ولضم درمـــــــــــــــان!
قصة حقيقية
يمكن إن صدقت أن تدرج على استحياء في أدب الرحلات وأي رحلات تلك وردني للتو أن تينو أوف لاين! |
التاريخ العسكري يكتبه المُنتصرون. أما التاريخ الاقتصادي فيكتبه إلى حدّ ما البنوك المركزية. وفي الحالتين كليهما، عليك أن تأخذ آراء المسؤولين الرسمية بدرجة كبيرة من الحذر. ولسوء الحظ، فإن من الصعوبة بمكان أن تتغلب الحقائق على المعتقدات المزيّفة. وتلعب تلك الآراء المزيّفة دوراً بارزاً في الأبحاث المتعلقة بالسياسات الاقتصادية.
ستيف إتش. هانكي |
(01) من أجمل صدف الحياة أن تتقاسم الحجرة مع أحد المهتمين بعلم النفس والاجتماع ، فقد واتتني الفرصة التي فتحت لي نوافذ على الشواطئ الأخرى من التصرفات البشرية وتكهناتها في ميناء راس لانوف الصحراوي و المطل على خليج سرت في ليبيا. حملتني الصدفة يوم أن توقفت سيارة مرسيدس أمام المحل الذي أديره في مدينة سرت، هذا المحل متخصص في كتابة اللوحات والإعلانات، وبعد أن كسد المحل من جراء قلة الزبائن واستهدافه من مجموعات اللجان الثورية التي كثيرا ما تطلب مستعجلة 100 أو 250 متراً مخطوطة بشعارات اليوم الأسود الذي اختطف فيه الليبيون إلى جزر إيطاليا، أو يوم قيام سلطة الشعب، ثم ترمي لي ورقة مبين عليها استلام تلك الكمية وأن اللجان هي التي تحدد قيمة العمل ومتى إن شاءت تدفع! بعد أن كسد المحل . إبانئذ كنت في طريق ذهابي وإيابي أمر على محل إعلانات لشخص سوري متخصص في تزيين سيارات الأعراس ، وللحق رغم موسمية الأعراس في العالم كله وليس ليبيا فحسب فإن محله عامر بالسيارات العرسية. ساورتني فكرة تغيير المحل إلى مزين لسيارات الأعراس، وكانت كل لوازم الزينة لا تتجاوز قيمتها 25 ديناراً شاملة الملاصق والشرائط الملونة والمزركشة وقد أدخلت عليها الألوان المائية لسهولة إزالة عبارات التهاني والرفاء بعد انقضاء المناسبة ، ثم واصلت في تزيين السيارات إلى أن حطت تلك السيارة المرسيدس أمام المحل ونزل منها شخص أقرب إلى الأرض ومعه موظف العقود المشهور في أمانة تعليم سرت وهو محمد الأمين. بادرني القصير بعبارات كسر الحواجز و الإشادة، وبعد تبادل مفردات التهكم بالسودانيين والليبيين على السواء ، أشار لي زميلي محمد الأمين أن هذا هو العجيلي أمين التعليم في منطقة راس لانوف النفطية وهو بدروه في حاجة لأستاذ مثلي، وبعد أن عدد لي أسباب الترف والرفاه في ثكنته الثانوية ،وأن المدرسين يتم ترحيلهم بواسطة سيارات خاصة وسكن خاص ومأكل خاص ومدرسته أقيم فيها المؤتمر المغاربي الثاني وهي أعظم مدرسة جنوب البحر المتوسط، وأنه يعدني بكامل الرفاهية من ميادين الرياضة المتنوعة وحتى المريسة! أعلمته أن سبب تركي هذه الوظيفة لعدم الوفاء بشروط العقد حيث يتوجب تحويل نصف الراتب إلى الخارج بينما العقد المطبق هو عقد معاملة العرب الليبيين الذي لا يسمح لك بحمل راتبك أو إبداله إلى عملة صعبة، وعدني أمين التعليم بعقد مغترب وتواعدنا على تسليم المحل لصاحبه ومرافقته إلى رأس الأنوف ولسان حالي يلوك مقطع المحجوب: الناس مرقدها النهود ونحن مرقدنا الأنوف لو كنت تدري ما الأنوف طويت الفراسخ بالألوف هنا كنت على موعد مع القدر و الأستاذ جعفر ضحية، وهو من أبناء امتداد ناصر أستاذ في علم النفس والاجتماع والذي غيرت اسمه إلى جعفر الضحية وذلك لوقوعه ضحية إهمال لمدة عامين لم يصرف فيها رواتبه حتى تغيرت سحنته و نفسيته، حيث تقاسمنا السكن لعام كامل. |
إن الرأي ( بشروط إنسانيته) الذي يصلح الإنسانية أولى من رأيك الذي تتبعه، وهنا تكمن إنسانيتك من حيوانيتك!!
آدم صيام |
مرحب بيك يا آدم ، نوًرت الديار
معليش ترحيبي جا متأخر لظروف خارجه عن الإرادة.. سرد سلس وممتع ، واصل فنحن بإنتظارك. مودتي. |
اقتباس:
شكراً لمروركم الترحيبي المقدر نعم، حين يجلسون على الكراسي، بلا شك! إن كنت لاتحب أخاك الذي تراه فكيف تحب الله الذي لاتراه القديس يوحنا |
(02)
في رأس لانوف خيرتني المدرسة بين أن أسكن في منزل لوحدي أو أشارك الأستاذ جعفر ضحية، فاخترت السكن مع جعفر وكان نعم الرفيق، كانت ليالينا عامرة بالقراءة و التنظير والتحليل وكانت الكتب شبه مجانية نتلقفها من المعارض برخص الفلوس ولا سيما أن مكتبة المدرسة عامرة بالكتب من العيار الثقيل وقد نصبت نفسي أميناً عليها بالإضافة لأعباء التدريس بل نقلت مكتبي إليها وصنفتها عشوائيا طبقاً للتقسيم العشري لجون ديوي ولم أفارقها إلا بعد أن هجم علينا في نهار غائظ أفراد من شعبة اللجان الثورية وهم يجرجرون المدير العجيلي حتى وقف الجميع أمام صورة للأخ القائد أبي منيار القدافي ولم يعتورها شيئ غير أنها في وضع مائل فهددوا المدير بل أمين التعليم أن هذا التصرف غير الثوري يعرض كامل المدرسة للتقفيل والتشميع، فرضخ إلى مطالبهم بقفل المكتبة إلى حين آخر، وقد علمت من رفقاء الطبشورة أن إغلاق المكتبة كان بسبب اجتياح الطالبات والمدرسات إليها بصورة لم يسبق لها مثيل . كانت لياليا ونهاراتنا تزخر بهكذا تكلم زرادتش، ثلاثي الوجودية: هيجل فيختة وشيلنج ، البنيوية وأثرها في الأدب المغاربي ، مجلة الناقد من مؤسسة الريسي في لندن، الصادق النيهوم ومن سرق المسجد، نفق تضيئه امرأة واحدة وإبراهيم الفقيه،الطاهر بن جلون وليلة القدر، النقد الاشتراكي لحسين مروة، محمد أركون والإسلام الحداثي، سلام خياط والبغاء غبر العصور و.......... كل ذلك وتتخللها القهوة المدنكلة والتنباك العماري وسجاير المارلبورو، وعزف مبتدئ على العود على يدي بدأته بعازة في هواك كعادة مبتدئ العود وختمتها بالقليب الراسمو حنة! كانت تصل أيامنا إلى ذروة عنفوانها بزيارة جمال سوزي أستاذ المسرح وأريحية الأستاذ جعفر التجاني النصف الآخر من كوب سوزي، ولا أنسى تلقينه للطلاب عبارة مسرحية تقول: ( أ لأن عدو الله يؤدب هل هذا يستدعي الرجرجة والدهماء!) وعدو الله المقصود هو الحلاج. ذات مساء عثرت على شريط أغاني باسم سنبلاية للفنان محمد وردي فقلت في نفسي هذه صرعة لجعفر الذي كل أغانيه غربية عدا شرحبيل أحمد، وما إن دلفت إلى السكن قصدت المفاجأة، وأنا إذ أكتب هذه الجملة يتراءى لي جعفر بقميصه البرتقالي وسرواله الأزرق وهو مستلق بعد أن أعد سفته على دربة تحفزاً للاصطراع، استلقى على السرير دون أن ينبث ببنت شفة حتى إذا عبرت الأغنية الصفحة الأولى من الشريط أرسل ابتسامة وحيطة حسبتها انحيازاً لرؤيتي، لم أسأله و واصلنا الاستماع وما إن انتهى بادرته مستفسراً عن نقده، فإجاب: إن محمد وردي بدأ يأكل في نفسه، وأن موسيقى هذه الأغنية جزء منها من موسيقى الحزن القديم والآخر من بناديها أو المستحيل أو هكذا قال! وبعد إعادتي للشريط كرة أخرى وتذكر باعه الطويل مع الموسيقى وجلوسه إلى شرحبيل وتجواله مع الفرق الخرطومية آنذاك من البلو ستار وغيرها أصابني الإحباط من رؤيتي رغم تأبطي لهذا الشريط ولم أفارقه إلا عندما طلبه مني محمد علي الدنقلاوي في نيامي عاصمة النيجر شتاء 1992. عرفت أن جعفر قضى في نيجيريا عامين وقد شجعني للذهاب إليها وخاصة جامعة مايدوغري حيث أن مدرس اللغة العربية يتقاضى 500 دولار أمريكي وأن العملة النيجيرية النايرة تساوي سدس دولار . مضت الأيام في تلك الصحراء وأبناء المناطق شبه الصحراوية أو السافنا مثلي يعانون هناك من مناخ البحر الأبيض ولا سيما الرطوبة العالية وقد انتابتني أزمة عطاسية لم تبارحني إلا بعد أن هبطت في مدينة سبها في الجنوب، ولكن ولله الحمد لم أقض 3 شهور في ليبيا إلا وبارحتني القارديا المعوية إلى غير رجعة دون دواء بعد أن كدت استهلك فلاجيل السودان وما وراء الصحراء. كانت أيام المدرسة الشتوية أيام لئيمة بحق فقد وردت الأخبار أن أمريكا تريد الإغارة على المناطق الحيوية والنفطية في ليبيا فقررت أمانة التعليم إيكال مهام الحراسة الليلية للمدرسين، تم توزيع المدرسين إلى مجموعات تنوب ليلياً، أحدنا يحمل لاسلكي يزن 2 كيلو والآخر من وراء مضاد الطائرات رغم عدم معرفتنا باستخدام تلك الأسلحة حتى مرت تلك الأزمة بسلام وانقضى العام ولم يف العجيلي بوعده فاستقلت وكان البديل جاهزاً السفر إلى نيجيريا اكتشافا للقارة الأم وجمعاً لجورج واشنطون. |
بلا إستحياء ،
جديرة بأن تدرج في أدب الرحلات ، تعجبني الكتابة عن الأماكن الغير مألوفة.. واصل لا فض فوك. |
اقتباس:
الكريم شليل شكراً لموقفكم التشجيعي الضاف اليومين ديل شوية زحمة ولنا عودة بمشيئته |
(03)
في الطريق المؤدية إلى طرابلس عبرت بنا الحافلة رقعة مملةً من الرمال المحاذية للبحر الأبيض المتوسط في اتجاهٍ من الشرق إلى الغرب، مملة لتكرار مناظرها التي تبلد الانتباه غير بعض اللافتات التي نشاهدها على صدر كل نشرة إخبارية وكل خطاب مكتوب ولو لحبيبة، لمحت لبرهة مدينة بن جواد ثم تهت في صحراء ضاربة في القحلة لا أرى إلا كثبان الشتاء المتواعدة وقطعان الضأن التي حتى الآن لا أدري من أي نوع من الأعشاب غير المرئية تتغذى، وصلت حذو مدرسة الستين فتذكرت زميل المهنة الأستاذ كمال أشقر وليلته التي قرأنا فيها رسالة خطيبته الشهيرة التي وضعته أمام الخيار المميت، إما أن يهبط السودان فيتمم زواجه منها أو الطوفان ولم تمض عليه في الوظيفة إلا شهور و لا يتسنى له قبض راتبه إلا بعد حول! هذا وادي الأبيض الذي عملت فيه سنتين مدرساً للمرحلة الابتدائية، مباني المدرسة بجانبها مكاتب الأمانة الفرعية للزراعة، كنت أحصل على سجائري (الرياضي) من تلك الجمعية كل شهر، يقبع بالقرب منها جرار وحصادة حمراوان هالكتان لاتصلحان إلا مخابئاً للسحالي والعملات المعدنية الفالتة المسكونة برغبة الاختفاء. تراءت مباني مدينة سرت ثم تخطتها الحافلة غير منظور إليها، مر حطام قصرٍ منيف قيل إن الكلاب الضالة! اتخذت منه وكراً للبغاء فحطمته اللجان الثورية غير عابئة بقيمته. غشيتني سنة من نوم بعد أن بدت حركة الحافلة تعزف نوتةً منتظمة، وصعدت أرواح المسافرين إلى فضاء الحافلة تأخذ قيلولتها لتترك أجسادهم المهلهلة تحزمها مقاعد الحافلة الوثيرة وتغفو الأمعاء مكتنزة بسندوتشات التنة والبيض وبعضاً من هريسة (فلفل)، كدت أن أنام غير أن تذكرت أن في هذه المنطقة يوجد الميناء الذي تم عبره تصدير العبيد إلى أوروبا في الأيام الغابرة وكأنما ألمح عطيل بين الجموع، تراءت لي في الخيال زرافات الشباب السمر الأقوياء مجندلين بسلاسل الحديد، يتقدمهم كونتا كنتي مقاوماً ومتمرداً في مدينة تاورغاء، و ثلة قليلة من الفتيات الناهدات يثكلن القمر وكراكير الأحبة، لابد أن الرحلة مشي على الأقدام الحافية كانت طويلة ربما من أعماق أفريقيا أو بحيرة شاد وأدغال تنجانيغا، ثم جالت بخاطري عبارة التاريخ التي وقد أعتق فيها السنوسي قافلة من العبيد، حتى إذا ظهرت ملامح الوجوه السمراء تيقنت من توثيق خيالي وبدأت أشرئب لأرى نهاية الرحلة البرية عند تخوم البحر الموصولة ببداية الرحلة المائية إلى أوروبا. كلما أحاول طرد فكرة أن هذه الفلوات ما هي إلا مجزوءة من إمبراطورية اليونان والرومان وجزر القراصنة في صقلية وكريت ومالطة، حتى تردني إلى صوابي أشجار النخيل وقلنسوات وطرابيش الرجال الحمراء التي اشتهرت بها منطقة جنوب ساحل البحر الأبيض من تركيا حتى بلاد فاس وكلما ابتعدت عن مركز القلنسوة الحمراء في تركيا تناقص طولها وارتد لونها إلى السواد، ثم تصحو تلك الأفكار الإمبريالية الكلاسيكية على معابد الرومان وتماثيلهم بالقرب من مدينة صبراتة ولبدة، هذه صور جاثمة لبقية معابد لبدة وها هو المسرح الروماني والبازيليكا مازالت شاخصة بكامل عواميدها الصامدة ومسارحها الحجرية وقاعات الدراسة ودوواين الحكم كأنما غادرها الموظفون لساعة الغداء ريثما يعودون لدوام ما بعد الظهيرة، ثم ارتد طوراً آخر عندما أرى بعض الشاحنات على الطريق العام وأصحابها يتلفحون الشمائل الصوفية ويطهون الشاي الأخضر حد الشواء وينفثون لفافات سجائرهم بكل إدمان لدرجة تندرهم على السودانيين بأن بياض أسنانهم ما مرده إلا الجوع الناصع، ولا عجب إن كانت الأماكن الليبية تنطق أغلب أسمائها الساحلية بلسان روماني مبين، من ليبيا، وهانيبال الروماني، طرابلس، طبرق وترهونة ليتجلى لك اللسان البربري المبين في غات، تازربو و غدامس في الجنوب. حاذت الحافلة ناحية بني وليد ولم تدخلها، المدينة التي رجمت بالطائرات عندما أعلن بعض شبابها التمرد على النظام الجماهيري، لتترك المباني المهدومة على مر النظام عبرة لمن لا يعتبر حتى لاتسول لكائن من كان أن يفكر ولو في خياله بمشروع تمرد. على مشارف العاصمة بدت السماء في بث (شعافيفها) شآبيبها الشتوية مع نسمات برد قاتل من جهة غير معلومة، هؤلاء ثلة من بني وطني يتسورون دوران السيارات بجلابيبهم القصيرة المكموشة من دبر وعمائمهم المتسخة يطاردون القواطين (شاحنات صغيرة ماركة بيجو) عز الشتاء لعلهم يظفرون بحمولة سناري( جزر) طماطم أو بطاطس يفرغون حمولتها اتقاء البرد والمسغبة. أزفت ساعة دخولي طرابلس إيذانا بالشروع في الحصول على تاشيرة كل من نيجيريا والنيجر ليتحول اتجاه رحلتي الحياتية من صوب الغرب إلى جهة الجنوب حيث عمق القارة السمراء وضجيجها. |
(4) مضت بنا الحافلة إلى استراحة رأس لانوف ( رأس الأنوف) في قلب مدينة طرابلس المدينة البيضاء كعهد أغلب المدن المطلة على البحر الأبيض جنوباً من طرابلس في شمال لبنان وإلى الدارالبيضاء في الغرب- وللتمييز فإن مدن شمال البحر الأبيض يكسوها القرميد الأحمر الطوبي القاني أما مدن الجنوب نوافذ ومشربيات ومداخل بناياتها أغلبها مطلي باللون الأخضر لون الكتاب الأخضر –الذي تندر به النميري عندما تهكم بنعته: ظاهره أخضر وخارجه أحمر - وللدكتاتوريين فيما بينهم تهكمات ومساخر كشأن أغلب خلق الله المغلوبين - وكأنما اكتشف البطيخة لأول وهلة، يجدر بالذكر أن للبطيخ اسم ناعم الملمس والنطق في بلاد هانيبال إذ يسمونه (دلاع) بكسر الدال المعجمة وتشديد اللام المفتوحة. طفقت في أرجاء المدينة بحثاً عن كنيف لعلي أتوسد رأسي ريثما تنبلج شمس اليوم الغائب فإذا الشوارع تجوبها حسان المغرب ذات الغلانس وكل هذا الانفتاح الرهيب بفضل إعلان الوحدة المغاربية، حملتني غريزتي إلى تتبع إحدى المؤخرات التي انتهت بي إلى فندق صنفته من دون ذات النجمة ، وبعد أن دفعت ما علي من استحقاق حملني المستوظف الوحيد إلى طابق مهجور وأعمل مفتاحه في باب خشبي فانبعج لنا فضاء قبري مستطيل بسرير حديدي أحدب ودولاب مهترئ، كان جسمي ملتصقة جسيماته كأنه الغار فدلفت إلى صنبور المياه لعلي أزيل شعث السفر، يا الله! الصنبور يحلب ماءً مالحاً كأنه موصول بالبحر مباشرة، يمكنك إفناء صابونة كاملة من نوع الفنيك دون أن تجود لك بفقاعة تزيل بها ملحك، نزلت إلى البقالة فاشتريت ماء معلباً ودلقته على جسدي، تكاليف المياه العذبة أغلى من فاتورة النزل – كم نحن المغفلون في نعمة من نعم الزلال! أمضيت تلك الليلة برفقة شخص جزائري زعم أن السودانيين صنو الجزائريين في صفات كثيرة، تركته يتداعى بدلوه واستسلمت لسلطان الكرى. في الصباح الباكر دلقت دنانير مهولة من الماء على جسدي حتى تصبب جيبي وهرعت إلى السفارة النيجيرية بحثاً عن تأشيرة. قدمت لي إحدى الحسان ذات العيون البقر استمارة أعجب ما فيها أن أذكر سبباً مقنعاً لسفري إلى نيجيريا، فافترعت كذبة ذات ألواح ودسر بأن شقيقي له أكثر من عشرة سنوات في نيجيريا ولم يعقب وأنا أجد في طلبه، كانت تلك كذبة مؤثرة دفعت على إثرها خمسة عشرة ديناراً قيمة التاشيرة غير الذنوب وحصلت عليها يعلوها حصانان من فصيلة البغل. تذكرت عند خروجي ذلك الكتاب الذي قرأته ويزعم كاتبه أنك يمكن أن تجوب العالم كله دون جواز أو تأشيرة وكل حجته أن يستحيل زرع كل شبر من حدود الدولة بعسس حدود وإلا اصطف كل مواطني الدولة عند خطوطها الوهمية. كانت أكبر تراجيديا عانيت منها هي حصولي على تاشيرة دولة النيجر إذ شدد نيافة القنصل النيجري وليس النيجيري أن السودان لا يقع وراء النيجر لذا ينبغي أن أذهب إلى نيجيريا عن طريق آخر وعندما ذكرت له أن ليبيا محظورة طيراناً، رد بأن أذهب عبر الجزائر وعندما أفحمته أن دول المغارب العربي تمنعنا حتى المرور عبر أجوائها نصحني بالرجوع إلى السودان وكانت خير نصيحة إلا أني أدرجتها في خانة التهكم ورجعت إلى الساحة الخضراء حيث الميدان الفسيح ومقهى يرتاده لفيف من الأجناس وأكثر ما شدني طاولات الشطرنج، فدلفت إلى إحداها وطلبت مشروب (مراده) وهو ليس بمراده تلك المدينة الليبية وإنما الفانتا المنعشة المعروفة عالمياً بنكهة البرتقال. بلغ بسوداني متلبيب وليبي متطلين حداً من التنافس الشطرنجي أذهب باقي يومي وهم يتصايحون مرة اضرب البيدق وتارة خذ الشاة أو الفيل على عجل. عدت كرة أخرى في اليوم التالي إلى قنصلية النيجر، اتخذت كرسياً معجوناً على استحياء من باب إظهار الشفقة وبدأت أرقب مرتادي البعثة. يدخل فريق ن التجار الليبيين إلى القنصلية ويخرجون وهم يجأرون: "تي بالله هذا الفرخ ما يدري شي" تدحرجت إليهم أسأل ما الخطب! فقالوا إنه لا يفهم لغتهم، قلت حسناً دعوني أوضح له، وهكذا أمضيت ثلاثة أيام مترجماً بلا مقابل وفي اليوم الثالث كررت له مشكلي، وبعد أن تمنع وتلجلج وافق على منحي تاشيرة مرور لمدة خمسة عشرة يوماً فقط غير قابلة للتجديد( لس باسي) حمدت الله على ذلك الإذن المجهول وأهلك صفحتين من صفحات جوازي اليتيم بعد أن هرف مني مبلغ ستين ديناراً حتى اختلطت علي قيمة التأشيرة الحقيقية حتى يومي هذا. |
http://www.geocities.com/niiii0iiiin/20pics17.jpg
يمكنك مشاهدة هذي الغزال الحجرية تنبعث من حواليها نوافير المياه وأنت تتابع معركة الشطرنج في ميدان الساحة الخضراء ولا تنسى بين سوداني متلبيب وليبي متطلين! |
(5) في الصباح الباكر هرعت إلى مكتب الخطوط الليبية واستخلصت تذكرة انتحارية ذات اتجاه واحد ذهاب بلا تعقب، ثم ذهبت إلى المطار وللحقيقة فإن المعاملة حسب التراتبية لايشوبها إي تعطيل كما هو مألوف في مطارات الجماهيرية الأخرى التي يمكن كأجنبي مواجهة في ساعة اللامناص اقتحام من أحد الجنود الشباب ليجبرك على التأخر بحجة وفد ثوري في مهمة خاطفة حتى يفسح لعمته أو ابن خالته الحصول على مقعدك وعندما تراجع مكتب الخطوط تجد إجابة من نوع التجاهل أو وصفك بالمحظوظ أن لم تقتاد إلى المخفر بسبة مفصلة من باب التعطيل. أقلعت الطائرة ناحية الجنوب حيث مدينة (سبها) في ميعادها بتأخير بلغ عشرين دقيقة لا أكثر إلا أن الإقلاع في حد ذاته كان ملحمة تراجيدية عمودياً لدرجة أنست الركاب نطق الشهادتين، وجم الركاب كأن على رؤوسهم الطير من هول فقدان وزن إمعائهم وأطرافهم السفلى الأخرى، وعندما استقرت الطائرة أفقياً تمكنت على وجل من التقاط صور طبغرافية للأرض التي تشبه رؤوس السكاكين والمناجل حيث الجبال البركانية التي جفت لتوها بعد اندلاقها من الشمس أو كوكب مرجلي آخر، لا سيما اتخاذها ألوان زرقاء وخضراء، ولم تبارحني آية الجدد والغرابيب القرآنية طول الرحلة التي استغرقت ساعتين بثمن سبعة عشرة دنانير لاغير. كل هذه الرحلة ولم تبرز أي كومة رمال وإنما الجماهيرية على سعة كرشها محشوة بالسلاسل والحجارة المزركشة وأدوات النجارة، الطائرة في سباحتها كأنها تسير على الطريق الصيفي الترابي بين مدينة الجبلين والرنك أو بين سنار والسوكي بعد موسم الخريف حيث حركة اهتزاز متواصل تكاد تسقط كامل طقم الأسنان الاصطناعية للعواجيز، حتى إذا جالت الطائرة عدة جولات غير موفقة فوق مدينة سبها، انقضت كالسهم على المطار وعم الصمت داخل الطائرة لمدة خمس دقائق ثم بعد أن تيقن المسافرون أنهم التصقوا بأمهم الأرض، علا المكان بالتصفيق المحموم لدرجة اختلطت فرحة النجاة بنجاح الطيار، خرجنا من جميع الفتحات كأنه يوم الحشر لا نلوي على شئ غير النجاة بأرواحنا، يا لرعديدية الإنسان! مدينة سبها معظم طرقها دائرية ومن هنا تختلف أضلاع الاتجاهات، لم أجد بداً من نسيان أن بوصلتي النظرية التي حملتها من السودان والتي تقول أن جريان النيل يحدد القطبين المغناطيسيين للأرض وأن شروق الشمس وغروبها يحددان الغرب الجغرافي من الشرق الجغرافي والقبلتي وأنها بوصلة ضيقة الأفق وتمتاز بالمحلية الساذجة، ومنذئذ تهت في خضم الاتجاهات حتى كتابة سطوري هذه! ذهبت إلى حي المنشية حيث موقف السيارات الذاهبة إلى ما وراء الصحراء، وقد ألزمنا صاحب الشاحنة المرسيدس أن نعد أنفسنا بعمامة شاكلة عمامة الطوارق ونظارة تشبه نظارات كارلوس وقارورة ماء وأطعمة جافة، وقد نصحني أخي المسرحي سوزي قبلاً عند السفر أن لابد لي من التزود بعدد لا بأس به من فحول البصل الدامع حتى أمنح جسدي بعضاً من تطعيم في التسفار من إقليم لآخر، مكثنا ثلة المسافرين أسبوعين قبل أن يدور محرك الشاحنة المتجهة إلى القطرون الحدودية ومن ثم حدود ليبيا بالنيجر، وهنا انصرمت تأشيرتي ذات الأسبوعين وستين ديناراً وثلاثة أيام ترجماناً في عمق ليبيا قبل أن أصل إلى النيجر! ومن جراء الانتظار المميت تم التعارف بين المسافرين وامتدت حبائل المعرفة، و لم يجدوا لي لقباً غير لقب (ولضم درمان) ولد أم درمان بينما مساعد الشاحنة أطلقوا عليه ول مندو ومندو مدينة حدودية صغيرة بين تشاد والكميرون، ذكر ود مندو أن بها داراً للسنما يمتلكها أحد السودانيين، قلت في نفسي لله في السودانيين شؤون في بقاع المعمورة! ثمانون راكباً يمسحون سطح الشاحنة وكأننا وسوق بالأماعز يرتمينا، أما حواف الشاحنة مغمورة بالكامل بصفائح المياه البلاستيكية وزكائب الجوالات المكدسة، يمكنك من على البعد أن ترى كومة من الجوالات و صفائح المياه المتحركة ولكنك لا تبين أي سيارة، نهبت بنا الشاحنة مقدار ساعتين أو ثلاث لنصل إلى القطرون وذلك بفضل الله ومن ثم الطريق المعبد، أما ونحن نبرح القطرون لابد لنا من الاستعانة بخبير طرق وقد لازمنا أحد خبراء الجيولوجيا وعلوم الفلك الشفاهية من قبائل التيبو وحتى حدود النيجر، ظل الخبير طول الرحلة يحدق في النجوم إذ اتضح أن خارطته الوحيدة التي يعتمد عليها مثبتة في السماء ذات الحبك. |
(06) من مشارف القطرون بدأت طبوغرافية الأرض في التغير، فقد انتشرت تلال الرمل على حياء بدلاً من الجبال والجدد، كما انقطع الطريق المعبد عند القطرون، القطرون التي ورد ذكرها في كتاب الجغرافية للصف الخامس( جغرافية السودان ومصر وليبيا ) وصنوها النطرون والواحات الدخلة والخارجية، مررنا على بعض القرى ذات الأسماء العجمية من أمقيقيمي وغيرها، كما بدأ استخدام معاول (الصاجات) لنقل العربة إلى الأمام، من صاج إلى صاج ومن تنفيس الإطارات إلى نفخها مرة ثانية حسب طبيعة الأرض. أما سحنات السكان الأصليين فقد تغيرت بالكاد إلى السواد الليبي، وقد التوى لسان المسافرين الذين كانوا لا يجيدون إلا اللغة العربية بنكهة اللكنة الليبية، تغير تماماً بعد خط مية غرب إلى لغات أفريقية صرفة ونحن لم نبرح أرض ليبيا بعد، خلتها خليط من الأمازيغية ولغة التيبو والهوسا وما تيسر. تتوقف الشاحنة لتلتقط أنفاسها ويقضي المسافرون بعضاً من حاجاتهم ، يلتقي بي بعض الصحبة وهم يحملون مذياع ترنسستر بستة أحجار ويزفون لي نبأ تولي رئيس أمريكي جديد سدة العالم، ثم يطلبون معرفة رأيي باعتبار أن السودانيين محللون جيدون للأخبار والمتابعة العالمية! وكانت حجتهم أن الراعي السوداني يعرف ما يدور في أروقة البيت الأبيض!! حتى إذا أدركنا حدود ليبيا عند نقطة الجوازات نحى السائق الشاحنة جانباً وطلب من المسافرين النزول بأوراقهم السفرية، نزلنا في صفوف منتظمة وبعد مرورنا على الجوازات تعرفت على الضابط علي الرحومة الليبي الذي التقيته وتعرفت عليه عند زيارته لأحد أقاربه في رأس لانوف التي يبدو ستلاحقني غير ما يسير، وقد تعجب من تركي التدريس وتجوالي في الآفاق. بعدئذن سلكت بنا الشاحنة أرضاً ثابتة تجاه الشرق وبعد عدة كيلومترات كنا على موعد مع الجوازات النيجرية، رأينا جنوداً يلبسون الأردية والمايوهات بلون الكاكي ويمتشقون أسلحتهم بينما سارية العلم ترفرف في السماء والجميع في حالة تحية للعلم صباحاً بمناسبة ذكرى استقلال النيجر من فرنسا. نزلنا على عجل وانتظمنا في سلك تحية العلم والاستقلال، بعدها أمر سائق الشاحنة عماله بإنزال جوالات الأرز وصناديق الصلصة وعلب التونا ورصها في مخازن العساكر، تهللت أسارير الجنود بالبشر والفرحة لوصول المؤونة والرفد من ليبيا، ثم عجلوا بتخليص ما علينا من دخول ودفع المعلوم، ورغم خوفي الشديد من انقضاء تأشيرتي إلا أني لم أواجه أي عكننة تذكر. لم يمض على مسيرتنا إلا سويعات قلائل ونحن نبرح نقطة جوازات النيجر حتى تبدى لنا بحر الصحراء الشاسع الذي لا تكدر صفاء صفرته أي لون آخر. أمضينا الحال هكذا لعدة أيام بلياليها نسير ليلاً ونهجع نهاراً تحت ظل الشاحنة، لا نرى بشراً ولا حجراً ولا حيوان ولا نبات! سلاسل الصحراء تأخذ تشكيلات مختلفة ومتقلبة، فطوراً تتبدى الرمال على هيئة فتاة عارية مستلقية على بطنها مبرزة مؤخرتها، وطوراً تتجسم الرمال سيفاً صقيلاً خارج غمده، ولأول مرة أكحل عيني بجبال شاهقة معجونة من الرمال. ههنا بقايا جراد نافق تتطاير أجسامه مثل ريشه تماماً، يبدو أنه في رحلته الأبدية من مصوع وإلى تمبكتو فقد الغطاء النباتي الذي يرفده بالطاقة فلقي حتفه، يا لغباء زعيم الجراد! كثيراً ما تودي به بوصلته المستقيمة إلى حتفه. جاءني ذات مرة، ونحن في قيلولتنا أحد الليبيين الذين تحول بفعل الصحراء الكبرى إلى تشادي قح! طالباً حاجة له: ولضم أم درمان أخوي كي أعطيني لي صابون؟ وعندما استخرجت له الصابون ، رد نافياً! بدور لي صابون أسنان؟ فناولته مطلبه، بعدها أراني قطعة فحم سوداء ، وقال إن قطعة الحجر تلك هي الصيدلية الصحراوية بعينها! فهي العلاج الشافي لسم العقارب والثعابين، بأن توضع على موضع الإصابة فتمتص السم في ثوان، ومن ثم يعاد غسلها بوضعها في الحليب فترتد نظيفة لاستعمالها كرة بعد كرة. |
(7)
ذات يوم ونحن إذ نسير في الصحراء، لا ماء ولا شجر على رأي الشاعر الحطيئة، يشير إلينا دليلنا الصحراوي إلى بقعة في الصحراء لايميزها شيئ عن باقي الفجاج غير لونها الماحل ونعومة رمالها. يقول دليلنا : هذه أخطر مكان في الصحراء! كيف ذلك ونحن طول رحلتنا هذه لم نر في الصحراء حتى ظلالاً لأي شيئ من أغوال تبعث على الخوف فأين تكمن خطورتها؟ قال إنها الدوامة! ما إن تطأها كتلة ذات وزن وإلا ابتلعتها، وعندما اندهش الجميع من هذه النبوءة، أوقف سائق الشاحنة شاحنته، وتقدم الدليل يحمل إطاراً بالياً فالقاه ناحية الدوامة. يا إلهـــــي! بدأ الإطار التالف يغوص شيئاً فشيئاً إلى أسفل تلك الساعة الرملية حتى تلاشى كليةً ثم أعدلت تلك الدوامة من ثوبها ورجعت سيرتها الأولى. كثير من المسافرين عبر الصحراء لا يقرؤون كتاب الصحراء جيداً فيكتنف أخبارهم الاختفاء الأبدي. قضينا يومين والمسافرون يتحدثون عن بئر وواحة سنكحل بها أعيننا، كانت هي أمل الصحراء المرتجى والهدف المبتغى في عالم صمدي لا نصدق وجود كائنات حية خارج شاحنتنا التي تسمى سفينة الصحراء. بعد مسيرة ليلة بنهارها تبدت لنا على استحياء كتلة جبلية قميئة في الأفق، وفي نهار اليوم التالي أدركنا كنهها، جبل مهول ترقد تحته بيوت متلاصقة مبنية من رقائق ملح العطرون ومسقوفة بعرائش النخيل! من أين أتى النخيل إلى هنا؟ |
أمام تلك البيوت تتكدس أكوام من العطرون، إذن سكان هذه القرية من عمال المناجم! وهذه الأكوام هي السوق المركزي وإن لم يرق لك فقل بورصة العطرون. تحت سفح ذاك الجبل زعموا أن كانت هناك واحة، توجد من شرق القرية بئر يطلقون عليها سانية، يبدو أنها كانت تعمل بطواحين الهواء على عهد الفرنسيين، هذه البئر تحتاج لأربعة أشخاص لنزع دلوها بواسطة أشطان وعند وصول الدلو إلى خارجها بالكاد يخرج من الماء ربع المكترى(Net Weight) . ألقينا عصانا قريباً من البئر فهرع إلينا سكان القرية التي تقع خارج الكرة الأرضية لعزلتها، خرج قومها يتفرسون في وجوهنا وزكائب أمتعتنا التي تنوء بها الشاحنة، هناك من على البعد فتيات باسقات الطول كالعيدان يعرضن أنفسهن للمتعة، نعم حتى الصحراء لها مواخيرها تماماً كالمدن المتروبوليشن التي ترتمي في عوالم النيون، وللحقيقة لم أر لتلك الفتيات أثداء بتاتاً أما سوقهن كسيقان النعام، وهنا لأول مرة أكتشف علاقة البيئة بالسيقان، فالبيئة الجافة المتصحرة سيقان نسائها كسوق النعام ، والبيئة الرطبة مهما كانت درجة حرارتها سوق نسائها كالبلنط ( طفاية القاعة) والبيئة الجبلية تبدو سيقان نسائها محشوة بكرات التنس، لدرجة انتشار عيادات التجميل لأزالة تلك الكرات كما هو الحال منتشرة في هونج كونج. برز إلينا في تلك القرية رجل تشير معداته على أنه صائغ ذهب يحمل ميزاناً أكل عليه الدهر وشرب، أخذ مكانه تحت ظل الشاحنة، وكلما وقع تحت بصره خاتم فضة أو نحاس طلب من صاحبه معرفة وزنه وعياره! مما أصابني بالدهشة من الفائدة التي يجنيها من تلك المهمة التي لا تدر إلا العجب. كلما ما فعلناه في تلك المسمى واحة أخذنا قسطاً من الراحة ودلقنا قدراً من ماء البئر في جسومنا وتزودنا بالماء ووزعنا بعض الطعام لسكان تلك المعمورة ثم استأنفنا المسير. يغلب على سكان تلك القرية ملامح التشاديين بزيهم المزركش وجسومهم النحيلة، أما لغتهم فهي أفريقية ولكنها ليست لغة الهوسا التي تنتظم دولة النيجر، مضى علينا نهار وليلة كاملة حتى أخذت صورة ذاك الجبل في التلاشي. |
(8)
في عالم الصحراء البهيم، ما إن تأذن الشمس في جمع خيوطها تاركة على الأفق جراحاً غائرة جراء الفراق تقطرعسجداً ووحشة، يتخذ الليل شيئاً فشيئاً متكأه على قارعة الوجود ناثراً هدوءه وسكينته، حينها تبدأ الأشياء تفقد ظلالها الفارعة الطول، وينتاب الكون سكون القبور، من ثم تبدأ مسامات الرمال في التماسك الحميم ماسحة أديم الأرض بصلابة افتقدتها طوال النهار، فتعفي المسافرين عناء التوقف ليلاً ونشل المركبة من وحل الرمال. يقبع المسافرون على صهوة أمهم السفينة يرقبون الأشياء بعيون النعاس وداعاً واحتفاء. ومن ثم يقضون فرضيهم المسائي جمعاً وقصراً وهم جالسون القرفصاء والشاحنة تمخر عباب الفضاء. في ليل الصحراء الوحيش، يقترب سطح الشاحنة من قبة السماء أو تسجد السماء قبالة الشاحنة، وتتبدى الكواكب في سفور قريب. ههنا قناديل من الثريا تخبو وتلمع، وههنا عناقيد من برج الجدي متناثرة، وذا كوكب الزهرة يطل علينا بحجم القمر، أنجم وزينات مجرة الكبش تعتمر قبة السماء وتعد سرادقها لحفل المساء. لم يكن ليل الصحراء ممسحة لسبورة النهار فحسب، إنما شروع متئد لسهرة مكتملة يشنف آذانها الحادون بمزاميرهم الحنجرية، وينسجها الزمان بروايات الخوارق وأقاصيص العجب. تكل الأفواه والأخيلة، وتتمدد الأثواب والأغطية ليسلم المسافرون أرواحهم رويداً رويداً لسلطان الكرى. في الجانب الآخر ناحية غرفة القيادة، يحتسي المساعدون (أفرنتيي) مع سائق الشاحنة الشاي الأخضر ويتسلى الرفاق بقشور المغامرات ولباب الأسفار. وفي الليل الطويل يحمد السرى. أطل نهار جديد بثوب جديد في مكان جديد، وأرض الصحراء مفروشة على آخرها بسجاد من السندس الأخضر مطرزة حواشيه بثمار بحجم البطيخ! إذن شرعت الصحراء بالاحتقاء بنيافتنا بهذه الأبهة نبات في قلب الصحراء ؟ ثمار بحجم البطيخ؟ الأحلام في الصحراء يمكن جسها، ففي النهار برك الرهاب من حولنا وهذا الاخضرار لا تكذبه العين. إنه وادي الحنظل يموت ويحيى بنسم الصباح، وللنبات صيام وسجدة كما للأنام! المسافرون بزعمهم أن واحة تسمى (ديركو) تتوعدنا على تخوم ذاك الوادي! حيث يتسنى لنا أخذ قسط من الراحة وتشنيف مآقينا بأنفاس الحياة. ها لاحت في الأفق القريب واحة ديركو في شكل جمهرة من نخيل قصير يلوح بأغصانه إلينا مهللاً بمقدمنا، وكيف لا تستبشر الواحة بالقادمين، فهم الحراك الذي يجدد أوصالها والغذاء الذي يرفد بالطاقة أرجاءها. رجال من الجند يجوبون الواحة نصف عراه شاكون أسلحتهم. ظلال النخيل القصيرة تخذت مساكن مؤقتة أغلب مستظليها نساء عاريات ينتظرن في هذه المحطة القصية ريثما يقوم الحواة بتهريبهن عبر صحراء الجزائر إلى غدامس ومنها إلى الشواطئ المالحة وصولاً لأوروبا ليبدأن حياة ما، ويغسلن من الذاكرة وعثاء السفر وشيئاً من جنابة ويحققن أحلام الرفاه العراض. إذن الصحراء على إطلاقها معمورة بالمارة والهاربين وثلة نساء! ونحن نشكو هول التوحد بكل تفرد، أهذا هراء؟ لم نمكث في ديركو كثيراً، فبعد أن تزودنا من تقوى الواحة ماءها شددنا الرحال نجد المسير ناحية مدينة أخرى تسمى أقديس يقال أنها ثالث مدينة في النيجر، كما شرعت ألسنتنا تتلمظ بعضاً من مفردات لغة الهوسا: (إنا زاكا) أين ذاهب (إنا كونا) صباح الخير (سينجي لوكشي) وقت الشتاء. لم نقض يوماً كاملاً في المسير حتى اعترضت مسيرنا حاملة جنود صحراوية فأوقفتنا. ينبغي علينا التوقف لبضعة أيام حتى تتجمع قوافل المسافرين ويقوم الجنود بحمايتها من قطاع الطرق ومتمري الطوارق. الأخبار الواردة من نفق الجبل تقول إن شاحنة متقدمة تم سحل كل من فيها من قبائل الهوسا وأما غير الهوسا تم تجريدهم من كافة أوسمة الأمتعة والنقود! إنهم متمردون إذن! يطالبون بقسمة الثروة والسلطة مع الهوسا . هنا بدأ المسافرون كل واحد على حده يؤنب نفسه، لماذا تقدم نفسك طعماً سخياً في مأدبة الصحراء لمجرد نزوة سفر وكومة فضول؟ إذن فلننتظرلعند المساء. |
|
(09) هبط المسافرون من الشاحنة وقد أعياهم الخدر حاملين ما خف من أمتعتهم فافترشوا الرمال بعد أن اجتاحتهم سحب الحزن من ما تناقل إليهم من أخبار المسافرين السابقين والمصائر التي لاقوها ساعة أن هجم عليهم متمردو الطوارق من أعلى الجبل وهم محصورون أدنى الوادي فأمطروهم بوابل نيرانهم وأعملوا فيهم تقتيلاً وسلباً . لم يبدد سحائب ذاك الحزن إلا انشغال المسافرين ببعض شؤونهم، فبعضهم ذهب لقضاء حاجته والبعض الآخر شرع يطهو له طعاماً بقليل من الماء النادر أما أواني الطبخ فإن رمال الصحراء كفيلة بتطهيرها وأيما تطهير. إذ القوم منشغلون بما لديهم يهبط علينا أفراد من شباب قبيلة البررو( أم برروا) منسلين من فجاج الصحراء كالنبت الشيطاني وهم طوال الجسوم شعورهم مسترسلة مضفورة ومرصعة بحبيبات الخرز، أما عيونهم مكحلة بالكحل تزين معاصمهم ورقابعهم حلي النساء، إذن انقلبت مفاهيم الصحراء في تمييز الرجال من النساء! ترك شباب البررو أبقارهم على مقربة منهم وعلى رؤوسها العصي الطوال أم أجسامها ملساء كما تبدو عليها القصر. وقد أشارت كتب التاريخ أن الموطن الأصلي لقبائل البررو هو جبال القوقاز في أواسط آسيا. البررو يعبدون الشيطان ويقدسون البقر ويتجولن في محيط السافنا على طول قارة أفريقيا. عرض علينا شباب البررو بضاعتهم المتمثلة في بعض عروق الأشجار التي تسمى قنج وزعموا أن الرجل إذا تناولها ولا سيما مع الشواء فإنه يصاب بالإنعاظ لدرجة التحجر وإذا لم يمارس الجنس آكله فلا محالة لابد له من فصد عضوه عدة فصدات حتى تخرج كتل الدماء المتحجرة، عندما سمع المسافرون تلك الوصفة أصيب بعضهم بالانتصاب والبعض الآخر بدأ يقلب في عواقب تلك الوصفة. كما زعمت مجموعة أخرى من شباب البررو أنهم يقرأون الحظ ويتنبأون بالمستقبل، و أن لهم جذور أشجار سموها عروق المحبة تجلب إليك الحبيب أينما تكون بمجرد ذكره أو تخيل صورته! لم يتبق لهم إلا أن يعرضوا لنا عروق ( لاتموت إلا إذا أجلك تم) في ذلك المكان لحق بنا مالك الشاحنة على سيارته ذات الدفع الرباعي وإطلع على الموقف الأمني الذي ينبغي التقيد به حتى يتمم الله الرحلة بسلام. في المساء بعدما اطمأن على الخطوات الاحترازية الأمنية انطلق بسيارته غير ما بعيد في الوادي فإذا بعيون زرقاء تعكس أنوار السيارة فعلم أنها غزال فعاجلها حتى دهسها فسقطت تحت إطارات السيارة فأسرع إليها وقضى على حياتها بمديته الطويلة، سال منها دم شحيح أقرب إلى السواد وذلك لاعتمادها في غذائها على جذور الشجيرات. حملوها إلى قرب الشاحنة وبدأ القوم في إعداد حفل شواء لم يسمع به ساكنو الصحراء من قبل . أحد الرجال أكد على أن عمر الغزال تجاوز التسع سنوات وكان برهانه عدد الحلقات التي تطوق قرون الغزال وعندما عددناها وجدناها كما قال، وهكذا تحتفظ الطبيعة بدقة تسجيل تواريخها حتى ولو داخل قرونها وجيناتها. انتهى القوم إلى مضاجعهم بعد حفل الشواء الذي كان عشاءً ذا صيت. في الصباح الباكر تجمعت أرتال الشاحنات مؤلفة قافلة تتقدم من أمامها وخلفها سيارات الجيش الممشوقة المدافع ثم انطلقنا إلى الوادي المخيف وعندما مررنا على ذلك المجرى أطلق الجنود عيارات نارية خوفاً و إنذاراً حتى أدركنا موضع أحداث الشاحنة المنهوبة فوقفنا على أثار الدمار من ملابس بالية وعلامات أخرى ثم تجاوزنا الممر بسلام وعلى مرمى من البصر وادي الحنظل. أسرعنا العدو حتى لاحت لنا مشارف مدينة أقديز فارتسمت على محيا القوم علامات الفرح والنصر وكأنما وصلنا إلى ديار أحبتنا وأهلنا الذين فارقناهم منذ زمن طويل. كانت (1992) مدينة أقديز التي تتوسط الصحراء مبنية من أكوام القش والعشش أما دور الحكومة فمبنية باللبن، ورغم أنها المدينة الثالثة في دولة النيجر إلى أنها تفتقر لمياه الحياة صالحها وطالحها وتنعدم فيها الإنارة والطرق والسيارات. ألح علي بعض الرفاق بمرافقتهم إلى سكن أحد شيوخ قبيلتهم في تلك البلدة وأكدوا أنه سيسر بزيارتي، فذهبت معهم واستقبلنا الشيخ بالذبائح والموائد وقضوا ليلتهم يدوكون الأخبار بلغتهم غير العربية. فاتني في معرض سفرنا أن أذكر أنه يكاد في أي منعطف من أرض النيجر يتلقفنا موظفو الشرطة بزيهم غير الرسمي يختمون على جوازات سفرنا ختماً باللون الأحمر بعد أن ندفع لكل ختم مبلغ خمسين ريالاً فرنكياً ( فرنك سيفا) لدرجة أن جوازي شكا من كثرة التأشيرات التي بلغت في غدوي ورواحي 15 ختماً . http://i1.trekearth.com/photos/43038/niger_bororo1.jpg رجل من البررو Bororo |
وينك يا رجل
ما زلنا في العام 92 والوقت بكر ثم انك قاربت من الشهر عل المطر ما قفل عليكم الدرب تعال ياخ فهذا المكان يتسع ويحتاجك اكثر لاظهار السرد وقوته عند وقوفك الماهل في محطات عوالمك المشهديه تعال ياخ انشاء في الاسبوع مرة . شغل يريح البال خااااالص يا صيام |
اقتباس:
الحبيب فيصل عباس شكراً لمروركم الكريم والتشجيع سوف أواصل إن شاء الله حالة من الكسل ليس إلا، وما لامي في الحكي في رقبتو رغم أن الأحداث مستفة في كراتينها للحلقة الثلاثين |
[align=center](10)[/align] صحبت الرفاق في اليوم التالي في زيارة تفقدية لمعالم منطقة أقدس نجوب شوارعها ونتعرف على أسواقها ونشاط ساكنيها من قرب، فإذا بأغلب متاجرها من العشش المصنوعة من القش والخرق. في سوق الملابس تعرض البضائع في أكوام من غير تنظيم أو فلسفات التسوق الأخيرة ورغم تدبيج الملابس بعلامات الأزياء العالمية مثل أرو وديور إلا أن البلى قد أصاب أفوافها وذهب بمعظم صلاحيتها. جناح الأحذية لا يختلف كثيراً عن الملابس حيث الأحذية (تاكلمي بلغة الهوسا) مصنوعة من البلاستك والجلود البلدية. هنا حقائب وشنط ملزومة في سلسلة معدنية تشدها، تفصل بينها وبين مكتبة البلد حزمة من قصب السكر يتاجر فيها صاحبها بالفصوص، تتحلق حوله فتيات أثداؤهن في العراء يتجولن بحب التسالي والفول المدمس والأقشي والسمسمية تماماً كمنظر وصولك بالقطار محطة الحواتة أو ود الحداد في النيل الأزرق. مكتبة المدينة مكدوسة حتى أفرغت كتبها ومجلاتها في الطريق العام، أما الكتب أغلبها مطبوع في بخت الرضا بالدويم، كتب المطالعة الأولية وحساب التلميذ والجغرافية المحلية والمدونات وحتى أدوات الكتابة من المحابر والريش، بخت الرضا بكامل حضورها في قلب صحراء النيجر بكتبها المدموغة بصورة رأس الإنسان الذي نصفه أبيض والنصف الآخر أسود! قريب من تلك المكتبة محل موسيقى تصدح منه أغنية للفنان إبراهيم عوض دلفنا إليه فإذا بأشرطة الفنانين : عثمان حسين، عائشة الفلاتية، ثلاثي البلابل وعبدالرحمن عبد الله جنباً إلى جنب مع أشرطة ألفا بلندي – الله لك نشكي- ومريم ماكبا، إذن عدت مرة أخرى إلى أم درمان العباسية بكامل قراطيسها وموسيقاها، ما أصغر تلك القارة! ذكر أحد الرفاق أن سودانياً كان يعمل ميكانيكي اسمه ضحية كان يقيم في مدينة أقدس إلا أنهم لم يسمعوا له حساً منذ أمد ليس بالقريب! قفز رفيق آخر قائلاً أن امرأة سودانية كذلك مازالت تعمل بغياً في ذات المدينة! بعد ارتفاع زئبق زهوي الوطني من جراء الالتقاء بأمدرمان كرة ثانية سرعان ما انخفضت تلك الحرارة بالخبر الأخير إلى أقصى درجات الخيبة، فطلبت منه أن يدلني إلى بيتها وسرنا تصارعني خليط من الخيبة والفضول وسبر أغوار الحقيقة. انخرطنا في ممر ضيق كأنه مسقوف من شدة طول الأطيان بجانبيه ثم مررنا سراعاً على نقعة يلعب فيها صبية بعجلات السيارات ودوائر الحديد، ارتفعنا قدر نصف كيلومتر في الاتجاه إلى أعلى، ههنا في الزاوية بائع السجائر أمامه هرم من علب السجائر المستوردة ، انحدرنا جرياً محازاة لكناسة تعمرها المياه الراكدة ومخلفات البشر ورائحة الجلود المدبوغة وفطيس الدواجن، درنا نصف دورة حول طابية من اللبن العتيق، شققنا منزلاً واسعاً يسكنه لفيف من العزاب والعزابيات يبدو أنهم من الكاميرون أو الكنغو في أوان قيلولتهم، البعض يقشر جذور الدويا والبفرة والبعض يفلي شعره وفتاة متشلحة تغسل ملابس، كل هذا ولم يعترض سبيلنا أي معترض! فاخترقنا الحائط من مخرج متهدم وعبرنا إلى منزل آخر بنفس الفسيفساء وانتهينا إلى منزل بابه من الحديد البالي تعبث الريح بمصراعيه. هذا هو! بصوت كورالي نطق الرفاق! |
هممت بطرق الباب إلى أن أحدهم دلف إلى الداخل فأتبعناه. من بالداخل لا يرد ولا يستجيب، جسنا فضاء المنزل المؤلف من عدة أكواخ فخرجت امرأة في الثلاثينيات من عمرها، سلمنا عليها ، تنحى رفاقي جانباً وتركوني والمرأة التي بزعمهم سودانية دعتني إلى داخل عشتها وذهبت لجلب الماء. تفرست في ملامحها إذ لا تختلف شيئاً عن السودانيات، من الحناء إلى فصدتين صغيرتين على جانبي صدغيها ولهجة بدو السودان، بيت بسيط ومنظم ، ملابسها من جنس الشفون السوداني حيث أن نساء النيجر وتشاد يكثرن من لبس المزركش متعدد الألون وفاقعها.
أين السودانية التي يزعمون؟ جاءتني المرأة تحمل كوباً من الماء ، وبعد أن شكرتها سألتها : إنت من وين في السودان؟ نفت بهز رأسها أنها ليست من السودان وإنما من سنتر آفريك، وقد هاجر جدودها قبل زمن بعيد إلى تلك البلاد من السودان، إلا أن سكان النيجر يطلقون على كل قادم من الشرق تكروني!!! ( الشرق تكروني)! لم أتوقف كثيراً في كلمة (تكروني) إلا أني حزمت أطراف نفسي ويممت خارجاً مشيراً لها بالوداع إشارة. قابلني الرفاق متسائلين، قلت لهم إنها تكرونية فحسب. في طريق عودتنا مررنا بلافتات زاهية بصورة الزرافة قال الرفاق إنها حانات على الطريقة الفرنسية، فتيات متبجحات في تنانير قصيرة وموسيقى أفريقية صنفوها الجالوة تنبعث منها، أرجعتني صورة الزرافة إلى صورة البيرة أبوجمل في السودان تختلف الجعة والرمز الطويل واحد. في اليوم الثالث ودعني الرفاق عند محطة الحافلات وداعاً قلما أنساه من نفر جمعتني بهم الصحراء ، مصداقاً لمقولة العالم عبدالله الطيب: ومازال أخو الصحراء يتلفت بقلبه...) وقد تلفت حتى لويت ليتاً وأخدعا ودعوني كأنما بدأت عشرتنا منذ الطفولة. ولضم درمان مع السلامة ولضم درمان الله يحفظك لا يوجد في هذا الوداع دموع إنما عرى صادقة صقلتها التجربة وصدق الرجولة. تركوني في المحطة وعيني على المدينة التالية – زيندر- ومن ثم التوجه إلى حدود نيجريا ذهاباً إلى مدينة تقبع شرقها تسمى مايدوغري حيث الجامعة التي أجد في طلبها. تفرست في ركاب الحافلة علي اصطاد أحد الرفاق للرحلة القادمة ، لم أعثر على أي فرد يتكلم اللغة العربية ولا حتى اللغة الإنجليزية، إنما يمزجون لغة الهوسا باللغة الفرنسية كأنما الفرانكفونية من بنات أفكارهم لاغير. رجعت أدراجي أتجول داخل ممرات ودهاليز نفسي لعلي آتي بقبس من ذكريات أعالج بها طول الرحلة القادمة، إذ طاف بي لفظ ( ولد أم درمان) الذي ساقني إلى عام 1967 حيث وصولي لأول مرة إلى أم درمان وأنا ابن ست سنوات مرافق لوالدي الضرير الذي فقد إحدى عينيه في مزرعته بقرية الكويك جنوب النيل الأبيض وهو يجتهد ليجتث شجرة في قلب المزرعة تجمعت الطيور والبغاث لحصدها قبل أن يجمعها، فإذا بعينه الثانية تلحق بها ليصبح ضريراً كاملاً. جئت ووالدي إلى أم درمان من القضارف التي روج تجار الأساطير آنذاك أن بمدينة القضارف بئر يستشفى بها كل مريض، فتجمع حولها خلق من كل بقاع السودان والدول المجاورة: الكسيح والأعرج والأعمى المجزوم الأبرص لم يسبق ليسوع عليه السلام توافد لفيف من المرضى كهذا عليه. |
أذكر ذات مساء بعد أن تناولنا عشاءنا المكون من الحليب والرغيف مع والدي هجعنا إلى كوخنا القريب من البئر المالح نلتمس النوم، وسرعان ما نام والدي وتركني أغالبه، فإذا بلص يدخل عشتنا ويبدأ يقلب في جنبات والدي ووالدي نائم ولكن يستجيب له، وعندما رأيت اللص صرخت منادياً على والدي يابا الحرامي يابا الحرامي يابا الحرامييييييييي ولا مجيب ، أخذ اللص على عجل كل ما حصل عليه وولى هارباً. عندما ارتد إلي صوتي صرخت صرخة واحدة فاق والدي على إثرها ، فقلت له الحرامي أخذ كل نقودك وذهب. بحث والدي ذات اليمين وذات اليسار ولم يحصل على شيئ، بعدها أخبرني أن اللص استعمل حواءً يسمى البتوتة يذهب بالصوت ويسمر الشخص! قبل وصولنا إلى القضارف فقد أمضيناً خريفاً كاملاً في معية الشيخ محمد الأمين في قرية الشكابة طلباً لاستشفاء من العمى! ولكن بلا جدوى غير أني جمعت منها ذكريات ثرة لطفولتي الجائحة بين أطفال الشيخ وسكان القرية. قضيناً وقتاً في صيد العصافير الصفراء ومسمياتها من ود امبلك، الشتو، قدوم صابون، طير الجنة الزرقاء والخضراء التي لم نجد ولداً قد اصطادها لخفتها ورشاقتها، كما جمعنا في الخريف الفراشات الجميلة والزنابير الزنانة التي نستخدمها كمراوح حية وذلك بثقب مؤخرتها بشوك الطلح أو ربط سوقها بخيط و(ود الموية) دودة أو حشرة شفافة الحمرة تظهر مع المطر وتختفي بعده. رجعتني الرحلة الصحراوية إلى أم درمان التي أقمنا في حي ود نوباوي قرب مسجدها وكنت في المساء أذهب إلى مسيد مسجدها لحفظ القرآن، في النهار نجوب مع الصبية بحثاً عن القماري مدججين بنبالنا، أو نذهب إلى السوق القريب أو السوق الكبير ونحن نقود سياراتنا المصنوعة من الصفيح معبأة بأحجار البطارية التي نضيئ بها السيارات ليلاً. ذات نهار رأينا سيارة فلوكسواجن تمر سراعاً وتدهس شخصين من جنوب السودان يرتديان أردية ولاوي ويحملان عصي مدببة الرأس فإذا بهما ينحشران داخل السيارة ويهشمان زجاجها. وذات صباح أفقنا على أبواق سيارات النجدة وهي تحيط بالسوق القريب من ود نوباوي وألقت القبض على قصاب قام بذبح زبونته على طاولة الجزارة بعد أن استدانت منه اللحم لمدة طويلة وكل ما مرة تماطله. بصورة شبه يومية نرى موكباً تحفه الدراجات النارية البيضاء اللون متجهة ناحية السوق الكبير صباحاً! بينما استرسل في ذكرياتي تتوقف الحافلة فجأة ويجمع السائق وثائق سفرنا ويسلمها للشرطة، وعند سماع أسمائنا نذهب إليهم وندفع مبلغ 50 فرنكاً ونحرر وثائقنا ثم نرجع إلى مقاعدنا ونستأنف المسير، تكررت تلك العملية كثيراً إلا أن شملنا اليل برحمته وانبلج الفجر على مشارف مدينة زندر في أقصى الجنوب النيجري جهة ولاية كنو النيجيرية. |
اقتباس:
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>> يتبع |
|
|
(11) بعد أن قطعت الحافلة بي مسافة ألف كيلومتر ونيف معبدةً من أقديز في قلب الصحراء الكبرى إلى زندر في أقصى جنوب النيجر، أشرقت الشمس في صبيحة اليوم التالي لأجد نفسي ملقياً على قارعة الطريق وسط مدينة زندر ترافقني حقيبتي التي قد تعبت من طول السف. التفت شمالاً لأرى محالاً تجارية لتجار يعتمرون القلنسوات الحمراء الطويلة فعرفت أنهم إما من ليبيا أو الجزائر، محالهم تعج ببضائع الأجهزة الإلكترونية والكهربية. من جهة الشرق يرقد طريق طويل يشق مدينة زندر إلى نصفين ينتهي في بناية من الطوب يزينها صليب، ثم ينعطف الطريق ناحية الجنوب لعله ينتهي في نيجريا التي أرومها! من على يميني صبية جوالة يحملون عبوات للوقود يتجولون بها وسط موقف السيارات، إذ لا تبدو محطة بترول تتراءى لناظري. السيارات مرصعة بالآيات القرآنية وأيقونات ومصدات الحسد والعين. يشير إلي أحد الذين وصل معنا إلى تلك المدينة ناحية الكنيسة، بأن هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن أن أجد فيه شخصاً يجيد اللغة العربية! ثم يدلني إلى موقف السيارات الذاهبة إلى مدينة كنو في شمال نيجريا. عثرت رجلي في تطوافي في السوق على سوق شراء العملة مطروحة على قارعة الطريق في شكل رزم كأنها خضار الجرجير: نايرة نيجيرية، فرنك سيفا، دولار أمريكي وفرنك فرنسي. كل الدول الناطقة بالفرنسية هنا عملتها الفرنك سيفا (الفرنك الأفريقي) ذات قيمة واحدة وثابتة حيث لا يحتاج المسافر من السنغال – مثلاً- مروراً ببوركينا فاسو( أرض الرجال النزهاء كما أسماها الرئيس توماس سنكارا) ومالي والنيجر والكمرون وحتى دولة تشاد لتغيير عملته. الفرنك الفرنسي الواحد يساوي خمسين فرنك أفريقي، كلها تصدر من بنك فرنسا المركزي في (باغيس) مدينة الفن والجمال! ساورني الشك بادئاً بأن تكون هذه العملة مزورة وبعد مشاهدتي وتدقيقي لحركة الصرافة المتتابعة شرعت في تغيير بعض نقودي إلى عملة نيجيريا إلا أني تفاجأت بأن الدولار الأمريكي يساوي عشرين نيرة بينما كان سعرها ست نيرات أوان نسجت خيوط رحلة عملي الظلوطية إلي نيجريا. صحيح أول الوهن تقاعس! أوصل لي أحد السائقين بطريقة ما أن المنطقة الحدودية لا تبعد كثيراً ويمكنني أن أستقل سيارته الأجرة بقيمة عشرين نيرة إلى الحدود، قبلت بالفكرة وانطلقت إلى الحدود، مررنا بشرطة حدودية لم أعرف كنههم إلا أنهم سألوا السائق: إنا زاكا؟ أين ذاهبان؟ زاني جي قِـدا. ذاهبان إلى المنزل! بعدها – إشارة مر هكذا- انطلقت سيارتنا إلى موقف الحدود دون أي عنت. أين وظيفة تأشيرتي ذات الحصانين! الموقف مكدس بالشاحنات الغادية والرائحة فقط ليس من بينها سيارات نقل الركاب! وعندما استفسرت من الشرطي النيجيري علمت أن سائقي الحافلات دخلوا في إضراب عام مفتوح إلى أن تستجيب الدولتين لطلب زيادة أسعار تذاكر المسافرين. أمضيت ساعات طوال لعلي أظفر ببعض الأمل ولكن بلا جدوى. راجعني سائق سيارة أجرة أن طرح لي إمكانية إرجاعي إلى فندق مناسب حتى تنجلي تلك الغمة فوافقت على خيبة. رجعنا بنفس لغز الواحد وعشرين سؤال: إنا زاكا؟ زاني جي قِدا! تبدو المدينة من هنا كأنها مزروعة بأحجار الظلط بارتفاع المنازل تماماً، مما وفر فيها مسافات بينية متناثرة وكأنها ميادين عامة. مررنا في طريقنا على ورشة نجارة عمالها منهمكون في تمليس أخشابها وعلى آذانهم أقلام الرصاص، بينما موسيقى للفنان إبراهيم عوض تنبعث من المسجل السانيو الضخم ذي الأنوار (made in Nigeria) لتعبق تلك المساحة من الشارع بالألحان السودانية. (دولتان مشهورتان باستنساخ الثقافة الأمريكية الطازجة على طريقة أمسك لي وأقطع لك، نيجيريا لدول غرب أفريقيا وهونج كونج لدول التنين) قال السائق: صاحب هذا المحل من السودان! قلت: قف هنا! نزلت وسلمت عليهم، فإذا بالجميع ينفجر مرحباً بنفس لغة أمي! أنزل صاحب المحل حقيبتي واسمه محمد علي واستضافني داخل الورشة. بعد أن قدم لي الماء كان ظنه أني قادم من مدينة كنو. قلت أنا قادم من ليبيا، ثم شرعت في توصيل ذهن المستمعين إلى حيث أنا جالس بينهم. رددوا حمداً لله على السلامة، وصلت تب يا رجل! يا لها من رحلة. أعد (البناجيس) صبية المحل فطوراً مهولاً من سلطة الطماطم المعبوكة بمعجون الفول وزيت السمسم وكثير من الفلفل الأخضر وبعد أن فطرنا ورشفنا أقداح الشاي طلبوا مني أخذ قسطٍ من الراحة في غرفة الضيافة. كنت تائهاً قبل سويعات قلائل أصارع أحاديتي وها أنا مأهولاً بأهلي وبني بلدي، لله في خلقه شؤون. طلبت منهم أن يدلوني على (بيت الأدب) فرافقني أحد الصبية إلى هناك وأشار ثم رجع أدراجه. ذهبت إلى حيث أشار، يا إلهي! كل الحيطان مرصعة بسحالي بأشكال الديناصورات تماماً، أحجامها تصل عشرة أضعاف ما تعارفت عليه من سحالي وضببة، تمتاز ببطء الحركة وكثرة الالتفات مبقعة باللون الأحمر والأبيض ومحرشفة الظهر. يبدو أن هذه هي الحلقة المفقودة بين السحالي والحرباء إن كان هناك حلقة مفقودة. صرفت النظر عن دخول الحمام، رغم أن دخوله والخروج منه ورطة وأيما ورطة، إلا أن الحالة التي أنا فيها لاتسمح لي بالركوس. عندما دخلت إلى الغرفة المعدة للضيافة فإذا بحشرات النمل بمعاطف ناصعة البياض وأرجل طويلة كأرجل العناكب، وهي تتحرك بسرعة خيالية. أي كوكب هذا الذي مازال تعمره الديناصورات والنمل الأبيض الخرافي الذي حطت فيه مركبتي في أواخر الألفية الثانية!!! http://www.losviajeros.net/fotos/africa/niger/niger.jpg شعب البررو Bororo |
(12)
عرفت من شباب الورشة الكثير المثير عن أخبار نيجيريا فقد أمضوا فيها فترات متراوحة وعجمتهم تجاربها القوية ، وكلهم لم يتمكنوا من مغادرتها إلا بشق الأنفس. أمضى أحدهم في نيجيريا مدة ست سنوات وجاء بأخبار يشيب لها الولدان. حكى بينما هو يتجول في شوارع مدينة لاغوس -العاصمة القديمة- شاهد مجموعة كأنها العصابة تلقي القبض على أحد الأشاخص وهو في سيره ، ثم تكمم فاه وتحشره في جوال وتربطه وتولي هاربة به. عندما رجع إلى مسكنه قص لرفيقه في السكن ما شاهده بدهشة، فأخبره الرفيق بأن هذا المشهد كثير التكرار في المدينة وهو أن العديد من السحرة يستعينون بالجن لبلوغ المال ويطلب منهم الجن إحضار شخص بعينه ذي مواصفات كأن يكون بطول كذا ولون عينيه كذا، فيتجول السحرة في الطرقات بحثاً عن تلك المواصفات وعندما يعثرون عليها يستدرجونها إلى أماكن مظلمة وينطلقون بها إلى مختبر الجن، وهنا يوضع الشخص المسروق على هيئة قائمة في تابوت ويتم تخديره ويعكف الساحر على قراءة بعض تعاويذ الجن حتى تتجمد الضحية وتموت ثم تبدأ في مرحلة التكلم وعندها يتساقط من فيه قطع النقود وأوراقه ويستمر الحال هكذا إلى أن يفرغ المسحور آخر مليم في جوفه ويموت الموت النهائي! أصابني الخوف من تلك القصة وتمثل لي أن المسحور هو شخصي الذي لا يبدي أي مقاومة إلى أن فنى. تداخل قادم آخر من نيجريا ووصف لنا زحمة طرقاتها بالناس والسيارات والدواب على السواء لدرجة نفذ قسم المرور هناك نظاماً يقضي بتحديد أرقام سيارات محددة لكل يوم بأن تكون السيارات حاملة الأرقام الزوجية في أيام كذا والأرقام الفردية في الأيام الأخرى، أما صحة البيئة فقد وصفها بأن شوارع المدينة تغص بالقاذورات والذباب، ثم ذكر أن داء الأيدز يسير في الطرقات وقد بلغت نسبته درجة مخيفة، ثم شرع في وصف أحد السودانيين المصابين بالداء وقد وصل مرحلة متأخرة من المرض لدرجة نــزت نزاً جروحه الصديد وفي مراحله الأخيرة تسلخ جلده ومات وحيداً أسبوعاً كاملاً لتعثر عليه السلطات و تحمله في كيس من القمامة ويتم حرقه خارج المدينة. ذكر أبكر الفلاتي وهو من أبناء مدينة كوستي القادم من مدينة كنو النيجيرية بأنه كان يعمل في ليبيا عاملاً إلا أن عينه كانت صوب الذهاب إلى المملكة العربية السعودية، وقد خطط له بعض الصحاب خط سير يمكن أن يوصله إلى المملكة السعودية بكل يسر وهو أن يسافر إلى مدينو كنو في نيجريا ويطير جواً إلى حلمه حاجاً أو معتمراً. سافر أبكر عبر الصحراء من ليبيا إلى النيجر بنفس خط سيري حتى وصل إلى مدينة كنو في الشمال النيجيري ونزل في نزل في قلب السوق، أمضى ليلته في نوم عميق من شدة التعب، وفي اليوم التالي وهو من على نافذة الحمام يشاهد الشارع وحركة المارة، فإذا بمحل يحمل لافتة تزينها صور طائرات السفر وخطوطها ، فرك عينيه كرة أخرى ثم غسل وجهه على عجل ونزل بملابس نومه إلى الوكالة، تحدث معهم بلغة الهوسا التي يجيدها عن السفر وشروطه فطلبوا منه مبلغ ألف دولار أمريكي وصور شخصية وجواز سفره ، وبعد أن استلمت منه الوكالة المعلوم نفحته إيصالاً مالياً بذلك على أن يعود إليهم بعد أسبوع لاستلام معاملته. أمضى أسبوعه طائراً من الفرح بأمل السفر إلى السعودية يتجول في شوارع المدينة التي منحته الأمل والمستقبل العريض، يدخل مطاعمها ويأكل بشهية وينفح ما تبقى بقشيشاً للنادل، وإن طمع أكثر في سرعة إتمام إجراء السفر نفح السائلين الكثر بضع دراهم. في اليوم المعلوم ذهب إلى الوكالة لاستلام معاملته ولكنه لم يعثر عليها ، أمضى أياماً يجد بحثاً عن الوكالة ونفد كل ما عنده حتى دله أحد الأشخاص على جوازه السوداني في برميل قمامة. أمضى أبكر 18 شهراً حتى أسعفه القدر ليلتقي بسائق ابن حلال ليزفه إلى مدينة زندر الحدودية ليجد نفسه تلميذاً يتعلم مبادئ النجارة مقابل طعامه ونومه. ذكر أبكر أن في مدينة كانو في مقدور الحواة والسحرة أخذ المبالغ التي في جيبك دون أن يلامسوك، مما حدا بالعامة أن تلجأ لساحر ماهر ليحصنهم، حتى يكف عنهم شرور اللصوص غير المرئيين، أما أقاصيص طاقية الخفاء منتشرة على طول دول غرب أفريقيا . أدلى صاحب الورشة محمد علي نفسه بمعاناته في نيجيريا التي قضى فيها عامين نجاراً حتى ولى هارباً صفر اليدين إلى النيجر ليتزوج فيها ويحصل على جنسيتها ويفتح ورشة تدر عليه شهرياً مبلغ 900 دولار. خيمت قصص نيجيريا العجيبة علي نفسي حتى انتشلنا صاحب الورشة بدعوته للجميع للسينما، وقد لاح الفرح على وجوه الشباب وذكر أحدهم أنه لم يشاهد عرضاً سينمائياً منذ شهور وهذه فرصة نادرة لابد من اغتنامها. في الطريق إلى السينما مررنا بمركز ثقافي يتحلق حوله شباب من الجنسين علمت أنه المركز الثقافي الفرنسي. اشترينا كميات مهولة من قصب السكر والتسالي والفول المدمس من أجل سهرة السينما، ثم تفرسنا في لوحة الإعلانات لمعرفة الفلم القادم، اتضح أن كل الأفلام المعروضة أما هندية أو أفلام الآكشن من شاكلة أفلام بروسلي. دخلنا إلى السينما في طوابير يتداعك فيها النساء بالرجال وعلى شباك التذاكر نساء يقمن عليه. داخل السينما لاتوجد حواجز للعوائل والأفراد إنما خليط من الجنسين. تعرض الشاشة أول ما تعرض قبل الفلم الرئيسي عروضاً جنسية باللغة الفرنسية ويتكرر هذا العرض البرونغرافي في فاصل الاستراحة والمشاهدون والمشاهدات في غاية الانسجام يمصون القصب ويبشرون التسالي والفول ويرمون بقشوره على جيرانهم وقد تأذيت من إحدى الجارات حتى غيرت مكان جلوسي. |
ده حكي مشوق يا ولد أبوك
واصل .. بإنتظارك |
اقتباس:
مراحب بشليل صاحب الكتابات الجنونية ولنا أوبة طبعاً |
[align=center](13)[/align]
ذات يوم في مدينة زيندر، ونحن جلوس أمام ورشة النجارة إذ شخص مار يتظاهر أن به لوث يحمل مزماراً من قرون الغزلان، يثبت على كتفه بواسطة فأس قصيرة حقيبةً جلدية تنضح جنباتها بالدهن، يعزف موسيقى غريبة رغم عدم قدرتي على تمييز فرادتها، يجاهد الرجل الغريب في عزف مزماره وبعد فترة ليست بالسهلة يظهر على مسرح الحدث كلب يوزوز ذيله يأتي مطأطئاً ناحية الساحر حتى يقعى قرب رجليه، فيعاجله بضربة مسرحية تضوع منها الرأفة والتؤده فيصرع ذلك الكلب ثم يحشره في حقيبته النازة ويختفي عن الأنظار! (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر قاف القتلة. علق صاحب الورشة بقوله: يوجد في النيجر أقليات وثنية تعتاش من أكل لحوم الكلاب . خرجت أتمشى لوحدي من باب الفضول الذي سيطر على أغلب مجريات حياتي، فمررت بصاحب السجائر، أشتريت منه علبة سجائر روثمان إذ لا سجائر خلافه على طاولته الطبلية، جلست معه عشماً في تجسير علاقة حميمة وقد خلفت ورائي آصرة امتد عمرها شهراً كاملاً رغم أن لغة تواصلي مع السيد علي (التباكونست) معطوبة كثيراً، وقد طلب مني في آخر رؤية له وأنا أغادر صوب العاصمة نيامي أن أحضر له زوج حذاء هدية. يممت ناحية الكنيسة الوحيدة التي أفادوني بأنها المكان الوحيد الذي يمكن أن أعثر فيه على من يتكلم اللغة العربية. و بناظري في كل صباح كالمعتاد يهرع سكان المدينة زرافات ووحدانا ناحية السوق الكبير يحملون الأواني والمواعين الفارغة أملاً بالعودة بها مليئة آخر النهار. أغلب الأطفال لا يذهبون إلى المدارس بل يقضون أواقاتهم بحثاً عن الرزق، فقد تواضع سكان تلك البقعة على أن كل فرد في الأسرة مسؤول منذ الصغر عن مصير رزقه، وفي داخل بيت الأسرة يتم إعداد الطعام للأب أولاً وعندما يفرغ يتحول الطعام للأم وهكذا من الابن الأكبر وحتى آخر العنقود ومتى ما انتهى الطعام شرع الجوعى الباقون في كسب رزقهم من عرق جبينهم. فصبي الست سنوات يجوب السوق حاملاً أكياس خضار أو أي عمل شاق ليسد به رمق حاجته، والفتاة تولي إلى منزل صديقها بحثاً عن لقمة عيش ولو كلف ذلك استطعامها ثدييها. وكثيراً ما هناك! أن تتزوج ابنة شخص كبير من رجل يخدم عتالاً مثلاً أو من غير طبقتها، ولا يجرؤ الأب على التدخل في شؤونها الخاصة نسبة للفصل الاقتصادي الذي واكب الأسرة في بكورها. لم أر بأم عيني محراثاً واحداً للزراعة كما ولم ألحظ مصنعاً أو مشروعاً منتجاً يمكن أن يتزيى فيه العاملون بأبرولات العمل وديباجات المؤسسة في غدوهم ورواحهم طيلة مدة الثلاثة الأشهر التي جبت فيها دولة النيجر، وإنما شحيح من الرعي غير المنظم بين شعاب الوديان، أما هؤلاء الرعاة ليست لهم أدنى علاقة بالمدينة والسكن المكتظ الطرقات. فالمصنوعات مستوردة بكاملها من الكبريت وزهر الملابس وحتى الأواني (الطلس) المدموغة بصور علم نيجريا أو الزعيم بابانجيدا والنفط المهرب في باغات البلاستيك، فأدركت أن تلك البلاد لامحالة منذورة بمجاعة لا تبقي ولا تذر، وقد اجتاحتها المجاعة أخيراً حتى نفق البشر. و في رحلة عودتي من نيامي ميمماً إلى ليبيا مروراً بمنطقة تاوا علمت أن النيجر من أغنى الدول في العالم بمعدن اليورانيوم، إلا أن دولة فرنسا تتحكم فيه من الاستخراج وحتى تصديره وقد أنشأت مطاراً خاصاً بذلك في موقع حقوله مربوط مباشرة بباريس لا يمر عبر العاصمة و محمية بقوات أمنية عالية الدربة، وتلقي ببعض الفتات كعطية مزين في جيوب أفراد من الحكومة الفاسدة، ولا غرو إن علمت أن في كل وزارة نيجرية وكيل وزارة فرنسي الجنسية! تجاه الكنيسة ممر طويل يقود إليها مع انقطاع المارة، المدخل الكبير مفتوح نصفه لدخول السائلين عن الله ، لم أعثر على جرس لأطلب الاستئذان فدلفت إلى الداخل تجللني هالة من قداسة المكان، ثم شرعت في المناداة خفيفاً ثم توالت نبراتي في العلو والصياح، فخرج من أحد المنازل الجانبية داخل الكنيسة رجل أوروبي طويل في زي قبائل الموسوية التي تقطن بوركينا فاسو التي غير الليبيون مسماها إلى (وركينا فالصو)! تبادلنا التحايا ورحب بي داخل نزله الخاص وذهب لأمره داخل المنزل ، تفرست فإذا بالغرفة سرير عال من شاكلة أسرة المستشفيات يحتل نصف الغرفة على قائمتيه تتدلى ملابس داخلية مشرورة كيفما اتفق، على الجدران صورة أثرية للمسيح (عليه السلام) وعلى مبعدة، يقبع طقم جلوس من تحته تناثرت زجاجات سوداء فارغة. قدم لي القس الماء فشكرته ثم جلس وشرع في الاستجواب البريئ ، فعلم أني جئت من بلاد غير البلاد التي يأتيه منها أغلب المؤمنين من غرب أفريقيا التماساً لمباركة سفر أو طلباً لمساعدة عينية. عندما وصل به السؤال عن جنسيتي. قلت له من السودان. هتف كالملدوغ: يا زوول! فأخدت لغة الحوارمنعطفاً آخر ليس من حيث الموضوع بل في اللغة كليةً لدرجة أن طلب مني كتاب عاميتنا الفصحى للدكتور عون الشريف قاسم ! علمت أنه أمضى اثنتي عشر عاماً في أفريقيا قضى منها حولين كاملين في السودان إبان حكم النميري في المعسكرات شرق السودان، وقد تعلم عربية سودانية كافية للخوض في أي غمار فكري دون تلجلج. أكد وجوده في السودان بتذكره لمشهد عند زيارته للخرطوم قادماً من شرق السودان فشاهد في بناية ستي بانك الجيش وثوار آخرين يتبادلون إطلاق النيران. أما آخر دولة له قبل وصوله إلى النيجر فقد كانت بوركينا فاسو التي أخذ منهما الكثير من العادات واللباس واللغة. يتحدث القس هنري الهولندي أكثر من ست لغات أفريقية بطلاقة ويعرف عن المجتمعات الأفريقية ما لم تضمه الكتب في أرقى الجامعات الأفريقية. لم يقم ولو مرة بالتحدث عن الدين المسيحي أو الإشارة إليه، كما ولا يستخدم عبارات دينية مقعرة. رجل طويل في أول الأربعينات غير طقس أفريقيا سحنته فأصبح أقرب لملامح قبائل الطوارق منه إلى الأوربيين. دخل شخصان إلى حجرة القس وطلبا منه بلغة إنجليزية أن يدعو لهما. استغرق عدة دقائق يلحف الله بالسؤال ليبارك خطواتهما وختمها مع الرجلين بأمين غير آمين الطويلة ذات الست حركات. خرج الرجلان وبعد برهة دلف إلينا شيخ متأبط سلة مخاطة شفتيها إلا فوهتين صغيرتين تبرز من خلالهما منقارا بطتين. سلم و حرر البطتين وسلمهما إلى القس الذي بدوره جسهما ثم أطلقهما داخل ذات الغرفة ليعبثن بقداستها بنفض ريشهما وينزوين تحت الأثاث المنزلي، ثم ينفح القس الرجل ثمن بطتيه فيحمل سلته ويغادر الكنيسة. لم يتعلم القس هنري لغة السودان فحسب بل عاش ثقافته وتقاليده، فقد تكلم عن قبائل الخاسة في الشرق وما يجدون من معاملة غير كريمة ، كما خبر مشروبات السودان الروحية وسألني إن كنت أعرف (أبوحمار)! فقلت له لأول مرة أسمع بهذا الاسم السوداني المخترع. فقال إنه مشروب العرقي الذي يحول شاربه إلى حمار بالتمام في الصباح الثاني. ذكر أنه أصيب في السودان بالإحباط لمرتين: مرة عندما هم بزيارة الكعبة في مكة فسافر إلى مدينة جدة ومنها إلى مكة وقبل دخولها تم التحقيق معه وكشف عليه داخل حجرة فوجد أنه غير مختون فمنعت السلطات دخوله وكان يحدوه الأمل في زيارة بيت الله. أما الثانية، بعد أن غادر السودان لكنه ترك نصف قلبه مع الأحبة والأصدقاء فذهب إلى سفارة السودان في مصر وطلب تأشيرة دخول ولكن قوبل طلبه بالرفض لوجود تأشيرة إسرائيلية في جوازه ولم يتسن له تحقيق أمنتيه أو إحديهما. |
ولا تنسى بين سوداني متلبيب وليبي متطلين!
كيف جات الجملة دي ماعارف! |
متابع
هذا الأدب الرفيع الوصف الجميل و التفصيلى و الدقيق .. للناس الطبيعة .. و الحركة نقلتنا لعوالم .. ونوع كمن الأدب إفتقدناه .. |
اقتباس:
العزيز معتصم الطاهر متعك الله بالصحة وموفور السعد والله الناس الطبيعة صدقت شكرا لتشجيعكم والثناء |
صيام .. تحاياى
وفى كل مكان تبدو بشكل إبداعى آخر وعميق وجميل .. وماتع انا هنا متابع .. دم بخير |
اقتباس:
لكم الود كامله متعك الله بالصحة والعافية خليت بابك المتركش وين؟ يا سلام ياماجداب الشوق بحور أبيض يا أخي |
اقتباس:
الباب بدلتو بى وش متركش ( ثمة تقاطعات كثيره بيننا فى سردك الشيق ..سأعود ) |
(14)
في اليوم التالي حملتني رجلاي صوب الكنيسة بلا أدنى تفكر، أذ لا وجود لي في عالم هوساتي (هوساوي) متقاطع اللغة دون أن يضخ فيك محاور تشاطره اللغة كيميا الوجود، أما أصحاب الورشة ففي نشارتهم الخشبية فاكهون. مررت على الشارع كالعادة ورأيت طفلاً أعمى قائماً على صندوق شاي يرتل القرآن عن قلب ويقف عليه رجل أربعيني يحمل مكبر صوت يفسر تلاوته بلغة الهوسا. كان ذلك على جانب الطريق المحازي لسلك شائك ينتهي إلى المسجد الكبير الذي شاده معمر القذافي. المارة في انحدارهم ناحية السوق (قدح النبي) يتزودون منهما بحكمة ثم يواصلون رحلة أرزاقهم. دراجات نارية من صنع الصين تغز الشارع غزاً أغلب راكبيها فتيات بزيهن النيجري المميز الذي يكشف أفخاذهن من تطاير أثوابهن الملفوفة المزركشة من على أوراكهن جراء هبوب الريح الذكر. مررت بالصيدلية الوحيدة في مدينة زندر ورغم وحدانيتها لا يؤمها الناس إلا لماماً لشراء دواء أذ استعصمت تلك البلاد ذاتياً من الأدوية الحديثة باستخدام الأعشاب والرقي والتمائم والقورو (ثمار أشجار مرة المذاق درجت العادة على تقديمها في مناسبات عقد الزواج) إنما كلما يحتاجونه منها لا يتعدى الواقي الذكري الذي يوزع مجاناً وقليلاً من أقراص الصداع، حتى الواقي الذكري فإنهم زاهدون فيه وينظر الكثيرون منهم إليه بعين الترف الغربي وكأحد رياح العولمة المعيقة لوصول الذروة المنشودة! عبرت بالمكتبة الفرنسية التي ذكرتني بمكتبة الريح في أم درمان ثم انتهيت إلى الكنيسة. ترسمت خطاي إلى الكنيسة و كان القس أيضاً في أحر من الجمر للقائي. استقبلني استقبالاً سودانياً خالصاً حتى أني نسيت الزمكان الذين تسوراني. تخدت موقعي بالقرب من مكتبته التي تغص بكتب القرآن و ترجماته بلغة الهوسا واللغات الأوربية الأخرى حتى حسبت نفسي في منزل أحد المتنطعين الذين يزينون رفوف مكتباتهم بأمهات الكتب ولا يألون جهداً حتى في نفض الأغبرة التي تعلوها. . |
أفادني القس بقصة ذهابهم إلى الريف حيث أمضوا ليلتهم في إحدى القرى النائية يدعون أهلها إلى نداء الرب إلى أنهم تفاجأوا أيما مفاجأة بحفاوة أولئك القوم، فعندما جن الليل بعد تناول الطعام وختام لقائهم جمعوا إناثهم وذكورهم البالغين في مكان واحد لتناول وجبة جنسية جماعية. كما أبان أن المسيحية لم تلاق رواجاً و إقبالاً في أوساط سكان النيجر وأن عدد الذين تمسحوا لم يتجاوز 219 شخصاً علاوة على أن هذا العدد أغلبه من خارج دولة النيجر من النازحين والعابرين السبيل إلى دول أخرى وقد ذكر لي أن نسبة 98% من سكان النيجر مسلمون أما البقية إرواحيون لذا قل أن يغيروا جيناتهم الدينية إلى دين آخر. دلفنا في الحديث إلى الأحداث السياسية في السودان والوضع المتكرر فيه، ثم سألني سؤالاً أطار صوابي من تصوري القداسة التي كنت أتنكبها في الحديث مع رجال الدين، إذ كنت في بادئ لقائي محتاراً في اللغة الدينية التي ينبغي علي اختيارها بعناية و رزن. إذ قال لي: ما رأيك في الجنس؟ فقلت: طيب، ولا مناص منه. ثم سألني أيهما أكثر إمتاعاً، ممارسة الجنس داخل إطار الزواج أم خارجه؟ حينها مددت رجلي الحنيفية ورفعت الكلفة. أجبته: ليست لي تجربه بالزواج حتى أصل إلى حكم في هذا الشأن! بعدها سمعنا حركة شخص من جهة المدخل اتضح أنها فتاة جاءت لأخذ الصلاة وعندما باركها انصرفت في أدب وخشوع ثم رجعنا إلى حيث حديثنا وخضنا في مواضيع شتى حتى أزقت ساعة رحيلي فقام بوداعي إلى الشارع وانصرف إلى كنيسه. استمر الحال هكذا لمدة شهر إلى أن جئت في آخر يوم و ودعته في طريقي إلى العاصمة نيامي التي تقع في أقصى الركن الغربي من النيجر جوار دولة مالي ومن هناك تبعد المسافة بينها وعاصمة مالي بوماكو مسافة ثلاث ساعات. رجعت مساءً والناس هارعون إلى منازلهم وفتيات غيد يلعبن ويغنين بأغاني فسرها لي مضيفي بأنها ذات إيحاءات جنسية يدعين فيها الفحول الجريئين فقط إليهن، والجنس في تلك البلاد ليس له بواكي، فيمكنك أن تتزوج اليوم بطبق من القورو وتفسخ زواجك لتتنكب امرأة أخرى، كما لا يعرفون التزاماً بأن رغبتك في الزواج يجب أن تكون مقرونة بطبقتك الاجتماعية أو المالية، فحمال قصب بوسعه أن يتزوج ابنة وزير وصاحب حظوة تجارية يتزوج من بائعة فول مدمس، أما أصحاب الجاه والسعة فيترخصون في التعدد حتى فاضت ميامينهم، بل الأدهى من ذلك أن رجالات الدين لهم صويحباتهم الصغيرات ولا مندوحة، ومتى مادخلت الزوجة مرحلة الولادة انتقل زوجها إلى كاعب أخرى دون تحرج، لا محاكم قضائية ولا نفقة ولا غيرة نسوية. الجنس في تلك المناحي كائن منتصب مستقل عن الأديان والمواثيق الاجتماعية. رجال ذاهبون لصلاة الجمعة يتعرون في حائط المسجد جماعة وافراداً ولا نادي العراة في باريس وهم يستجمرون ولا غضاضة، وكلما أتذكر مشهدهم تستحضرني مقولة جارتنا العجوز الجبينة التي رسمت لنا صورة للرجال الفحول في زمانهم بأن الرجل إذا جلس إلى الخلاء لحسبت سخلاً تحته. وأخر عراة يسبحون في نهر النيجر في نيامي ويقضون جل وقتهم عراة على الشاطئ حتى تجف جلودهم فيداهمون الماء كرة أخرى حتى تفزع الأسماك، وفتيات متوركات بقربهم يمارسن أعمالهن من غسيل وتنظيف حبوب على الشاطئ ولا عزاء للدمى والحرافيش. حزب نصرة (النصر) بقيادة الرئيس حسين كونشي الذي اتخذ له ساحراً اسمه مامدو (محمد) الدجال ينزل أنصاره إلى الشوارع في دعاية انتخابية قوامها فتيات ناهدات اثداءهن تتطاير تطايراً في الهواء وعلى صدورهن صورة الرئيس. فريق كرة قدم نسائي تتطاحن فتياته مخاشنة للفوز بلقب لا أدري كنهه. |
| الساعة الآن 10:44 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.