دي حروف دفيقا طاعم و حكي دسمو كامل
شكرا آدم علي المتعة الدافقة لك الود كله |
اقتباس:
الكريم ود الصائغ تحياتي واحتراماتي سعدت بمرورك وشكراً لشعورك دم طيباً |
دعاية انتخابية قوامها فتيات ناهدات اثداءهن تتطاير تطايراً في الهواء وعلى صدورهن صورة الرئيس.
الصحيح: أثداؤهن |
[align=right](15)[/align]
بعد أن أمضيت شهري في مدينة زندر انتظاراً لانفضاض إضراب أصحاب السيارات المتجهة إلى نيجريا، اقتنعت تماماً بتغيير اتجاه رحلتي كليةً من ناحية نيجيريا في الجنوب إلى العاصمة نيامي في الغرب وذلك بسبب اعتراض فكرة مضيفي التي مفادها أن بالإمكان العمل في حقل التعليم في النيجر والحصول على أضعاف ما أحلم به في نيجريا لا سيما بعد السقوط المروع لعملتها النايرة كما أن الهواجس والعوامل النفسية التي زودني بها القادمون من هناك جعلت نفسي زاهدة في مواصلة الرحلة. وأكثر ما أغراني في المكث هو رؤية المعلمين المنتدبين المصريين يعيشون في تلك الأصقاع عيشة الملوك تسندهم بعثة ضخمة وقنوات مصرية تخاطب تلك النواحي باللغة الفرنسية والعربية في محاولة مصرية جادة لتوليف وشائج أفريقية. - فقد تقمصت شخصية معلم مصري حيناً ومن يعش في غير جلباب نفسه خسئ- تشير الإفادة، أن توجد معاهد لغات أجنبية بالبلاد تمنح موظفيها رواتب مغرية، كما أن أمين التعليم في محافظة زندر على علاقة طيبة بمضيفي، تربطهما علاقة المصاهرة غير المرئية، و هي أن أمين التعليم متزوج من امرأة بزعمهما سودانية إلا أن المرأة السودانية في عظمها ولحمها مولودة في مدينة جدة السعودية ولم تر أرض السودان في حياتها ولا تحمل وثيقة سودانية وكلما في المآصرة إن وُجدت، تكمن في أن آباءها عبروا حجاً السودان إلى البقاع المقدسة أو أن الجميع تكارنة . صحيح أن الرجل عند الحاجة ابن عم المرأة! وصحيح كأنما أمحص جذراً سودانياً خارج أرومة القارة والإنسانية. تخيرنا صباحاً رباحاً وذهبنا إليه في مكتبه الواقع وسط المدينة. مباني الوزارة مشادة بالطوب الأحمر ومطلية بلون البيج، تسوّرها أشجار من النيم ترسم ظلالاً لفيئ كثير الثقوب قليل الظلال، هذا المشهد يستحضرني بيت للمتنبئ في وصف شعب بوان وألقى الشرق (الشمس) منها في ثيابي دنانيراً تفر من البنان أيادي أشجار الجهنمية تنثر أوراسها الحمر على جداول مرسّمة بمثلثات الطوب المركوزة على الأرض من بقايا نفايات ما بعد البناء و التشييد، ثمة درّاجة ماركة رالي أكل عليها الدهر وشرب ألقت عصاها عند البوابة بعد وعثاء و خبب ومشروع خميلة في قلب مباني التعليم نقصته المياه والعزيمة لم تكتمل لوحته بعد، أرجعني لمدرستي الإبتدائة في قرية دار السلام ريفي الجزيرة أبا - مديرية النيل الأبيض (سابقاً) تأسست عام 1956. لا ينقص تلك اللوحة الزندرية إلا عم الضو الفراش ممسكاً بخرطوم المياه ليسقي زهور ساحة الطابور. دخلنا إلى مكتبه وسلمنا عليه ثم اتخذنا مجلسنا على الكراسي الخيزران، وما إن انتهينا من لغز التعارف حتى فحص شهاداتي; طلب مني تصويرها ولا بد أن تكون صورالشهادات صادرة من قسم الشرطة إذ هو المكان الوحيد في المدينة الذي يحق له تصوير المستندات. خطفت رجلي سراعاً إلى قسم الشرطة ، دفعت الرسوم المقررة ورجعت إلى أمانة التعليم، وعندما طلب مني شهادة الجنسية، أخرجت له جوازي. حينها علم أن الجواز غير نيجري، أشار أن لابد من استخراج جنسية نيجرية إلا أن معرفة اللغة شرط أساسي فيها! عاجلنا بالخروج من هذه الورطة بمقترح آخر، فذكر أن له صديقاً بناحية العاصمة نيامي يُعرف بدكتور بالو أو جالو له معهد لغات ويحتاج لمدرسين أجانب. قلت خيراً إن شاء الله، فوعدني بالاتصال به وإفادتي في بحر أسبوع. عاودته بعد الأسبوع فأعلمني بأن الدكتور استلم أوراقي وتم اعتمادي وبشرني بالوظيفة الجديدة والراتب المغري. ثم عاودته بعد أسبوع فأرجأني بانتظار تدبير التذكرة. حامت خيالاتي بين التأقلم والمواطنة أياماً لدرجة أن حلمت بأني تزوجت من تلك البلاد و أردت زيارة موطني مصحوباً بعائلتي. وعندما نفد صبري طلبت منه فقط إعلامه بمقدمي في التاريخ المحدد ثم حزمت أمتعتي ميمماً صوب العاصمة. |
كان ذلك الصباح المفارق مدينة زيندر كأنه فراق وامق، عمال الورشة عن بكرة أبيهم في وداعي ، نساء الحي وصغاره في اشرئباب لمعرفة المفارق. بعد أن طمأنت تاجر السجائر بعدم نسيان وصيته المتمثلة في زوج الـ(تاكِلمي) وبمخيالي كل ما من رأى الموكب المودع نفحنا ابتسامة وداع. زودني مضيفي بعنوان مطعم في قلب العاصمة باسم (مطعم الخرطوم) لصاحبه محمد علي السوداني المطابق لاسمه ، فما أن أصل إلى هناك وإلا تتبدد حيرتي. لو زعم شخص مجرد زعم أنه أينما ذهب في بلاد النيجر وجد سودانياً من ابناء جلدته لوصفوه بالخرف ، وها أنذا أينما تنداح خطاي أعثر على سوداني! ثم استقللت الحافلة المتجهة إلى نيامي العاصمة لتسلك طريقاً بطول ألف كيلومتر معبداً. تحركت بنا حافلة سعة الأربعة وعشرين راكباً في طقس مغتبن بين هبوب رياح الشتاء المغادر ودرجات حرارة الصيف المقبل . وبعد ان اتخذت متكئ قبالة النافذة أتصيد مناظر تلك البقاع إذ تمر بي تربة طينية حمراء تمتاز بعض الشئ بكثافة أشجارها مقارنة بحوض أقديس الخالي الوفاض. جهاز تسجيل الحافلة يبعث غناءً رزيناً تصاحبه آلة موسيقية أقرب إلى الربابة إن لم تكن هي هي. تمر المشاهد أمامي اقتراباً وتباعد، لافتة متواضعة تشير إلى طريق العاصمة نيامي باللغة الفرنسية ، كومة أكواخ مبلطة بالطين الأحمر تجلس على جذوع أشجار ضخمة ولها أبواب شبه دائرية تقبع خلف قرية خمنتها (سويبات) مخازن غلال من خلال تنبع فكرتها العملية في جعل مياه الأمطار تمر من تحتها دون تأثيرها على الغلال. ها هنا زرافة تجد المسير بحثاً عن ما يخفيها وراء الآكام من أزيز السيارات حيث لا يخفيها إلا الظلام كما تطابق مع مقولة الراحل جون قرنق في نصح السيد الصادق المهدي في مسربه خارج الوطن فيما معناه: (أن الفيل لاتخفيه أشجار الغابة) بعد مسير ساعات لا أذكر عددها توقفت بنا الحافلة عند قرية تظللها أشجار تشبه السيال تكتنفها بحيرة لعلها نهر انصرم في موسم الجفاف. رجال عواجيز وصبية يجذون جذور نبات الديس من البركة ربما لاستخدامها في فتل حبال. لم نعثر في مطعم تلك المحطة على طعام يذكر غير أسماك محمرة وفصوص من قصب السكر، فحصلت على بعض منها وتابعنا المسير. شاهدت على مخرج المحطة رجلاً عجوزاً يجلس أمام كوخه يستطعم بعضاً من فيتامينات الشمس ويفتل حباله بظهر عار وسروال حسبته من ذوات التكة وأمامه حزمة من الديس تمر بقربه امرأة فرنسية ولكنها تتمنطق بلباس نساء النيجر تخاطبه: حاجي! إنا كونا، لا هي لو إنا سنجي فيرد: إنا كونا لا هي لو تماد الله، بركة، سنجي لو كشي وباستمطاق كلمات مثل حاجي، وتماد الله وبركة ووقتي (لوكشي) يتضح مدى تأثير اللغة العربية في لغة الهوسا وهذا ما ذهب إليه علماء اللغات بأن لغة الهوسة هي مهوسة (من الهوس) عن العربية، ولا غرو إذا كانت حتى ألفاظ العقود الهوساوية عربية صرفة وهذا ما يتوعدني عند سماعي لغة الملايو (بهاسا ملايو) في أرخبيل الملايو جنوب شرق آسيا حيث أنها كذلك متحت من اللغة العربية حتى فاض معينها، إلا أن أسباب أخرى تقبع وراء تحويل تلك اللغات لاستخدامها الحرف اللاتيني مؤخراً. |
[align=center][overline](16)[/overline][/align] نهبت بنا الحافلة مشواراً مقدراً حتى أصاب الخدر غالبية الركاب ، فاستسلموا مهدهدين للنوم الجالس حتى رفع النهار رايته الحمراء استسلاماً لمساء ذي شفق غاضب وحمرة غامقة، وقد فاتت على كاميرتي صور عديدة كنت أمني نفسي بطبعها على ذاكرتي الحديدية التي لم تصدأ. فإذا بي أصحو على مدخل مدينة التقطت اسمها المتردد على أفواه الركاب طالما تردد على شفاه المسافرين بزهو وموسيقى عجب. لمحتها مكتوبة على لوحة فارعة تزاحمها لوحات إرشادية ودعايات أفلام أخرى باسم بيرني انكوني، فأصابني شئ من أمل بأني على أعتاب مدينة موشحة بأضواء النيون و يشار إليها بالبنان. شقت الحافلة طريقها وسط الزحمة ثم توقفت داخل المحطة العامة وسط المدينة حيث جمع غفير من الناس يركب بعضهم بعضاً في مشاهدة فلم على نصف شاشة لسنما متجولة في صحن السوق المفتوح. أسراب من الجراد تظهر وتختفي ونساء في الريف الفرنسي يجمعن العنب وخلق الله مسمرة أنظارهم ناحية تلك الشاشة المربعة لا يرغبون عنها فكاكاً. يبدو أن حراك تلك المدينة مرده توفر عدد مهول من المنظمات الأجنبية فيها. انحدرت داخل السوق كأني أبحث عن بائعة شاي أعرفها أو بائع متجول يحمل على كتفه بضاعته ويردد (متلاقة مشت، متلاقة مشت) موس حلاقة مشط ، موس حلاقة مشط . ليس السوق بغريب عني أبداً فقد مررت على هذا السوق نفسه مراراً وتكراراً في أيام الموالد النبوية في ساحة سوق كوستي ليلاً وتناولت فيه الشاي والزلابيا (جنى الرغيف) وأنواع مختلفة من حلويات المولد. كما أن محال السوق المخلقة من ألواح الزنك المتحلل حوافها الملتصقة بالأرض من جراء البول الجماعي، صورة هي هي. برج منصوب للإرسال في قلب المدينة ومطاعم شعبية مفتوحة يضوع شواؤها في كل مكان، تماماً كمطاعم الفول والكمونية والكبدة بالطوة التي تناثرت داخل مدينة كوستي على شواطي المصارف المتجهة إلى النيل الأبيض. لذا لا غرابة أن أجد نفسي في مدينة آلفها منذ أن كان عمري تسع سنوات حيث أرسلتني الأسرة إلى مدينة كوستي عبر البنطون لأشتري لها بعض حاجياتها وأنا في جلباب مخطط على شاكلة جلابيب الصعايدة انسرب من جموع الركاب في البنطون مهرولاً ناحية (ملجة) كوستي حيث أهرامات البطيخ والشمام والقرع وقطعان الخراف وبصات ود دكونة وتندلتي و(لواري) شاحنات الصعيد المتروسة بالقنا وكرات الدليب والسعف، فيعترضني في الطريق المدبب على النهر قبل أن أصلها ثلاثة رجال جالسون يُقسم أحدهم عليّ بمشاهدة هذا الرزق الذي ساقه الله إليّ، وذلك فقط بتثبيت عود وسط حلقة شريط ملفوف بطريقة خادعة ومن ثم أكسب جنيهاً كاملاً. عندما تمنّعت بين تصديق الكبار وناقوس الحذر، طعن الشيخ العود بنفسه وسحب الرجل الآخر الشريط وصاحوا كسبان يا ولدي، كسبان يا ولدي! قال له: اعط ولدي ده جنيه ، فانتزع منه جنيهاً أخضراً واستسمحني أن يلعب به نيابة عني، وبعد برهة أعلن أني كسبت جنيهين تمامين، فوليت هارباً ناحية السوق وتركتهم يتصايحون، أن أرجع يا ولدي حظك قبض! إنه الملوص، إلا أن عقلي كان مركوزاً في قطع السمك المقلي والشمام النافذ الرائحة فلم أعقب. لربما كان اندياحي في سوق برني انكوني لذات الرائحة ونفس العبق. |
أخذ المسافرون قسطاً من الراحة والطعام ثم انحشروا في حافلتهم صوب العاصمة. كان الخروج ملتوياً وصعيباً من المدينة . أرتال السيارات المكدسة في السوق وحوافه، طبليات النهار التي تم ركنها حيثما اتفق، بائعو الليل ومواعينهم ودور الخيالة المتجولة، كلها غصت بها ساحة المدينة وأخرت خروجنا المقدس. لم تمض إلا لحظات حيث استسلمت في نوم عميق صحوت على إثر رفرفات أرتال الحمام في فجر متنفس على موقف سيارات مدينة نيامي العاصمة، فلزم المسافرون مقاعدهم حتي ينجلي الصبح وما الإصباح بأمثل. عندما أطلت علينا شمس اليوم الجديد على حياء، تلمست أغراضي وطفقت أبحث عن صنبور ماء أغسل منه وعثاء سفري واستاك، وريثما فرغت من ذلك مرت زرافات الفتيات اللاتي يحملن على رؤوسهن الفطائر والزلابيا، فتناولت قدري وحملت حقيبتي صوب العنوان الذي حفظته عن ظهر قلب. شاهدت جموع الناس تستوقف سيارات ليست بالتاكسي ولكنها تقوم مقامها ويحدد الركاب وجهتها إما إلى السوق الكبير أو ناحية الأحياء. فالتقطت طلب بعضهم بنطق (قراند مارشي) السوق الكبير وانحشرت في سيارة الأجرة معهم. لم تبرح السيارة حرم ذلك المكان حتى لمحت على صندوق خشبي كبير مكتوب عليه بالطباشير في أسفل قاعه عبارة (مطعم الخرطوم) فصحت: أن قف! دفعت ريالين سيفا وذهبت ناحية المسمى مطعم. لم أبلغ بابه حتى خرج رجل من المطعم بجلباب سوداني وعمامة بيضاء سلمت عليه وسألته: سوداني؟ فرد، بلا تشادي! ولكن السودانيين بالداخل. دخلت عليهم فرأيت أحدهم ضافراً رأسه واسمه عمر راستا من كردفان وأما الثاني فمنهمك في إعداد وجبات الفطور فاسمه كيلي من الزاندي . رحبا بي غاية الترحاب وأجلساني على ككر وسط الكشك ثم بعد أن فرغ الطعام المكون من مرق ومسلوق جذور البفرة، دعياني بكل كرم ، إلا أني لا أعرف سبيلي إلى تلك البفرة والحساء، فانتظرت ريثما يشرعان وسلكت طريقتهم كأبدع ما يكون. رشفنا أقداح الشاي وشرعا في لغز الواحد والعشرين سؤال. وجبة البفرة يتناولها الإنسان مرة واحدة لمدة يوم كامل وكلما أغدق عليها ماءً انتفخت بطنه حد التخمة. بدأت لهم من السلام عليكم وحتى دكتي التي اعتليها أمامهما. ثم ذكرت سبب مجيئ إلى هنا طلباً لمعهد الدكتور جالو. قفز أحدهم وهو من أبناء أم درمان، حضر متأخراً وقال لي: إن دكتور جالو هو أستاذهم في جامعة نيامي وهو معروف بالبلطجة والتسويف كما أنه متهم باختلاس أموال الجامعة وتهرب عن استرجاعها مما شرد الطلاب من الداخليات وهو أحد ضحاياه. فصب عليّ الخبر مزيجاً من القنوط وسوء المآل . إلا أنه تبرع بتبليغي إلى منزله، فشكرت له صنيعه. أخبروني فيما أخبروني، بأن هذا المطعم لصاحبه محمد علي الدنقلاوي وهو من دنقلا العجوز، عادة ما يحضر متأخراً إلى المطعم . |
انتهزت الفرصة وطلبت من محدثي الذهاب إلى منزل الدكتور جالو. شققنا عدة طرق مختصرة بين الأطيان والقطاطي المفصولة بأسوار متواضعة حتى وصلنا إلى بيته. بعد أن طرق الباب حضر إلينا بنفسه واضعاً على رأسه غترة السعوديين المخططة باللون الأحمر وأدخلنا إلى ناحية مكتبه الكائن داخل المنزل الطيني. بعد المجاملة والترحيب ، سألته هل تلقّى بريداً يحمل شهاداتي للوظيفة المقدمة من الأستاذ إبراهيم أمين التعليم في زندر وقد تأخر ردكم بسبب التذاكر؟ فأجاب بأنه ليست له أدنى معرفة بذلك ولا يعرف شخص بهذا الاسم في تلك الزندر. فسألته عن معهد اللغات الذي يديره. فقال: إنه فكرة تحت الإنشاء ولم تتوفر بعد السيولة الكافية للشروع فيه. حينها أدركت أني ضحية لحسن ظن فاسد لا غير. الدكتور جالو خريج جامعة سعودية ويجيد اللغة العربية بطلاقة مشبوبة بلهجة السعودية. رجعنا أدراجنا حيث مطعم الخرطوم أجرجر أذيال الخيبة ونقطة اللاعودة. متفرساً في هكذا عقلية تنسج من العدم أحلاماً ولا في الخيال من أجل ماذا ولماذا! علمت من الإخوة أن الطلاب السودانيين حضروا من نيجريا بعد أن ضاقت بهم السبل ولم يجدوا مخرجاً غير الالتحاق بجامعة نيامي التي فُتحت فيها كلية لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية على نفقة دول الخليج. ثم ذكروا لي معاناتهم في الحصول على لقمة عيش ولولا هذا المطعم لنفق الجميع. لم يجدوا مفردة وإلا وصفوها لي بأن هذه البلاد هي الحفرة الحقيقية التي ما إن يقع فيها الفرد لا خروج له البتة. فأصابوني بإحباط لم يبارحني حتى خرجت من حدودها. كما ذكروا لي أن عدد السودانيين هنا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وأن أحدهم يعمل في المنظمة الكويتية بأسرته ناحية حي الموظفين. عندما أدركنا وقت العصر وصلت سيارة ماركة أوبل رمادية عليها رجل أحمر طويل يضع طربوش ليبي أحمر كذلك على رأسه، نزل منها واستقبله الجميع بلقب (هاجي) الحاج، فأدركت أنه صاحب المطعم. سلّم على الجميع وقدمني السيد كيلي له فاستقبلني استقبالاًَ كريماً وهلل بمقدمي. لم تمض برهة من الوقت حتى دعاني إلى سيارته وذهبت معه إلى منزله، المنزل الوحيد الذي وقعت عليه عيناي مبني من طوب البلك الأسمنتي في تلك البلاد وتحرسه شاحنتان من خشية الفقر من شاكلة عابرات القارات. سلّمت على أسرته المكونة من زوجه الطوارقية وعدة فتيات وقد قص لهم رحلتي ومبغى وصولي إلى هنا. ثم قدمت لنا زوجته طبقاً من الفواكه الإستوائية أراه لأول مرة، إنه فاكهة تتشبه أثداء النساء المتهدلة داخلها لب برتقالي يضم حبيبات سوداء في تراص يشبه لولب الجينات. إنها الباباي التي سمعت بها على أنها الفافاي و تأتي مع الشاحنات القادمة من جنوب السودان. طلب مني أن أصحبه في نزهة تعريفية حول المدينة. مررنا بشارع ترصعه عواميد الإنارة بسفلته تبلغ كيلومترين لا غير. أخبرني محدثي بأن هذا هو أرقى شارع في المدينة. مررنا على مبنى فخيم قال إن هذا كان في السابق مصرفاً تم إنشاؤه على نفقة الصندوق الكويتي السعودي إلا أن الموظفين فيه نهبوا أمواله في غضون ستة أشهر وتم إغلاقه ليفترشه الشحاذون والمعاقون والعمي والمجذومون. هذا هو السكن الشعبي الذي شادته جهات خيرية سعودية ولكن استأثر به الوزراء وعلية القوم. تفرجنا في سوق الخضار ذي الفواكه العجيبة والثمار التي أغلبها جذور نباتات. علمت من محدثي أن تلك الخضروات أغلبها مستورد من بوركينا فاسو. حضر محمد علي في أوائل السبعينيات قادماً من ليبيا سائقاً لشاحنة فاستقر به المقام هنا، ومن يومها لم يرجع إلى ليبيا ولا إلى السودان. يحمله شوق قاتل حيال دنقلا العجوز وكل ما هو سوداني . حصل على جنسية تلك البلاد وتزوج من طوارقها ويعمل بالتجارة عبر دول تبدأ من النيجر وتنتهي في شرق أفريقيا، إذ تجمع تلك الدول اتفاقية تجارية ويربطها خط طيران أفريقي ولهم حرية التنقل والاتجار. نصحني محمد علي إن كان لي مبلغاً يسيراً يمكنني أن أشتري سيارة أجرة يعود عليّ ثمنها في خلال سنة واحدة . فبإمكانه اختيار سائق أمين يعمل فيها بنظام الإيراد اليومي . فأعلمته أني جئت بحثاً عن هذا المال ولم أبلغه. حينها نصحني بالرجوع إلى ليبيا سراعاً فذلك خير لي ألف مرة من الموت البطيئ هنا. |
السلام على روح سودانيات المغفور له -بإذن الله-
خالـــــــــــــــــد الحــــــــــــــــــاج سأعود قريباً لبقية السرد بعد فقدك إن شاء الله |
اقتباس:
فلك وصف ساحر والله |
عزيزي طارق الحسن محمد
تجدني شاكراً ومقدراً لكم هذ التشجيع لقد ركنت بعض الشئ عن المواصلة بعد مداخلتي أعلاه إلا أن تحفيزكم حرك همتي لكم الشكر والعرفان أخي |
-17- في تلك المدينة - نيامي- نصحني البعض من الإخوة بأن أيمم شطر باماكو عاصمة مالي التي لا تبعد أكثر من سويعات غرباً، إذ يمكنني أن ألقي بعصا ترحالي في إحدى السفارات الأجنبية أو المنظمات الإنسانية هناك. إلا أن خيط الأمل الذي رصدت في مزودي لم ينظر منه شيئ ذو طِول ليحمل ما تبقى من عزيمتي، علاوة على أن التمادي في رحلة المسير غرباً في مجاهل أفريقيا لربما انتهت بي إلى بلاد الشناقيط حيث تغرب الشمس دون حساب خط الرجعة. فقد قدرت أن الرحالة ابن بطوطة أوفر حظاً في رحلة مسيره حتى بلغ مشرق الشمس وعودته بعد سنين إلى بلاده سالماً رغم فارق الزمان وتباين الأحوال. وقفت قبالة نهر النيجر لالتقاط آخر المشاهد قبل مغادرتي بلاد التكارين والزبرما و الطوارق والبررو. لاحظت أن نهر النيجر الذي أخذ من النيل الأبيض صفاءه و من النيل الأزرق سرعة جريانه وضيق صدره يوشح صفحته تماماً كالنيل الأبيض بنباتات الماعونة ذات الأوراق المفرغة وترصع ضفتي منكبيه أنواط من نباتات البردي والبوص، علاوة على المراكب المصنوعة من جذوع الأشجار والتي تسمى في بعض نواح السودان (سريتق) تجوب مياهه غادية ورائحة محملة بالأعشاب وشباك صيد السمك. على مرمى ناظري جسر حديدي يربط شقي المدينة كشأن أغلب العواصم التي تتخذ من ضفاف الأنهار مسرحاً لمربطها. من على يساري يقع حي الموظفين الذي تم تشييده بهبات خارجية وبدلاً من أن يعتمره المحتاجون استأثر به علية القوم والموظفون في الدولة، هذا المجمع السكني يشبه في طرازه أشلاق الشرطة ذات الأبواب الزرقاء وتصاميم المساكن المنسوخة. على شمال المدينة تقع غابة من أشجار النيم حديثة الغرس تخذها الجمهور ضروة لقضاء حاجاتهم. فههنا رجال ونساء يفرغون حمولة أمعائهم وهناك من الشباب والشيوخ من يتعاطون الحشيش ويرسمون سحب الدخان داخل الغابة أما أكوام الزبالة فترسم معالم تضاريسها. شاهدت فيما شاهدت على طول شوارع العاصمة أن المارة وهم راجلون أو من على دراجاتهم أو سياراتهم يدلفون إلى الشرطة المنتشرة في الشوارع ويقدمون لهم ما تيسر مما يسد الرمق ولو للحظات، فقد نما إلى علمي أن البلاد لم تصرف معاشاتها مدة ستة أشهر فتكفل العامة بالمحافظة على استمرارية مظهر الشرطة والحفاظ على الأمن عن طريق النفير. رجعت أدراجي وفي تلك الليلة الأخيرة ما أن عجمت كنانة أفكاري لم أنتزع منها إلا سهماً واحداً هو خيار الرجوع إلى ليبيا، كل الآمال العراض في رحلة هروبي من جحيم ليبيا انتهت محصلتها في العودة إليها بكل تلهف. مسكين ابن آدم في نسج آماله، يبدأ فجر حلمه بصيد ثمين بأن لا يقنع بما دون الزراف صيداً وينتهي به عند منتصف النهار بالاقتناع بصيد جرذ صغير كاف للجم طموحه بينما كل الصيد في فترة القيلولة ينتهي به المقام إلى جحوره إن لم يكن إلى جوف الفراء! في الصباح الباكر لم يكن بمعيتي متاع ذو قيمة لحزمه فقد تبرع الأخ محمد علي بمساعدتي في العثور على سائق من رفاقه لتوصيلي إلى مدينة أقديس إلا أن ما تبقى في خزانتي النقدية حسبته كافياً حتى بلوغي مقصدي. شيعني الأخ محمد علي ابن دنقلا العجوز و السيد كيلي وعمر راستا و عبدالكريم ابن أم درمان إلى محطة الحافلات مودعين، يمكنني بكل زهو أن أقول أن مدينة ميامي بكاملها خرجت في وداعي بل أكثر من ذلك أن السودان كابر عن كابر خرج في وداعي وهل العالم هو غير ما ندركه ننتمي إليه ونحسه! ولم أجد ما أتركه لهم من ذكرى خلفي غير بعض أشرطة الأغاني السودانية التي أعطيتها إلى محمد علي وقد سُر بها أيما سرور. بعد أن ودعوني حصلت بالكاد على مقعد في آخر الحافلة وسط نساء بأحجام لا تتناسب و ظروف السفر الطويل فحشرنني بينهن لدرجة أنني لم أكن بحاجة للاعتماد على مقبض داخل الحافلة لأثبت به نفسي، ثم بدأت رحلة الحافلة وبدأ الجميع في قشر التسالي والفول المدمس وقصب السكر و القورو ، لقد جرت معركة فرم وتقشير داخل الحافلة لو تفرست ملامح المسافرين لحسبتهم عمالاً في مطاحن الغلال من شدة الغبرة و مخلفات التبن. من هنا يبدأ الضلع المكمل لمثلث الطرق الرئيسة التي تربط تلك البلاد حيث تمر إحداثياتها من نقطة أقديس شمالاً مروراً بمدينة زندر جنوب شرق و نيامي في الجنوب الغربي ثم يكتمل في أقديس أخيراً. الطريق ضيق إلا أنه معبد كما وأن السيارات العابرة قليلة أو تكاد تكون معدومة. ما زلنا نرى بقايا أعشاب الخريف المتيبسة وقليل من صوى الطريق وعلاماته حتى مررنا على شرطة الطريق فدفعنا لهم المعلوم واتجهنا صوب شرطة أخرى وفي كل مرة يتمنون لنا رحلة سعيدة حتى حل المساء ودخلنا في أنوار متقطعة جهة مدينة لم نرها تسمى تاوا (Tahoua) وقد علمنا أن هنا يوجد المثلث اليوارنيومي والنيجر مشهورة بمعدن اليورانيوم إلا أن شعبه وحكومته لم يسمعوا به إلا في الأخبار العالمية. http://www.lonelyplanet.com/maps/afr...p_of_niger.jpg |
من مدينة تاوا لابد للسيارات من الانتظار حتى تكتمل القافلة و من ثم تسير بمعية الجيش إذ أن المتمردين الطوارق لهم حقوقهم أيضاً التي حددوا معالمها الجغرافية، وقد قضينا ليلتنا في معية الشرطة التي جمعت هويات الركاب وطلبت من كل راكب أن يدخل بنفسه إلى وكرهم لتسلم هويته بعد دفع المعلوم ولكن ذاك معلوم بثمن باهظ هذه المرة حتى أني أردت الاحتجاج إلا أن أحد الركاب لكزني بأن هذا لا طائل من ورائه.
قبل بزوغ الشمس في اليوم التالي حزم الجميع ما لديهم تتقدمنا قافلة الجيش وانطلقنا صوب مدينة أقديس التي وصلناها في المساء بينما كان الطريق خالياً من أي معلم حياة. لم تعوذني الحيلة عند وصولنا إلى أقديس فقد يممت شطر المنزل الذي استقبلني ورفاق ليبيا قبل شهرين. طرقت الرتاج الخشبي فاستقبلتني زوجته ريثما يصل من الخارج بعلها. بعد العشاء سألني عن وجهتي فقلت له ليبيا. وعدني بأنه سيستوصى بي خيراً عند الفجر لأن سائق السيارة المتجهة إلى ليبيا أخ له. في الصباح أخذ مني آخر ما تبقى من ما عندي ثمناً للتدكرة وذهب إلى موقف السيارة. ثم رجع الشيخ علي وأخذني إلي موقف الشاحنات المتجهة إلى ليبيا، هناك سلم لصاحب الشاحنة جوازي فحصه فسجله في قائمة المسافرين على أن يسلمه لي في الحدود الليبية . وقبل أن أصعد إلى الشاحنة سمعته يخبر صاحب الشاحنة أن على هذا السوداني مبلغ مائة دولار قيمة التذكرة عليه أن يدفعها و إلا لا جواز له في ليبيا! فدهشت لهذا القول وأعلمته أن قد سلمت الشيخ علي مبلغ التذكرة في هذا الصباح إلا أن صاحب الشاحنة صعد إلى سيارتة اللانكروزر وانطلق ومعه امرأة صوب الصحراء متقدماً الشاحنة. عندما حاولت إفهام الشيخ علي بأن هذا المبلغ الذي سلمته له هو آخر ما أملك ولا أعرف أحداً في ليبيا يمكنه إقراضي هذا المبلغ، فهددني بأنه إذا تماديت في هذه اللجاجة سوف يأمر هذا الشرطي الذي أمامنا ويدفع له مبلغ 20 ريالاً سيفا فقط فيرميني في السجن الدهر كله! تدخل الركاب و أمنوا على قوله و أعلموني بأن هذا الشيخ هو الآمر والناه هنا فلا داعي لخلق المشاكل وتأخيرهم من السفر. لا أدري بعدها كيف وجدت نفسي في سطح الشاحنة المتجهة إلى ليبيا وليس معي شرو نقير بل بدون زوادة سفر ولا ماء شرب و الأدهى بدون جواز سفر في رحلة قوامها خمسة عشرة يوماً بلياليها! من هنا شرعت الأقدار بصورة رسمية في نسج عبوديتي الحقيقية. |
- 18- بعد ساعات من امتطاء بحر الرمال في اتجاهنا إلى ليبيا بدأت تطفو إلى خلدي قناعات فيما قام به الشيخ علي من تصرفات تجاهي. لا أنكر أنه قد استقبلني ورهطي في مقدمنا من ليبيا و أكرم وفادتنا دون مقابل ثم ها هو يستضيفني ليلة كاملة بعشائها، لذا قدرت تصرفه لكونه واقع في دائرة تسديد فاتورة النزل والمطعم لا غير. لا سيما أن هذه الصحراء اللئيمة تطبع ساكنها بقيم الشظف و الأثرة والفاقة والقسوة، و من عثر فيها على وسيلة تسهم في بقائه منحها الأولوية في تراتبية القيم الفاضلة فقد طبق الشيخ علي صفة كرم الصحراء وصفة الحفاظ على البقاء. ومن هنا شرعت بتصنيف تصرفات البشر في مثل هذه الأحوال حسب البيئة التي يعيشون فيها، فمن عاش في بلاد مدرارة الخير كثيرة الماء أظهر قيم الكرم المتريث والتمهل في طلب الأشياء وتساهل كثيراً في الاستحواذ، ومن عاش في بيئة ماحلة لابد له من إيجاد وسائل للاحتيال عليها من أجل بقائه، إذ أن النفس أولى من الصاحب. كما أني كشأن أي مسافر لا بد لي من دفع كل مستحقات رحلتي من فواتير نزل إلى المطعم ولربما حتى بقشيش الدليل الإرشادي للأماكن. فإن استغلال إمكانيات الآخرين بشكل أخوي يقع في دائرة غير المشروع أخلاقياً. عندما أقمت حواراً داخلياً مع نفسي بررت فعلة ذاك الشيخ وانصرفت إلى المشاكل التي تواجهني في حينها الآن. لاحظت في رحلة إيابي هذه، أن شاحنة المرسيدس التي تقلنا تحمل أقل من عشرين راكباً، أما باقي الشاحنة الخلفي مملوء بكراتين مغلقة علمت في الحدود الليبية على أنها خمور مستوردة، كما أن بمعيتنا عدد لا بأس به من الخراف المصدرة إلى ليبيا. لقد رافقتنا القافلة العسكرية حتى تجاوزنا وادي الموت الذي تُعقد فيه ألوية الكمائن وخطط الهجوم المباغت، ثم رجعت القافلة العسكرية إلى أدراجها. بعدها دخلنا في سديم الصحراء الواسع وقبل دخولنا لا بد من الإعداد لخوض غمار الرمال، فتوقفت الشاحنة لتحرير بعض الهواء المحبوس في إطاراتها. نزل السائق ونادى على المساعد وطلب منه إجراء اللازم، إلا أن المساعد النيجري الذي حسبته في البدء راكباً مثلنا -فقد استأجره مالك الشاحنة عاملاً عسيفاً لخدمة منزله في مدينة سبها- وعامله فيما بعد معاملة العبد، إذ ظل مالك الشاحنة يناديه طيلة أيام الرحلة بالعبد الكسول بالرغم من أن المساعد يبدو أنه لا يفهم لغة القوم ولم يتعامل مع السفر الطويل أو الآلات المتحركةً، فظل سلة لاستقبال شتائم السائف والمالك على السواء. يجدر بالذكر أن في رحلة حياة وموت كهذه لا يمكن للفرد المضطر الاعتماد على أي مسافر آخر، لأن ظروف هذه الرحلة القاسية الطويلة المملة قوامها التقصد في كل الممتلكات من أجل اجتيازها بسلام. نزلت على عجل دون تفكير من على الشاحنة و سألت السائق عن المطلوب، فأعلمني بتثبيت عداد الهواء في كل إطار وانقاص الهواء إلى قدر معلوم من كل إطار من إطارات الشاحنة الثمانية الخلفية، ففعلت ذلك بكل نجاح كخبير محترف لخدمات البنشر، ثم جمعت المعدات و أودعتها صندوق الشاحنة القابع في ظهر غرفة القيادة (التندة) واتخذت مكاني هناك كمساعد ذي خبرة! أستكشف القادم من الطريق وأقوم بإرشاد الركاب وتوجيههم لدرجة أنهم أطلقوا علي صفة (افرنتي) ومراقبة حمولة الشاحنة من السقوط. قطعنا ساعات في المسير ثم توقفنا مرة أخرى لأن الطريق تحول إلى صخور وحجارة فلا بد من زيادة كمية الهواء داخل الإطارات حتى لا تثقبها مسامير الأرض الحجرية. مد لي السائق خرطوم الهواء المتصل بمضخة الهواء (الكمبرسون) الملحقة بالسيارة فثبته في كل إطار و أضفت قدراًَ معلوماً من أرطال الهواء لكل إطار. بعد إكمال المهمة طلب مني السائق أن أجلس بقربه في غرقة القيادة وهكذا تم ترقيتي إلى الرجل الثاني في سفينة الصحراء هذه . أمضينا ساعات في المسير ثم انتظرنا مالك الشاحنة على الطريق وقد أخبره السائق بأن المساعد النيجري لا يرجى منه مساعدة و أن هذا السوداني هو الذي يقوم بالمساعدة ، فأشاح مالك الشاحنة عن هذا الخبر وطلب إعداد الطعام. أشعل السائق وابور الغاز ووضع اللحم والبصل و الصلصة في الطنجرة ثم أضاف ماءً مهولاً حتى إذا بلغت درجة الغليان أهال عليها كيسين من المكرونة وقدراً من البهار ثم وزعها في صحون ولها بخار يضوع و أرسل لمالك الشحنة و المرأة في سيارتهما نصيبهما. بعد أن تناولنا وجبتنا الدسمة أمر السائق المساعد بتنظيف الأواني ووضعها في صندوق الزوادة ، ثم ختمناها بشاي كشري ونفحني السائق لفائف من السجائر ثم استأنفنا المسير كرةً ثانية حتى منتصف الليل فتوقفنا و أقمنا سرادق المبيت و أمضينا ليلتنا هناك. واصلنا في الصباح الباكر المسير لأن الصحراء أكثر تماسكاً و أسهل لسير الشاحنة حتى إذا انتصف النهار وتفككت مسامات الرمال وغاصت الشاحنة في عمق الرمال أنزلنا الصاج و حثثنا الركاب بالنزول لتخفيف الشاحنة وطلب مساعدتهم الجماعية فانتشلنا الشاحنة وانتبزنا موقعاً عالياً أمضينا فيه قيلولتنا ، فأعد الركاب طعامهم وأخذنا قدراً من الراحة ، حتى إذا تعبت الشمس من تقرفصها في كبد السماء وسلمت نفسها إلى الأفق الغربي شرعنا السرى واستطبنا المسير. استمر الحال هكذا نهجع في القائلة ونسير في أول النهار وليله حتى بلغنا الحدود النيجرية فقدم السائف لهم أوراقنا وصندوقين من كل نوع من حمولتنا ثم انتهينا إلى جمارك ليبيا فطلب السائق من الركاب النزول والانتظام في صف ، بينما دلف مالك الشاحنة إلى مكتب الجمارك . بعد أن تم التصديق بالدخول على جوازات الركاب أما شخصي فلا يحتاج إلى تأشيرة دخول إلى ليبيا لأني في عداد العرب وليبيا بلاد كل العرب! دخلنا إلى استراحة الجمارك وأمر مالك الشاحنة بإنزال صناديق مهولة من الخمور للجمارك كما أمر بذبح سمين. في هذه الأثناء قابلت ثانية الضابط الرحومة الذي أعرف أقاربه الذين يزورهم من فينة لأخرى في مدينة راس لانوف، سالني عن أحوالي ورحلتي ونصحني بالرجوع إلى مدرستي القديمة بعد هذه الرحلة الخاسرة، كل هذا ومالك الشاحنة يتعمد أن يسمع ما يدور بيننا ويتظاهر بالتجاهل. طلب مني الرحومة المشاركة في إعداد العشاء بعد أن وصف السودانيين بأنهم خبراء في الطبخ ولا سيما في إعداد ما يعرف بالقدحة من الثوم المحمر بالزيت التي تعطي الطعام نكهة مقدرة . بعد أن تناولنا عشاءنا واحتسى مالك الشاحنة ورفقاؤه من المشروبات الكحولية ، أثنى علي الرحومة مرة أخرى لجهودي في إخراج هذه الوجبة الدسمة ، قفز مالك الشاحنة من على كاسه وناداني: أين السوداني؟ قفلت: لبيك. قال: خذ هذا جوازك فإنك رفيق سفر ممتاز ولا أريد منك مبلغ المائة دولار ! لم أصدق أن تؤول الأحوال حول معضلة جوازي بهذه السرعة من الانهيار، صحيح أن الله يعجب من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل، فأخذت جوازي وشكرت له صنيعه. تحركت الشاحنة صوب واحة القطرون ومدينتها، وكل ما دار بخلدي في هذه المسافة المتبقية هي الخوف من انقشاع حالة السكر لدى مالك الشاحنة والمطالبة بإرجاع جوازي كرة أخرى! لذا عندما حطت سفينتنا في جمارك القطرون، هبطت من الشاحنة سريعاً وودعت سائقها وانسربت داخل القطرون رغم أنها لا تعدو أن تكون أكثر من قرية قديمة ولا أعرف فيها دليلاً. |
تحية ادم
وشكرا للعودة والمواصلة اكتب اخى والله انى لك من القارئون مودتى |
اقتباس:
تحية ادم وشكرا للعودة والمواصلة اكتب اخى والله انى لك من القارئون مودتى تحية ادموشكرا للعودة والمواصلة اكتب اخى والله انى لك من القارئون مودتى ____________________________________ العزيز/ طارق الحسن مشكور على تشجيعك الكريم و إلا ما كان واصلت في الحكي أها بعد محطة ليبيا و مالطا أنتقل إلى أقصى آسيا وما زلت فيها أهديك: http://www.youtube.com/watch?v=czOdx...layer_embedded |
ادم صيام
لك الود اكتب ... هذا ما نحتاجه ان تكتب وتبدع في الوصف هذا ما ينقصنا اكتب واسعدنا |
اقتباس:
ادم صيام لك الود اكتب ... هذا ما نحتاجه ان تكتب وتبدع في الوصف هذا ما ينقصنا اكتب واسعدنا __________________ ربي ارحم خالد الحاج شكراً الحبيب/ أبوعلي لمروركم و الثناء إن شاء الله عزيزي دم بخير |
العزيز آدم صيام
صباح الترحال بعصاه التي تأبى إلا أن تجرعنا من عسفها والحنين .. !! قرأتك واستعبرت حينا من الروِي المنتظم بالألم .. أكتب ياأخي فقد تركتنا هناك معك في القطرون .. !! رد الله غربة السودانيين أجمعين .. غربة في النفس والجسد .. !! احترامي ومودتي |
العزيز آدم صيام ( ولضم درمان ) .. ياخى جننتنا ، اكون طالع او عاوز اعمل حاجه افتح موضوعك ده . اكرو تانى من اولو لى آخرو ، لا امرق ولا اقضى القرض . يومين تانى حأكون حفظتو . ياخى دى كتابه رائعه تخلى الزول يبقر .
لك التحيه شوقى .... |
اقتباس:
العزيز آدم صيام صباح الترحال بعصاه التي تأبى إلا أن تجرعنا من عسفها والحنين .. !! قرأتك واستعبرت حينا من الروِي المنتظم بالألم .. أكتب ياأخي فقدتركتنا هناك معك في القطرون .. !! رد الله غربة السودانيين أجمعين .. غربةفي النفس والجسد .. !! احترامي ومودتي العزيز/ طارق كانديك شكري العميق لمروركم من هنا القطرون بداية رحلة أخرى أخي الله يديني الوقت فقط (الروي المنتظم بالألم) يا لجمال التعبير أحدهم قال : اللؤلؤة هيكل بناه الألم حول حبة رمل! |
اقتباس:
العزيز آدم صيام ( ولضم درمان ) .. ياخى جننتنا ، اكون طالع او عاوزاعمل حاجه افتح موضوعك ده . اكرو تانى من اولو لى آخرو ، لا امرق ولا اقضى القرض . يومين تانى حأكون حفظتو . ياخى دى كتابه رائعه تخلى الزول يبقر . لكالتحيه شوقى العم العزيز/ شوقي بدري شكرا لكلماتك المحفزة يسرني مروركم من هنا و أنتم سياد شهامة و للحكي جندو بقرأ من شوقياتك وبعيد انتاجو بصورة أخرى عمو ------------------------------------- بصورتكم دي بتعلقوا لي في رقبتي التزام بالكتابة وعدم التوقف المتكرر ولو برفقتي ( أطفال)! |
اقتباس:
|
اقتباس:
فليكن يا سيدي... فليكن..! شكراً سيدتي وهاد لمرورك الكريم من هنا أوعدك أن أضيف الرقم (19) قريبا لا سيما أن هذه الأيام عطلة الإيستا تقبلي تحياتي من هونج كونج البعيدة إلى الخرطوم الجنبكم |
- 19- انسربت داخل بلدة القطرون خائفاً أترقب لا ألوي على شئ غير الابتعاد عن الشاحنة حتى لاتقع عينا مالكها على جوازي المحرر تواً. سرت في شارع رملي ضيق ملتو حتى وصلت إلى فضاء أشبه بالسوق بعد انقضاء سامره ، اقتربت من شخص عرفته بحدسي أنه سوداني ، سلمت عليه و سألته ما إذا كان يعرف نزلاً للسودانين في هذه البلدة، فحملني إلى أحد منازلهم وسط مساكن شعبية لمسيرة دقائق لا أكثر. كان باب المنزل ذو المدخل الواسع مفتوحاً على مصراعيه ، ههنا جماعة تستأنس فيما بينها وهناك جماعة تقوم بإعداد الطعام، بعد أن سلمت عليهم استرجأوني السلام عرفاً على مقولة الطعام قبل السلام. فور انتهاء العشاء علمت أنهم وفدوا من شتى بقاع السودان بحثاً عن رزق، فمنهم من يعمل ميكانيكياً ومنهم سمكري سيارات وآخر فني تكييف وتبريد و آخر بناء ونقاش ومنهم فني تصوير. بلدة القطرون تقع في عمق الصحراء الليبية من جهتها الجنوبية وهي آخر خط لمعالم التمدن في تلك البقاع إذ ينتهي عندها الطريق المسفلت والشوارع المنارة وخدمات البريد والترحيل المنظم. كانت القطرون فيما مضى واحة ذات شأن وصيت قبل أن تتطور وسائل الترحال وتغور مياهها التي تركت آثارها في أعجاز النخيل وبعض المنخفضات الرطبة. دار الحديث فيما تبقى من ذلك الليل في معرفة وصولي إليهم تلك البقعة شبه المعزولة وعندما عرف الميكانيكي أني قد عملت مدرساً طرح عليَ فكرة مقابلة أمين التعليم بالورشة الذي سيأتيه غداً لتسلم سيارته اللاندكروزر فقبلت الفكرة - أغلب سيارات تلك المنطقة من ذات الدفع الرباعي لطبيعة الرمال من ناحية ولقدرتها على تذليل التجارة بين الحدود مع كل من دولة تشاد والنيجر. ذهبت معه إلى ورشته المكدسة بماكينات السيارات بينما أرضية الورشة مغسولة بالجازولين وبقع شحوم السيارات. هناك ينتصب بلانكو ممسكاً بمكاينة سيارة وسلاسل جنازيره متدلية كيفما اتفق، هنا بالقرب من حائط الورشة حفرة مرصوفة بخطين متوازيين من الأسمنت لفحص وتغيير زيوت السيارات، بالقرب من باب الورشة مظلة للبنشر وتبديل إطارات السيارات بينما الأطر التالفة اتخذت شكلاً حلزونياً في شاكلة أسطوانة سوداء مفرغة. تجولت فحصاً في مكونات الورشة الصامتة حتى حضور أمين التعليم، رجل في مقتبل الشباب بينما المتعارف عليه في السودان أن أمين التعليم على الأقل في العقد الخمسيني من عمره متحاً للخبرة. بعد أن فحص سيارته واستلمها عرفني به الميكانيكي وعرض عليه فكرة استيعابي في التدريس لديهم، فوافق وطلب مني الحضور إلى المدرسة في الصباح مصحوباً بشهاداتي لإجراء التعيين واستلام وظيفتي. هكذا وجدت نفسي في اليوم التالي مدرساً بست وعشرين حصة ورفقة مدرسينِ سودانيين وتسعة مصريين و واحد صومالي اسمه أبتي. سكنت في الأيام الأولى في منزل أصحاب الحرف العامر، ثم منحتني المدرسة نزلاً على تلة تقع غرب المدرسة ذات فضاء واسع وسور طويل، فجاورت هناك المتعهد في مقصف المدرسة الأسطى بسيوني المصري. كان بسيوني رجلاً في غاية التهذيب ونعم الجار. فقد لاحظني في كل صباح أن أول ما أتناوله هو فنجان من القهوة (المدنلكة) ولا أتناول أي شئ معه من الإفطار! فعاب علي ذلك، إلا أني لا أقوى على تناول طعام في الصباح الباكر، فقدم لي وصفة سحرية مازلت أسير على نهجها حتى اليوم وهي أن أعد في الصباح قطعة خبز محشوة بما تيسر من إدام وكوباً كبيراً من الشاي الخفيف قليل السكر فأقضم لقمة و أتبعها برشفة من الشاي وبعد الفراغ بمكنتي أن أتناول قهوة أو شاياً لزوم الكيف. فعلمت أن هناك فرقاً بين الشاي المشروب للكيف و الآخر المشروب لبلع الطعام. |
تخذت في تلك النواح من فتى التكييف رفيقاً أتعلم منه عزف العود، فقد كان بارعاً في عزف العود وآلات موسيقية آخرى، إلا أن الظروف المفاجئة التي اجتاحته في القطرون عجلت بمغادرته إلى مدينة بنغازي قبل أن أعب منه حتى أبجديات كتابة النوتة الموسيقية.
التقيت في القطرون بالأستاذ/ عبدالله خالد البشرى، الرجل الفكه من أبناء الجزيرة أبا ، كان رجلاً ذا نكتة حاضرة كلما يلتقيني لا يبدأني بالسلام بل بآخر نكتة بلغت مسامعه. فقد ضاقت به القطرون حتى يمم صوب أنجمينا وقد خصني برفقته بدعوة من قنصل تشاد للذهاب لمساعدته في تقعيد التراث الشادي ولم ترق لي الفكرة. تعرفت عبر الأستاذ/ عبدالله على مدير الشرطة في القطرون وهو من قبيلة التيبو وقد أتاح لي الفرصة للتجوال معه في نواح القطرون وفيافيها وكل ذلك على سيارة النجدة ذات اللونين الأسود و الأبيض ومن على سقفها منبه المرور الأزرق والأحمر الأنوار. كان كثيراً ما ينتظرني خارج سور المدرسة لينقلني إلى منزله العامر بأمهات الكتب وقد طلب مني تلخيص بعض منها . ذات مرة طلب مني مرافقته إلى مزرعته شرق القطرون للتعرف على عجائب الإبل وصغارها. في الطريق المؤدية إلى المزرعة دارت بيننا قصص متنوعة عن عجائب الحيوانات، فقد ذكر لي أن حليب النوق يمتاز بمواصفات قل أن توجد في أي حليب آخر، كما أن الإبل تنشئ علاقات مع أصحابها من البشر تختلف كلية عن علاقات الحيوانات الأخرى بالإنسان. ذكرت له فيما ذكرت أن مملكة العناكب لها أسرار عجيبة في غاية الغرابة ، إذ ما أن يطأ ذكر العنكبوت أنثاه لا بد له من الهرب نجاة بنفسه ولسان حاله انج سعد فقد هلك سعيد، و إلا التهمته العنيكبة كما تلتهم طعامها! فرد علي محدثي بأن هذه الحالة توجد لها ما يماثلها عند البشر! كان ذات يوم متحرياً في شرطة مدينة سبها في قضية زوجة هندية قتلت زوجها الطبيب، وبعد سلسلة عديدة من التحريات التي قادها، عثر على اللغز الذي أدى إلى وفاة الطبيب . كان الطبيب يدون بصورة منتظمة حالة زوجته الغريبة لمدة تربو عن العشر سنوات، وهي بأنها أثناء الدورة الشهرية التي تنتابها تجتاحها ثورة عارمة لممارسة الجنس، ونسبة للمخاطر الصحية في ذلك فقد عمد زوجها في الليل إلى إغلاق غرفته عليه حتى تمر أيام الحيض ، إلا أنه أغفل في المرة الأخيرة إغلاق الباب وراءه فهجمت عليه زوجته ومع حمى الرغبة والممانعة انتهت المعمعة بأخذ حياته تحت مدية مستسلفة من المطبخ فأنهت سلسلة مدونته، ذكر العامة (أن الدقسة فيها اللحسة) وقد كان. إلا أن الأغرب من ذلك هو حكم المحكمة الليبية عليها بالإعدام. بلدة القطرون لمن لا يعرفها تقطنها قبائل القطارنة الأصليين كما وتسكنها قبيلة التيبو . كانت أغلب الحوادث في القطرون بفعل شباب التيبو البدوية عندما يتبادلون الطعن بالسكاكين التي بحوذة كل شاب منهم فيبقرون بطون بعضهم لأتفه أسباب الشجار. في ذات مرة حمل بعض من شبابهم مكيفاُ مسروقاً من أحد المنازل وعندما ضيقت الشرطة عليهم الخناق تركوه أمام ورشة فني التكييف صاحبي، فما كانت من الشرطة إلا أن حملت الفني إلى قسم الشرطة وأوسعوه ضرباً بالفلقة، والفلقة وسيلة تعذيب إيطالية الاختراع مارسها المستعمر الإيطالي ضد الليبيين سابقا،ً يعلق فيها الشخص من رجليه إلى السقف ويوسع ضرباً حتى يفقد وعيه و ذكورته ، فقد أشرف مدير الشرطة بنفسه على تعذيب صاحبي حتى غادر القطرون من غير رجعة. ومن يومها قطعت علاقتي بمدير الشرطة و ما يمت للسلطة بصلة إذ أنه أصبح من ضمن قائمة اللا أمان لهم. أمضيت عدة شهور في القطرون لم تبلغ السنة ثم غادرتها إلى مدينة تسمى مُرزُق إلى الشمال قليلاً، وقد عرفت أنها كانت مركزاً كبيراًً لتجارة العبيد فيما مضى. التقيت هناك بمدرسين سودانيين نصحوني بالذهاب إلى منطقة كانت تسمى وادي الموت وتم تغيير اسمها إلى وادي الحياة لتوفر العمل فيها بعقود مغتربين. فسافرت إلى قرية الأبيض وتم تعييني وثلاثة مدرسين آخرين بعد صلاة أحد أيام الجمعة. حيث أمضينا حولين ونيف كجزء من نسيج سكانها الطوارق، فقد كانوا في غاية الكرم مع الغرباء، لم يحدث أن قمنا بشراء مستلزمات الطعام من الخضروات والفواكه التي يزرعونها. فقد تقف سيارة محملة بالخضار على باب المدرسين ويشرع الطلاب في إفارغ حمولتها في منزلنا وما أن نستفسر و إلا رد علينا الأولاد بأن هذه أوامر والدهم ولا نقاش. فقد تحرش الزملاء الليبيون ذات يوم بي حتى كادوا أن يزوجوني الضابطة الليبية التي تعمل معنا في المدرسة. لم نبرح تلك المنطقة إلا بعد أن تم الاستغناء بصورة جماعية من المدرسين السودانيين والأطباء وأساتذة الجامعات وذلك بعد حادثة محاولة اغتيال العقيد القذافي في شرق البلاد وكان التفسير لهذه النكبة جاهزاً، بأن جيش السودانيين الذين يعملون في الجماهيرية ما هم إلا طابور خامس لحكومة السودان وعرابها الترابي لزلزلة النظام الليبي! فتم ترحيلنا في غضون شهر واحد بلا حقوق ما بعد الخدمة وتم تغطية الوظائف الشاغرة بمصريين في كل الميادين . ذهبت إلى طرابلس العاصمة فتلقفني تجار السفر الذين زينوا للكثيرين فكرة جنة الله في الأرض التي تسمى سلطنة بروناي ناحية أرخبيل الملايو، وذكروا أنها من أغني بقاع العالم و أن الموظف فيها يتقاضى ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار شهرياً غير بدل السكن وبدل السيارة لعدم وجود مواصلات عامة بها. |
(20) مغادرة طرابلس الغرب يرجع تاريخ هذه المدينة على الأرجح إلى العصور الفينيقية والرومانية حيث بناها الفينيقيون ضمن ما شادوا من مدن على ضفاف البحر الأبيض المتوسط وجزره وأسموها أويات بلدة الإله ملقارت. أهم ما يميز طرابلس هو وجود الطابية الحجرية ذات الفتحات الجانبية التي تزينها مدافع الحديد الصلب التي علاها الصدأ والفنارات المطفأة التي كانت في الأزل تهدي السفن التائهة والقراصنة على السواء. وإذا ما سلّمت مقود نفسك لقدميك لتنداح كيفما اتفق في المدينة القديمة لوجدت نفسك تسير في أزقة ضيقة رطبة تشبه الأنفاق المعروشة حينًا و المتروكة حيناً لشمس الظهيرة لتلقي بدنانيرها الذهبية عليها. أما إذا أمعنت في التجوال فستسير بلا شك على أنقاض مدن متراكمة بعضها فوق بعض وكأنما عدة مدن في المكان الواحد شيدت كل واحدة منها على أنقاض سابقتها. كل ذلك ويحييك بكل فخار قوس النصر التاريخي في المدينة القديمة وتشخص إليك بكل وقار ما تبقى من أسوارها وآثار بناياتها التالدة إمعاناً في حضور حقب الأزمنة الغابرة في تلافيف الزمن الحاضر. سكانها سكان البحر الأبيض المتوسط المختلفة ألوانهم، فبمكنتك مشاهدة وجوه حمراء من الغال ووجوه بيضاء من النورمان ووجوه سمراء صحراوية ويندر أن تجد ما يمت لأصلها الأفريقي بذي صلة. إن أجمل ما في مدينة طرابلس عاصمة ليبيا هو مناخها المعتدل نوعاً ما والأشجار المتوسطية التي تحف بضواحيها وتتحاشي أواسطها. بالقرب من الساحة الخضراء الرئة اليتيمة في قلب المدينة التي تطل على السماء المفتوحة تتناثر بعض المقاهي ويتجول كثير من السماسرة ولا سيما سماسرة السفر. السفر إلى أوروبا عبر المراكب المحفوفة بالمخاطر إلى جزيرة مالطا والسفر إلى سلطنة بروناي التي ذكر أحد سمسارة السفر أن بروناي هي جنة الله في أرخبيل الملايو، سلطانها من أغنى سلاطين المعمورة وسكانها بضع ألوف لدرجة انعدام المواصلات العامة فيها، وفي حاجة ماسة لمدرسي الثانويات وخاصة من البلدان العربية، فقد نما إلى مسامع الكثير أن الراتب الشهري للمعلم هناك قد بلغ ثلاثة ألف وخمسائة دولار بروناي خلافاً لبدل السكن وبدل السيارة. أكد على هذا القول وشدد عليه شخص ماليزي بزعمه مندوب لسفارة ماليزيا في ليبيا و بطرفه نفر غير قليل من ممثلي وكالات السفر الأسطورية التي تغز المكان جيئة وذهاب. ما كان لنفر سوداني مثلي مغلوب على أمره تم الاستغناء عنه دون مستحقاته قبل أن يحصل على شطر من حليب ليبيا وشطيرتها، ووطنه محروس بالقوائم السوداء منعاً للسفر لمن يسوى ومن لا يستحق وخميس من المواطنين مغضوب عليه تم تشريده ببند العطالة القسرية اسمه الصالح العام أن لا يسيل لعابه لفكرة السفر، وفوق هذا و ذاك فإن السفر البعيد والترحال أصبح متلازمة لا تفارقني ولمّا تمض بعد على رحلتي في قلب أفريقيا بعيد فترة. فقد بات من الصعب للمرء أن يقاوم مغريات تجار السفر الذين يزينون ما يقولونه بتأكيدهم على إعداد تذاكر السفر والتأشيرة في غضون ساعات وقبل استلام قيمتها. أمضيت ليلتي تلك مع بعض الطلاب السودانيين في جامعة طرابلس، الجامعة التي تظللها أشجار الزيتون المثمر ويتحكم فيها طلاب اللجان الثورية نتادرس أمر السفر حتى استقرت نفسي إليه، ثم حزمت أمتعتي ويممت شطر الميناء بعد أن استلمت تذكرة باخرة - ذهاب وعودة - من ميناء طرابلس إلى مالطا وذلك نسبة لسريان قرار حظر الطيران فوق سماء ليبيا وتذكرة طيران أخرى على الخطوط المالطية - ذهاب وأوبة مدتها سنة ولا ترد- عندما تسلم ناصيتك لتجار السفر فإنما تسلم خياراتك المتاحة فسيملون عليك شروطهم من غير رحمة ولا عزاء للبؤساء والمغلوبين على أمرهم. سجلت على دفتري أهم المحطات التي سأمر بها وأهم العناوين والشوارع التي ستحط بها مركبتي. في صباح يوم صحو تم حشرنا الواحد تلو الآخر في باخرة ضخمة كأنما معلقة بأشطان في السماء وتم إلغاء إقامتي بختم الخروج النهائي وكذا تم استلام جوازي ومنحني القائمون على أمر الباخرة مفتاحاً مرصعاً برقم يشير إلى غرفتي التي سوف أقضي فيها ليلتي لأغدو على مشارف جزيرة مالطا ولربما لأقمت الأذان فيها دونما فائدة. من حسن حظي أن تحاشاني دوار البحر واستفراغاته المفاجئة فأمضيت ليلتي بمعية أحد مواطني في غرفة واحدة قضى ليلته في سب الحكومة والإسلام اثنتيهما. في اليوم التالي لاح من على البعد مرتفع كأنه تلة أو رابية عليها آثار عمران دارس وهي تستحم بأشعة الشمس الصباحية وتتنسم عبق البحر الرطيب، كان ذلك منظر جزيرة مالطا لكونها من على البعد لا تبدو غير قلعة قديمة باهتة اللون تكسو قدميها جوارباً من الطحالب وتتوسد البحر في استرخاء طويل. علت صافرة ثم لحقت أخرى واتجهت الباخرة إلى الميناء بينما الركاب مشغولون بحزم أمتعتهم إيذاناً بمغادرتها. |
انتظم الركاب في طوابير للحصول على تأشيرة الدخول إلى مالطا، إلا ما لم انتبه له هل كانت جوازاتهم معهم أم استلموها عند الخروج؟ عندما وصلت إلى ضابط الجوازات لم يسلمني جوازي بل أشار إلي أن أنتحي جانباً! مكثت واقفاً حتى نزل من على السفينة آخر مسافر، فكان المحتجزون عبارة عن نفر من السودانيين وشخص عراقي وآخر سوري تم شحننا في سيارة دورية الشرطة ذات الشبك الداكنة الزرقة ليتم إفراغنا داخل صالة المغادرة بمعية امتعتنا. هنا كثرت التكهنات عن سبب تصرف الشرطة المالطية بهذه الصورة غير اللائقة معنا ، فمنا من أرجع ذلك التصرف إلى أن دولنا مدرجة في قائمة الإرهاب وفسر آخر الأمر بأن قد سبقتنا في رحلة بحرية مماثلة ثلة من السودانيين بأسرهم وطلبوا اللجوء في مالطا فاحتاطت السلطات لعدم تكرار مثل هذا العمل. مكث أربعتنا السودانيون في المطار قرابة العشرة ساعات داخل صالة المغادرة ونحن نجتر الملل ونتدثر بالضيق بينما اجتهدت أن أحصل على مبالغي المالية التي أودعتها في أحد البنوك المالطية دون طائل. غادرت بنا طائرة الخطوط المالطية في اتجاه الشرق وكان نصف ممر إقلاع الطائرة في اليابسة ونصفه الآخر في فضاء البحر وقد شاهدت فيما شاهدت من رحلتي الفضائية من ضمن المناظر الليلية المشعة على الأرض أنوار مدينة القاهرة وبهرة الأنوار المندلقة من الظهران في شرق السعودية ثم حططنا في مطار دبي.
لم يكن الترانسيت في دبي أسعد حالاً من مالطا فقد تم سجننا في مطارها لمدة أربع وعشرين ساعة التقينا خلالها في صالة المطار بوفد رسمي زائر من السودان في مهمة مؤتمر في بعض الأصقاع، و تم نصحنا بأن لا نعود بتاتاً إلى السودان فقد أصابه الخراب واستوطنه الدمار. في تكملة مسيرة رحلتنا أقلعت بنا طائرة الخطوط الإماراتية الأيرباص ليلاً ولما نمض كثير وقت حتى أطلت علينا شمس الصباح، هكذا تقلع من الأرض ليلاً لتجد الشمس في السماء وتهم بالصلاة فتجد القبلة قد تحولت مائة وثمانين درجة إلى الغرب! كان أغلب الركاب الذين من شبه قارة الهند وما جاورها يتصارعون مع أمتعتهم داخل كابينة المسافرين ويتصايحون مع أطفالهم الكثر محدثين جلبة قل أن يحتسبها المرء أن تحدث بالقرب من قبة السماء، فقد تعود الإنسان على رؤية السماء ليلاً صافية يجللها الوقار ويحفها السكون. هبط طائرنا الميمون في مطار دكا عاصمة بنغلاديش، المطار الذي تغمره المياه وتسبح فيه الطائرات والجاموس في بركة واحدة. وبعد أن نزل ركاب وصعد آخرون توجهت بنا الطائرة في اتجاه القطب الجنوبي لنعبر فوق جبال مغناطيسية قرابة النصف ساعة والطائرة كأنها تغلي في مرجل حتى حطت بنا الطائرة في عاصمة ماليزيا كولالمبور وما أدراك ما كوالالمبور. |
العزيز آدم صيام،
صياماً مقبولاً إن شاء الله. رغم إنقطاعك عن المواصلة لفترات، لكنّي لم انقطع عن تجرّع متعة القراءة لك؛ وبعض تجرّعي إجترار. لك كل التقدير و متّعك الله بالجمال. |
الحبيب الكريم/ عكـــــــــود
تحية رمضانية خاصة اسأل الله أن يتقبل صيامنا جميعاً ويحقق الأماني بمشيئته تعالى (تعويضاً لما انقطع، سأنكرب في هذا الشهرلإضافة العديد من المقالات) تجدني ممتناً لظنكم الطيب بي اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصَاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ |
اقتباس:
العزيز ادم صيام مساء الخير طولت الغيابات ياخي عساك غانم .. اشتقنا حرفك يعلم الله كن بخير لك المودة |
الحبيب/ طارق صديق كانديك
تحية طيبة عساكم أن تكونوا بخير وصحة طولت والله دونما سبب معلوم عسي أن أواصل ما انقطع رمضان كريم وتقبل الله صيامكم والدعاء |
(21) هبطنا في مطا ر ماليزيا القديم ثم تتبعنا ممراً طويلاً يشبه البيوت الزجاجية بحثاً عن ثقب جوازات أملاً في التحلل من وعثاء السفر، إلا أننا عثرنا على كافتيريا براح فمكثنا فيها وقتاً لتناول بعض الأطعمة الساخنة والمشروبات، بعدها استأنفنا المسير وكأنما نريد دخول المدينة مشياً على الأقدام، فقد اتضح أننا تجاوزنا بوابات الخروج مراراً دونما ندري، وأخيراً عثرنا عليها في الطابق الأسفل. بلغ في لحظة وقوفنا أمام منافذ الجوازات عددُ السودانيين القادمين من شتى بقاع الأرض إلى ماليزيا أكثر من أربعة عشرة سودانياً، منهم من انطلق من كييف في أكرانيا وأخر أقلعوا من ليبيا بنفس خط سيرنا مع فارق الإقلاع والترانسيت وجاء غيرهم من دول شتى، فكان ذلك مدعاة ً لإدارة هجرة ماليزيا أن تشكك في وصول كل هذا الجيش السوداني العرمرم إلى ماليزيا في آنٍ واحد، لا سيما أن خبرتهم اليومية توفر لهم رصيداً يفيد بأن السودان ليس له كبير حظ في السياحة أو في الملايو البعيدة إلا من خلال نشيد (باندونغ الفتية وفتى اسمه ناصر). صاح أحد رجال الشرطة بقوله هؤلاء جاءوا للعمل في ماليزيا! مخاطباً مديره. رجال الشرطة في ماليزيا يتزيون بزي رجال شرطة نيويورك الأزرق ومدججون بمعدات متنوعة و حديثة كما أن جسومهم بأحجام (الصحابة!) وحتى علم بلادهم لو لم تحقق فيه ملياً لحسبته علم الولايات المتحدة الأمريكية. خرج بعض الرفاق من دورات المياه يعلو وجوههم امتعاض بأن أحد رجال الشرطة تحرش بهم جنسياً بل قدم رقم هاتفه لمقابلته في وسط المدينة. لم نك نعلم آنذاك ونحن القادمون من مجاهيل أفريقيا أن أجناس العالم البشرية في العديد من بلدان جنوب شرق آسيا قد أضيف لها جنس ثالث سموه القيز أو الليدبويز. هذه الظاهرة ملفتة بصورة لا لبس فيها مقارنة بمطارات الدول الأخرى، الملاحظ عندما استقررنا في ماليزيا طالعت خبراً عبر وسائط الإعلام المحلية مفاده أن مجموعة من الليدبويز الماليزية أدت مناسك الحج في الأماكن المقدسة في الحجاز. وصلنا إلى قسم الجوازات وبعد أن تم التحقق من صحة التأشيرة و تذكرة العودة وسريانها والمبالغ المالية برفقة كل مسافر، لم تشفع كل هذه الامتيازات فاستدعت الشرطة مناديب وكلات السفر إلى داخل الصالة لإعادة الحجز لمدة شهر واحد بعد أن كانت التأشيرة الممنوحة لمدة شهرين قابلة للتجديد. مسافر واحد رفضت إدارة الجوازات دخوله بحجة أن جوازه مكشوط مع العلم أن الكشط في جوازات السودانيين تقوم به السلطات الرسمية دونما تردد. |
أمضينا يومين في المطار نصارع من أجل الدخول إلى ماليزيا وكأنما بخروجنا إلى فضاء مدينتها سنكنس دنانيرها المسماة (رنجت)من شوارعها و أزقتها لنرجع في ليلتنا تلك.
انطلق بنا سائق تاكسي إلى قلب المدينة مقدماً لنا العروض المتعددة من خيار النزول في فنادق رخيصة وبخدمات جنسية رخيصة وفنادق متوسطة الأسعار و أخرى غالية، فطلبنا منه فندقاً نظيفاً ورخيصاً في وسط المدينة نسبة لأن مهة شاقة تنتظرنا في الصباح التالي. لقد انتابتنا حالة من الحذر تولدت من المعاناة التي واجهناها في المطار و مفارقات شرطة المطار وعروض سائق التاكسي فقد آثرنا أن نمضي ليلتنا في غرفة واحدة دون أن نغير ملابس سفرنا، بل كل واحد توسد حقيبته ودخل في نوم عميق حتى أيقظتنا شمس كاوية على جباهنا في أول صباح لنا في كوالالمبور التي تشرق فيها الشمس أول ما تشرق بدرجة حرارة تبلغ 35 مئوية. هبطنا مسرعين إلى الشارع وفي مدرج نزولنا المتسخ عفصنا على أكوام من علب وزجاجات البيرة الفارغات وقذفنا بقاذورات و مخلفات اعترضت سبيلنا ثم أوقفنا تاكسي وانطلقنا نحو سفارة بروناي الواقعة في جلان تون رزاق – شارع تون رزاق – هناك تأكد لنا صحة ما جئنا من أجله فقمنا بملء استمارات التقديم و أرفقنا معها صور الشهادت والخبرة. ثم أفادونا بأن لاداعي لمتابعة البعثة لمعرفة النتيجة فستصل النتيجة إلى العنوان البريدي لكل واحد منا، وعندما لم يكن لنا عنوان بريدي غير النُزُل الذي أمضينا ليلتنا فيه والذي اتضح لنا أنه من أشد المواقع قذارة و إجراماً في قلب المدينة امتنعت البعثة عن قبول ذلك العنوان حتى عثرنا عبر الهاتف على عنوان من إحدى الجامعات فتم قبوله. في بحر هذه السنة من الانتظار، جربت عدة أعمال حتى أحافظ على بقائي ريثما تنجلي الوظيفة الخلابة، كانت تكاليف الحياة غالية وقد ساوى الدولار الأمريكي آنذاك 2,5 رنجت.أول مشكلة جابهتني هي رائحة الطعام الماليزي الغريبة، ما أن تدخل رائحته المشكلة خليط من الأطعمة البحرية والفواكه الملاوية والفلفل الحار والسكر المطبوخ بزيت النخيل إلى أنفي حتى أصاب بالغثيان وانتفاخ البطن فلجأت دهراً إلى الأكل من مطاعم الماكدونلاز وكي اف سي حتى فرغ جيبي من الرنجت الماليزي الذي يتبخر سراعاً بتبخر مائة دوار أمريكي في مدة يومين علاوةً على تكاليف الخروج شهرياً إلى الحدود لتجديد التاشيرة والعودة. ماليزيا تقع في أقصى الجنوب الشرقي من قارة آسيا وتبعد ثلاث درجات فقط عن التنور الذي تغلي فيه الشمس عند خط الاستواء، تجاورها كل من مملكة تايلاند في الشمال وأندونيسيا وسنغافورة في الجنوب ومن الشرق بحر الصين والفلبين وسلطنة بروناي دار السلام. سكانها معظمهم من شعب الملاوي المنتشر في كل من أندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وجنوب تايلاند كما وبعض من سكانها وبنسب متفاوتة انحدر مهاجراً من الصين وتاميل الهند وقليل من شعوب شبه الهند الصينية.يزعم الكثيرون أن ماليزيا حازت على تقدمها الملحوظ بسبب الانسجام والتناغم الذي تتمتع به بين شعوبها وهذا القول مع صحته إلا أنه غير دقيق، إذ أن المواطن الماليزي (بنبوترا) هو على قمة الهرم السكاني، كما وقد تم سحل الصينيين في عام 1969 حتى سالت شوارع جلان شوكت دماء وذلك فور فوز كتلة الصينيين في الانتخابات، أما التاميل فهم في آخر التسلسل الاجتماعي . أذكر أن كنتُ متجولاً في جزيرة بينانغ التي تقع في شمال ماليزيا لحق بي مواطن ماليزي من أصل التاميل وسألني ما إذا كنت أمريكياً وطلب مني نقل شكوى التاميل إلى الإعلام الأمريكي بأنهم يعانون من الاضطهاد، وها أنا أبر ببعض من طلبه بعد تأخر. تتمتع ماليزيا بطبيعة استوائية ساحرة وشواطئ لازوردية خلابة من جهة المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي وتغطيها عن آخرها الخضرة وتغدق عليها السماء مطراً مدراراً تبلغ مدته الستة شهور. الماليزيون من أكثر الشعوب الإسلامية تمسكاً بأركان الإسلام فما أن يبلغ الفرد منهم سن الثلاثين و إلا قد قام بفريضة الحج، فللحج برنامج في ميزانية الأسرة منذ نعومة أظفار صغارها عبر صندوق يسمى صندوق الحج ثم يمر عبر تخصيص الدولة لدورات تدريية في الحج وحتى الانتهاء والعودة من أداء الفريضة. أما بخصوص الصلاة فإن مساجدها على امتداد ولاياتها التسع تقسم مناصفة بين الذكور والإناث، علاوة على أن الحكومة أنشأت أمانة إسلامية (جبتان إسلام)تتضمن قسماً لمصارف الزكاة تمنح لكل من يستحقها من الأصناف الثمانية نصيبه ولو من أقصى بقاع الأرض. أذكر ذات يوم بعد ما انصرمت أيام تأشيرتي نصحني بعض الإخوة بالذهاب إلى الحدود لاستصدار تأشيرة جديدة مؤكدين لي أن قد انتهت جميع فرصي في الحصول على تمديد من قسم الجوازات بعد مدة الشهرين وثلاثة أسابيع، فما كان إلا ركبت رأسي وارتديت جلباباً سودانياً خالصاً بعمامة وملفحة ومركوب أبيض وتوجهت إلى إدارة الهجرة، وما أن دخلت وتوجهت إلى الصفوف الطويلة حتى وقع بناظري ضابطة جوازات لا تخطئ العين ملاحتها، طلبت مني مقابلتها في شباك غير مزحوم، وعندما سألتني بماذا تساعدني، قلت أريد تمديد تاشيرتي لانتظاري موعد في سفارة بروناي، فمنحتني شهراً دون أن ألحف في برهنة أمري بعد أن علمت من أي البلاد أتيت. في طريقي إلى النزل جلست في الحافلة بالقرب من شيخ وقور بادرني كذلك من أين أتيت، وعندما أجبته، أظهر إعجابه بزي الوطني ونعتني بأني من أبناء الصحابة. لما تنته عجائب ملبسي حتى قابلني ذات يوم شخص اسمه عيسى أمريكي الجنسية وظل يتعقبني منادياً حتى أوقفني وسألني عن بلادي؟ وعندما علم موطني طلب مني أن أدله على هذا النوع من الملابس لرغبته في زي أفريقي خالص، ثم أعطاني عنوانه وتلفونه للاتصال به، وقد علمت أنه حضر إلى ماليزيا بغرض التجارية وأسلم وتزوج منها. |
(22) حاولتُ تدريجياً التأقلمَ مع الطعام الماليزي واكتفيتُ في البدء بتناول شاي الصباح (تي تاري) ذي الرغوة المنشور في الهواء مصحوباً بقطع الزلابية الطويلة وأمّا في الغداء فاكتفيتُ بوجبة الـ(ناسي قورينق) لرخصها ولمكوناتها المعلومة من الأرز والبيض وقطع الدجاج. اتخذت من إحدي المواطنات ذات الجذور الباكستانية التي تدير مطعماً شعبياً مع زوجها زبونةً لي. كان ذلك المطعم منتدىً مصغراً يجمع لفيفاً من الغرباء الذين انتهى بهم الطريقُ إلى مَيعةٍ ذي ماء والباحثين عن مجد لا تُرى بوراقه. وللاحتيال على وسيلة للبقاء نصحني بعض الرفاق بالتقديم لرسالة الماجستير في إحدى الجامعات الماليزية للحصول على إقامة طالب حتى أخفّف من نزيف السفر الشهري خارج ماليزيا بحثاً عن تأشيرة وقد فعل ذلك الكثيرون من طالبي الإقامة لينتهي بهم المطاف من طالبي إقامة طلابية إلى حاملي لقب الشهادات العلمية الرفيعة. قدمت لنيل الماجستير وقلبي معلق بين محاصرة شرطة الجوازات الماليزية (المارينز) و أمل الاستراحة من وعث السفر الشهري، فتم منحي مقدماً غرفة وكوبون طعام في جامعة ملايا وقد قابل ذلك شهر صيام فانتاباني ضرساي المحشوان من لدن صديقي طبيب الأسنان المصري في ليبيا بما لا يُحمد. وعندما ذهبت لخلع أحدهما لامني طبيب الأسنان الماليزي حد التقريع على التناقض في حمل اسم صيام ولا أطيق الصيام، وعندما أعربت له بأن حالتي داخلة في أهل الأعذار لم تعجبه إجابتي فأفحمني بـ -وأن تصوموا خير لكم- أمضيت شهراً حتى تم رفض قَبولي بها فتعلقت بقشة أخرى وهي أن لاحت على الأفق فرصةٌ للتدريس في ولاية كلنتان في الساحل الشمال الشرقي فتأبطتُ أوراقي ويممَّتُ ناحيتها. أذكر فيما أذكر أن مررنا على قلب عاصمتها وعندما هممنا بقطع الطريق حاصرتنا السيارات والدراجات النارية والمارة عند أحد دوار السيارات فكادت أن تتوقف الحركة لاندهاش الناس من رؤية أشخاص سود طِوال في قلب مدينتهم ، حتى أن أحد مرافقي امتعض وتمعَّر وجهه من بحلقة الناس فينا فأردت أن أخفف عنه بقولي إن الحق معهم إذ لربما لأول مرة يرون بشراً بهذي المواصفات المغايرة لِما ائتلفته عيونهم، فانتهرني حتى شعرتُ بأني أنا من أوعز لهؤلاء الناس بمشروعية البحلقة فينا. سارت عيون الناس مشايعة لنا حتى أدخلتنا إلى إدارة التعليم هناك فوجدنا مجموعة من المدرسين الأردنيين يتمتعون بما لم يتمتع به العلماء إلا أن حظنا الدقيقي على وصف شاعرنا إدريس جماع لم يوفر لنا فرصة بينهم فرجعنا أدراجنا بأخفاف حنين نلوك: إنّ حظــــــــي كدقيقٍ فوق شـــــــوكٍ نثروه ثم قالوا لحفـــــــــــاةٍ يوم ريحٍ أجمعــــوه؟ صَعِبَ الأمرُ عليهـم ثمّ قالوا اتركـــــوه؟ إنّ منْ أشقاه ربـُّـــه كيف أنتم تسعــدوه! |
ظلت الآمال تصرع إحداها الأخرى حتى برق لنا آخر وهو أن كوريا الجنوبية قد فُتَّحت أبوابها وقالت هيت لك ولا يحتاج المسافر إليها غير مبلغ ألف دولار صحبة راكب وتذكرة ذهاب وعودة، وقد ذلَّل الله لنا ضابط شرطة مُحال إلى المعاش المُكنّى بالصالح العام تبرّع بالقيام بكامل النفقات على أن تُردَّ له أمواله بعد الاستقرار والعمل في مصانع الكوريين. شرعنا في تهيئة أنفسنا للرحيل وقمنا بتخيُّر ملابس السفر الأنيقة والساعات المطلية بماء الذهب وربطات العنق الحرير، فقد بلغنا أن الكوريين والكثير من دول جنوب شرق آسيا لا تمنح دخولها لحامل تأشيرتها بالطرق الرسمية فحسب بل من خلال الملبس والمظهر إذ لم يبلغهم قول شاعرنا (الناس في العروض لاتقسها بثيبانها). سافر الفوج الأول من جماعتنا وتكلَّل وصولهم بالنجاح حتى أنهم أبرقونا بالوصول الميمون، وما أن أعددت حقيبتي لساعة الرحيل صوب سيئول حتى حطَّ أحد المعلمين السودانيين في نزلنا يبحث عن مُعلِّم في ولاية نقري سِنبلانغ التي تبعد تسعين كيلاً عن العاصمة على باب السرعة، فانتشلني انتشال الغريق في لجة آماله العراض وبين ليلة وصباحها أضحيتُ من ضمن طاقم التدريس في مدرسة ناحية باتُو كِيكِر جمعوا فيها المرحلة المتوسطة والثانوية وداخلية للبنين والبنات بطاقة تشغّل جامعة مهولة مقارنةً بعالمنا النكيبة. للمدرسة موقف مخصص لسيارات الطلاب والدراجات كما وتوجد لافتات مخصصة لسيارات الإدارة والوكيل الأول وحتى الثالث والمعلمين بأسمائهم الوظيفية. إلا أن حديقة المدرسة النباتية تعتبر عالمٌ آخر إذ تتمتع بمساحة خمسة أفدنة ويزيد، تعزف فيها جوقة موسيقة بصحبة الضفادع العملاقة و السلاحف والتماسيح وثعابين الكوبرا وأما غابات البامبو السامقة والأشجار المدارية الضخمة تقوم بمهمة تظليلها فتحجب عنها الشمس وتأذن للنسيم على غرار وصف حمدونة الأندلسية لوادٍ في الفاندلس حين قالت:
وقانا لفحةَ الرمضاءِ وادٍ سقاه مُنعّمُ الغيثِ العميمِ نزلنا دوحَه فحنا علينا حنوَّ المرضعاتِ على الفطيمِ وأرشَفنا على ظمإٍ زُلالاً ألذَّ من المدامةِ للنديمِ يصدُّ الشمسَ أنّا واجهتنا فيحجُبها ويأذنُ للنسيمِ تروعُ حصاهُ حاليةً العذارى فتلمِسُ جانبَ العقدِ النظيمِ تضم الحديقة النباتية فيما تضم أكبر الفراشات على البسيطة و أضخم الزهور الطبيعية على سطح الأرض كما أُعدت فيها متكآت أسمنتية متناثرة تتخللها مجسمات لعش الغراب والطاولات المتخذة تجاويف كتل الخشب وخطوطها ومعامل نباتية وحيوانية وجيلوجية. لتلك المدرسة الريفية ريع من المساحات و المكاتب غير المستخدمة تقوم بتأجيرها و تحصل منها على ميزانية مقدرة، لمّا تمض على وظيفتي الجديدة ستة أشهر حتى حلت الأزمة الاقتصادية عام 1997 التي اجتاحت دول نمور آسيا المتنامية فقررت الحكومة الماليزية وقف تعيين الأجانب تخفيفاً لوقع الصدمة الاقتصادية فتحولتُ من تلك المدرسة العامرة إلى عامل في المطار الجديد بوظيفة حداد مسلح مخالفاً لقوانين العمل الماليزي بالعمل بتأشيرة سائح اعتمر خوذة صفراء وبرجلي بوت مهول أما جيوب وفتحات أبرولي الكاكي معلقة فيه أسلاك وزرديات وكماشات بأشكال مختلفة ومتر قياس لزوم الإستيل فكسر Steel Fixer. |
كان رئيسنا المقاول يدعى مُورقيا، تاميلي الأصول ضخم الجثة حالك السواد ذي لمعة، شعر رأسه أبيض كنتف القطن مشعر يلبس فنلة بيضاء ورداء أبيض بصورة مستديمة يعلق في صدره نياشين لا يمكن أن تجدها إلا عند المحاربين القدامى، وبقوله منحها له سلطان سلنقور لبطولاته الوطنية وبلائه غير النظير. كان مرحاً على الدوام ويستخدم أسلوباً مسرحياً في إنجاز عمله لكونه من الأعمال الشاقة فتعلمتُ منه تلك الصَّنعة في غضون أسبوعين وعندما تحدى مجموعتنا العمالية التي تتألف من سودانيين وغانيين بأن سيمنحنا مقطوعية عمل لصنع خمس هياكل من السيخ ومتى ما انتهينا رجعنا إلى منازلنا مبكراً بدلاً من الوقوف تحت صهد الشمس من الثامنة صباحاً وحتى السادسة مساء فقبلت التحدي على مضض وفي اليوم التالي ما أن بلغت الساعة منتصف النهار حتى سلمته مجموعتي الصناديق الخمس التي تستخدم لكابلات ليصب فيها الأسمنت تحت الأرض .
عندما انتهى عمل المقاول مورقيا عرفاناً منه أسلمنا إلى مهندس هندي آخر إلا أنه على النقيض تماماًَ فقد كان على الدوام يبتزنا بأنه يجب الخضوع لشروطه ولا ننسى بأننا نعمل مخالفين لقوانين البلد، كما أنه تماطل في دفع أجورنا التي يجب أن تُدفع لنا كل أسبوعيين بأن مَنَّى الجميع بزيادة الأجور إذا ما أكملنا أربعة أسابيع لنستلم أجورنا كاملة. إلا أني شككت في كل أقواله فطلبت منه دفع أجورنا لنستمر، فجمع بقية العمال وطلب منهم عدم السماع لي، وعندما أعيى حيلة وضعهم بين خيارين الوقوف معي أم الاستمرار في العمل معه على مقولة جورج دبليو بوش: (معنا أو ضدنا) فاختاروا الاستمرار على أملٍ مشكوك في أن يجمعوا مستحقاتهم آخر الشهر كاملةً. أمّا شخصي الضعيف فقد تم إيقافي وحاول المماطلة في تسديد مستحقاتي فلم أجد له بُداً غير تهديده بنقل قضيتي إلى السفارة السودانية بينما أعلم في خلدي جيداً أنْ لو علمت سفارتي لأمرت بترحيلي على أهبة السرعة بدل انصافي فخاف الرجل وأمر لي بحقوقي وغادرت إلى العاصمة وظلت تتردّدُ في أسماع عماله وصفه لي برجل السفارة THE EMBASSY GUY. تمكن ذلك المقاول من تخدير العمال أسبوعاً إثر أسبوع حتى أكملوا شهرين ثم اختفى نهائياً دون صرف مليمٍ واحدٍ لهم، فتألمت لمعاناتهم وسكنهم في تلك الغابة الاستوائية التي من كثافتها والتفافها يمتلئ سكن العمال الواقع في وسطها بالحشرات عن آخره كل يوم، وعند أوبتنا من العمل المنهك بدلاً من طهي طعامنا نبذل وقتاً مقدراً في إزالة تلك الحشرات ذات الرائحة النفاذة ولا ندري كيف دخلت إلى الغرف رغم انسداد نوافذها بالزجاج المحكم، فضلاً عن معاناة مطاردة شرطة الجوازات لنا في الأحراش، وفي مرة بينما كنا نقود سيارة الشركة التي تعلّم فيها أغلب العمال القيادة إذ نسمع صافرة إنذار من خلفنا و أنوار النجدة تتناوشنا فقفزنا قفز القرود من على ذلك اللوري وهو سائر واختفينا في أحراش لم نتمكن من الخروج منها بعد انصراف الشرطة إلا بشق الأنفس. |
سكانها معظمهم من شعب الملاوي المنتشر في كل من أندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وجنوب تايلاند
الصحيح: الملايــــــو اعتذار عن هذا الخطأ |
|
|
| الساعة الآن 03:59 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.