنه اعتذر في أدب جم، في أن الوقت سوف لا يسعفه وعليه الذهاب إلى العمل.
مضى وفي ذهنه وصيةٌ واحدةٌ همستْ بها نفسهُ إليه قائله:
- أوعك تخلي الفرصة تفوتك.. أطلع فوق.. فوق.. فوق.. فوق.
جاء بيت الأم في الصباح الباكر مجموعة من الجنقو ومعهم الصافية، في صحبتهم ثلاث جنقوجورايات أخريات، عشرة في تمام حالهم وكمالهم، قابلتهم في الديوان، وهو حيث يُستقبل الضيوف في بيت الأم، قالوا إنهم يريدون الذهاب إلي البنك طالما كان هذا البنك للفقراء والمساكين من المزارعين كما قيل في خطبة جمعة قبل عام مضى، في الحق لم يحضرها أي أو أية من الحضور، حتى الفكي الزغراد نفسه كانت عنده حَضَرةٌ في ذلك اليوم من جن جاء على عجلٍ من بلاد الفِرِنجة، كما فسر سر غيابه لاحقاً.
أكدوا أنهم يريدون سلفية من المال، تمكنهم من شراء مشروع كبير ينظفونه بأنفسهم ويحرثونه بوابور يشتريه البنك لهم أيضاً، مزوداً بِمِحراث من ماركة جيدة تم تحديدها بدقة فائقة: موديلاً ماركةً صناعةً ولوناً.
إذا صادفت السلفية خريفاً جيداً كريماً معطاءً، سيعيدون أصل الدين في ذات العام.
. وتفضل لينا شُويّة حربَشَات نتقاسمها-
قال أبرهيت وفي فمه ابتسامة كبيرة جعلت شاربه يبدو طويلاً وعريضاً، ثم أضاف
-ونرّجِع للبنك الأرباح السنة البعدها، وبعد داك يكون البابور والدسك والمشروع ملكنا نحنا برانا، ولا كيف يا أخوانا؟
قلت له:
. كلامك في مكانه، ولكن زي ما عارفين، الموضوع دا يحتاج لدراسة جدوى-.
سأل جنقوجوراي صغير الحجم. أنيق، يحمل قلماً ونوتة في جيب قميصه التترون، كان يجلس ما بين أبرهيت وإحدى الجنقوجورايات
شنو دراسة الجدوى دي؟ -
ثم تساءلت الصافية
يمكن نشتريها من سُوق القضارف، مهما كلّف؟-
طلبت منهم أن يمهلوني أياماً قلائل وبإمكاني إعدادها لهم
. - تلاتة أيام بس
كنت أرى أحلامهم بالنجاح والثراء بأم عيني تتطاير حولنا، تملأ المكان إنشاداً، بهجة، ووداداً قبل أن يذهبوا،انتحي بي أبرهيت جانباً و اعتذر لما بدر منه من رعونة، في موضوع صديقي، و أنه ظنه مرسل من قبل الأمن، حدثني عن بعض المصاعب التي مازال يُعاني منها من جهات كثيرة، أمنية و دينية متطرفة، نسبة لدورة المزعوم في ترحيل الفلاشا لإسرائيل، وقَدّم ليّ نِيَابة عن المجموعة، هدية مرتجلة وهي زجاجة كونياك، قالوا لي فيما أنها مفيدة لرجل تزوج حديثاً من حبشية جميلة كانت تعمل في بيت أدّي، احتفلنا أنا و ألم قشي، احتفالاً صباحياً بالهدية، تناقشنا في فكرة الجنقو الخطيرة، سألتني ألم قِشي سؤالاً مباغتاً
-بتظن البنك حيديهم القرضْ؟
قلت لها:
-ما عارف، ولكن نكتب ليهم دراسة الجدوى، بعد داك الله كريم.. يمكن.. ويمكن، مافي شئ عند الله بعيد.أما بيني وبين نفسي، فكنت أعرف النتيجة مسبقاً، واستطعت أن أتخيل تماماً منظر الجنقو وهم يُطْرَدُون من البنك شَر طردة، وأنا معهم أعتذر أو أتوعد، الأمر سيّان، ولكن عندما ردت ألم قِشي معلنة:
. الناس ديل وراهم الفكي علي الزغراد نفسه-
وفكي علي كما هو معلوم لا يعمل بالقرآن وحده، ولا بالكجور وحدها ولا بالشجر أو السحر الأسود، ولكنه يعمل بالكتب والقرآن، السحر، التنجيم وعلم الحرف، ولديه خُدام،وبإمكانه أن بفعل ما ينوي فعله، قالت:
. فكي علي يَدهُ لاحقة... فكي علي يرَوّب المُوية عديل كدا-
أنا أحد أصدقاء فكي علي، تعجبني حياته البسيطة، ثقته العالية في نفسه وعلمه وفعل يده، رائحة أثوابه وجسده الخليط من الصمغ والوبر وشئ من الجلد المدبوغ، تعطيه مسحة غموض وتؤكد فيما تؤكد تفرده في كل شئ حتى شميم الثوب، لديه فهم للدين، ليس متقدماً أو متخلفاً، ولكنه غريب، وخاصة في مسألة شُرب الخمر والتكليف، حيث يرى أن الناس عند الله ليسو مسلمين وغير مسلمين، ولكن نساءً ورجالاً وأطفالاً، فالأطفال والنساء غير مكلفين بالعبادة لأن لا مكان لهم في موضوع الثواب بالجنة، فالجنة للرجال وحدهم بالتالي عليهم دفع تكلفة ما سيجدونه في الجنة هنا في الدنيا، ويقول في الخمر إنها محرمة على السُفهاء والصعاليك فقط لأنهم يتخذونها لهواً، أما الخيرة والصفوة والمتأدبين من الناس بمن فيهم الحكام والفقهاء و القضاء، فإنها خير جليس لهم. وقال:
-أفكاري دي كلها كلمني بيها ابليس ذاته، ابليس دا كان واحد من الملائكة وأكثرهم
علماً وقرباً من الله، الناس ما تستهين بيهُ.
الكونياك الحبشي ألذ طعماً وليست له آثار اليوم التالي للشُرب من صُداع نصفي مؤلم، حرقان في الحلق أو غثيان، كل ما يفعله بك أنه يجعلك تتبول كثيراً وتتشهى ممارسة الجنس، إذا كنت امرأة أو رجلاً سواء، الأحباش يستوردونه، و يصنعونه أيضاً، أما الإريتريون فإنهم يصنعونه بإمكانيات محلية لا بأس بها في الغالب، أنا أفضل الحبشي.احتفينا عند منتصف النهار، وعند المساء في الحلم جاء إلينا الجنقو، على ظهور حُمر الوحش، تتبعهم أشجار السِمْسِمْ وعيدان قصب الذرة وعلى رؤوسهم تبيض السمبريات والعشُوشَايَاتْ، أخذوا دراسة الجدوى وتركوا لي حميرهم الوحشية، في معية خريف مطير طيني، و شمس حارقة كالنار.
أرجو ملاحظة أنني تجنبت تماماً كل التفاصيل التي ذكرها (هو) لي شخصياً عما وقع بينه والصافية؛ ما عدا تلك التي وافقت ما تحدث به الآخرون، ولكن اعتمادي الأكبر كان على المعلومات التي تدفقت في بيت أداليا دانيال يوم مريستها في سبت مضى عندما أقمت ما يشبه سمناراً أكاديمياً حول ما اُصطُلح على تسميته في تلك النواحي بـحكاية الصافية، وسيُلاحَظ تأثري بالوقائع التي اعتبرها الفكي علي حقائق ثابتة: أولها وأهمها أن الصافية تمتلك عضوين تناسليين، واحد يخص الرجال والآخر يخص النساء، والذي يخص الرجال مكتمل وكبير الحجم ويختفي تحت شعر عانة كثيف وشائك، أما الحقيقة الثانية التي لا يتسامح في شأنها فكي علي هي؛ أن الصافية فعلت بالرجلين فعل الذكر بالأنثى، وأن ذلك مؤكد ولديه دليلان سوف لا يُذكران هنا.
هنالك أيضاً حقيقة يشك الفكي علي قليلاً في صحتها، ولكنه لا ينفيها، ورغم ذلك أنه حلف بجده لأبيه سليمان الزغرات السناري أن يزهق روحه في الحين والآن، أن للصافية بنتاً وولداً من امرأة بازواية تسكن الآن في مشروع دوم، واسمها نِعْمَة مَشَاكِل، وهو يعرفها ويعرف أمها وأباها، وقد رأى البنت والولد بعينيه الكائنتين الآن في رأسه ووجهه، أما فيما يخص تحول الصافية إلى مرفعين إو أسد أو ما شابه ذلك من حيوان فهو جائز، والمسألة عنده تتمحور حول اللبن والمؤكد عنده أن تَيَراب البِنَيّة، يُورث عن طريق لبن الأم المُرضع ثم قاس على ذلك.
إذا نظرنا بدقة إلي حقائق وجوائز وتشككات الفكي علي، ثم قرأناها في إطارها الصحيح، والمقصود بالإطار الصحيح هو قوالات وإفادات ومداخلات وما دار همساً فيما يشبه الندوة في يوم مريسة أداليا دانيال ببيتها، وما تطابق من شهادتي الرجلين اللذين خاضا تجربة واقعية وفعلية مع الصافية مع قوالات وحكايات وحقائق وجوائز وتشككات الناس والفكي علي، وحذفنا من حكايتيهما كل ما شذ عن ذلك مع الإهمال التام والمتعمد لمحكيات الصافية عن نفسها، لأنها سوف لا تقول إلا الجانب المشرف من الحكاية، أي الجانب الذي يجعلها تبدو كضحية لقوى خارقة خارجة عن إرادتها وضحية لبني الإنسان أيضاً. وأنها، كما يُقال اعتمدت على بعض القوالات الدائرة في الحِلة واعتبرتها حقيقة، مما شوش تفكيرها وخلط عليها الواقع بالمتخيل بالحكايات التي صاغها الأهالي سهواً، وأنها.. كما قال الفكي علي الزغراد واصفاً حالها: تشابه عليها البقر.
قبل أن أحكي،حكاية الصافية؛ بالصورة النهائية التي اعتبرها الحقيقة الكاملة فاجأتني أداليا دانيال باعتراف خطير حدث قبل أكثر من ثلاث سنوات، يومها كان الناس في عز الخريف والعمال مشغولون بـكَديب العيش،سوف أحكيه ببعض التصرف عن أداليا: جاء التاجر فلان الفلاني، صاحب أحد المشاريع الكبيرة تخوم زهانة، ولم يكن اليوم يوم مريستي، يوم أحد، طلبت مني الصافية أن أحضر لهما عرقي وعسلية من الحِلة، مشيت لبيت أدّي، وأحضرت لهما كل شئ، وكانا قد أحضرا لحمة من السوق، إلا أنني عتذرت لعدم تمكني من طبخها، لأنني ذاهبة إلي الكنيسة وقد سبقني زوجي وولدي وابنتي إلي هناك، تركتهما يشربان ويطبخان في الراكوبة الكبيرة قُرب اللالوبة، بعد أداء الصلاة في الكنيسة، عدتُ تاركة زوجي بالكنيسة حيث إنه يعمل على خدمة بيت ربُنا إلي ما بعد المغرب أما ابنتي والولد الذي يصغرها بسنتين، هي في الرابع عشر تركتهما والشباب الذين في عمرهما فإنهم غالباً ما يبتكرون برامجاً شيقةً تبقيهم مع بعضهم البعض إلي أن تغيب الشمس، كان بين بيتنا وبين الجيران باباً صغيراً غالباً ما نتركه مفتوحاً ولأن بيت الجيران هو الأقرب للكنيسة، دخلتُ عَبْره، ثم إلى الراكوبة مباشرة حيث وجدت الصافية تعلو جسد الجلابي الأسمر المستكين تحتها المستسلم تماماً، المستلذ، المنكفي على وجهه، صرخت أداليا في دهشة:
-سَجَميْ.
حينها فقط تنبها، وانتزعت الصافية الشئ خاصتها من لحم الجلابي وبدى عليهما خليط من القلق، الحزن، العرم، والخوف الشديد وأخذا في الاعتذار وطلب السُترة.
وعلى الرغم من أن أداليا، حسب إفادتها رفضت المنحة المالية الكبيرة التي دفعها لها الجلابي، إلا أنه أصر وأقسم وحلف بالطلاق وترك لها المال.
قالت أداليا:
- مشوا بيت الأم، الوقت داك ما كانت الصافية عندها بيت محدد، وأنا من اليوم داك عرفت إنو الصافية دا راجل ومرا في نفس الوقت، وعملت حسابي منها.
ولم تخبر أداليا أحداً بهذه القصة غير الفكي علي الزغراد وهو بكل سرية وتحفظ حدّث بها الجميع، أكدت لي أداليا أن شيئها لم يكن طويلاً ولكنه قصير وسمين وأسود ومحشور وسط الصوف، أما الفكي علي فقد وصفه مستخدماً كلمة واحدة فقط
- كبير؟
بالرغم من أنني لا أميل إلي نشر ادعاء صديقي الذي تبجح أمامي ومختار على بالقول إنه أجبر الصافية على حلق شعرها أنه وجدها امرأة كاملة بل وعذراء، وأنه أول رجل في حياتها، إلا أن ذكر تلك الحكاية يفتح أمام الجميع نافذة للفهم والولوج إلى عين الحقيقة، وذلك إذا أضفنا جملته القاطعة:
.أنا نجمتها، مُشْ هي النَجَّمتنِي-
ربما أربك مشروع الصافية هذه مشروع دراسة الجدوى، لأن همّ الناس الآن وقضية ساعتهم هي إدراك حقيقة الصافية والبنك ملحوق، فما زلنا في شهر يناير، ولكن هناك دائماً من يشذ عن القاعدة وعلى رأس هؤلاء الصافية ذاتها، جاءت في وفد من ثلاثة رجال تسأل عن دراسة الجدوى، قلت لهم
. معليش أنا آسف، ما قدرت أكملها، كنت مشغول شوية-
قالت الصافية في جرأة
- في موضوع صاحبك؟
قلت مراوغاً
. في هموم كتيرة، ولكن بكرة الصباح بكون خلصتها-
قالت بصورة حادة وجادة أخافتني وهي تحمّلِقْ في أم عيني بمقلتين حمراوين شرستين.
-أحسن تشوف المواضيع الفيها فايدة، وتسيب القُوالات والصُواطات للشراميط واللوايطة والمعرصين.
وقالت الكلمة الأخيرة بطريقة تعني تماماً أنني من هذه الفئات الثلاث والأخيرة بالأخص.

أبرهيت، الصافية، مختار علي، لام دينق زوج أداليا دانيال، الفكي علي ود الزغراد وأنا، حملنا دراسة الجدوى مكتوبة على ورق فلسكاب نظيف، استبدلناه أكثر من ثلاث مرات حتى يليق بمكانة البنك الراقية، ومضينا.
كان البنك مبنى فخماً متعالياً ومنتفخاً مثل فيل مغرور، على كل كلنا كنا نراه جميلاً وغريباً مطلي بالدهان الأخضر الداكن وهو المبنى الوحيد في تلك النواحي مبنى من طابقين كاملين، واخذ الناس يتجادلون في كيفية الصعود للمدير وماهية السلالم أو المصاعد وكيف أنهم سوف يستخدمونها، وحسم التكهنات ود أمونة الذي عمل مراسلة منذ أيام بالبنك وانتهز فرصة أنه خالِ من مرسال ما لدقائق وأخذ يثرثر مع الجنقو خارج البنك، عن البلاط المزايكو والسلالم الإفرنجية ومعطر الهواء والمكيفات التي تعمل بالكهرباء والماء، وحذرهم بأنهم قد ينزلقون فتنكسر أيديهم أو أرجلهم ولا يُسْتَبَعَدْ أن يفقدوا أعناقهم أيضاً، كانوا يبتسمون في حذر ثم دخل إلى البنك، ثم خرج ليطلب منا دخول الاستقبال، كان كل شئ نظيفاً ولامعاً وطيباً في الداخل، ما عدا الجنقو والذين حاولوا المستطاع أن يأتوا في أبهى ما يمكن، هم الآن الأكثر اتساخاً في المكان الذي عمل على نظافته منذ الساعات الأولى من صباح اليوم ود أمونة ومعه امرأتان غريبتان أتى بهما البنك خصيصاً للنظافة من مدينة الخرطوم، ولأن غريزة موظف البنك تعمل بنشاط عندما يحوم خطر على المال، انتهرنا الكاشير:
هي...... في شنو.... ديل عايزين شنو يا ود أمونة؟! أنا مُش قلت ليك ما تدخل الناس سَاي؟-
قلت له وقد تقدمت نحوه قليلا:ً
. نحن عايزين نقابل مدير البنك-
قال بذات اللهجة الجافة:
عايزين مِنّو شنو؟-
قلت له:
. عندنا موضوع معه-
قال في بجاحة:
عندكم مواعيد ولا لا؟-
قلت:
. لا-
قال:
هل ممكن نعرف الموضوع دا شنو؟-
قلت له بصورة قاطعة:
. لأ.. ما عدا مدير البنك-
قال بخبث:
-المدير عنده اجتماع، انتظروه بره في البرندة أو تحت الشجرة لمّا ينتهي من الاجتماع، ود أمونة حيجي يناديكم. ونظر إلينا محملقاً في وجوهنا منتظراً رد فعل ما، وعندما خرجنا، أحسست به ينتفس الصعداء، ونحن لمّا نمض بعيداً عن الباب سمعنا صوته ينتهر ود أمونة في قسوة، ولكن لم يدم انتظارنا طويلاً في البرندة حتى جاء ود أمونة مرة أخرى، سألنا قائلاً
. موضوعكم لو مكتوب في ورقة؛ المدير قال حيقرأه ويرد عليكم-
قال له الفكي علي:
-إذا عايز يقابلنا، أهلاً وسهلاً، وإذا ما عايز يقابلنا برضو أهلاً وسهلاً.. نحن عايزين نأكله؟! نحن عايزنه في شغل، أمشي قول ليهو الكلام دا يا ود أمونة.
لوى ود أمونة شفتيه في حركة تعني أيضاً أمركم، بالإضافة إلى وأنا مالي، ولكنا فهمنا منها: أنتم ما قدر المكان دا.
وقرأ الفكي ود الزغراد جهراً تعاويذ وأدعية وطواطم بالإضافة إلى سورة قرآنية قصيرة ولم تقف شفتاه ولسانه من التمتمة إلي أن جاء ود أمونة وفي فمه ابتسامة كبيرة جعلت خديه الأملسين يلمعان، وقال:
. اتفضلوا، سيادة المدير عايزكم-
ومضى قدامنا يحرك ردفيه ويديه بصورة بناتية غنجة، ولأننا جميعاً اعتدنا على ذلك لم يثر انتباه أي منا، عندما دخلنا وجدنا شرطيين لم نرهما في المرة السابقة ولا ندري كيف دخلا، وهما معروفان بالنسبة لنا جميعاً، نعرف اسميهما واسمي ابويهما وأميهما واخواتهما وجميع أقربائهما، باختصار الشرطيان من الحِلة، تبادلنا التحايا باقتضاب، وبينما هما مندهشان قليلا،ً صعدنا نحو الأعلى إلي مكتب فسيح تفوح منه رائحة النقود، يتقدمنا ود أمونة مزهواً وهو يدندن بأغنية بنات شائعة.
رحب بنا مدير البنك مدعياً السعادة برؤيتنا معتبراً قدومنا إليه طبيعياً، ولكنا كنا نقرأ ما خلف ذلك بوضوح، كان يريد أن يعرف بسرعة ماذا نريد
. اتفضلوا، مرحباً-
قدمت إليه المجموعة فرداً فرداً، بتمهل، وقفت بعض الشئ عند الفكي علي، مشهود للفكي علي عمايل خير كثيرة، وألمحت إليه تلميحاً أن الفكي علي ود الزغراد بإمكانه أن يضرّ ضرراً بالغاً لمن شاء وقتما شاء وكيفما شاء، تحدثت عن دور البنك كما يفهمه عامة الناس هنا في الحِلة، ثم شرحت له الهدف من الزيارة وأشرت إلى دراسة الجدوى التي أعددتها. ابتسم وهو يسرق النظرات إلى الصافية وهي في ثوبها الجديد ماركة وصتني وصيتا ربما كانت رئتاه تمتلئان الآن بعطرها الرخيص ماركة بت السودان.
قال وهو يحاول ان يكون حاضرا و مركزا
-أدوني دراسة الجدوى، أقراها، وأعرضها على مُدير الاستثمار بعد داك أديكم الرأي، وأنا سعيد بزيارتكم للبنك وأتمنى أنكم تبقوا عملاء لنا دايمين، قالها بطريقة تعني بوضوح والآن اتفضلوا بره.
قالت له الصافية التي يبدو أنها لم تفهم شيئاً مما قال أو أنها الوحيدة التي فهمت
- يعني حتدونا سَلفية تراكتور ودسك ولا لأ؟
قال مبتسماً
. الموضوع يحتاج لدراسة وتحليل مخاطر-
تطوع الفكي الزغراد بشرح ما يرمي إليه مدير البنك للصافية، قائلاً
. يقصد نمشي ونجيهم مرة تانية عشان يدونا رأيهم-
أضاف أبرهيت بعد أن أعلن عن نفسه بتنظيف حنجرته مرتين متتاليتين
. من الأحسن نمشي، الفي القسمة نلقاها-
لم يقُل المدير شيئاً، فقط ابتسم وهو يتسلم مني دراسة الجدوى يقلبها قليلاً بصورة آلية ثم يضعها على صينية الأوراق. ونحن نخرج، همس الفكي علي في أذني
. أنا لو عرفت اسم أمه، حأعمل فيهو عمايل-
ثم أضاف بصوت أكثر وضوحاً
- ود الحايل، يتنهد زي الزول الما كويس.. مرة يقول أعملوا دراسة جدوى، لمّان نعملها يقول أمشوا وتعالوا.
كل مهارات الناس في اصطياد الإشاعات وصنع الأخبار وتقصي الحقائق فشلت في الحصول على معلومات عن مدير البنك، حتى ود أمونة لم يستطع معرفة اسم أمه أو برجه، لولا فكرة أبرهيت ليئسوا
. ألم قِشي-
. أيوا... ألم قِشي-
الموظفون الأغراب يتقوقعون في كبسولة واحدة، يتحصنون بأسلوب وطرائق وأفكار وسبل معيشة رتيبة ومكرورة ولكنها تصبح جيباً مجتمعياً معزولاً عن المواطنين والأهالي، فهذا حصن لا بأس بها ضد الإشاعات والقوالات، ولكنه أيضاً سيظل هشاً في مقابل حكمة ومكر وجمال ورقة وإنسانية وألعاب أية فتاة تثق في نفسها، المغربون أضعف البشر، دائماً ما يتملكهم حنين إلي البيت والأسرة والمرأة أو البنت عندهم في رمز لاستمرار الحياة ودفء المكان، القرويات بالحلة لا يعرفن ذلك، ولكنهن يتصرفن وفقاً لذات الرؤية، فإنهن حين يهبن وحين يعطين ويمنحن ويأخذن ويدعين ويتواضعن، يفعلن ذلك بشرف وكرامة وقدر من ادعاء الخصوصية لا يُستهان به، انهن يقدمن أنموذج الأخت والصديقة والزوجة والحبيبة، وليست الداعرة السوقية المستهلكة أو الانتهازية، إنهن بنات بيوت ومشروعات صغيرة وحالمة لربات بيوت، يجدن فن الحب والعلاقات، أميتهن هي ثروتهن الكبرى، والتي لا تقيم بثمن، ذات الأمية هي مشعل وعيهن الاجتماعي الكبير. ألم قِشي، تعرف هؤلاء البُنيات
حسناً، تمطى الفكي علي، أصبحت الكرة الآن في ملعبه هو بالذات.
اسمه بلال حسن التركي، -
امه نفيسة بت عبد الله.
أولاً جَمّعْ الأرقام المقابلة لكل حرف من حروف الابن والأم، الأسماء الأولى فقط، حدد برج المدير، وباستحضاره للصفات الجسمانية من لون وطول ونوع الشعر، استطاع أن يتتبع نقاط ضعفه بين أبواب وأسطر كتاب شمس المعارف الكبرى، ثم زاوج ما بين علم الحرف والفلك والشجر وما يُعرف بالسحر الأسود، ثم غمس قصبته في الدواية وكتب
لم يبدأ ببسم الله الرحن الرحيم، ولكنه بدأ كهذا:
(براءة من الله ورسوله) كتبها سبع وسبعين مرة، لفها حول عرق يُسمى عرق الهدهد ثم، أدخلها في قطاع من ساق الخروع المنظف جيداً، وجاوز الجميع بظفر طائر السِمبِر الذكر، ثم طلب أن يأخذه رجل نَجِسٌ يقوم بحرقه ويذر رماده في الهواء، يوم الجمعة قبل أذان الصُبح، ومن ثم يقوم الرجل النجس برسم خاتم سليمان مرة واحدة على الأرض.
عندما مرّ أسبوعان على موعد الطمث الشهري لألم قِشي، تأكد لها بما لا يدع مجالاً للشك أنها حَبِلتْ، سررنا لذلك وأخذنا نعد العدة لاستقبال الطفل، ولم يكن همي أنا بالذات نوعه ذكراً أو أنثى، ولكني أريد مخلوقاً صغيراً جميلاً يبقى معنا في البيت ويؤصل لعلاقتي وألم قِشي، ولكن هذا لم يمنع من أن نختار اسماً مسبقاً، فقد اتفقنا على أنه محمد، إذا كان ولداً وأنها القنيش إذا كانت بنتاً، ولم نتفق على اسمي التوأم بعد، لأنها كانت تود أن تطلق عليهما اسمين أكسوميين معقدين، وكنت أريد أن أطلق عليهما اسمين عربيين، اختلفنا فأحلنا النقاش في اسمي التوأم إلى حينه، على كلٍ ألم قِشي تفضل المولد بنتاً وهي ذات الرغبة التي تزوجنا من أجلها، وهي ذاتها التي تجعل لتواصلنا الجسدي معنى ومتعة كبيرة، وكنت لا استطيع مقاومة قولها.
. عليك الله حَملني،عايزة أحمل-
هذه الجملة تشحنني بدفق من الحب والجِدية، وتجعلني ضحية بليدة لسلطة البقاء، فأحبها أكثر.... لقد اكتشفت أن الجنس عندي مرتبط بالإنجاب، لا شئ آخر، المتعة تجيئ مصحوبة بالفكرة، دائماً ما يكون في مخيلتي طفل وأنا على صدر ألم قِشي، كان صديقي يعتبر الجنس واجباً إنسانياً، وهو ضروري لكي يكون هناك إنسان كامل، وهو في حالة الصافية مسألة نفسية بحتة بل مسألة إثبات في المقام الأول.
كنت أقول له دائماً
. إذا لم تكن هناك فكرة خلق، تصبح المسألة نوعاً من اللذة الميكانيكية-
يقول ساخرا:ً
إذن أنت من أنصار قصة حب وراء كل ممارسة جنس؟ -
، ما فائدة الحب بلا أطفال في الخاطر. طفل.... طفل أيضاً-
قال ضاحكاً محاكياً لغة الأفلام المصرية:
. دا إنت رومانسي أوي-
نشأت بيني وألم قِشي علاقة حب قوية، عرفت ذلك من القوالات والاشاعات وما يشبه الندوات في بيوت الفداديات، وأظن أن ألم قِشي هي الأخرى تلمست ذلك، ولقد قيل لي علانية في بيت خدوم يوم الاثنين الماضي.
. الزولة دي بتحبك، وإنت عارف حُب الحَبش، تموت وتحيا معاك، مبروك ليك-
ولقد قالوا لها هي أيضا، وحدثتني قائلة
قالوا لي إنت سويتي للراجل دا شنو؟ -
بذلك أكون قد وقعت في الحُبْ لأول مرة في حياتي إذا صدق الناس فيما يقولون، أما إذا لم يصدقوا، فتظل العلاقة بيني وبينها تحتاج لتعريف، ولو أنها تمتلك آلية استمرارها، لا يهم المسمى أو التعريف، طالما كانت الطفلة أو الطفل يلوح بأنامله من داخل جسدينا ورغبتنا ولمساتنا من عمق قلبينا، في ذاتنا يقهقه. لقد تنبأ لنا الفكي علي بحياة زوجية طويلة وأطفال كُثر، والفكي علي رجل صالح، من أحفاد رجل من رجال الله اسمه سليمان الزغرات، ظهر لأول مرة ولآخر مرة في كتاب الطبقات لود ضيف الله.أما الفكي علي الزغراد فيعتبر الزغرات الذي ذكر في كتاب ود ضيف الله زغرات مشوه، لأن جده سليمان الطوالي ما كان يعمل بَابَكُولاً للمَرَاسَةِ، ولكنه كان أحد تلامذة الشيخ محمد الهميم جاء إليه من دار قِمر بأقصى غرب السودان، وكان جده فكي قاطع، باستطاعته أن يَرَوِّب الماء، أما إذا زغرت، فما من مُغلق إلا انفتح، ولا مشبوك إلا انحل ولا غائب إلا عاد، ولا بعيد إلا قرب، ولا عصية إلا طاعت، ولا كربة إلا فُرجت.
في هذه البلاد يؤمن الناس بالله ورسله، بملائكته وشياطينه، جنباً إلى جنب مع الفكي الزغراد، لذا كانت تنبؤاته حقائق مستقبلية وكشوفات ربانية، وربما هذا ما أعطى لحياتنا قدراً كبيراً من الاستقرار، خاصة من جانب ألم قِشي لأن إيمانها بالفكي الزغراد غير مشروط. أما أنا، فكنت أفكر في الفكي علي الزغراد كشخص يمتلك مهارات لا تخفى في الإقناع، يعمل في منطقة مكشوفة من وعي مجتمع الحِلة، وله القدرة على التأثير في الآخرين وارجع ذلك لإمكانات دنيوية مادية بحتة، وهنا تكمن عظمة هذا الرجل النظيف النحيف الذكي الذي تفوح منه دائماً رائحة الصمغ العربي، وهو يفهم رأيي فيه ويحترمه وإن كان يرى في نفسه أنه يمتلك قوة روحية، وأن له خدماً من الجن ويحتفي بعلمه ومعرفته بأسرار النبات وعلم الحرف والكف والوجه وفتح الكتاب، ويقول إنه فوق ذلك كله أو لذلك كله أنه من بيت النُبوة وأنه من الأشراف.
سألته ذات مرة
من هم الأشراف؟ -
قال لي
. هم القرشيون عشيرة النبي-
قلت له
ولكن القبائل العربية الهاجرت للسودان كانت من جُهينة؟ -
قال مبتسماً
وعلي رضي الله عنهما. نحن أولاد الحسن و الحُسين أولاد فاطمة-
قلت له
. نعم... نعم-
وكان يدور في رأسي استشهاد الشابين أحدهما بيد يزيد ابن معاوية والآخر بيد معاوية ابن أبي سفيان نفسه، في أزمنة غابرة بالجزيرة العربية والشام، أم أن البقر تشابه عليّ؟



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-11-2008, 08:45 AM   #[52]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي سِلاحُ الفُقَراءْ: ثورة الجنقوجورا.





سِلاحُ الفُقَراءْ: ثورة الجنقوجورا.



نَحْنُ الآن في شهر مايو، نِهاية مايو، أقمتُ منذ أكثر من شهر في التَاية، استعداداً للموسم الزراعي الجديد، حيث إنني اشتريت أرضاً جديدة مقدارها عشرة أفدنة و تحتاج إلى تنظيف، تكثر بها أشجار الكتر، وقليل من أشجار اللعوت، وبعض الطلحات، كان معي عاملان، يساعدانني في أُم بَحَتي، حيثُ إنه ليست لي خبرة في شأن الأرض، أحدهما مختار علي نفسه والآخر هو إبراهيم عثمان الذي يُلقب بالشايقي، ولكنه في الأصل جعلي وقام والداه بتشليخه شلوخ الشايقية عملاً بنصيحة بعض الأقارب، حتى يتجنب الموت، لأن كل أخوته الذين سبقوه كانوا يموتون وهم في عمر دون الخامسة، وقد نجحت الحيلة وعاش، وهو الآن على مشارف الخمسين، الأثنان جنقوجورايان نشيطان، عركا الأرض طويلاً، يفهمان في النظافة، الزراعة في الكديب والحصاد، إضافة إلى خبرتهما في الحيل المحلية على مقاومة الآفات بأنواعها، ولا يفوتهما في ذلك سوى الدَنَبَاريْ، كلاهما بدون أسرة.
كان مختار علي هو الأكبر سناً، حيث إنه في أواخر خمسينياته أما الشايقي فعمره فوق الأربعين بقليل، وهو شاب قوي البنية طويل، له بشرة حمراء وشارب كث، كلا الرجلين أمي لا يفك الحرف، عملنا في الأرض منذ مارس، وكنا نقيم بصورة شبه دائمة في قُطية وراكوبة، القُطية نخزن فيها طعامنا ومتاعنا ونأوي إليها إذا برد الجَو، الراكوبة للمقيل والونسة، أما مطبخنا فهو الفضاء الرحب، حيث نستخدم بعض الحجارة كموقد، وكل مكان لا يراك فيه الآخرون هو مرحاض.
كنا نحصل على الماء عن طريق الحمير من نهر سيتيت، عبر مُشْرع زهانة، لأنها الأقرب، ونحتفظ بها في براميل كبيرة من الحديد، وظل مشوارالماء هو ما يربطنا أسبوعياً بالقرية، حيث إن الطعام متوفر لدينا،:الكجيك، والشرموط، أم تكشو، الكمبو، الفرندو الويكة، والملح والشطة ولدينا كمية من دقيق الفيتاريتا، يكفي لشهور كثيرة، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تجود به الغابة من لحوم طازجة شهية في شكل فئران، أرانب، طيور، أبوالقدح، الحَلُوٌفْ، حلاليف، أصلات، وغيرها، نجد أنفسنا في جنة صغيرة، بها كل ما يشتهي الجنقوجوراي. على كلٍ مسألة الطعام عند الجنقوجوراي سهلة، بسيطة لأن الجنقوجوراي يأكل كل ما في الأرض ما عدا البشر والمعدن والحجر، وكل ما طار، من جراد وطير وسمان، وكل ما اتخذ الماء بيتاً. ومنذ أن قررت أن أكون واحداً من هذا المكان؛ قررت أن أحيا كشخص حقيقي ينتمي إلى كل شئ فيه فكراً وممارسة، ولو أنني اتخذت أقرب الطُرق التي تربطني بالمكان والناس وهي المرأة، ولكن هناك مرارات اجتماعية عليّ ان أتعود عليها، وأهمها نظام العمل الشاق، استعنت أيضاً بالضمان الاجتماعي الذي تحصلت عليه في الشهر السابق، دفعت منه ثمن الأرض، وتركت ما تبقى من مال لألم قِشي لتدبر به حالها، بعد أن قللت من عملها بميس شركة الاتصالات، حيث إنها استخدمت امرأة أخرى معها للمساعدة على أن تقاسمها المرتب الشهري: في الحق كنا نحافظ على طفلنا لا أكثر.
الشايقي ومختار علي لا يكلفان كثيراً، بالإضافة إلي الطعام اليومي الذي نشترك فيه جميعاً، يحتاجان للسجائر والتُمباك والمريسة، والأخيرة يصنعها الشايقي بنفسه من بقية اللقمة والكسرة مضافاً إليها بعض الدقيق من مخزون الميس، وهي نوع من المريسة الخفيفة والتي تسمى بَقَنية، وهي أقرب لـلعسلية، وهما لا يتناولانها في الحِلة، حيث تسمى بمريسة الفقرا، أنا لا أفضلها كثيراً، يعرفني الناي بحبي لعرقي البلح والمستورد، وذلك عندما يكون لديّ فائض مال، أما عندما أكون مفلساً فأنا من التائبين عن الخمر ولا أشربها بالدين مطلقاً،
تخلصنا من الأشجار الكبيرة جميعاً، وقمنا بصنع عشرين من كمائن الفحم الضخمة، كان عملاً متعباً ولكنه لا يخلو من متعة هي لذة الإنجاز، الإحساس بخلق قيمة من العدم، كنت قد صممت مسبقاً على أن نتقاسم مردود الفحم المالي بالتساوي بيني ومختار علي والشايقي، مما سرّع من العمل وجوّده، فبعنا ثلاث شحنات من الفحم إلي سماسرة الفحم بالقضارف وخشم القربة والشواك، بعناه تسليم مشروع، أرخص سعراً ولكنه يجنبنا إشكاليات الشحن والترحيل والجبايات الكثيرة والرشاوي والرسوم الطارئة التي يبتكرها الشرطيون بمجرد أن يروا عربة الفحم.
بدأت وفادة الجنقو للحلة تتكثف، حين أخذ هطول المطر في الحبشة يتزايد، وبدأ موسم الزراعة في الشرق عامة، ونتيجة للنقص في المال والرغبة في الزراعة واللحاق بالموسم ظهرت حكاية البنك مرة أخري في السطح، ويعرف الجنقو جميعهم أن البنك قام بتسليف كبار المزراعين من مدينة القضارف و مَحَليّة الفَشقة وحتي خشم القربة وكسلا، وقام بمدهم بتراكتورات ودساكي وأعطاهم نقداً قروضاً إسمها " السَلمْ". كان الجنقوا يتسائلون، لماذا لم يفتِ البنك في طلبهم، لماذا التمييز ضدهم، وهم أعرف الناس بالأرض، هم الذين ينظفونهاْ و يزعونها ويحصدونها ويحاربون آفاتها، هم الذين ينتجون العيشَ و السِمسِمْ. لماذا لا يثق البنكُ فيهم؟ وأخذ الجنقوا يتناولون الأمر في تجمعاتهم، كانوا في هذا الشهر البائس، وهو مايو، يعانون من الفقر المدقع، حيث لا عمل بالتالى ليست هنالك نقود، ليست هنالك مهرجانات لشرب المريسة، و التي ارتفع سعرها في هذه الأيام نسبة لإرتفاع سعر العيش،لكن كرم الفداديات يسع الجميع، فيمكن الشرب عن طريق الشخط في الحائط، أو عن طريق الأمنيات ورهن الزينة، من مسجل او نظارة شمسية او قمصان او راديو أو أي شيء آخر له قيمة، لذا ما يذال الجنقو يتجمعون في بيوت الخالات، أدرنا معهم حوارات عميقة و طويلة عن البنك ودوره وماهو عليه، في الحقيقة كان قد تحمس كثير منهم للفكرة، وهي أن نذهب الى البنك مرة أخرى، ونطلب منه أن يقدم لنا غرضاً محدوداً وتراكتور بدسك و أن نقدم له ما نستطيع من ضمانات، وتبرع عشرون شخصاً يمتلكون بيوتاً مسجلة بأسمائهم ان يقدمونها للبنك رهنا، و تبرعت أنا بمشروعي الزراعي الصغير.
ربما الذين تفاجأوا بتجمع الجنقو أمام البنك هم أداريو البنك ورجال الأمن فقط، ولكن جميع سكان الحِلة رجالاً ونساءً وأطفالاً، كانوا يعرفون أن الجنقو سوف يذهبون إلي البنك في يوم السبت.. وكان لهم طلباً واحداً.
- جربونا في مشروع واحد وتراكتور واحد وسلفية لاتتعدي خمسمية ألف جنيه..
قدرنا عددنا بمئة من الجنقو والجنقوجورايات وكثير من الأطفال، إنضم إلينا صغار التجار الذين حرمهم البنك من التمويل فهم أيضا كانوا غاضبين وقد افشوا لنا كثيرا من أسرار البنك و التجار، وقالوا لنا بالحرف الواحد، أن البنك يريدهم ان يبقوا عمالاً و شغيلة تحت إمرة المزارعين الكبار حتي يضمن عودة سلفياته التي قدمها لهم.
بالتأكيد لم يحاول مدير البنك الاستعانة بالشرطة ورجال الأمن لأنه لم تكن هنالك مظاهرة ولاتهديد باستخدام العُنف، إنما كانت مفاوضة قُدتُها أنا ومعي الصافية والبقية يسمعون وينظرون.. ويشاركون بالصمت والتنظيم وعدم إثارة أعمال الشغب.
كان لمدير البنك تحفظان، الأول هو أنه لا يستطيع أن يقدم سلفية لجماعة غير رسمية لا هم إتحاد ولاهم مُنظمة مجتمع مدني ولا حتي شركة مسجلة، مجموعة؛ حسب تعبيره: لا رأس لها ولا قعر.
أما التحفظ الآخر فهو أيضاً كان واضحاً
- أنا عايز ضمان.. ضمان أرض لها قيمة ومسجلة بأوراقها و مستنداتها، أو ضمانة مالية أو عقار ؟!.. دي سياسة البنك
قلنا له: لدينا عشرون قطعة سكنية بالحلة، و مشروع صغير به عشرة فدان، وليس لدينا عقارات في مدن و لا منقولات ذات قيمة مالية كبيرة، ولا أراضي أخرى، و إلا لما كان هذا هو حالنا، نحن الفقراء و صغار المزارعين الذين تحدثتم عنهم من قبل.
أكد ان البنك يدعم و سوف يدعم الفقراء وصغار المزارعين، ولكن بشروط أمان تضمن له حقه، و أنه لا يستطيع أن يتخطى سياسة البنك.ثم أضاف مراوغاً
- أنا حأنقل كل الحوار الدار بيننا إلى رئاسة البنك في الخرطوم، ونشوف الرد شنو بإذن الله.
قالت له الصافية التي كانت ترفل في صمت عميق منذ أن دخلت معي إلى مكتب المدير الفاره: يعني حتدونا السلفية ولا لأ.
قال لها المدير بريق ناشف
- حتى الآن لأ.
قالت الصافية لي وقد إحمرت عيناها فجأة
أرح نمشي، قاعد تعمل شنو ؟
شكرته على حسن ضيافته لنا، حيث أنه قدم لنا ماء بارداً، وزجاجتين من الببسي كولا، أتى بهما ود أمونة، و انصرفنا، كان الجنقوا ينتظرون في الخارج في جماعات،وعند باب البنك أحاطوا بنا يسألون، ولكن أبرهيت وهو الشخص المسئول عن تنظيمهم، قال لهم، ودون ان يستشيرني.
- المساء في بيت أدي الحوش الخلفي، عايزنكم جميعاً.
عند طلوع القمر كان بحوش الأم الخلفي، حوش الحفلات، ثلاثمائة من المواطنين أطفالاً نساءً ورجالاً، بادر الحضور الفكي علي بقراءة سورة كاملة من القرآن بتجويد صحيح وطريقة مؤثرة.. قُدِمَ أبونا بيتر راعي الكنيسة في صلاة قصيرة قرأ فيها:
" ياهؤلاء جميعكم القادحين نارا،المتنطقين بشرار،إسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي
أوقدتموه. من يدي صار لكم كل هذا،في الوجع تضطجعون."
وكررها بالعامية كمايلي:
" يا أنتم المولعين نار، المتحزمين بالشرار، أمشوا بنور النار والشرار، بتاع إنتم،
كلو دا من يدي أنا ربكم، و الطريق كُله آلام"
ثم أخذ الناس يجاوبون علي سؤال واحد
- نعمل شنو ؟
إذا قاطعنا الزراعة، نحن الذين نموت جوعاً أولاً، إذا بقينا كعمال سوف لا نكسب شيئاً يأتي الموسم خلف الموسم خلف الموسم، ونحن من اليد إلي الفم والمستفيد هو الجلابي صاحب المشروع..
قال أحدهم
- نكسر البنك...
ردوا له أنهم لايريدون دخول السجن ولا المواجهة مع الشرطة التي قد تؤدي إلي فقد البعض وإصابة البعض بأذي جسيم، وقالت سُعاد يوهنس وهي والدة أحد الشرطيين
- يعني نقتل أولادنا البوليس أويقتلونا.. الخسران منو؟!
وفجأة تحدث صديقي، قائلاً..
- نحاربهم بالخراء..
سكت الجميع لأن الكلمة بدت لهم غريبة وغير مقصودة تماماً.. أو أنهم ربما سمعوا كلمة أخري..
قال مؤكداً وبعينيه إصرار غريب
- بالخرا.... البراز..
ضحكوا وظنوا أنه يعبث أو هي إحدي مغامراته العجيبة.. قال لهم..
- سمعتوا كلكم بالهنود..و أنتم عارفين إنو الهنود ديل طردوا الانجليز الأقوياء بالخرا بس. و الناس الكبار في السن منكم مثل، مختار علي و الفكي الزغراد، و السيد أبرهيت و الشايقي غيرهم وغيرهم عاصروا وهم أطفال المهاتما غاندي، وهو دا الزُول القاد ثورة الخراء.
قليلاً تفهم الناس الأمر قليلاً قليلاً قبلوا به، قليلاً قليلاً حددوا المائة الاولين الذين سوف يفعلون والآن... قليلاً قليلاً قليلاً..حددوا الخمسين.. قليلا قليلا....حددوا الثلاثين، تم كل شئ.
عند الصباح الباكر عندما إستيقظ الموظفون في الميس لم يستطع واحد منهم الخروج للعمل بالباب، حيث كان البراز هنالك يقف محتجاً، عفناً.. قبيحاً بائساً لكن بصمود عجيب. وعندما كسروا الصريف كان عليهم أن يصنعوا من قصب الصريف جسراً يعبرون به إلي الشارع.. ماكان لهم أن يعرفوا الفاعلين مالم يجدوا البنك يغرق في بركة من الخراء ولا يمكن لكائن من كان أن يقترب منه لأكثر من ستين متراً، جيش الذباب الاخضر الضخم ذو الطنين الرهيب كان هو ملك اللحظة وحامي حمي المكان..
إستعانت إدارة البنك بعمال الصحة، الذين أكدوا أنه لم تكن ضمن شروط خدمتهم خمَّ الخراء، إنهم عمال نظافة مواد جافة..
طلب مدير البنك من الشرطة أن تقبض علي الفاعلين وتجبرهم علي إزالة البراز ولكن النيابة ردت بأنه: " لاتوجد عقوبة بغير نص"، فالتبرز في العراء لم يُعتبر في يوم ما جريمة يعاقب عليها القانون، ولم يُوجد أمر محلي يمنع ذلك.. وكيف نعرف الذين تبرزوا من برازهم ؟!
وكانوا في قرارة أنفسهم يقفون إلي جانب الجنقو،لأن البنك كان يوجه دعمه لشريحة محددة من المواطنين، ويحسبه الناس على مجموعة سياسية بعينها، وليسوا هم بعضها. ركب مدير البنك ومعه فريق عمل مكون من خمس أشخاص عربتهم اللاند كروزر دبل كبينة، ومضوا إلي القضارف..
في اليوم التالي تبرز مائة من الجنقو داخل الميس المهجور، بل داخل الغُرف وعلي السراير وحاويات الماء النقي المكرور، وضعوا كمية لا بأس بها من البُراز في الثلاجة والأدوات الكهربائية والأواني... وتركوا مخزوناً آخر في أكياس التسوق البلاستيكية وزن كيلو مبعثرة تحت الأسرة وفي المطبخ ومعلقة علي الأسقف...
في اليوم الثالث ذهب الجنقو جميعاً للعمل في نظافة مشاريع التجار بأسعار عمالة لم يفكروا فيها كثيرأ، كانوا يريدون الخروج من الحلة، بأية صورة كانت !
رجع بعد اسبوع من الحادثة، رجال البنك في معية شاحنةٍ من الاحتياطي المركزي مسلحين بالرشاشات والقذائف المسيلة للدموع، عصي مطاطية درق وسياط، وعربة مطافيء.
قاموا بغسل المكان بخراطيم الماء المندفع بقوة من عربة المطافئ، ثم أقام الاحتياطي المركزي في مُخيم صغير مرعب قرب البنك لشهرٍ كامل ٍ، أما المَيس؛ فقد تم هجرانه بصورة قاطعة ونهائية، ولكن ظل بعض الجيران كلما وجدوا الفرصة سانحة يرسلون أكياس التسوق مملوءة بالشئ اللزج العفن عبر الحوائط إلي ميس الموظفين الجديد.
عاد الشايقي و ومختار علي إلى التاية،رجع صديقي الى القضارف، ثمّ من هنالك الى الخرطوم، بقيت أنا في الحلة لبعض الوقت لمؤانسة ألم قشي،لم أر ود أمونة، وقد سألت عنه ألم قشي، قالت لي إنه كان في القضارف، ولكنه عاداليوم لعمله بالصباح في البنك، و عند المساء سوف يأتي للعمل في بيت أدي، كان لا يضيع وقتاً بلا عَمَلْ، فسألتها لماذا يُرِهق نفسه بهذه الطريقة، ولا مسئوليات لديه وليس له ما يصرف عليهم، بل حتى صلته بامه مقطوعة،قالت لي، إن ود أمونة يعمل بجد ويكدح من أجل العازة.
قلت مندهشا
العازه!!! علاقتُهُ بيها شنو؟ -
فحكت لي ألم قِشي،ما يحكيه ود أمونة أو هي الحكاية الشائعة، وود أمونة، نادرا ما يتحدث في هذا الموضوع: عندما خرجت العازة من السجن؛ أخذت معها ود أمونة،وكانت قد وعدته ووعدت أمه أمونة التي تركتها في السجن وراءها، بأنها ستعتني به كما لوكان ولدها، و إنها ستدخله المدرسة، إلا أن عازة واجهت مشاكل كثيرة جدا بعد خروجها من السجن من أسرتها، حيث أن أخوانها ووالدها كانوا يصرون على أن تلتزم بواحد من الإثنين، إما أن تتزوج أي كان و بسرعة، و إما أن تترك العمل الذي أخذت تمارسه بعد خروجها من السجن مباشرة وهو بيع الشاي و القهوة في سوق القُونِي، و أن تبقى في المنزل ولا تبارحه، لآن أسرتها أسرة كبيرة و أخوانها معروفون، بالتالي تهمهم سمعتها.
طبعا رفضت العازة كل العروض، وواصلت عملها في سوق القُوني، لأنها كسبت مجموعة من الزبائن، و طورت عملها عندما ألحقت مكانها بمطعم تبيع فيه الأطعمة البلدية، و أدخلت ود أمونة مدرسة خاصة في حي كرفس،واستأجرت لها بيتاً في حي الأسرى، لكي يكون قريبا من موقع عملها،وكانت ملتزمة أخلاقياً، ومحترمة نفسها و عملها، ولم يعرف لها أي نشاط مخالف للقانون ولم يتشكي منها الجيران، إلا أن أخوانها لم يرضيهم كل ذلك وخططوا لتخويفها و طردها من مدينة القضارف، لأية بلدة كانت،وكانت تعلم بمخططهم و تستعد لمقاومته، وفعلاً هاجمها أثنان من إخوانها،في بيتها عدة مرات، وإعتدوا عليها بالضرب، وهاجمها في مكان عملها بعض البلطجية المأجورين،وكانت ترد في شراسة،ولكنهم فكروا أخيرا في استهداف ود أمونة، و أستأجروا بعض الأطفال المشردين و مدمني البنزين بأن يعتدوا عليه بالضرب في طريقة الى المدرسة و أينما وجدوه، ولكن بعض المتشردين الشواذ عندما رأوا ود أمونة فكروا في الأعتدء عليه جنسياً، تخلص منهم ود أمونه بمهاراته الخاصة وما تعلمه من أمه من مهارات قتالية، مرتين ثم أخبر عازة، والتي قامت بعمل كمين لهم و ضربهم ضربا عنيفاً، بل أنها طعنت أثنين منهم بسكين تحملها معها منذ أن خرجت من السجن، أصيب واحد منهما بعجز مستديم، ومات الآخر، ودخلت السجن مرة أخري،مدانة بالقتل العمد مع سبق الإصرار و الترصد، وقد قبل أهل المتشردين الذين ظهروا فجأة، بالدِيّة،فهي مُنذ ذلك الوقت مواجهة بالديّة أو المؤبد، ولو أن أسر القتيل قبلت بخمسمائة ألف جنيه فقط كديّة بعد مساومات من رجال و نساء خير أصحابها، إلا أن المبلغ يعتبر كبيراً جداً بالنسبة لإمراة وحيدة، و بالنسبة لأصدقاء فقراء؛ لم يتمكنوا من جمع سوى القليل، ثم إحبطوا فتكاسلوا، منذ ذلك الوقت ود أمونة يعمل مع أدي وغيرها،لكي يتمكن من تسديد الديّة. حتى تنال العازة حُريتها.
وقال لي قبل شهر تقريباً، إنه لم يتبق عليه سوي ألف جنيه فقط، وربما ذهابه للقضارف كان بشأن أمر العازة، فهو دائما ما يزورها في السجن.
عندما ألتقيت هذه المرة بود أمونة، تغيرت صورته في نظري الي بطل انساني عظيم، و بمجرد ان سألته عن صحة العازة، أخذ يحكي لي عنها، عن شهامتها، و كرمها، و إنسانيتها وكيف انها ظلت تعاني عمرها كله من أقرب الأقربين إليها، وهم أفراد أسرتها، ثم تناقشنا فيما تبقي لها من ديّة، و سألته ما إذا كان قد ذهب الى مكتب الزكاة، ضحك في ألم وهو يحكي لي رحلة مرة مع البروقراطية،قال إنهم أولا طالبوه بإحضار شهادة إفلاس من المحلية، ثم بصورة من الحكم، ثم بالتأريخ الشخصي للعازة،و أخيرا قالوا له: إن المال المرصود لمصرف الغارمين لهذه السنة، قد تم صرفه، آتي إلينا في العام القادم، وفي العام القادم بدأت الرحلة من جديد، و إنتهت بأنه لم يرصد مال للغارمين في هذه السنة، نسبة لحاجة الناس للمال في مصرف آخر وهو مصرف المؤلفة قلوبهم، سوف يحاولون في العام الذي يليه، وقال لي ود أمونه أنه يعلم أن مكتب الزكاة قد قام بدفع الملايين لكبار التجار من مدينة خشم القربة تسديدا لديونهم في البِنُوك، بعد أن أقسموا أنهم معسرون، والناس تتحدث عن ممتلكات هؤلاء المُعسرين من وابورات، و شاحنات، وسيارات نقل ركاب، عقارات، ومغالق و توكيلات تجارية. حدث ذلك في نفس الأيام التي كان هو يستجدي فيها المكتب لدفع ولو خُمس الدِيّة.
و سألته من أمه، قال لي إنها خرجت من السجن قبل سنوات كثيرة، و تزوجت من شَرطي، كان يعمل بالقضارف و تَمّ نقله إلى سجن شَالا بالفاشر، وسافرت معه الى هنالك، ونسبة لأنه رفض السفر معها، و أن زوجها نفسه لم ترق له فكرة إصطحاب ود أمونة معه، فقامت أمونة أمه بتسليمه إلى أدي، وهي صديقتها، وقد عاشتا ردحا من الزمن معا في أُمْ حَجَرْ، بأريتيريا. ولم يجد صعوبة في التأقلم و العيش هنا، فهو قد ولد بالحلة، وقضى جانباً كبيراً من طفولته بها، و وجد ألم قشي ببيت أديّ، وهي لها صلة بصديقته عازة، لا يدري مدى عمق الصلة؛ إلا أن ألم قشي رحبت به و إحتضنته، و لقد سالتُ ألم قشي فيما بعد عن صلتها بعازة، قالت: تجارة.
على الرغم من الظروف الصعبة التي أمر بها أنا نفسي، ظرف العطالة و الإستعداد للموسم الزراعي الجديد،والتجهيز لمولودي القادم، وبقاء ألم قشي بالبيت عاطلة عن العمل، إلا أنني، تبرعت لود أمونة، بنصف المبلغ المتبقي، وهو خمسمائة جنيه.
إعتذر ود أمونة عن استلام المبلغ، لأسباب يراها موضوعية وهي أولا: هذه الأيام هي أيام الزراعة، و أنا إحتاج لكل مليم من أجل أرضي ولربما أنا لا أعرف مدى حاجتي للمال في هذه الأيام نسبة لعدم خبرتي في الحرث و الزرع، و الأولوية للأرض. والشيء الآخر هو أنه لا يمتلك النِصف الآخر من المبلغ، إلا بإنتهاء شهراكتوبر،لأنه دفع مبلغا كبيراً من المال في الأسبوع الماضي، تحصل عليه من (صرفة صندوق)، وهو أقرب للإستلاف، ولا يمكنه التحرر من هذا الدين، إلا مع نهاية شهر يونيو. بالتالي في كل الأحوال ستبقى العازة بالسجن إلى ما بعد إكتوبر، وقد إقترح عليّ أن استخدم المال في الزراعة و بعد ذلك الموسم أعطيه إليه، إذا توفر لي مرة أخرى، علي كلٍ شكرني ود أمونة شكراً أخجلني، ولم يأخذ مني شيئاً.
قبل أن أقادر إلي المشروع للعمل، جاء لقطيتنا في المساء، وحدثني بما إعتبره أحد الأسرار.
- أعمل حسابك من السِكة و ما تشيل معاك قُروش كتيرة!ما تثق في زول: الدنيا ما معروفة.
ولم استطع أن أعرف منه أكثر من ذلك، ووعدني بأنه سيبقى مع ألم قشي، في ذات القُطية، قد تحتاج إليه ؛ فتجده. وذلك الى أن أعود، ولكي يطمئنني أكثر أضاف: ألم قشي دي أختي.
انتظم المطر تقريبا بعد عاصفة منتصف يونيو، كان مطراً غزيراً؛ ولكنه كما قال لي الجنقو العارفون بالمطر، ليست أمطارا استثنائيه وقالوا: بداية عادية ولكنها مُبشرة.. إذا نجحت العَيّنَةُ الأولى سوف ينجح الخريف كله.
ونُصِحْتُ بالبداية المُبكرة، اشتعلت المشاريعُ بشرا يحرثون وينثرون السمسم وينشدون في صبرٍ وألمٍ، يصنعون الحياة الحَقة، يخططون لمستقبل الملايين بعرق مُرٍ، ويحرمون أنفسهم من لحظة الحلم التي لا يعونها هم أنفسهم،لا يفكرون كثيراً في الأشياء، وليس عميقأً أيضاً، كما أنّ الثورة الخُرائية التي قاموا بها؛لم تلهمهم أفكاراً أخرى أو مشروعات أو أية عملية إيجابية لاحقة، عَبَرتْ مِثل نُكتة سَخِيفَة، حُكِيتْ أضَحَكتْ ثُمّ تَلاشَتْ... وانشغل الناس جميعاً بخلق القيمة،بالعمل ونسوا كل شيء خلافة، يريد الجنقو المال، و الطريق الوحيد للمال هي العمل المتواصل، و الذي يتنتهي غالباً عند شجرة المَوتْ في فريق قرش، أو أية شجرة موت أخرى.
إلى أن استيقظنا ذات صباح بخبر غريب، وهو عن قُطاع طُرق يسمونهم محلياً فالول أو شِفِتة في خور مُعْشَوشِبْ يُسمى عناتر، يقع وسط المشاريع الغربية، أي ما بين الشَقَرَاب والحِلة، ظل هذا المكان آمناً لسنوات طوال حتى في سنوات الحرب الأرترية الأثيوبية، وانفلات الأمن عند الحرب ما بين جيش الحكومة والمعارضة المسلحة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، ولكن دهشة الناس عندما عَرفوا أن الشِفتة ليسوا من الفالول الأحباش أو الأرتريين، ولكنهم سودانيون. بل أنهم من الجنقو، وعُرِفَ البعض باسمائهم، كانوا يحملون الأسلحة البلدية: فئوس وحراب وخناجر وسيوفا أيضا، كانوا لا يقلون عن عشرة من الرجال السُود الأقوياء، قاموا بنهب عربة بُوكس تعمل في نقل الركاب إلى معسكر الشقراب، أخذوا كلما لدى الركاب من أشياء قيمة مثل الساعات والنقود وحتى الاحذية، اذا كانت جديدة. وتحصلوا على مسدس كان يخص سائق العربة ويخفيه خلف المقعد مع كرتونة من الخمر المستور، وفي نفس اليوم هاجموا نقطة التفتيش الواقعة في مفترق الطرق الشواك الشقراب واستولوا على رشاشة كلاشينكوف وبندقية جيم 3 وهربوا في اتجاه غابة زهانة، مستخدمين عربة نقطة التفتيش التي وجُدِتْ معطوبة قرب قرية الجيرة. حَدَثٌ بهذه الضخامة، عندما يدخل الحِلة فانه يخرج منها أحداثا كثيرة بشعة، وهذا مأتم بالفعل، حيث شِيِع أن الجنقو تمردوا جميعاً، والآن يهاجمون جيش الحكومة في حاميتي زهانة وهمدائيين بأسلحة تحصلوا عليها من أرتريا، وصدقتْ الإدارة العسكرية والأمنية الرواية الشعبية للحدث، واتصلت بحامية خشم القربة وحامية القضارف طالبة العون العاجل لأخماد ثورة الجنقو.. ولكن نسبة لخبرة الحكومة الكبيرة في الصراعات المحلية والثورات المسلحة لم ترسل جيشاً، ولكنها أرسلت لجنة تقصي الحقائق برئاسة مسؤول أمني في رتبة كبيرة، وقامت اللجنه التي تطوق بها حراسة مشددة على عربة مصفحة بزيادة مواقع العمليات، والتقت بالأشخاص الذين هوجموا وتحققت مع الجميع، ثم كُونت لجنة مدنية تحققت مع السكان.. ثم كتبت تقريرا أهم ما فيه:
" خمسة رجال من عمال المشاريع الموسميين يقومون بأعمال تخريبية لأهداف غير معلومة، وترجح أنها للحصول على المال، يتسلحون بمسدس وبندقية جيم3 ورشاشة كلاشنكوف واسلحة بيضاء أخرى..بعضهم جُنُود مسرحون من الجيش، لا يميلون للقتل أو سفك الدماء.. معروفون لدى كل السكان بالإسم وهم:
طه كوكو نمر(عسكري معاش)، عبدالله خير السيد الطيب، برهاني تخلي ولدو، ونق مايوم أجانق(عسكري معاش)، ابراهيم عثمان الشايقي..
الآن في مكان ما بغابة زهانة، أو أنهم عبروا نهر ستيتيت إلى مدينة الحُمَرةْ، أو أنهم يتحركون في هذا المجال من وإلى أثيوبيا.
ثم أوصى التقرير بحماية طُرق السيارات العامة التي تربط الحِلة بالشَقَراب وطريق همدائيين والجيرة، الحفيرة زهانة. وأن ينشأ طوق عسكري آمن يتحرك في غابة زهانة للبحث والتحقيق عن المجموعة، ونصح التقرير بصورة واضحة على عدم اعتقال المواطنين أو الإضرار بهم، وتجنب الدُخول في صراع مسلح مع أي كان، مالم يبادر الخصم باطلاق النار أو نصب الكماين.
تركوا كتيبة كاملة من الإحتياطي المركزي جيدة التدريب، شباب غُبش، لهم عضلات مفتولة وأجسام رياضية، ورؤوس حَليقة بطريقة الكوماندوز، يَمشون في الطُرقات باختيال أقرب إلى الغنج، لولا قِلة النساء في شوارع الحلة وسوقها، لحدث إفتتان لا تُحمد عثقباه. أطلق عليهم السكان اسماً سريعاً يحمل وجهه نظر حادة تجاههم.. سموهم: البُوم..
كأن أجدر بي أن أكون أول العارفين بخروج الشايقي في جماعة الشفتة، لقد ذهب دون أن يلمح إليّ بذلك مجرد تلميح، وكنت معه إلى آخر لحظة بالتاية، أذكر أنه كان يحس بالغبن الشديد تجاه البنك، ويعتبر البنك والحكومة نفسها يعملان على زيادة غنى التجار، وأنهم ضد الجنقو.. كلنا نفتكر ذلك ونعتقد في ذلك ولكن هل هذا يبرر الإعتداء على المواطنين وأخذ أموالهم وممتلكاتهم وتخويفهم، وما علاقة ذلك بالغبن تجاه البنك أو الحكومة؟ ومن يدري قد تقود بعض هذه الحوادث إلى زهق الأرواح ؟!!
إذاً ربما كانت هنالك حلقة مفقودة، تناقشتُ مع مختار على حولها كثيراً، وأخيرًا أحلنا الأمر إلى أن الشايقي ورفاقه أرادوا حياة رخية ومالاً سهلاً،فالعمل بالمشاريع عمل صعب و مردوده المالي لا يغطي إلا الإحتياجات الصغيرة التافهة، و لوقت محدود، وليس هنالك ضمان إجتماعي أو تأمين صحي و لا فوائد ما بعد الخدمة ولا معاش، إنه كما يقول مُخْتَار عليْ: عدم في عدم حقيقي.
ولكنهم الآن يخاطرون بحياتهم، المال السهل يقود إلى الموت السهل. وقررنا أن نلتقي بهم على الأقل نعرف حقيقة أمرهم.



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-11-2008, 06:52 PM   #[53]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حليمة مشاهدة المشاركة
ود أمونة سلام عليك
دخلنا حوش إبدعاك أأنا واشواقي ولهفة شوفتك الجميلة قلنا ناخد لينا خشم خشمين معاك لكن غلبها الثبات ورجعتنى عطشانة من كله, بطلع أهدهدها وألوليها إمكن تنوم ,,,,
وبرجع ليكlooool
العزيزة حليمة

مرحبا بك في حوش حكاياتي
وكدي نسمع حكيك ، مش عندك حبوبة، وجيران وناس حلة؟؟

سعد بمرورك ولنا عودة



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-11-2008, 06:55 PM   #[54]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أسامة الكاشف مشاهدة المشاركة
العزيز بركة
نسجت عوالم غير مطروقة لذا كاننت مدهشة
لم تكتفي بالسرد
وهي المحريه فيك
الأدب إن لم يعمل على تفعيل الحراكات الاجتماعية يظل جماد جمالي
سرعان ما يسقط من الذاكره
لكن ود أمونه وألم قشي سيظلان لوقت طويل ضمن الذاكره الجمعيه لمحبي هذا المنبر

عرضت لواقع مبني على علاقات انتاج جائره
عالم فقير
لكن استطاع رواده أن يخلقوا منه فضاء للجمال
سرقوا لحظة البهجة والمتعه من فم الأسد
أنا منتظر رد مدير البنك وانفضاح الأكذوبه
منتظر لحظة يتجلى فيها الجنقو وعياً وإدراكاً بما حولهم
أتوقع ان تحدث شركة الاتصالات حراك اجتماعي وتغير في المفاهيم
هذا العالم الأولي على وشك أن تفض بكارته مدنيه تتميز بشراهتها للربح
العلاقات الانسانية التي تأسس عليها النص
مذهلة وبسيطة
أقترح مناقشة مفتوحه بعد اكتمال الروايه حتى نقرأها بروية
في انتظارك .. ما تتأخر
يعجبني مرورك ، تعليقك و ملحوظاتك الدقيقة

ولنرى، اين يرسي هذا الصراع الإنساني

سنواصل



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-11-2008, 10:51 AM   #[55]
أسامة الكاشف
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة الكاشف
 
افتراضي

بدأ الجنقو في الفعل الإيجابي
الثورة الخرائية
احتجاج إيجابي يحمل دلالة
القرف من الواقع
تصاعد وتيرة الحكي
دون أن تختل الجماليات
ودون أن نحس باقحام رؤية الكاتب للعالم ضمن النص
دسم صعب على الهضم من أول مره
متابعين وحنجيك في الآخر
بعد تكمل لينا الحكي
ونعرف الحيحصل للعازه شنو
ونحضر سماية الم قشي
أتساءل هل سيبقى هذا المجتمع متماسكاً برغم حجم التنقاضات
أم سينهار تحت دك سنابك الحداثة والمدنية!!!



أسامة الكاشف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-11-2008, 11:39 AM   #[56]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي ثَوَرَةُ ألمْ قِشِي


ثَوَرَةُ ألمْ قِشِي.

أرسل ليّ ود أمونة مع أحد الجنقو رسالة شفاهية، فهمت منها، أن ألم قشي مريضة، و علي أن أحضر بأسرع ما يمكن، فرتبت أمر التاية مع مختار علي، و ركبت لواري همدائيت الصباحية، إلي الحِلة.
وجدته وود أمونة في المنزل، كانا يتناولان القهوة،بدت ليّ شاحبة بعض الشيء، ولكنها كعادتها دائما جميلة و مبتسمة، ولكني أيضا لاحظت خيبة أمل ما في وجهها، وكأنها ما كانت تتوقع حضوري، ذهب ود امونة لغرض ما أو ليتركنا منفردين، أخبرتني بأنها ما كانت ترغب في أن تخبرني بأنها مريضة، و أن ود أمونة قد تصرف بدون استشارتها، ثم أخذت تتحدث بصورة عدوانية لم أعهدها فيها، ثم فاجأتني قائلة
- أنا أجهضت، قبل يومين..عمر خمسة شهور.
في الحقيقة صُدِمتُ تمامً،وهذا هو الشيء الوحيد الذي لم يطرق على بالي إطلاقاً، و أحسست بألم بالغ في معدتي، و شعرت بالفشل، بفشلٍ مرٍ وبليد، لم استطع أن أقول شيئا سوى أن أبحلق في بَطِنها، و كأنها ليست سوى خدعة حبشية خشنة،وكأنما الطفل ما يزال هنالك، كان العالم يموت تدريجيا في ناظرى، كلما مرت الثوان ولم تتراجع ألم قشي من خدعتها، كنت انتظرها أن تتراجع.
أضافت في حِدةٍ: لقد إنتهى كل شيء بيناتنا.
تمنيت لو كنت في حلم، و أن مايجري الآن ليس سوى كابوس لئيم، ألم قشي التي أمامي هي ليست ألم قشي زوجتي و حبيبتي، قالت لي مرة أخرى، بذات اللغة
- كل واحد مننا حيمشي في سكته.
سألتها ماذا تعني بذلك، أكدت لي أنها لا ترغب فيّ بعد اليوم، مما تأكد ليّ أن ألم قشي قد أُصيبت بمس من الجنون،قلت لها أنني أحبها و سوف لن أتركها، أبداً، و أنني زوجها الشرعي و حبيبها أيضاً، و إنها سوف تنجب مني طفلاً آخر، وإذا كان يؤلمها الإجهاض فإنه يؤلمني أكثر، و أحتضنتها،ولكنها كانت جامدة كالصخر، تكرر، في آلية مؤلمة.
- إنتهى.....إنتهى كل شيء.
قلت لنفسي لأتركنها الآن، تتخطى الصدمة،يوم يومين و تعود المياه ألى مجاريها كما يقولون، ولكني كنت قلقاً و متردداً وتائهاً، فلم أستطع أن أصبر على رأي، فبحثت عن ود أمونة، ووجدته سريعاً كما هي العادة، حيث يُقال أن ود أمونة يُوجد حيث تَريد،تناقشنا في شأن ألم قشي، وقال لي أن هذه هي أفكارها منذ ان أجهضت، وقال لي أن الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يجعلها تتراجع هي أديّ، فعليّ بها، و حكينا أنا وود أمونة كل شيء لأديّ، تعاطفت أدي معي أو معنا، و كانت قد ساعدتها و هي تعاني آلام الإجهاض من قبل، وهي أيضا تعرف الكثير عن ألم قشي، شعابها و تقلباتها، و طلبت منا أنا وود أمونة أن نذهب نتمشى أينما شئنا و أن نأتي يعد ساعة من الزمان، تريد أن تتحدث مع ألم قشي في إنفراد.
تغيرت ألم قشى للأحسن قليلا، و تراجعت أيضاً قليلا، و قبلت بي كذلك قليلاً، بعد أن انفردت بها أديّ، ولكن ظلت العلاقة بيني وألم قشي في توتر متزايد، لم يكن لأحدنا يد في أن يُجْهَضُ الطفل.. كنا نولي حملها الأولوية في التفكير.. لم تحملني مسؤولية الإجهاض ولم أفعل أنا، لم ألومها.. ولكنها كانت تتصرف بصورة غريبة وعداونية تجاهي.. أنا لا أتحدث عن العض والرفس وتعمد تلويث ملا بسي بالأوساخ، ولكنها كانت تشين بسمعتي بين الناس متهمة إياي باستغلالها وسرقة ذهبها ومالها.. قال لي الفكي على الزغراد : دا مس من الجنون. -
لكن أدي كانت دائماً ما تطلب مني أن أصبر، ولكنها لم تخف قلقها بأنه ربما قد قام بعض الحاسدين بكتابتها، و الناس هنا قد يفعلون ما هو أسوأ. و قلت لنفسي ربما أن ألم قشي تعاني من إحباط حاد، أصابها نتيجة للإجهاض، من يدري؟، و قررت أن آخذها إلى الخرطوم لمستشفي تجاني الماحي بأمدرمان، المهم تشعبت بي طُرق التفكير و الأحزان، و افتقدت صديقي، ربما أسعفني بحل دونكشوطي مجنون.
من جانبي فعلت كلما استطيع فعله دون فائدة وكان خط دفاعي الأخير هو أن تحبل الم قشي مرة بأخرى حِبلاً ناجحاً وأن تنجب أطفالاً، فكنت أحبها حقا وليست لدي الرغبة في أن أتركها تشق دروب أخرى في هذه البلدة الصعبة، هنا النساء أما أن يعملن كجنقوجورايات، صانعات خمور بلدية، أن يدعرن أو يمارسن أكثر من مهنة في وقت واحد، وكلها لا تجدي مع ألم قشي، قبل أن تتزوج كنت أراها تنفع لذلك كله، حتى العهر ولقد مارست معها ذلك، وكانت تعجبني كداعرة، أو بغي تعرف كيف تقدم متعة الشئ للرفيق. وكنت أعرف أنها في وقت ما عملت كصانعة للعرق وعملت كجنقوجوراية في أكثر من موسم، ولكنني الآن أراها بريئة هشة بل خجولة لا تعرف ماذا تريد أن تفعل، أراها طَفَلة لا تنفع في عمل شئ، أماً مسكينة تتقطع بها سُبل الحياة، إذا تركتها يعني ذلك نهايتها تماماً وأحسست أنها تلعب على نقطة الضعف هذه..
أقمت خمسين يوما معها في البيت بالحلة،كنا بين بين، تبدو طبيعية أحاينا و تجن في كثير من الأحايين، ولكن كانت تتملكها رغبة و حَشية في أن تحبل، قضيت شهرًا مجنونا متناقضاً، مؤلماً، ولو أنه لا يخلو تماماً من الإمتاع، ثم أستأذنتها في العودة إلي المشروع، وبقيت مع ود أمونة و أدي.
بعد شهر واحد فقط، أرسل ليّ ود أمونة رسالة شفهية مع أحد الجنقو فهمت منها ما يلي: إن ألم قِشي حُبلى مرة أخري، لأنها لم تحض هذا الشهر، و الشيء الآخر إذا لم أحضر بسرعة فإنها سوف تسافر إلى همدائييت لزوجها السابق، فهي ترغب في العودة إليه. طبعاً أول ما خطر في بالي أن ألم قشي قد جُنت بالفعل في هذه المرة، و الحل الوحيد هو أخذها إلي الخرطوم بأسرع ما يمكن، ورتبت أمري مع مختار عليْ علىَ ذلك، و أن يستعد على خوض معركة بقية الموسم و حده، و تركت له ما يكفيه من طعام و مال و رجالٍ، و ركبت بص همدائييت مرة أخرى إلى الحِلة..
حكي لي ود أمونة الذي قابلني في موقف السيارات بسوق الحِلة، فور وصولي، بكل شيء بالتفصيل الممل، و قال لولا أدي وهو؛ لذهبت ألم قشي إلى همدائيت، و أكد لي أنها ليست بمجنونة،بل هي بكامل وعيها، وعلي أن أتعامل مع الموضوع بحكمة. كانت قد استقرت على رأي واحد؛ وهو أنه سوف تذهب إلي همدائيت، وعليّ أن أطلّقها، لأنها تريد أن تعود إلي والد بنتيها،وقالت ليّ أنها أرسلت له بهذا الشأن وقَبِل الفكرة و إنه الآن في انتظارها، وقالت مؤكدة
-اذا رفضت برضو حامشي ليهو في همدائييت..
قلت لها:
-ولكنك حامل !!
قالت بكل ببرود:
- لمّان أِلدْ حَ أرسل ليك جناك هنا..
طبعا اقتنع الجميع أن الأمر به يد شيطانية، وأن الحاسدين فعلوا فعلهم مع الفُكَيَاِ، وأتهم البعض الفكي على الزغراد نفسه، ولكن على الزغراد حلف بالنبي وبالشيخ محمد الهميم وبالطلاق وبجده الشيخ سليمان الزغراد، أن لا يد له في الأمر، وأكد أن الأمر جنون واذا قبلت فانه سيقوم بعلاجها، ولكنها رفضت مدعية بأنها متعافية وأن الآخرين هم ا لمجانين طلبت منها أن تخبرني بالسبب الذي جعلها تتخذ هذا القرار، قالت السبب هو أنها تريد أب طفلاتها، و تريد ان تعيش مع بناتها، و لا شيء غير ذلك.
قلت لها: وأنا.
قالت إن النساء كثيرات، اختار منهن التي تعجبك، كما إن الأمر ليس من شأنها.
كُوِّن فريق سريع " للجودية " به ناس الحل والربط، رجال ونساء لَهُنّْ و لَهُم كلمتهم في المكان.. تحدثوا عن العلائق الزوجية والإجتماعية، وتحدثوا عن الشيطان واولاد الحرام و بنات الحرام، والحسد وأيضاً تكلموا عن القِسمة، التي من صفاتها أن تنتهي.. قالت
-أنا عايزه أرجع لأبو بناتي..
- لكنك متزوجة ؟..
-عايزه يطلقني..
-أنا مش حأطلقك.. أنت حامل.. ألدي أولاً..
قالت..
-أنا حامل لمّان ألد حارسل ليهو الجنا.. لو ما... وقع زي أخوه..!!
وتجادلنا في حوار يبعد أو يقرب من هذا النسق.. كنت لا أرى فيها غير شخصٍ مجنونٍ لا يعرف ماذا يُريد بالضبط، لا منطق له، بامكاني أن أطلقها إذا كنت قد اقتنعت بأن الطلاق هو رغبتها الحقيقية وليست نتاج مرض نفسي أو جنون.. ولو أن فريق الجودية اندهش لرأيي الأخير إلا أنني أرجعت ذلك لعدم مقدرتهم على فهم وجهة نظري قلت لهم
-أنا حأخليها تمش همدائييت وتبقى مع بناتها..
قالوا:
- أبو بناتها هناك.
قلت:
- هو عارف انها غير مطلقة ومتزوجة والأمر متروك للإثنين هو وهي..
- لكنها في عصمتك.
- دا موضوع تاني.. يحسمه القانون..
واختلف الناس اختلافا كبيراً، فظهر في السطح ما سُمي ب "حكاية ألم قشي ".. وتدخل في الأمر مدير شركة الإتصالات والقاضي المقيم ومدير المحلية ونفر من رجال الخير والبركة وأجبروا ألم قشي على عدم الذهاب إلى همدائييت وأُلزمتُ أنا بعدم العيش معها في المنزل، أن أسكن كما كنت عازبا مع مختار على إلى أن تُحل المُشكلة، وكان هذا شرطها هي.. أنا وافقت.. هي أيضا وافقت على مضض..
تركتها في المنزل الذي أعطتنا إياه أديّ، على أمل أن استفيد من هذه الهُدنة في عِلاجها وقررت أن أبدأ مشوار العلاج من همدائييت.. أن أذهب لزوجها وأطفالها واستشيرهم في الأمر.. وكنت حقيقة آمل أن يساعد زوجها في الحل..
صحبتُ ود أمونة، لأنه أبدى رغبة كبيرة في أن يذهب معي، و كنت حقيقة إحتاج إليه، هو شخص أصغر مني عُمراً، و لكني إعترف أنه أكثر مني نُضجاً إجتماعياً،وركبنا بص همدائييت، وهو عبارة عن شَاحِنة "لوري" تمت إعادة تصنيعها لتصبح ناقلة للمواطنين.. له مقاعد ضيقة من الحديد الصلب، ونوافذ حديد، مشرعة صيفاً خريفاً وشتاءً.. يحمل المواطنين في بطنه وظهره ويمين وشمال السائق، منطلقاً على الأرض الخراب، قافزا فوق الحفر والخيران مثل ثعلب عجوز يهرب من قَرَدَةٍ، كان زئيره يُسمع من مسافات شاسعة عبر أشجار السافنا الفقيرة، تصتنت له الأرانب والفئران و القردة معاً والمواطنون الذين في التايات البعيدة المنتشرة في عمق المشاريع الزراعية يكدحون.
وينبه من يريد السفر إلى الجيرة، الحفيرة، همدائييت أو الحلال التي تقع على جانب الطريق أن ينتظره في طريقه الوحيد، الذي يتلوى كثعبان عبر غَابة زهانة، بين أشجار الطلح والكِتِرْ، ويعلو دخانه كثيفاً خاصة في هذه الأيام، حيث الأرض لينة وتنتشر البرك الطينية ويكثر الوحل.. كان الجميع يتحدثون عن الخريف والمطر والزراعة المبكرة وغيرها من المواضيع الحيوية ولا أدري لماذا كنت أنا افكر في الصافية ولماذا في الحقيقة في لا وعيي كنت دائماً ما اعقد مقارنة ما بين ألم قِشي والصافية والفرق ليس كبيراً ما بين المرأتين..
ألم قشي تجد نفسها تقوم بأفعال وأقوال لا تعبر عنها في واقع الأمر.. قد تكون حالة مرضية وقد تعني هي ذلك. الصافية وذلك حسب النتائج التي خرج بها ما يشبه المؤتمر في بيت أداليا دانيال الصيف الماضي.. لها شخصيتان، شخصية ظاهرة وهي الشخصية التي نعايشها يومياً، وهي الغالبة وشخصية أخرى تظهر للأعيان إذا أثيرت عاطفياً فقط، لأنها في لحظات الغضب لا يبدو عليها أية تحولات شاذة أو غريبة..
للمرأتين شخصيتان، إذا صَحّ أن نُطلق على الصافية لقب امرأه.. إلا إذا أخذنا بإفادة الرجلين وافادة الصافية نفسها، فان الأمر يختلف قليلاً،حدثني ود أمونة، وهو في الحقيقة نادرا ما يصمت، عن شيء لم يخبر به أحداً من قبل، وهو مشكلته مع صديقي،قال إن صديقي إنفرد به ذات يوم، بعد ما حدث بينه و الصافية، و قال له إنه يريد أن يتحدث معه في موضوع، و لكن بصراحة ووضوح، و يريد أن يسأله بعض الأسئلة، و عندما أبدى له الموافقة، بادره سائلاً
- هل إنت شاذ جنسياً؟
قال ود أمونة، قلت له: لأ.
قال لي محتجاً.
- كويس؛ حدد موقفك، لأنك غير معروف بالنسبة للناس كلهم: إنت مرا و لا راجل.
قال، قلت له محاولاً إغاظته
- أنا لا مرا ولا راجل، بعمل عمل النُسوان و بعمل عمل الرُجال! يعني أنا مرا و راجل!!! ثمّ قلتُ له ما كان يقوله لي أحد أصحابي في القضارف: أنا وكسي مابين وَلَدْ وجكسي.
قال محتارا:ً
- وضح أكثر، شُنُو عمل النُسوان و شُنُو عمل الرجال، شُنُو وكسي و شُنُو جكسي؟
قال ود أمونة، قلت له: إنت جاهز لعمل النسوان أم عمل الرجال؟ عشان أشرح ليك عملياً.
وفجأة صمت ود أمونة عن الحكي، لأن البص توقف فجأة، بصورة دفعت جميع الركاب إلى الأمام، وكنا سنطلق السباب للسائق ونشتم أمه و أباه، لولا أننا شاهدنا الرجال الملثمين الذين أحاطوا بالبص في سرعة البرق.. وهتف صوت جهوري يعرفه الجميع..
-أنزلوا واحدْ واحدْ.. بدون كلام وبالصف.. النسوان يقعدو قَبَلِنْ وبرضو الأطفال.. كل راجل ينزل شنطتو معاو..
نزلنا جميعاً، كانت هنالك شجرة ضخمة وضعت في طريق البص، مع مضب ضيقٍ في الطريق، رغم أنهم ملثمون إلا أننا عرفنا الرجال جميعاً، ولكن هنالك أفراد يحملون بنادق رشاشة يقفون بعيدا،ً يشكلون حماية لأصحابهم لم نتبين من أمرهم شيئاً، وكنا نعرف أنه يجب علينا الإدعاء بعدم معرفة الناهبين، وأن نطيع وأن نعطي وألا نثرثر وأن نخفض رؤوسنا وأن لا تلتقي أعيننا بأعينهم أبداً.
قال رجل نعرفه باسم طه كوكو
- نحنا عايزين من كل راجل نصف القروش المعاو.. وعايزين من سَواق اللوري كل القروش المعاو، والقروش بتاعت التاجر آدم إدريس البلالاوي المرسلنها ليهُ من القضارف.. بسرعة..
ونفذنا الأوامر في سرعة رهيبة، قال ويبدو أنه هو المتحدث باسم المجموعة
- نحنا ما شِفْتا.. نحنا ناس مظلمومون وعايزين حقنا.. تاني ما ح نشتغل عبيد للتجار والـــ... حنقلع حقنا قلع.. كلموا التجار.
تَمّ أخذا المال، ثُمّ سُحِبَت الشجرة، تم اطلاق سراحنا، اختفوا في الغابة بل تلاشوا كانهم ما كانوا..
قال لي ود أمونة بعدما ذهب المسلحون:
- ما قلت ليك، ما تثق في زول ولا تشيل قروش كتيرة معاك. شايف صاحبك الشايقي؟؟؟
هنالك ملحوظة مهمة، وهي أن الجنقو كانوا جميعاً مسلحين برشاشات كلاشنكوف، وأنّ عددهم ما لا يقل عن العشرين شخصاً، وأنّ بعضهم يرتدي ملابساً وأحذيةً عسكريةً تخص جيش الحكومة.. لكن الأهم، أنهم كانوا مطمئنين تماماً ويعملون بترو وليست هنالك أي علامة للإرتباك أو العجلة، وتاكدت صِحة المعلومات التي تداولناها فيما بيننا بالبص، عندما وصلنا همدائييت.. كان الناس جميعاً يتحدثون عن الدورية الحكومية التي اختفت علناً بالأمس وعن تمرد الجنقو الغريب، لم أهتم كثيراً بأمر الجنقو.. سألته عن أبناء ألم قِشي وزوجها السابق، فهو خبير بالأمكنة كلها، بكل يسر وسهولة قادني ود أمونة إلى البيت.. كانوا يقيمون مع جدهم، وهو رجل عجوز ثري كثير الكلام، البنت الكبرى جميلة تشبه والدتها ولو أنها كانت فارعة القوام، الصغيرة أيضاً تشبه والدتها، كانتا جميلتين و رقيقتين، أُستقبلت وود أمونة بحفاوة أكتر؛ عندما علمتا أنني زوج أمهما، وسألوا عنها وعن صحتها وقالوا انهم لم يرونها منذ أكثر من عامين. حضر بعد زمن قليل من حضورنا للمنزل زوج ألم قشي السابق ووالد البنتين، تركنا الجَد.
تناقشنا في شأنها ولكن ما أدهشني حقا و أدهش ود أمونة أكثر، هو أنها انفصلت عن زوجها السابق بذات الطريقة التي تتبعها الآن معي، تحدث زوجها السابق منفعلاً..
- قالت هي كرهتني.. شلت بناتي أديتهم لأمي وأبوي وطلقتها.. مشت عرستك انت.. المرا دي ما مفهومة.. عندها مشكلة في رأسها..
قال له ود امونة، إنه يُقال و يُعْتًقَدُ، بين الناس في الحِلة، أنه هو الذي هجرها و أخذ بُنَيَاته منها.
قال متأثراً: و الله لم يحدث هذا إطلاقاً، و يشهد الناس بزهانة، لقد وسطت لها الدنيا و العالمين، ولكنها رفضتني، تركت لي البنات و هربت، فنصحني الناس حتى لا تكون في عصمتي و تقوم بفاحشة تُحْسَبْ عليّ؛ أن أطلقها، فطلقتها.
قلت له محتاراً: ما العمل؟
قال لي بثقة
- طلقها، طلقها بأسرع ما يمكن، دا الحل الوحيد.
قلت له صادقا:ً
-أنا ما عِرِفْتَ مَرَا قبلها ولا بعدها..
قال وكانه لم يسمعني:
- طلقها يا زول.
قلت له:
-هل ح ترجعها انت.. ح تتزوجها تاني..؟
قال بكل صراحة ووضوح:
أيوا ح أعرسها.. هي أم أولادي.. وإذا رفضت تاني وطلبت الطلاق ح أطلقها -
ليك انت تاني.
ما كنت أظنه يعني، أو يعي ما يقول، ولكنه كان يتحدث بجدية مبالغ فيها، كنا أنا وهو وحدنا،ود أمونة كعادته خفيفاً، خرج عندما أحسّ، أن الموضوع يحتاج أن يُناقش بين إثنين، لا أدري إلى أين ذهب و لا متي، خرجت البنتان مع الجد سابقاً.
قال لي مؤكداً: مرة ليك انت ومرة لي أنا.. كله بسنة الله ورسوله.. لو ما عايز كِدا شوف مرا غيرها. ثم أضاف فجأة
- إنت العاجبك فيها شنو، ماسك فيها قوي كِدا.. النسوان يا أخي زي ضَنَبْ الضَبْ: تقطعوا، يقوم غيرهُ تقطعوا، يقوم غيرهُ .. عِشرين مرة.
قلت له: أنا.. ما عارف والله....
قال مقاطعا في إلحاح
- طلقها يا زول.. المرا حتكتلك إذا ما طلقتها..وتفر تدخل الحبشة، تاني شيطان مش حيعرف مكانها. أنا بعرف الحبشيات ديل.. اما قعدوا معاك بإخلاص أو سابوك نهائيا.. ما عندهم نُصْ نُصْ..
-ولكن ألم قشي مريضة..
-أنت المريض.. المره دي عايزة عيالها وعايزة أبو عيالها.. انت مالك باقي ليها عارض.
قلت له:
-هي حامل مني..!!
قال ببساطة وهدوء مسيخ
- عارف كِدا..لمّا تلد وجناك يكبر شوية نديك ليهُ.. أنا لما سابت لي بناتي أديتهم لأمي.. أنت أدي جناك برضو لأمك أو خالتك أو أي واحده من قريباتك تربيه ليك، ولمّا تكرهني ألم قشي.. عرسها تاني انتا.. الموضوع بسيط ما يحتاج لقومة نفس أو زعل.
بالرغم أن منطقه يبدو كمنطق المجانين لا يقوم على ثوابت وأنه يتحدث كمن الذي في حلم أو كابوس، إلا أنه أقنعني، وخرجت منه وقد صممت على طلاق ألم قشي.. على الأقل، قلت لنفسي.
- حتكون في أيد أمينة و تعيش سعيدة مع زوجها وبناتها..
شكرني وطمأنني انه بمجرد أن تكرهه ألم قشي، سيرسلها لي، وفي يدها ورقة طلاقها.

قلت لألم قشي كطلب أخير وهي تمشي نحو البص
- حافظي على الزول الفي بطنك.
قالت مبتسمة ولأول مرة منذ بداية الأزمة:
- حأحافظ عليهُ..
وتحرك البص مع حراسة الجيش و الإحتياطي المركزي، وهو المظهر العام الذي اتتخذه بص همدائييت والجيرة والحفيرة في الآونه الأخيرة..
كانت أجمل ما تكون المرأة، تشع من عينيها سعادة غامرة، ولا يُخفى همس الجنون الذي يحيط بها.. هالة زرقاء مرعبة، ألم قشي هي المرأة الوحيدة في حياتي، ولقد أحببتها بالفعل وعندما أقول المرأة الوحيدة، أعني أني أُكتشفت فيها وأنها أول امرأة تحمل بأطفالي، وهذه قيمة إنسانية لا تضاهي: أن تجعل نفسها تحبل منك..
وهنالك صفة لا أظن أن امرأة أخرى تشترك فيها مع ألم قشي؛ وهي أنها أجادت مخاطبتي باللغة التي أفهمها بالذات، وبالكلمات والموسيقى التي تتوافق معي.. ولكني انخدعت في تصوري للمستقبل، وما كنت أظن أنّ النهاية هي ذات النهاية التي أكابد آلامها الآن، وإلى آخر لحظة.. بعد أن تحرك البص، كنت أظن أنها سوف تغير رأيها ولكن عندما لوّحَتْ إليّ بكفها مودعة؛ عبر نافذة البص.. كان الفراق قد تأكد تماماً.. شيعني الناسُ بنظرات إشفاق وجاملني البعض بكلمات ظنوا أنها سوف تخفف عني وأكد لي البعض في سذاجة:
-حترجع ليك ... ما حتلقى أحسن منك..
ولكن أكثر عزاء رحمة قُدم لي كان من قبل الأم وود أمونة، حيث أنهما هيئآ ليّ - لولا حالتي النفسية المتردية- ما كنت سوف أطلق عليه ليلة العُمر..فاجآني بالعجوز في صحبة أُم كيكي وبوشي وهو اسم دلع لبوشاي الشلكاوية المغنية، وهي فتاة في غاية الجمال.. أمها من الحمران وهي إحدى القبائل العربية بالمنطقة وتعرف الأم أنني أحب صحبتها و...
في القطية الكبيرة، بعد أن أخذا عنها جميع المنقولات، تم فرشها بالسباته ثم فُرشت عليها بُسُطٌ من البلاستيك رخيصة ولكنها جميلة وناعمة.. ولها عبق حميم..
الام نفسها هي التي قامت بغسل ظهري في الحمام بالصابون والليف وقامت بدلك بشرتي بعجينة الدلكة العطرة، ثم تركتني للعجوز وبوشي وبنيات ثلاث يغنين لي وسط هالة من دخان الصندل والكَبَرَيت.. قلت لهم
-غنوا لي أغنية: وصتني وصيتا.
سقتني بوشاي الجن الأحمر الحبشي، الذي أفضله وسقيتها وشرب العجوز، سقينا البنيات البيبسي والإستيم، ورقصنا جميعاً، سُكارى وغير سُكارى، على صوت المغني الحبشي تمرات من مسجل الأم.. غنينا بالأمهرا والتجرنه والعربي ولغات أنقسنا قديمة، لا نعرف أن كانت للوطاويط أم البرون أم القُمُزْ .. وغنت بُوشاي أغنية للشُلك اشتهرت بها المغنية الحسناء فيفيانا.
عند العاشرة ليلا همست الأم في أذني: ماهي أمنياتك الليلة، قلت لها: لليلة دي بس ؟
-ايوا الليلة بس.. العشاء ليس من الأمنيات لأنه جاهز.. بعد شوية حيجي..
وأغنية سبعة يوم عوضية بعيد، برضو خارج الأمنيات وما أظنك تحتاج لوصتني وصيتا؛ قلت لها مراوغاً.
- خلي العجوز يتمنى لي.. حتى لو أغنية: وصتني وصيتا.
قال العجوز ضاحكاً
-أتمنى ليك أحلام سعيدة.
قالت الأم
- كويس نشوف بوشاي تتمنى ليك شنو.
قالت بوشاي وهي تبحث عن غطاء رأسها..
- أتمنى ليهو يشرب باقي الجن دا براو.
قالت الأم للصبيان وهي وبوشي تضحكان
- في واحدة عايزة تتمنى ليهو حاجه ؟
ضحكن وأخذن يغنين: سبعه يوم عوضيه بعيد.
قلت وكنت صادقاً أم سكرانَ لستُ أدري.
-أتمنى أن تحكي ليّ الصافية حكاية من حكايات الجنقو..أو يحكي لي ود أمونة عن السجن. قالت الأم وهي تضحك فيهتز صدرها الكبير: الصافية في مشروع الزبيدي ترش السمسم. وود أمونة هرب وقال هو تعبان.
أنا حأحكي ليك قصة حياتي.. والله حتلقاها أجمل من قِصة حياة الصافيه..-
تعشينا جميعاً، عندما سَكرتُ جداً، تركوني وذهبوا: نمت، حلمت بأن الصافية جاءت من مشروع الزبيدي على جمل ضخم أسود اللون قالت لي: صديقك نجمتهُ !! وحأنجمك إنت برضو !!



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-11-2008, 11:47 AM   #[57]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي ثَوَرَةُ ألمْ قِشِي


ثَوَرَةُ ألمْ قِشِي.

أرسل ليّ ود أمونة مع أحد الجنقو رسالة شفاهية، فهمت منها، أن ألم قشي مريضة، و علي أن أحضر بأسرع ما يمكن، فرتبت أمر التاية مع مختار علي، و ركبت لواري همدائيت الصباحية، إلي الحِلة.
وجدته وود أمونة في المنزل، كانا يتناولان القهوة،بدت ليّ شاحبة بعض الشيء، ولكنها كعادتها دائما جميلة و مبتسمة، ولكني أيضا لاحظت خيبة أمل ما في وجهها، وكأنها ما كانت تتوقع حضوري، ذهب ود امونة لغرض ما أو ليتركنا منفردين، أخبرتني بأنها ما كانت ترغب في أن تخبرني بأنها مريضة، و أن ود أمونة قد تصرف بدون استشارتها، ثم أخذت تتحدث بصورة عدوانية لم أعهدها فيها، ثم فاجأتني قائلة
- أنا أجهضت، قبل يومين..عمر خمسة شهور.
في الحقيقة صُدِمتُ تمامً،وهذا هو الشيء الوحيد الذي لم يطرق على بالي إطلاقاً، و أحسست بألم بالغ في معدتي، و شعرت بالفشل، بفشلٍ مرٍ وبليد، لم استطع أن أقول شيئا سوى أن أبحلق في بَطِنها، و كأنها ليست سوى خدعة حبشية خشنة،وكأنما الطفل ما يزال هنالك، كان العالم يموت تدريجيا في ناظرى، كلما مرت الثوان ولم تتراجع ألم قشي من خدعتها، كنت انتظرها أن تتراجع.
أضافت في حِدةٍ: لقد إنتهى كل شيء بيناتنا.
تمنيت لو كنت في حلم، و أن مايجري الآن ليس سوى كابوس لئيم، ألم قشي التي أمامي هي ليست ألم قشي زوجتي و حبيبتي، قالت لي مرة أخرى، بذات اللغة
- كل واحد مننا حيمشي في سكته.
سألتها ماذا تعني بذلك، أكدت لي أنها لا ترغب فيّ بعد اليوم، مما تأكد ليّ أن ألم قشي قد أُصيبت بمس من الجنون،قلت لها أنني أحبها و سوف لن أتركها، أبداً، و أنني زوجها الشرعي و حبيبها أيضاً، و إنها سوف تنجب مني طفلاً آخر، وإذا كان يؤلمها الإجهاض فإنه يؤلمني أكثر، و أحتضنتها،ولكنها كانت جامدة كالصخر، تكرر، في آلية مؤلمة.
- إنتهى.....إنتهى كل شيء.
قلت لنفسي لأتركنها الآن، تتخطى الصدمة،يوم يومين و تعود المياه ألى مجاريها كما يقولون، ولكني كنت قلقاً و متردداً وتائهاً، فلم أستطع أن أصبر على رأي، فبحثت عن ود أمونة، ووجدته سريعاً كما هي العادة، حيث يُقال أن ود أمونة يُوجد حيث تَريد،تناقشنا في شأن ألم قشي، وقال لي أن هذه هي أفكارها منذ ان أجهضت، وقال لي أن الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يجعلها تتراجع هي أديّ، فعليّ بها، و حكينا أنا وود أمونة كل شيء لأديّ، تعاطفت أدي معي أو معنا، و كانت قد ساعدتها و هي تعاني آلام الإجهاض من قبل، وهي أيضا تعرف الكثير عن ألم قشي، شعابها و تقلباتها، و طلبت منا أنا وود أمونة أن نذهب نتمشى أينما شئنا و أن نأتي يعد ساعة من الزمان، تريد أن تتحدث مع ألم قشي في إنفراد.
تغيرت ألم قشى للأحسن قليلا، و تراجعت أيضاً قليلا، و قبلت بي كذلك قليلاً، بعد أن انفردت بها أديّ، ولكن ظلت العلاقة بيني وألم قشي في توتر متزايد، لم يكن لأحدنا يد في أن يُجْهَضُ الطفل.. كنا نولي حملها الأولوية في التفكير.. لم تحملني مسؤولية الإجهاض ولم أفعل أنا، لم ألومها.. ولكنها كانت تتصرف بصورة غريبة وعداونية تجاهي.. أنا لا أتحدث عن العض والرفس وتعمد تلويث ملا بسي بالأوساخ، ولكنها كانت تشين بسمعتي بين الناس متهمة إياي باستغلالها وسرقة ذهبها ومالها.. قال لي الفكي على الزغراد : دا مس من الجنون. -
لكن أدي كانت دائماً ما تطلب مني أن أصبر، ولكنها لم تخف قلقها بأنه ربما قد قام بعض الحاسدين بكتابتها، و الناس هنا قد يفعلون ما هو أسوأ. و قلت لنفسي ربما أن ألم قشي تعاني من إحباط حاد، أصابها نتيجة للإجهاض، من يدري؟، و قررت أن آخذها إلى الخرطوم لمستشفي تجاني الماحي بأمدرمان، المهم تشعبت بي طُرق التفكير و الأحزان، و افتقدت صديقي، ربما أسعفني بحل دونكشوطي مجنون.
من جانبي فعلت كلما استطيع فعله دون فائدة وكان خط دفاعي الأخير هو أن تحبل الم قشي مرة بأخرى حِبلاً ناجحاً وأن تنجب أطفالاً، فكنت أحبها حقا وليست لدي الرغبة في أن أتركها تشق دروب أخرى في هذه البلدة الصعبة، هنا النساء أما أن يعملن كجنقوجورايات، صانعات خمور بلدية، أن يدعرن أو يمارسن أكثر من مهنة في وقت واحد، وكلها لا تجدي مع ألم قشي، قبل أن تتزوج كنت أراها تنفع لذلك كله، حتى العهر ولقد مارست معها ذلك، وكانت تعجبني كداعرة، أو بغي تعرف كيف تقدم متعة الشئ للرفيق. وكنت أعرف أنها في وقت ما عملت كصانعة للعرق وعملت كجنقوجوراية في أكثر من موسم، ولكنني الآن أراها بريئة هشة بل خجولة لا تعرف ماذا تريد أن تفعل، أراها طَفَلة لا تنفع في عمل شئ، أماً مسكينة تتقطع بها سُبل الحياة، إذا تركتها يعني ذلك نهايتها تماماً وأحسست أنها تلعب على نقطة الضعف هذه..
أقمت خمسين يوما معها في البيت بالحلة،كنا بين بين، تبدو طبيعية أحاينا و تجن في كثير من الأحايين، ولكن كانت تتملكها رغبة و حَشية في أن تحبل، قضيت شهرًا مجنونا متناقضاً، مؤلماً، ولو أنه لا يخلو تماماً من الإمتاع، ثم أستأذنتها في العودة إلي المشروع، وبقيت مع ود أمونة و أدي.
بعد شهر واحد فقط، أرسل ليّ ود أمونة رسالة شفهية مع أحد الجنقو فهمت منها ما يلي: إن ألم قِشي حُبلى مرة أخري، لأنها لم تحض هذا الشهر، و الشيء الآخر إذا لم أحضر بسرعة فإنها سوف تسافر إلى همدائييت لزوجها السابق، فهي ترغب في العودة إليه. طبعاً أول ما خطر في بالي أن ألم قشي قد جُنت بالفعل في هذه المرة، و الحل الوحيد هو أخذها إلي الخرطوم بأسرع ما يمكن، ورتبت أمري مع مختار عليْ علىَ ذلك، و أن يستعد على خوض معركة بقية الموسم و حده، و تركت له ما يكفيه من طعام و مال و رجالٍ، و ركبت بص همدائييت مرة أخرى إلى الحِلة..
حكي لي ود أمونة الذي قابلني في موقف السيارات بسوق الحِلة، فور وصولي، بكل شيء بالتفصيل الممل، و قال لولا أدي وهو؛ لذهبت ألم قشي إلى همدائيت، و أكد لي أنها ليست بمجنونة،بل هي بكامل وعيها، وعلي أن أتعامل مع الموضوع بحكمة. كانت قد استقرت على رأي واحد؛ وهو أنه سوف تذهب إلي همدائيت، وعليّ أن أطلّقها، لأنها تريد أن تعود إلي والد بنتيها،وقالت ليّ أنها أرسلت له بهذا الشأن وقَبِل الفكرة و إنه الآن في انتظارها، وقالت مؤكدة
-اذا رفضت برضو حامشي ليهو في همدائييت..
قلت لها:
-ولكنك حامل !!
قالت بكل ببرود:
- لمّان أِلدْ حَ أرسل ليك جناك هنا..
طبعا اقتنع الجميع أن الأمر به يد شيطانية، وأن الحاسدين فعلوا فعلهم مع الفُكَيَاِ، وأتهم البعض الفكي على الزغراد نفسه، ولكن على الزغراد حلف بالنبي وبالشيخ محمد الهميم وبالطلاق وبجده الشيخ سليمان الزغراد، أن لا يد له في الأمر، وأكد أن الأمر جنون واذا قبلت فانه سيقوم بعلاجها، ولكنها رفضت مدعية بأنها متعافية وأن الآخرين هم ا لمجانين طلبت منها أن تخبرني بالسبب الذي جعلها تتخذ هذا القرار، قالت السبب هو أنها تريد أب طفلاتها، و تريد ان تعيش مع بناتها، و لا شيء غير ذلك.
قلت لها: وأنا.
قالت إن النساء كثيرات، اختار منهن التي تعجبك، كما إن الأمر ليس من شأنها.
كُوِّن فريق سريع " للجودية " به ناس الحل والربط، رجال ونساء لَهُنّْ و لَهُم كلمتهم في المكان.. تحدثوا عن العلائق الزوجية والإجتماعية، وتحدثوا عن الشيطان واولاد الحرام و بنات الحرام، والحسد وأيضاً تكلموا عن القِسمة، التي من صفاتها أن تنتهي.. قالت
-أنا عايزه أرجع لأبو بناتي..
- لكنك متزوجة ؟..
-عايزه يطلقني..
-أنا مش حأطلقك.. أنت حامل.. ألدي أولاً..
قالت..
-أنا حامل لمّان ألد حارسل ليهو الجنا.. لو ما... وقع زي أخوه..!!
وتجادلنا في حوار يبعد أو يقرب من هذا النسق.. كنت لا أرى فيها غير شخصٍ مجنونٍ لا يعرف ماذا يُريد بالضبط، لا منطق له، بامكاني أن أطلقها إذا كنت قد اقتنعت بأن الطلاق هو رغبتها الحقيقية وليست نتاج مرض نفسي أو جنون.. ولو أن فريق الجودية اندهش لرأيي الأخير إلا أنني أرجعت ذلك لعدم مقدرتهم على فهم وجهة نظري قلت لهم
-أنا حأخليها تمش همدائييت وتبقى مع بناتها..
قالوا:
- أبو بناتها هناك.
قلت:
- هو عارف انها غير مطلقة ومتزوجة والأمر متروك للإثنين هو وهي..
- لكنها في عصمتك.
- دا موضوع تاني.. يحسمه القانون..
واختلف الناس اختلافا كبيراً، فظهر في السطح ما سُمي ب "حكاية ألم قشي ".. وتدخل في الأمر مدير شركة الإتصالات والقاضي المقيم ومدير المحلية ونفر من رجال الخير والبركة وأجبروا ألم قشي على عدم الذهاب إلى همدائييت وأُلزمتُ أنا بعدم العيش معها في المنزل، أن أسكن كما كنت عازبا مع مختار على إلى أن تُحل المُشكلة، وكان هذا شرطها هي.. أنا وافقت.. هي أيضا وافقت على مضض..
تركتها في المنزل الذي أعطتنا إياه أديّ، على أمل أن استفيد من هذه الهُدنة في عِلاجها وقررت أن أبدأ مشوار العلاج من همدائييت.. أن أذهب لزوجها وأطفالها واستشيرهم في الأمر.. وكنت حقيقة آمل أن يساعد زوجها في الحل..
صحبتُ ود أمونة، لأنه أبدى رغبة كبيرة في أن يذهب معي، و كنت حقيقة إحتاج إليه، هو شخص أصغر مني عُمراً، و لكني إعترف أنه أكثر مني نُضجاً إجتماعياً،وركبنا بص همدائييت، وهو عبارة عن شَاحِنة "لوري" تمت إعادة تصنيعها لتصبح ناقلة للمواطنين.. له مقاعد ضيقة من الحديد الصلب، ونوافذ حديد، مشرعة صيفاً خريفاً وشتاءً.. يحمل المواطنين في بطنه وظهره ويمين وشمال السائق، منطلقاً على الأرض الخراب، قافزا فوق الحفر والخيران مثل ثعلب عجوز يهرب من قَرَدَةٍ، كان زئيره يُسمع من مسافات شاسعة عبر أشجار السافنا الفقيرة، تصتنت له الأرانب والفئران و القردة معاً والمواطنون الذين في التايات البعيدة المنتشرة في عمق المشاريع الزراعية يكدحون.
وينبه من يريد السفر إلى الجيرة، الحفيرة، همدائييت أو الحلال التي تقع على جانب الطريق أن ينتظره في طريقه الوحيد، الذي يتلوى كثعبان عبر غَابة زهانة، بين أشجار الطلح والكِتِرْ، ويعلو دخانه كثيفاً خاصة في هذه الأيام، حيث الأرض لينة وتنتشر البرك الطينية ويكثر الوحل.. كان الجميع يتحدثون عن الخريف والمطر والزراعة المبكرة وغيرها من المواضيع الحيوية ولا أدري لماذا كنت أنا افكر في الصافية ولماذا في الحقيقة في لا وعيي كنت دائماً ما اعقد مقارنة ما بين ألم قِشي والصافية والفرق ليس كبيراً ما بين المرأتين..
ألم قشي تجد نفسها تقوم بأفعال وأقوال لا تعبر عنها في واقع الأمر.. قد تكون حالة مرضية وقد تعني هي ذلك. الصافية وذلك حسب النتائج التي خرج بها ما يشبه المؤتمر في بيت أداليا دانيال الصيف الماضي.. لها شخصيتان، شخصية ظاهرة وهي الشخصية التي نعايشها يومياً، وهي الغالبة وشخصية أخرى تظهر للأعيان إذا أثيرت عاطفياً فقط، لأنها في لحظات الغضب لا يبدو عليها أية تحولات شاذة أو غريبة..
للمرأتين شخصيتان، إذا صَحّ أن نُطلق على الصافية لقب امرأه.. إلا إذا أخذنا بإفادة الرجلين وافادة الصافية نفسها، فان الأمر يختلف قليلاً،حدثني ود أمونة، وهو في الحقيقة نادرا ما يصمت، عن شيء لم يخبر به أحداً من قبل، وهو مشكلته مع صديقي،قال إن صديقي إنفرد به ذات يوم، بعد ما حدث بينه و الصافية، و قال له إنه يريد أن يتحدث معه في موضوع، و لكن بصراحة ووضوح، و يريد أن يسأله بعض الأسئلة، و عندما أبدى له الموافقة، بادره سائلاً
- هل إنت شاذ جنسياً؟
قال ود أمونة، قلت له: لأ.
قال لي محتجاً.
- كويس؛ حدد موقفك، لأنك غير معروف بالنسبة للناس كلهم: إنت مرا و لا راجل.
قال، قلت له محاولاً إغاظته
- أنا لا مرا ولا راجل، بعمل عمل النُسوان و بعمل عمل الرُجال! يعني أنا مرا و راجل!!! ثمّ قلتُ له ما كان يقوله لي أحد أصحابي في القضارف: أنا وكسي مابين وَلَدْ وجكسي.
قال محتارا:ً
- وضح أكثر، شُنُو عمل النُسوان و شُنُو عمل الرجال، شُنُو وكسي و شُنُو جكسي؟
قال ود أمونة، قلت له: إنت جاهز لعمل النسوان أم عمل الرجال؟ عشان أشرح ليك عملياً.
وفجأة صمت ود أمونة عن الحكي، لأن البص توقف فجأة، بصورة دفعت جميع الركاب إلى الأمام، وكنا سنطلق السباب للسائق ونشتم أمه و أباه، لولا أننا شاهدنا الرجال الملثمين الذين أحاطوا بالبص في سرعة البرق.. وهتف صوت جهوري يعرفه الجميع..
-أنزلوا واحدْ واحدْ.. بدون كلام وبالصف.. النسوان يقعدو قَبَلِنْ وبرضو الأطفال.. كل راجل ينزل شنطتو معاو..
نزلنا جميعاً، كانت هنالك شجرة ضخمة وضعت في طريق البص، مع مضب ضيقٍ في الطريق، رغم أنهم ملثمون إلا أننا عرفنا الرجال جميعاً، ولكن هنالك أفراد يحملون بنادق رشاشة يقفون بعيدا،ً يشكلون حماية لأصحابهم لم نتبين من أمرهم شيئاً، وكنا نعرف أنه يجب علينا الإدعاء بعدم معرفة الناهبين، وأن نطيع وأن نعطي وألا نثرثر وأن نخفض رؤوسنا وأن لا تلتقي أعيننا بأعينهم أبداً.
قال رجل نعرفه باسم طه كوكو
- نحنا عايزين من كل راجل نصف القروش المعاو.. وعايزين من سَواق اللوري كل القروش المعاو، والقروش بتاعت التاجر آدم إدريس البلالاوي المرسلنها ليهُ من القضارف.. بسرعة..
ونفذنا الأوامر في سرعة رهيبة، قال ويبدو أنه هو المتحدث باسم المجموعة
- نحنا ما شِفْتا.. نحنا ناس مظلمومون وعايزين حقنا.. تاني ما ح نشتغل عبيد للتجار والـــ... حنقلع حقنا قلع.. كلموا التجار.
تَمّ أخذا المال، ثُمّ سُحِبَت الشجرة، تم اطلاق سراحنا، اختفوا في الغابة بل تلاشوا كانهم ما كانوا..
قال لي ود أمونة بعدما ذهب المسلحون:
- ما قلت ليك، ما تثق في زول ولا تشيل قروش كتيرة معاك. شايف صاحبك الشايقي؟؟؟
هنالك ملحوظة مهمة، وهي أن الجنقو كانوا جميعاً مسلحين برشاشات كلاشنكوف، وأنّ عددهم ما لا يقل عن العشرين شخصاً، وأنّ بعضهم يرتدي ملابساً وأحذيةً عسكريةً تخص جيش الحكومة.. لكن الأهم، أنهم كانوا مطمئنين تماماً ويعملون بترو وليست هنالك أي علامة للإرتباك أو العجلة، وتاكدت صِحة المعلومات التي تداولناها فيما بيننا بالبص، عندما وصلنا همدائييت.. كان الناس جميعاً يتحدثون عن الدورية الحكومية التي اختفت علناً بالأمس وعن تمرد الجنقو الغريب، لم أهتم كثيراً بأمر الجنقو.. سألته عن أبناء ألم قِشي وزوجها السابق، فهو خبير بالأمكنة كلها، بكل يسر وسهولة قادني ود أمونة إلى البيت.. كانوا يقيمون مع جدهم، وهو رجل عجوز ثري كثير الكلام، البنت الكبرى جميلة تشبه والدتها ولو أنها كانت فارعة القوام، الصغيرة أيضاً تشبه والدتها، كانتا جميلتين و رقيقتين، أُستقبلت وود أمونة بحفاوة أكتر؛ عندما علمتا أنني زوج أمهما، وسألوا عنها وعن صحتها وقالوا انهم لم يرونها منذ أكثر من عامين. حضر بعد زمن قليل من حضورنا للمنزل زوج ألم قشي السابق ووالد البنتين، تركنا الجَد.
تناقشنا في شأنها ولكن ما أدهشني حقا و أدهش ود أمونة أكثر، هو أنها انفصلت عن زوجها السابق بذات الطريقة التي تتبعها الآن معي، تحدث زوجها السابق منفعلاً..
- قالت هي كرهتني.. شلت بناتي أديتهم لأمي وأبوي وطلقتها.. مشت عرستك انت.. المرا دي ما مفهومة.. عندها مشكلة في رأسها..
قال له ود امونة، إنه يُقال و يُعْتًقَدُ، بين الناس في الحِلة، أنه هو الذي هجرها و أخذ بُنَيَاته منها.
قال متأثراً: و الله لم يحدث هذا إطلاقاً، و يشهد الناس بزهانة، لقد وسطت لها الدنيا و العالمين، ولكنها رفضتني، تركت لي البنات و هربت، فنصحني الناس حتى لا تكون في عصمتي و تقوم بفاحشة تُحْسَبْ عليّ؛ أن أطلقها، فطلقتها.
قلت له محتاراً: ما العمل؟
قال لي بثقة
- طلقها، طلقها بأسرع ما يمكن، دا الحل الوحيد.
قلت له صادقا:ً
-أنا ما عِرِفْتَ مَرَا قبلها ولا بعدها..
قال وكانه لم يسمعني:
- طلقها يا زول.
قلت له:
-هل ح ترجعها انت.. ح تتزوجها تاني..؟
قال بكل صراحة ووضوح:
أيوا ح أعرسها.. هي أم أولادي.. وإذا رفضت تاني وطلبت الطلاق ح أطلقها -
ليك انت تاني.
ما كنت أظنه يعني، أو يعي ما يقول، ولكنه كان يتحدث بجدية مبالغ فيها، كنا أنا وهو وحدنا،ود أمونة كعادته خفيفاً، خرج عندما أحسّ، أن الموضوع يحتاج أن يُناقش بين إثنين، لا أدري إلى أين ذهب و لا متي، خرجت البنتان مع الجد سابقاً.
قال لي مؤكداً: مرة ليك انت ومرة لي أنا.. كله بسنة الله ورسوله.. لو ما عايز كِدا شوف مرا غيرها. ثم أضاف فجأة
- إنت العاجبك فيها شنو، ماسك فيها قوي كِدا.. النسوان يا أخي زي ضَنَبْ الضَبْ: تقطعوا، يقوم غيرهُ تقطعوا، يقوم غيرهُ .. عِشرين مرة.
قلت له: أنا.. ما عارف والله....
قال مقاطعا في إلحاح
- طلقها يا زول.. المرا حتكتلك إذا ما طلقتها..وتفر تدخل الحبشة، تاني شيطان مش حيعرف مكانها. أنا بعرف الحبشيات ديل.. اما قعدوا معاك بإخلاص أو سابوك نهائيا.. ما عندهم نُصْ نُصْ..
-ولكن ألم قشي مريضة..
-أنت المريض.. المره دي عايزة عيالها وعايزة أبو عيالها.. انت مالك باقي ليها عارض.
قلت له:
-هي حامل مني..!!
قال ببساطة وهدوء مسيخ
- عارف كِدا..لمّا تلد وجناك يكبر شوية نديك ليهُ.. أنا لما سابت لي بناتي أديتهم لأمي.. أنت أدي جناك برضو لأمك أو خالتك أو أي واحده من قريباتك تربيه ليك، ولمّا تكرهني ألم قشي.. عرسها تاني انتا.. الموضوع بسيط ما يحتاج لقومة نفس أو زعل.
بالرغم أن منطقه يبدو كمنطق المجانين لا يقوم على ثوابت وأنه يتحدث كمن الذي في حلم أو كابوس، إلا أنه أقنعني، وخرجت منه وقد صممت على طلاق ألم قشي.. على الأقل، قلت لنفسي.
- حتكون في أيد أمينة و تعيش سعيدة مع زوجها وبناتها..
شكرني وطمأنني انه بمجرد أن تكرهه ألم قشي، سيرسلها لي، وفي يدها ورقة طلاقها.

قلت لألم قشي كطلب أخير وهي تمشي نحو البص
- حافظي على الزول الفي بطنك.
قالت مبتسمة ولأول مرة منذ بداية الأزمة:
- حأحافظ عليهُ..
وتحرك البص مع حراسة الجيش و الإحتياطي المركزي، وهو المظهر العام الذي اتتخذه بص همدائييت والجيرة والحفيرة في الآونه الأخيرة..
كانت أجمل ما تكون المرأة، تشع من عينيها سعادة غامرة، ولا يُخفى همس الجنون الذي يحيط بها.. هالة زرقاء مرعبة، ألم قشي هي المرأة الوحيدة في حياتي، ولقد أحببتها بالفعل وعندما أقول المرأة الوحيدة، أعني أني أُكتشفت فيها وأنها أول امرأة تحمل بأطفالي، وهذه قيمة إنسانية لا تضاهي: أن تجعل نفسها تحبل منك..
وهنالك صفة لا أظن أن امرأة أخرى تشترك فيها مع ألم قشي؛ وهي أنها أجادت مخاطبتي باللغة التي أفهمها بالذات، وبالكلمات والموسيقى التي تتوافق معي.. ولكني انخدعت في تصوري للمستقبل، وما كنت أظن أنّ النهاية هي ذات النهاية التي أكابد آلامها الآن، وإلى آخر لحظة.. بعد أن تحرك البص، كنت أظن أنها سوف تغير رأيها ولكن عندما لوّحَتْ إليّ بكفها مودعة؛ عبر نافذة البص.. كان الفراق قد تأكد تماماً.. شيعني الناسُ بنظرات إشفاق وجاملني البعض بكلمات ظنوا أنها سوف تخفف عني وأكد لي البعض في سذاجة:
-حترجع ليك ... ما حتلقى أحسن منك..
ولكن أكثر عزاء رحمة قُدم لي كان من قبل الأم وود أمونة، حيث أنهما هيئآ ليّ - لولا حالتي النفسية المتردية- ما كنت سوف أطلق عليه ليلة العُمر..فاجآني بالعجوز في صحبة أُم كيكي وبوشي وهو اسم دلع لبوشاي الشلكاوية المغنية، وهي فتاة في غاية الجمال.. أمها من الحمران وهي إحدى القبائل العربية بالمنطقة وتعرف الأم أنني أحب صحبتها و...
في القطية الكبيرة، بعد أن أخذا عنها جميع المنقولات، تم فرشها بالسباته ثم فُرشت عليها بُسُطٌ من البلاستيك رخيصة ولكنها جميلة وناعمة.. ولها عبق حميم..
الام نفسها هي التي قامت بغسل ظهري في الحمام بالصابون والليف وقامت بدلك بشرتي بعجينة الدلكة العطرة، ثم تركتني للعجوز وبوشي وبنيات ثلاث يغنين لي وسط هالة من دخان الصندل والكَبَرَيت.. قلت لهم
-غنوا لي أغنية: وصتني وصيتا.
سقتني بوشاي الجن الأحمر الحبشي، الذي أفضله وسقيتها وشرب العجوز، سقينا البنيات البيبسي والإستيم، ورقصنا جميعاً، سُكارى وغير سُكارى، على صوت المغني الحبشي تمرات من مسجل الأم.. غنينا بالأمهرا والتجرنه والعربي ولغات أنقسنا قديمة، لا نعرف أن كانت للوطاويط أم البرون أم القُمُزْ .. وغنت بُوشاي أغنية للشُلك اشتهرت بها المغنية الحسناء فيفيانا.
عند العاشرة ليلا همست الأم في أذني: ماهي أمنياتك الليلة، قلت لها: لليلة دي بس ؟
-ايوا الليلة بس.. العشاء ليس من الأمنيات لأنه جاهز.. بعد شوية حيجي..
وأغنية سبعة يوم عوضية بعيد، برضو خارج الأمنيات وما أظنك تحتاج لوصتني وصيتا؛ قلت لها مراوغاً.
- خلي العجوز يتمنى لي.. حتى لو أغنية: وصتني وصيتا.
قال العجوز ضاحكاً
-أتمنى ليك أحلام سعيدة.
قالت الأم
- كويس نشوف بوشاي تتمنى ليك شنو.
قالت بوشاي وهي تبحث عن غطاء رأسها..
- أتمنى ليهو يشرب باقي الجن دا براو.
قالت الأم للصبيان وهي وبوشي تضحكان
- في واحدة عايزة تتمنى ليهو حاجه ؟
ضحكن وأخذن يغنين: سبعه يوم عوضيه بعيد.
قلت وكنت صادقاً أم سكرانَ لستُ أدري.
-أتمنى أن تحكي ليّ الصافية حكاية من حكايات الجنقو..أو يحكي لي ود أمونة عن السجن. قالت الأم وهي تضحك فيهتز صدرها الكبير: الصافية في مشروع الزبيدي ترش السمسم. وود أمونة هرب وقال هو تعبان.
أنا حأحكي ليك قصة حياتي.. والله حتلقاها أجمل من قِصة حياة الصافيه..-
تعشينا جميعاً، عندما سَكرتُ جداً، تركوني وذهبوا: نمت، حلمت بأن الصافية جاءت من مشروع الزبيدي على جمل ضخم أسود اللون قالت لي: صديقك نجمتهُ !! وحأنجمك إنت برضو !!



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-11-2008, 11:50 AM   #[58]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي


محنة أداليا دانيال

في بيت اداليا دانيال عشرة مسجلات بسماعات كبيرة خارجية ملحقة، تحتفظ بها في صندوق كبير من الحديد الصلب، كان يستخدم لحمل الذخيرة في الحرب العالمية الثانية، اشترته من كرن، بالصندوق أيضاً عددٌ كبيرٌ من النظارات الشمسية، وأحذية أديدس كبيرة الحجم، وعشرين راديو ناشونال بثلاث موجات، وأشياء أخرى صغيرة تافهه. ولكن لها قيمة أبقتها في الصندوق. تسمي أداليا دانيال الصندوق: خزنة الأمانات. وهي في الحقيقة ليست أمانات بالمعنى الواضح للكلمة، ولكنها دخلت الصندوق كأمانات ثُمّ تَمّ شَرابها تدريجيا أو أكلها، وفي القليل النادر جداً قبض بعض قيمتها نقداً، ويحدث هذا عادة في أشهر الصيف ونهاية موسم حصاد العيش، حيث يكون الجنقوجوراي قد إستهلك آخر مالديه من مال، وبدأ في أكل زينته التي حرص على جمعها في شهور حصاد السمسم وقطع العيش. أي في إكتوبر ونوفمبر وأوائل ديسمبر وهي كما يسميها الجنقوجوراي:الشهور السمينة..
أداليا دانيال مثلها مثل كل صانعات العرق والمريسة تحترم الأصول، فعندما يقول لها أحد الفدادة: خلي المسجل دا معاك. تبدأ مباشرة في تحديد سعره، ثم على الحائط تشخبط ما شرب الفدادي من عرقي ومريسة، وما أخذه نقداً، إلى آخر كأس، والجنقوجوراي الأصيل ود القبائل لا يسأل من أمانته مرة أخرى، إلا إذا وفر ثمنها، وهودائما مايفضل شراء زينة جديده في الشهور السمينة ويتبع الموضة السائدة، أما الجنقوجوراي الحريف، الذي يجيد اللعب هو الذي يصاحب صاحبة العرقي، لا يهم فارق السن بين الإثنين وهو غالباً ما لا يُوضع في الإعتبار . من الحكم السائدة في هذا الشأن أن كل امرأه لديها ما تقدمه للرجل، بغض النظر عن سنها أو جمالها أو لونها أو قبيلتها، وأن كل النساء جميلات بالقدر الذي يجعل الرجل يصل ذروة نشوته، ويختصر الفدادة القول في: الفحل مو عوّاف. ولكن الأهم من ذلك بند في عقد المصاحبة غير المكتوب، هو أن يصاحب الجنقوجوراي الواحد امرأة واحدة فقط وأن تكتفي الفدادية بجنقوجوراي واحد، وهذا إلتزام صعب، وغالباً ما يفشل الجنقوجوراي في الوفاء به، حيث أن الكسل الذي يصيب الجنقوجوراي في هذه الأيام والتسكع والتلكع، والوجبات الدسمة التي توفرها له صاحبته، غالباً ما تحرك شياطين شهوته، والنساء يصبحن أجمل في ديسمبر، يناير، فبراير، مارس وأبريل لأنهن لا يعملن في هذه الأشهر، في أم بحتي أو قطع قصب السكر في المشروعات المروية، حيث يكتفين بالحياة المنزليه البطيئة، يوفرن خبزهن عن طريق بيع الخمور، بيع العُطور البلدية، العمل في بيع الشاي والقهوة في الأسواق أو ليلاً على أركان المنازل، قليل منهن يمارسن الدعارة حيث أنها لا تجلب مالاً لأن الرجال جميعاً لا مال لهم في هذه الأشهر، حيث تسود المقايضة.. اذا أضفنا ندرة الرجال في هذه الأشهر، حيث يهاجر معظمهم إلى مزارع السُكر في جماعات للعمل في الكاتاكو، وتحتد المنافسة بين النساء الجميلات الكسولات في مواسم راحتهن، وتفرغهن للحب والمصاحبة والزواج،، الكثيرات على العدد المحدود من الرجال، الذين قرروا البقاء بالحلة اعتمادا على تسليم زينتهم كأمانات غير مستردة، أو الزواج والمصاحبة كنظام معايشة الى أن تنقضي الشهور الصعبة ببداية موسم الكديب، و الرجل الجنقوجوراي الذي يعتمد على المصاحبة في عيشه يُسمى: بالهوان.
ثم يأتي موسم الحصاد، وهي الفترة التي غالباً ما يتم فيها فض الشراكة، منها الطلاق. أداليا دانيال متزوجة من رجل قوي الإيمان، ينتمي للكنيسة الكاثوليكية، هي أيضا مؤمنه، وتصلي لربها وتعمل مع الأخوات في الكنيسة.. إبنها وولدها أباب وتوني، صغيران ويمارسان الدين إلى الآن كنمط من محاكاة الكبار والتطلع إلى النضج الحقيقي والسريع. وتعلم أداليا خطورة أن ينمو أطفالها في بيت يرتاده السُكارى، حيث أنهم يتحدثون بألفاظ لا يقبلونها كثيراً في موقد الأخلاق ولا يكترثون للذوق العام أو ما يجب وما لا يجب، يتحدثون عن نسائهم فاضحين ما يستره الليل في القطاطي والرواكيب، ولا يتحرجون في نقل تجاربهم في المضاجعة ووخبرة النسا ء، ويضحكون في متعة قد يظن الأطفال أنها المتعة الحقة التي يوفرها نمط حياة هولاء الناس، لذا كانت أداليا دانيال تتعامل مع أطفالها بحزم ولا تتسامح أن يبقى طفلها قريباً من مرمى حديث السُكارى، أو أن يسلك سلوكهم، وهذا هو سر الإلتزام بالكنيسة، وربط الأطفال بأنشطتها حتى يتسنى لهما قضاء أكبر وقت خارج المنزل خاصة يوم مريستها كل سبت. وإذا عادا مبكراً؛ ترسلهما مباشرة إلى منزل خالها عبدالله ماجوك الذي يعمل محاسباً في زريبة المحاصيل، يتغديان هناك ويعودان قبل المغرب بقليل، حيث يجدان المنزل قد خلي من الفداده، ويجدان نصيبها من المريسة محفوظاً، يؤديان الصلاة.. يشربان مريستهما وينومان.. ولكن هذا البرنامج التقي المستمر لا يمضي كما تشاء أداليا دانيال ويشاء زوجها، لأن زوجها له رأي آخر في تربية أطفاله.. تنازل عنه لأداليا.. ربما لقوة شخصيتها.. ربما محاولة منه لتجنب الخلاف الذي قد يؤثر على حياة الأطفال.. ربما تمشياً مع الأخلاق المسيحية كما يفهمها: التسامح المستمر وإعطاء فرصة أخرى للآخر..
أداليا دانيال تفهم وجهات النظر هذه جميعهاً، ولكنها تنطلق من مبدأ أن تربية الأطفال من مسؤولية الأم وليس الأب الذي عليه النضال خارج المنزل لتوفير المال.. لس إلا.. ولو أنه فشل في ذلك ففشله لا يسقط واجبه المفترض كأب لطفلين ولا يحمله مسئولية لا تخصه وهي تربية أباب وتوني..ولكن هل كانت أداليا دانيال بهذه الصرامة ؟!
حسناً،هنا، دائماً ما يَعْرف الآخرون عن الأشخاص أكثر مما يعرفونه هم عن أنفسهم، فالنظرة من خارج الشئ هي الأكثر موضوعية وشمولية، وحكمة المكان تقول أن الآخرين كثر وأنت واحد.. أيهما نصدق ؟.. للآخرين ألف عين وخمسمائة قلب وآلآف الأصدقاء وألف أُذن وخمسمائة فم وألف رجل ومثلها يد.. وأنت واحد.. أيهما نصدق، لا بل أيهما أقدر على تقصي الحقيقة واختبار الكذب والتلفيق ؟! فيما يشبه الندوة في يوم مريسة خميسة النوباوية تأكد الجميع من صحة الحكاية التالية .
في اليوم الذي تزوجت فيه كلتومة بت خميسة النوباوية من عبدارامان الجنقوجوراي، بعد العقد مباشرة بدأ الحوار حول المتعة، كان طازجا فجاً بسيطاً كا كأحر ما يكون، في الحق تبدأه ألم قشي ولم تكن الملحوظات التي أبدتها في هذا الشأن كانت الأصوب، أو الأكثر إاثارة للجدل او الأوجه.. ولكن لا أحد ينفي بأنها كانت فاعله ولكن.. بالأمس.. في يوم مريسة خميسة النُوباوية وفي ما يُشبه الندوة، تحدثن عن أول مرة كما قلن تعرف فيها أداليا دانيال أن هنالك أمور مهمة في حياتها كامرأة لم تصب هي منها شيئاً، وكذبنها وقلن إنه ربما إدّعاء للبراءة لا يليق بامرأة في زواج مستقر منذ عشرين عاماً أنجبت خلالها مرتين ولكن أداليا دانيال أكدت.
- الشئ البتتكلموا عنوا دا والله ما حصل لي ولا مرة واحدة..
ثم أمطرنها بأسئلة عينة
- راجلك تمام؟
- (.............. ) ؟!
- قاعد يصل بسرعة.. ينبح زي الكلب ؟
- كم دقيقة؟
- قاعد يطول ولا لأ ؟
- قاعد يلعب معاك شوية ولا طوالي ؟
ثم حكين لها تجاربهن مع رجالهن، وأوحين لها بما يعني أن المشكلة كُلها في لام دنق.. وليست المشكلة هي عدم ختانه فحسب، ولكن في تعجله وتعامله مع الأمر كواجب.. هكذا توصلن إلى نتيجة أراحتهن كثيراً، وأحسسن بالعطف والشفقه على امرأة لم تتمتع بالميزة الأساسية التي تجعلها أعظم من خلق الله: أن تكون أنثى..
قلن ها بما يعني
-أنت ضائعه..
دارت الندوة في الواقع ما بعد هذا الإكتشاف المثير، يوم مريسة خميسة النُوباوية، بعد عام كامل، رصد العقل الجمعي فيه كل صغيرة وكبيرة عن أداليا دانيال.. قررت أداليا أن تصبح كصحيباتها اللائي يستمتعن حقاً بحياتهن كنساء، وأن تعرف اللحظة التي تحدثن عنها بأوصاف محفزة ومدهشة..
- مابعرف نفسي في الواطا ولا في السما..
- تجيني حاجة زي الخدر وما خدر.. زي النعاس وما نعاس.. زي الحلم وما حلم.. حاجة تتمنى تدوم ولكنها تنتهي فجأة.
- نوع من الوجع.. الوجع اللذيذ..
- يا اختي دا شئ ما بيتوصف.. إلا تجربيه.. دا شئ من ربنا..
- بري.. بري.. يا بنات أمي.. بري..أنا ما بحب بتكلم في الحاجات دِي!!
حاولت مع زوجها لام دنق ولكن دائماً ما تنتهي اللعبة بأن يدفق ماءه مصدراً صوتا غليظاً، ثم يشكر الله في صلاة سريعة وينام.. في الماضي كانت لا تهتم لأنها ما كانت ترجو أكثر من اللذة التي تحدث نتيجة لفعل الإيلاج والنزع المتكررين.. ولكنها الآن ترغب في أن تصل إلى نتيجة أبعد رسمتها لها الصديقات وشهينها.. أصبحت أداليا لا تطيق لام دينق، ولو أنهما كانا لا ينامان معاً إلا مرة في الأسبوع، وأحس لام دينق و أرجع ذلك إلى تقلبات النساء التي تحدث عنها الرب كثيراً في الكتاب المقدس.. وسمع أيضاً من بعض المسلمين أن الرب تحدث عنها مرة أخرى في القرآن كذلك. لام دنق رجل قصير سمين له عينانا ذكيتان ثاقبتان، لا يتحدث كثيراً،، يعمل في كمائن الطوب في فترة الصيف عند شاطئ النهر، وله خبرة كبيرة في ذلك، يعتبر الرجل الثالث في الكنيسة بعد الأب بيتر والأم مريم كُوِدي وهي عذراء جميلة وتقية جدودها من جبال النُوبة، ويُقال في ما يُشبه الندوات أنها حازت على مرتبة عليا في مسابقات الجمال في كينيا، قبل أن تهب نفسها للكنيسة كلياً وتُرسل إلى هذا المكان البعيد..
لام دنق اعترف للأب بيتر أن أداليا دانيال زوجته غير طبيعية.. لأنها طلبت منه أن يختن نفسه..
- هي مُش عارفه إنو الختان دا عند اليهود والمسلمين.. ونحن خلقنا على صورة الرب.. ولا يمكن أن نشوه أنفسنا..
- هي تعرف ..
ولكن السبب شنو ؟! -
- عايزة تبقى مُسلمة ولا شنو ؟
-لا.. هي متمسكة.. كويس بالدين.. ولكن أنا ما عارف الحاصل شنو.. الموضوع غريب..
كُلفت الأم مريم كودي بمعالجة الموضوع من أداليا دانيال يوم الأحد القادم، فهي صديقتها وهي أيضاً امرأة، ويسهل التفاهم بين المرأتين...
فيما يُشبه الندوة في يوم مريسة خميسة النوباوية.. يوم السبت.. أُكِد ما يلي:
عرف صديقي بما سُمي فيما بعد بمحنة اداليا دانيال، وكعادته نصب نفسه مهديا جديدا وقال لي
- أنا حأكون أول من يخلي أداليا دانيال تحس بأنها امرأة.. حأخليها تصل قمة نشوتها..
قلت له ساخراً
- بس ما تبقى عليك حكاية الصافية..
قال جاداً
- دا براو.. دا براو !
كانت أداليا دانيال تفوقه طولاً، وحجماً، فهو نحيل طويل بعض الشئ، قال إنه بعد غزل ومناورات كان لابدمنها استطاع أن ينفرد بها في إحدى قُطيات أديْ .. قال لي مزهوا:ً
-اكتشفت في الدقيقة الأولى كَذب كلما يُشبه الندوات التي يقيمها السُكارى والنساء الفارغات، فمبجرد أن قبّلتها.. وصلت أداليا دانيال إلى ذروة النشوة، هَرّتْ مثل قِطَةِ بِكْرَةْ وانكمشت ثم تمطت، حملقت في وجهي بصورة مرعبة ومضت.. في يوم الأحد لم يكن هنالك شئ تقوله أداليا دانيال للأم مريم كُودي.. غير أنها تنازلت عن موضوع الختان وأن الأمر ما كان أكثر من فِكرة طائشة: ولكن؛ مَنْ هُو الغَبِيُ الذي يُصَدّق رِوايتهَ هَذِه ؟؟؟



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-11-2008, 11:54 AM   #[59]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي السارقون الرحماء



السارقون الرحماء


انتظم العمل في المشاريع، أكثر ما يميز هذا العام هو تدخل البنك كممول للمشروعات الكبيرة وكمزارع عن طريق موظفيه الذين بسلفيات من البنك زرعوا أراض واسعة بالسمسم والذرة ومدير البنك نفسه زرع ألف فدان ذرة في المنطقة الخصبة ما بين خور مغاريق إلى غابة زهانة، وعُرفت بمشروع ناس البنك، عمل الجنقو في كل المشاريع بصبر وأناة، طالما كانوا يدفعون لهم بانتظام وطالما كانوا في أشد الحاجة للمال، والحق يُقال أن وجود البنك أنعش ركود الإقتصاد المَحَلي، وظهرت أنشطة جديدة اوجدها موظفو البنك الذين بسلفيات من البنك قاموا باستيراد الأبقار الفريزيان الهجين ومزارع الدواجن البيطرية، هذان النشاطان وحدهما استخدما عمالة لا تقل عن الثلاثين شاباً عاطلاً عن العمل، وقللا من سعر البيض الذي أصبح أحد المواد الإستهلاكية، حيث خَلقَتْ له الدعاية والتقليد سُوقا رائجة وأيضا أصبح سعر رطل اللبن نِصف جنية، فقط وهو أكثر جودة لأنه الأنظف والأقل ماءً، ويتم حفظه في آنيه كبيرةً تغسل في اليوم مرتين،.. وابتكر موظفو البنك نظام تسليف عُرِفَ بين الأهالي بالكتفلي وهو أن يقوم موظف البنك الثري بتسليف شخصٍ بواسطة ضمين معروف ووصل أمانة، مَبلغاً من المال يساوي عدداً من جوالات الذُرة أو يتم مقابلته بعدد من جوالات الذُرة وضربها في إثنين، ويتم استرداده بسعر الذرة في وقت إسترداد الدين الذي غالباً ما يتضاعف إلى أكثر من مرتين شهور رد الدين وهي مايو، يونيو ويوليو و أغسطس. بالتالي يرد المدين الدين مضروبا في أربعة، وحسنوا أيضا من مستوى المواصلات، لأنهم أحضروا إلى المنطقة لأول مرة حافلات الركاب المُريحة، ثلاث حافلات تعمل في فترة الصيف، ما بين الشُواك وعبودة والحِلة، يمتلكها موظفان بالبنك، طبعاً فسر الناس ذلك أنه إلى أن يثق البنك في المواطنين العاديين، فانه يقوم بتسليف موظفيه و التجار فقط، بدلاً من أن يبقى المال بالخزائن دون فائدة، وكثير من الناس قَدّرَ موقف البنك هذا، بل وثمنوه، طالما دفع الحياة البائسة الراكدة بالمكان، حيث تمكن أي مواطن منتج من بيع سلعته لموظفي البنك، حتى الفحم وحطب الوقود بل حطب الطلح الذي تتدخن به النساء، خزنه الموظفون بكميات هي الآن ترتفع عشرات الأمتار فوق سطح الأرض..
- كنا نودي الفحم الخرطوم.
بلصات ورشاوي لا أول لها ولا آخر في الطريق.. الليله صديق العوض أو أحمد البدوي أو المدير نفسه الذي يعطي مقابلاً من المال لكل شئ له قيمة؛ ريحونا من التعب دا كله.
ولكن رغم هذه الفوائد الجمة التي يعدون منها ولا تعدد، إلا أن الناس الذين لا يملأ أعينهم سوى التراب، تعيب على البنك تدخله في حياتهم الخاصة مباشرة أو بطرق غير مباشرة، وهنالك حوداث كثيرة يحفظها الناس للبنك في سجل قبيح، وقدعُقدت ندوات وندوات في نقاشها ومحاولة البحث عن حقائقها، وربما خَلق ردود أفعال مناسبة تحافظ على المكاسب العظيمة التي أوجدها موظفو البنك في الحِلة، وتلك المناقب التي - أيضاً- كانوا مُربيها الأول. ففي ما يُشبه الندوة في منزل أبرهيت، وذلك يوم الإحتفال بعيد غامض من أعياد الناس، يطلقون عليه تجاوزاً عيد سُليمان أو النبي سُليمان، نُوقِشَ موضوع المبلغ الذي خصصه صِدّيقُ العَوَضْ موظف البنك لأمول أجانق.. اذا دخل الإسلام، وكان أمول أجانق نفسه من الحاضرين، ولقد أدلى بشهادة لم تُعط من الإعتبار إلا أقله، حيثُ اعتمد الناس بصور أساسية الرواية التي أدلى بها صديقُنا مختار على، الذي أكد بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ صدّيق العَوضْ، قد استلم مبلغاً كبيراً من المال من أحد الناس ذوي الذقون الكبيرة، وقال لولا أنّ أسامة بن لادن مختبئ هذه الأيام في طُورابُورا، لقُلت: دا أسامة بن لادن ذاتو.. زول طويل.. سمين.. قوي.. أبيض.. عندو دقن كبيرة.. عندو شعر كتير.. عندو مال كتير.. عندو حرس..جاء القضارف وقابلو صديق، هنالك وحلف بربه وبالنبي أنه رآه وسمعه.. ثم أخبرت الأم عن محاولة يائسة معها للأخبار عن الجنقو الذين يحملون السلاح في غابة زهانة، ومعرفة من معهم ومن ضدهم.. أشار ود أمونه عن عرض زواج عُرْفِي من مدير البنك إلى بوشي، وربما قد تم ذلك الزواج؛ لأن لا أحد اعتمد رواية بوشي التي أنكرت الواقعة جملة وتفصيلاً قائلة بشكل قاطع وحاد
-إن شاء الله أديهو للكلاب وما أديهو للزول المتغطرس اللص دا !!
قالت أداليا دانيال:
-أبيت أبيع ليهم مسجلاتي.. أدوني سعر رخيص جداً.. ولا الخسارة الخسرتها فيهم.. واضافت.. بعد أن ضحكت ضحكا يشبه الهيستيريا.. قل إنه نُوع من البكاء.
- هم القالوا ليّ خلي راجلك يتطهر. (تقصد يختن)
ولكن ما أدلى به أبرهيت المتحفظ دائما، المتشكك فيما حوله الغامض الذي لا يُغلط على أحدٍ كان المدهش، قال موجها حديثه لي:
- هم الخربوا بيتك.. هم الضيعوا ألم قشي.. أغروها بالذهب والمَال.. أنت شخص غير مرغوب فيه هنا.. عايزنك تفوت أو تموت أعمل حسابك، لأنك أنت المتهم بتحريض الجنقو، ودفع صديقك الشايقي على الخروج عن القانون.
ولأول مرة تخرج ندوة بلا شئ لأنها خمنت بما يشبه التقرير عن أنشطة البنك ملخصه: مالم يقل الفكي كلمته فان لا حقيقة يمكن إعتمادها.. لكن على هامش الندوة دار حديث سري مفاده إن الفكي على هو الذي مكنهم من الناس، هو الذي سخر شياطينه وآياته ومِحَايَتِه وعروقه وفكرة وكتبة الصفراء وجلجلوتيته وشمس معارفه الكبرى وتِبيانه وسحره الأخضر والأحمر والأسود.. لمصلحة موظفي البنك لأنهم يدفعون له أكثر.. لأن الفكي على بامكانه تدميرهم جميعاً، وخاصة أن ألم قشي عرفته بأسماء أمهاتهم جميعاً عن طريق مهارات استخدمت فيها مَكر النساء وخباثة الرجال وود أمونة، والجميع يعرف أنّ الفكي علي ذهب ألى مدينة باسُوندا وقضى أسبوعين كاملين بها، وباسُوندا هي المدينه التي يُوجد فيها خَزَنَة أَسْرَارِ عِلمِ الشَجَرْ في الكون كله؛ أو مَا يُسَمَى بالسَحِرِ الأخْضَرْ، وهي المدينة التى قِيلَ في شَأنِها هنا في الشرق: إذَا نَاسْ بَاسُوندا أَبُوكَ؛ نَاسْ التُرَبْ نَادُوكَ



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-11-2008, 11:59 AM   #[60]
عبد العزيز بركة ساكن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد العزيز بركة ساكن
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أسامة الكاشف مشاهدة المشاركة
بدأ الجنقو في الفعل الإيجابي
الثورة الخرائية
احتجاج إيجابي يحمل دلالة
القرف من الواقع
تصاعد وتيرة الحكي
دون أن تختل الجماليات
ودون أن نحس باقحام رؤية الكاتب للعالم ضمن النص
دسم صعب على الهضم من أول مره
متابعين وحنجيك في الآخر
بعد تكمل لينا الحكي
ونعرف الحيحصل للعازه شنو
ونحضر سماية الم قشي
أتساءل هل سيبقى هذا المجتمع متماسكاً برغم حجم التنقاضات
أم سينهار تحت دك سنابك الحداثة والمدنية!!!
كدي النشوف



عبد العزيز بركة ساكن غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 08:42 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.