سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتــــدي التوثيق (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=9)
-   -   المناضل الشهيد / الشريف الحسين يوسف الهندي - محطات الصمود و مواقف البطولة (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=7071)

kabashi 10-01-2008 08:30 AM

المناضل الشهيد / الشريف الحسين يوسف الهندي - محطات الصمود و مواقف البطولة
 
http://www.l44l.com/up/uploads/23ec7c679e.jpg

في ذكرى رحيل الشهيد الشريف حسين الهندي

[align=justify]في 9 من يناير 1982 م باليونان رحل عن دنينا الفانية بطل قدم النفس رخيصة من أجل الوطن الذي أحبه خرج معارض من أجل الحرية والديمقراطية لشعبه وشكل أقوى معارضة خارجية في تاريخ السودان رقم الظروف التي كانت تحيط بها كان معارض جسور وكان أب عطوف لكل طلاب المهجر و عوناً صادق لكل من جمعه به القدر مستشفياً في عاصمة الضباب يقول الشريف حسين ( شهدت احتفال الانقلابيين وكنت على مقربة منهم واستمعت لخطبهم ولأحمد سليمان الذي أشبعنا همزاً وغمزاً وهتفوا رأس الهندي مطلب شعبي وهتفت معهم رأس الهندي مطلب شعبي وكنت صادقاً فلو كنت أعلم أن راسي مطلب شعبي لقدمته طائع مختار ... إلى أن قال كانوا يبحثون عني في منازل الوجهاء وقد آوتني منازل البسطاء فهم لا يعرفون أن لي علاقة بهم) حكى لي الشريف زين العابدين عليه رحمة الله عن تلك الأيام فقال ( قضى الحسين الأيام الأولى في منزل جوار القسم الشرقي بصحبة صديقه الرشيد الطاهر بكر وذكر لي شخص كان يتردد إليهم لا أستحضر أسمه اخبرهم هذا الشخص في تردده عليهم أن جعفر نميري قال له أنا لا أحمل شيء على الاتحاديين و لا مانع لدي من التعاون معهم لم يصغي الحسين للكلام مطلقاً ولكنه ربما وجد أذناً صاغية من الرشيد الطاهر الذي أنخرط بعد ذلك في النظام ثم بعدها ذهب الشريف إلى الجزيرة والتقى بقيادات الحزب في ود مدني ثم رجع للخرطوم وأجتمع بالسيد محمد عثمان الميرغني بمنزله بالخرطوم وطلب منه الذهاب إلى سنكات لتشتيت تركيز النظام الذي يحاصر الإمام الهادي في أبا وكذلك أجتمع بقيادة الحزب في أم درمان ومن هناك إلى ود مدني مرة ثانية ثم إلى الجزيرة أبا الذي دخلها رغم أنف الحصار المضروب عليها وفي أبا بدأت الجبهة الوطنية المعارضة بدأها هو والإمام الهادي والشهيد محمد صالح عمر وتم الاتصال بهيلاسلاسى وقد كانت لهم معه خلفية مشتركة فحين كان بالسودان ووقع انقلاب عسكري على حكمه آوته سراي الشريف يوسف ببري إلى أن رجع للحكم ، وتم الاتفاق مع هيلاسلاسى على إن الشريف حسين سوف يأتي إلى أديس ، وأثناء تواجده بالجزيرة أبا رأى الشريف التكدس البشري للأنصار فنصح الإمام الهادي بأن يأمر النساء والشيوخ بالرجوع إلى قراهم على أن يبقى الشباب فقط وكتب لقيادات حزب الأمة في الخرطوم لسرعة مد الجزيرة أبا بالقوت و كانت التلبية فورية وكتب لقيادات الحزب الإتحادي موجه بمحاربة النظام إقتصادياً بتجميد تجار الحزب لنشاطاتهم التجارية وقد كان الشريف زين يرويها معجب بسرعة الأنصار في نجدة الجزيرة أبا ، ومتحسراً على عدم تنفيذ الإتحاديين لما طلب منهم ـ خرج بعدها الشريف في رحلة شاقة فالطريق وعر والزمان خريف وأصيب بحمى الملا ريا ولكن عزمه كان أقوى من المرض فواصل السير حتى شارف الحدود الأثيوبية لينعي له المذياع الزعيم الأزهري فقال لمن معه يجب أن نرجع فنحن كنا نريد أن نخرج لنقول للشعب السوداني بطل تحريرك بالسجن وهاهو قد مات فما الذي سنقوله الآن ولكن من معه علموا أن حزنه على الزعيم أقنطه فرفضوا رجعوه وقالوا من قتل الأزهري لن يتوانى في قتلك فكمل مشواره لأثيوبيا ومن هناك حاول مد الإمام الهادي بالسلاح ولكن لم يتمكن فضربت الجزيرة أبا واستشهد الإمام الهادي ومحمد صالح عمر ليواصل الشريف معارضته الباسلة حتى أخر يوم من حياته لم تلين له قناة ولم يضعف أمام إغراء ولم يخاف من وعيد ولم ييأس من يوم الخلاص ومبادئه أمامه كالجبال الراسخات لا يقفل عنها ولا يساوم عليها كما قال في رسالته لأبي الشهداء الأزهري (لا تزال وستظل هي هدفنا ونبراسنا وسنظل نكافح من أجلها حتى نحققها أو نموت دونها ولن ندنس موقف حزبنا في التاريخ بالتخلي أو التنصل أو المساومة فيها.)
رحم الله الحسين يوم استشهد ويوم يبعث حيا
[/align]

kabashi 10-01-2008 09:29 AM

خطب في تأبينه بعد الانتفاضة شقيقه الشريف زين العابدين الهندي
[align=justify]فقال (الحمد لله الذي جعل الجهاد فريضة الحمد لله الذي جعل النضال سنة الحمد لله الذي جعل الحزن سيرة للمسرة الحمد لله الذي اجتلى نفوسنا بالمعاناة وسقانا طعم البؤس والشقاء عسل مصفى ... إن الحسين كان أمة إن الأزهري حين رفع العلم كانت يداه يدا أمة .. إنه ذلك البهو الإلهي الفسيح إنني حين أتملى بصفاته أشعر بأنني أسير في بساط من المحبة لله ... صحيح أن ليس لنا مضاه وليس لنا عزمه وليس لنا قلبه الواسع ذي الأركان ولكننا على الدرب سائرون ... إلى أن قال مخاطب الجمع : وانتم تتسألون الآن من يا ترى الحسين هل هو ذلك الجسد المسجى هل هو ذلكم الصاحب للموت هل هو زين العابدين الهندي هل هو الحزب الاتحادي الديمقراطي الحالي كلا إن الحسين هو انتم )[/align]
قال عنه الشاعر السوداني والدبلوماسي المرحوم صلاح احمد إبراهيم يرثيه
[align=justify] "إنني احني رأسي إجلالا لرجل مقاتل بحق لم يضن بدقيقة من وقت أو ذرة من نشاط في سبيل ما نهض في سبيله حتى خرَّ صريعاً.. لقد كان صوتاً عالياً من أصوات المعارضة السياسية في السودان- لنظام النميري- بل أعلاها صوتاً، وكان وجهاً مبرزاً للمعارضة السياسية في السودان، وفي مواقف ومنابر وجهها الوحيد. وكان بجانب ذلك أنموذجا مجسدا للتفاني والبذل والإصرار. إنني احني رأسي إجلالا للعزيمة التي لم تهن، وللشجاعة التي لم تخذل، وللسماحة التي دأبنا على تسميتها بالخلق النبيل الأصيل تزين الساحة. حين كان العمل يتطلب من الشريف رفع الصوت بالكلمة المرة جهر بصوته، وحين كان العمل يقتضي حمل البندقية تحامل على ألمه وحمل البندقية موغلاً في الصحراء؛ وحين كان العمل يتطلب منه سهر الليل تحمل أعباء مرض السكر وأعباء القلب والبدن وسهر الليل؛ وحين كان العمل يتطلب منه الصبر على الجدل صبر وجادل حتى تعبت منه اللهاة. كان في كل مكان وفي كل عمل".[/align]
وقال عنه أحمد عبد الرحمن القيادي الإخواني في رد على سؤال عن المصالحة
[align=justify]الشريف حسين الهندي شخصية فذة ولا يمكن أن يباع أو يُشترى وكان من أذكى الناس وحاول بقدر المستطاع إقناع الأخوان المسلمين بعدم مواصلة المشوار مع السيد الصادق المهدي وبطريقته اللطيفة والحكيمة أقنعهم بذلك [/align].

فيصل سعد 11-01-2008 11:24 AM

[align=center]حوار شفيف مع الشهيد الشريف حسين الهندي
حسن عوض احمد/المحامي[/align]


مدخل:

لقد أدمنت التذوق لحديث الذات.. بعد استشهاده.. فحديث الذات والتحاور معها.. حديث شفيف.. حر.. طلق العبرات.. وحين تحاور الذات يتخبط الكلام على الشفاه وتتلعثم كل مفردات اللغة على طرف اللسان.. وتشرئب الحروف لتعلن لا شيء يغرق في المساء سوى النهار كما يقول الشاعر ابن المعتز:
الصبح في طرة ليل مسفر كأنه غرة مهر أشقر
وعندما يغرق النهار في بحر الظلام لا يكون في الوطن
مكاناً للرؤى ولا مساحات للخطى.. فالكل يركب المدى
في تيه وغباء وكأنه يشق صمت الصهيل الى مفازة
السكوت بالرغم من العلم الأكيد.. ان الوطن تقرع
ابوابه طبول المغول الجديد للدخول المستباح..وبالرغم
من العلم الأكيد فلا تزال ايديهم الملطخة بعيب
السكوت تهش على الغبار الضائع بين عاصفة
الرياح..
وطن تأذى أهله من المظالم والفرقة والانقسام
وطن ضاعت ملامح ماضيه الجميلة.. النبيلة تحت حوافر
خيل جامحة..خيل مشبعة بروح الصراع.. فأحالت
الارض الطيبة المعطاءة الى غبار لعين..فكأنما هي
مصابة بنفخة الشيطان وعلى صهواتها شظايا من غضب
تقذف مرافيء الامن والامان على الأرض الطيبة وأهلها الصامدين المدثرين بعيب السكوت
سيدي الحسين:
تحية المجد والخلود لك.. واقول لك ما قالته لك الملائكة كما آمل واتمنى:
«سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين».
ثم يرد الحسين علىّ رد على الملائكة كما آمل وأتمنى
«الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين».
ثم أسأله: كيف يا سيدي.. زعيم الأمة الشهيد الأزهري ورفاقه؟
فيرد علىّ أنهم تتمناه لهم وترجوه..
هم الآن يرفلون في رياض الجنان تحفهم الملائكة وتسقيهم الحور العين من عين سلسبيلا.. وعليهم أساور من ذهب
ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق متكئين فيها على الارائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا..
ثم أسأله أكل هذا النعيم لانهم عشقوا تراب هذه الأرض الطيبة
فيرد علىّ: بلى.. وكانوا لله عباداً خاشعين.. صادقين.. وكانوا عفيفي اليد واللسان.. والجنة لا تُدخل بالأعمال إنما برحمة الله التي سعت كل شيء.. ثم همست لذاتي دون ان يسمعني.. واين مثل هؤلاء في هذا الزمن القبيح الأشر.
ثم ضحك.. ضحكته الواثقة.. ثم قال باسماً شفيفة ارواح تجعلنا نسمع حديثك مع ذاتك.. وهكذا الشهداء..
سيدي الحسين: اريد ان ابوح لك بسر..
فيرد علىّ: تفضل.. فأقول..
كلما تملكني ارق التأمل.. وسبحت ببصيرتي في رحلة المجهول من نافذة العدم.. رأيتك ماثلاً امامي تحفك الحور العين.. فيكون ذلك اللقاء كانسلاخ من نافذة العدم.. رأيتك ماثلاً امامي تحفك الحور العين.. فيكون ذلك اللقاء.. كانسلاخ الدهشة من قلب الصمت حيث تتخلق لحظة الانبهار.. صدمة الانطباع على جدران الوجدان فتنسخ على بؤرة الذاكرة عناصر الارتياح.. فتتكون في تلقائية النفس انطباعية الروح المجردة من عناصر المادة حتى يقوم بناء العاطفة على مشاتل الجدران الوجدانية منسجماً ومتسقاً مع حركة التسجيل على بؤرة الذاكرة فيقوم بنيان العاطفة منذ لحظة الانبهار سالباً من عناصر المادة وقائماً على تآلف الروح والنفس والذاكرة في ميقات الانطباع والتسجيل.. فتتنزل السكينة على القلب ويجتاح الشجون العيون..
وحين ترحل الشجون على اجنحة الضياء من جوف الوجدان فترى ما كان احتمالاً.. في ان يكون وهجاً او شعاعاً او ضياءً تخلق شوقاً دافقاً.. يستنهض ينابيع الدموع من خلايا عصب الشجن.. لحظتها تنهار متاريس الصد على بركة العيون فتنهمر الدموع على خدود تشبعت بأشعة الشمس وارتمت في حقولها المزهرة بأريج الارض.. ويتحول الكون الى سمفونية رائعة الايقاع مثل همس الاشياء وضحك الشجون واهتزاز اغصاب الورد على صدر الندى.. ثم تزحف مثل زحف الظنون.. فتفجر لحظات ممزوجة بآهات الشجن وانين الحنين هكذا.. سيدي الحسين.. كلما رأيتك ماثلاً امامي.. ينتابني البكاء فابكي على وطن تمزق.. وحزب تشرذم.. ونفس تعذبت لفراقكم.. يا فلتة في ذلك الزمن النبيل..
فحين يتعبني التأمل تأخذني حالة اللا وعي..
ثم تهزني بكفك الطاهرة.. فانهض وعلى لساني قولك المأثور:« نجوع ونأكل اصابع ايدينا ولا نأكل قضايانا الوطنية».
سلمت يداك.. سيدي الحسين..
ثم يستطرد سيدي الحسين قائلاً:
بما ان ازمة الوطن مرتبطة ارتباطاً عضوياً بازمة الحزب الاتحادي الديمقراطي لانه يمثل الوسط السوداني العريض سوف نتعرض لذلك لاحقاً.. ولكن لابد ان اقول:
الحزب مؤسسة اجتماعية ديمقراطية لا ترتبط في مكوناتها وتكويناتها باللون او الدين او العرق او الطائفة او القبيلة.. فالحزب بالضرورة يسعى لتحقيق رغبات جماهيره السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية.. فاذا فشل الحزب في مهمته الاساسية هذه.. فلا يصلح ان يكون حزباً..
فقاطعته.. هل حزبنا على مشارف الهلاك والتلاشي..
فرد علىّ ضاحكاً ضحكته الواثقة.. لا تتسرع المحصلة.. فالحزب لن يموت طالما الوسط السوداني العريض حي لا يموت.
ثم استطرد:
إن البناء الفكري والاطار الفلسفي والبناء التنظيمي المنهجي للحزب الاتحادي الديمقراطي كان هماً هاجساً وتحدياً سافراً ثم تحول في مكنوناته النفسية والوجدانية الى صرخة اطلقها شباب الحزب في الديمقراطية الثانية ايدها الزعيم الشهيد والدنا الازهري وكل الكوكبة الراشدة من حوله.
ويمكنني القول بكل الثقة.. ان الحزب الاتحادي الديمقراطي قامت فلسفته الفكرية على مأثور قول الزعيم الازهري «الحرية نور ونار فمن اراد نورها فليصطلِ بنارها».
وقول الزعيم الشهيد.. خلص كل مؤلفات المفكرين حول مفهوم الحرية ونضالات الشعوب من اجلها».
«واذكر ان بعثت الزميل الشهيد الراحل بابكر عباس امام في السابع والعشرين من مايو 69 لوالدنا الزعيم الازهري في سجن جوبا مستشيراً اياه في تأليف الجبهة الوطنية وفي معركتنا ضد نظام مايو- فكان رد الزعيم علىّ:
«مهما يكن الامر ومهما يحدث لنا او لكم.. لا يمكن ان تقبل حكماً فردياً، ولا يمكن ان نتخلى عن الديمقراطية. كافحوا من أجل ذلك باي اسلوب يقتضيه الكفاح، ان اسلوب الجبهات هو اسلوبنا في حالة اي تجمد مصيري للشعب والوطن.. كل من يؤمن بالديمقراطية وبازالة حكم الفرد نحن معه.. نحن اصحاب مبادئ ولنا طلاب سلطة، هكذا جاءت كلمات زعيم الأمة الازهري.
قاطعته سيدي الحسين.. انني اذك هذه الرسالة التي كانت عنوانها «من حسين الهندي الى اسماعيل الازهري» بمناسبة ذكرى استشهاده العاشرة واذكر انك قلت في صدر تلك الرسالة..
«لو حقق الله امنيتك- أبي وليس عليه ببعيد وانت الثاقب بصراً والصافي البصيرة والنقي سريرة.. لرأيت ارضاً غير ارضك وقوماً ليسوا قومك.. لرأيت الوطن الذي طهرته وقد اضحى مستعمراً.. والشعب الذي حررته وقد اصبح مستعبداً.. والحرية التي جئت بها وقد اصبحت دمية ومسخاً.. لرأيت اطلالاً يبكى عليها الشعراء تعيش فيها اشباح بلا خبز ولا ماء وأطفالاً بلا علم ومرض بلا علاج وجهلة بلا علم وارضاً بلا زرع وانعاماً بلا ضرع.. ورأيت ارضك الطيبة الطاهرة يغادرها اهلها وعلى وجوههم الدمع وفي احشائهم الطوى.. وعلى سيمائهم المذلة.. ورأيت اخلاقهم السوية المستقيمة وقد تهاوت وانحدرت وتدنت الى حضيض الحضيض.. تحوم حولهم جحافل التتر واسراب الجندرية».
قاطعني سيدي الحسين: هذا يكفي.. واستطرد يقول:
وأسس الزعيم الشهيد للبناء التنظيمي الديمقراطي من خلال مؤلفه «الطريق الى البرلمان».
وقد تم تطهير نضال الحزب من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بان الاتحاديين الديمقراطيين يجوعون ويأكلون أصابع ايديهم ولا يأكلون قضاياهم الوطنية.
ويمكن ان نجمل تخلق الحزب الاتحادي الديمقراطي بانه عرق طاهر نقي خرج من مسامات اجساد طاهرة نبيلة لسودانيين وطنيين ديمقراطيين ثم انساب هذا العرق الطاهر في واحة كانت رحم الحركة الوطنية السودانية.. فتخلق الحزب كقيمة نضالية، ديمقراطية، اشتراكية سودانية اصيلة.. معجونة بعرق الانسان السوداني الطيب معطرة باريج الوطن المتجدد الانفاس.. وجوهر هذه القيمة النضالية.. الحرية.. الديمقراطية.. والعدالة الاجتماعية.. وإطار هذه القيمة النضالية.. المؤسسة الحزبية ذات المؤسسة التي تجمع ولا تفرق تؤلف ولا تنفر.. وكان بين الجوهر.. والاطار السوداني الشامخ يرقد بين نيليه «الأبيض- والازرق».. في كبرياء وشموخ واحداً.. موحداً آمناً مستقراً..
سيدي حسين: ما تقوله وصفاً لا يوجد في قاموس الحزب منذ انشائه.. فإننا لا نعلم ان للحزب مؤسسة ذات تنظيم منهجي هيكلي يحدد الواجبات والاختصاصات.. قاطعني-سيدي الحسين- بضحكته الواثقة البشوشة لقد أصبت كبد الحقيقة..
لقد كان الحزب مؤسسة في وجدان الاتحاديين الديمقراطيين- والوجدان الانساني خزينة لا يطولها الغناء فهي الشجرة المقدسة التي تؤتي أكلها باذن ربها خيراً وبركة على الأرض والشعب.
وبما ان القيادة الراشدة قد رحلت الى رياحين الجنان- فلا بد من اعادة تخلق الحزب بطريقة معاصرة بشفافية تضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
ولو تدري آفة الحزب الاتحادي الديمقراطي قد اوردتها في رسالة لزعيم الأمة الشهيد الازهري.. حيث قلت:
أما نحن ابي ورئيسي.. المحيط المتلاطم الذي خلفته من المؤيدين والمتحمسين والقلة القليلة التي تركتها من العاملين المتجردين فقد بقينا.. بعد ان سقطت بيننا.. نعض على وطننا وحزبنا وعلى مبادئك بالنواجذ.. ونقبض على جمرها بالاصابع، منذ ان فارقتنا والى ان يرث الله الأرض والى ان نلقاك او ان نلحق بك.. لا يغرينا وعد، ولا يرهبنا وعيد ولا يخيفنا رعديد او صنديد.. وكم قابلنا.. أبي.. من بطش الاعداء ومكر الحلفاء وتنكر الزملاء وتكسرت علينا النصال فوق النصال وتفتحت فينا الجراح فوق الجراح.. وتكاثرت علينا هجمات الاصدقاء والزملاء.. قبل حملات الاعداء الالداء.. وقيل لنا ان الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم.. وان العدو حولكم قد دوت صيحاتهم.. فلم يزدنا هذا الا اصراراً واستكباراً- وزادت حملات الزملاء والاعداء هؤلاء الذين اذا دعوناهم للنضال قالوا هذه حمارة الغيظ واذا طلبانهم للقتال قالوا هذه قراراة الشتاء واصبحوا يتحايلون على النكوص والتراجع يرموننا باباطيل التهم واراجيف الرجم.. فاذا ساقتنا الجغرافيا الى اثيوبيا.. قالوا انهم كفروا بالله والرسول!! واصبحوا من غداة الامبراطوريين.. واذا قصدنا ارض الله الحرام قالوا انهم سدنة الرجعية وعبيد البترول، واذا اتجهنا الى منابع الثورات اصبحنا ليبيين وبعثيين.. وحتى اذا عرجنا للسماء قالوا انهم رجم من الشياطين.. واذا اتجهنا الى مناطق النضال قالوا اننا في ملاهي باريس.. واذا اتجهنا للاعلام قالوا اننا عبيد الانظمة ورقيق المال.. واذا بقينا في الخارج نجاة بمبادئنا واهدافنا قالوا قد استناموا للفنادق والمطاعم ونسوا بقائنا في ادغال الغابة ورمال الصحراء.. واذا طارت اشاعة التقينا باحد قالوا انهم قد رضخوا واستكانوا وصالحوا وترهلوا وضاقوا بالكفاح وآثروا السلامة والدعة والراحة.. فانا حصلنا على السلاح قالوا انهم تجار السلاح والدمار.. واذا تزودنا بالمال اشاعوا اننا سدنة المصارف واثرياء التجار.. المتعاملون في السكر والذهب وحتى الافيون.. واذا اشتركنا مع زملاء السلاح في ثورات التحرر قالوا اننا انشغلنا بغير قضيتنا.. واذا قابلنا البسطاء من الجمهور طلبة وعمالاً وكادحين قالوا قد استبدلوا الكبار بالصغار واذا فتحنا الباب للاجيال الحالية اصحاب المستقبل الواعد يدقوا العمل والمبادئ تعدياً.. ونحن في خريف العمر.. قالوا انهم مشغولون بالسفهاء والصعاليك وتاركين لاهل الحجا والنهى والعلم والتجربة.. واذا اكرمنا ضيف الحزب والمعارضة والحركة الوطنية ووقفنا معهم في مشاكلهم وشاركناهم هموم الغربة واوجاعهم ومشاكلهم، قالوا اننا السفهاء المبذرون، واذا انشغلنا عن واجباتنا الاجتماعية.. وتابع قائلاً: «لقد تركت لنا جيلاً كله من الزعماء.. وما اصعب التعامل مع الزعماء».
«لا تزال وستظل هي هدفنا ونبراسنا وسنظل نكافح من أجلها حتى نحققها او نموت دونها ولن ندنس موقف حزبنا في التاريخ بالتخلي او التنصل او المساومة فيها.
ولن نقبل بان نتسربل بعار الدنيا والآخرة بمخالفة موقف سقطت شهيداً من اجله بعد سبعين سنة من النضال الدؤوب الجسور في سبيل الوطن، ان استشهادك ومبادئ حزبنا هي حوافز النضال لنا ولجماهير حزبنا العملاقة.. وهي علامات طريقنا مطرزة بدماء الشهداء وموشحة بمعاناة المجاهدين.. وكل من تطيب له حياة ويحلو له مقام او ينعم بنوم أو يستقر في راحة او يسعى لفرقة او يقدم لمصلحة فهو ليس منا وهو عمل غير صالح»..
سيدي الحسين.. لو ارحتني وحددت بواطن الداء ولابد لاستئصال الثورة لاعادة بناء الحزب- المتزعمين بلا زعامة والمتطفلين والمتسلقين والجهلاء والمندسين في صفوف الشرفاء.. يضاف الى ذلك لابد من البناء الفكري والفلسفي والمنهجي للمؤسسة الحزبية تحديداً للاحتصاصات والاحداث والاستراتيجيات وآليات التنفيذ قاطعني سيدي الحسين.. قائلاً وباسماً: سوف تكون بيننا رسائل عديدة.. كلما احتجت لي فودعته قائلاً:
سيدي الحسين:
أنت ضمير شعب ترجل
على يد المنون شهيدا
مناضل رضع من ثدي الكرامة
قدحاً معلى فكان حلماً فريدا
انت سيد النبلاء قدراً
واشرف التقاة ايماناً وتوحيدا
انت سيد الشهاء في زماننا كنت
وللمروءة نبراساً وعميدا
يا نصيراً للفقراء نيلا
وبحراً للتواضع رفيدا
افتقدناك يا اغلى الرجال
فتهدم للمجد بعدك ركناً حديدا
انت صوت شعب حاصرته
النائبات وبرغمها كان عنيدا
بكى النيل وناحت امواجه
وثكلت السماء على حلم بات فقيدا
اواه يا شعبي هذا ربيع الوباء
ونجمنا الثاقب قد رحل بعيدا
فالريح صر والأفق اصداء
وكل منا بات يبكي وحيدا
أيها الاتحاديون الديمقراطيون تمعنوا في أقوال سيدي الحسين وسوف ينهض العملاق من قممه ليملأ الساحة نضالاً وبهاءً وكبرياء..

kabashi 13-01-2008 10:05 AM

أخي العزيز فيصل سعد
شكراً على المرور الكريم وعلى حوار الأستاذ حسن عوض المحامي
[align=justify]فهو بحق حوار شفيف ولا شك أمثال الشريف من الرجال يظلون قيمة كبيرة في نفوس عارفيهم وتظل صور المناجاة معهم لا تنقطع وسيظل مكان الشريف حسين شاغر في كل المواقع ويبقى الحوار معه أبدياً فما أحوجنا لأمثاله اليوم وما أشبه الليلة بالبارح وكأني به يتحسر على الذين خذلوه بالأمس والذين طعنوه في الظهر وروحه تناجيهم ليت قومي كانوا يعلمون وهو يرى حالهم الآن وقد سلط الله عليهم الإنقاذ لتنزلهم من صياصيهم و تخرجهم من قصورهم وتذيقهم منافي الحسين وفنادق النضال المتهم بها زوراً وبهتان وليتهم نجحوا في امتحان الصبر عليها فهاهو التاريخ يعيد نفسه والسباق إلى المصالحة والتهافت على المشاركة على قدم وساق .[/align]

kabashi 14-01-2008 11:37 AM

[align=justify]أمثال الشريف حسين الهندي ذكراهم ليس للبكاء والعويل ولكن للتفكر والتبصر وربط الحاضر بالماضي لأخذ الحكمة من أفواه الرجال وأخذ التجربة من مواقفهم .. أرى الناس الآن أقامت الدنيا ولم تقعدها لأن الصادق قاب قوسين أو أدنى من المشاركة أوالاشتراك في السلطة القائمة وكأنما الوضع مستغرب أو كأنما الناس لا تعرف تاريخ الرجل أو أن هناك من يعتقد في ديمقراطية الإمام !! ولكني أرى ذلك شيء طبيعي وبقاء السيد الصادق خارج السلطة طيلة هذه الفترة ليس لأن النظام غير ديمقراطي أو عسكري ولكن لأن النظام لم يتح له الفرصة في المشاركة والآن مجرد دعوته هرول يسبقه تعيين إبنه ضابط بجهاز الأمن !! . يقول الشريف حسين الهندي في شريط فيديو حول المصالحة مع نظام النميري : (أتاني الصادق المهدي وأنا في مكان ما من أفريقيا وقال لي أتى إلي الوسيط وقال يمكنكم أن تجروا مصالحة الآن مع جعفر نميري قال الصادق ذهبت وقابلت النميري وقدمت له عشر شروط قلت له أن جعفر نميري لن يقبل لك بهذه الشروط فقال لي لذلك أريدك أن تقف معي فقلت له قول لا زال يذكره بل ويلعلع في أذنيه أنت قد بدأت فمضي أما أنا فلن أجهر بمعارضتك الآن حتى لا يقال أننا مختلفون ثم بعد ذلك أتى إلي الأخ عثمان خالد مضوي وقال لي من أعطى أسمائنا للصادق المهدي ليطلب لنا العفو من النظام فأخذته وذهبت به للسيد الصادق وسألته لماذا طلب لنا العفو من جعفر نميري قال أنه أعطى الخطاب لفتح الرحمن البشير وطلب منه أن لا يسلمه للنميري إلا بعد أن يطلب منه ذلك ولكن فتح الرحمن قام بتسليم الخطاب للنميري !! وجلسنا نحن في قيادة الجبهة الوطنية شخصي وأحمد زين عن الحزب الاتحادي والسيد الصادق وعمر نور الدائم عن حزب الأمة وعثمان خالد مضوي عن الأخوان المسلمين وصالح عثمان صالح عن المستقلين وضعنا شروط تختلف كثير عن شروط الصادق ولكنها في مجملها شروط ديمقراطية وأخذها الصادق وقال هذه مجمل مفاوضاتي مع النظام فإن وجدتها كان بها وإلا رجعت إليكم وذهب إلى الخرطوم وذهب من الحزب الاتحادي الأخ أحمد زين الذي لم يلتقي بجعفر نميري غير مقابلة بروتكولية لا تتعدى ربع الساعة وجلس بمنزله شهر ولما لم يتصل به أحد أخذ كرامته وكرامة حزبه ورجع إلى هنا وبقى الصادق يلتقي بجعفر نميري في صالات مغلقة ثم بعد ذلك سمعنا للمغلطات التي دارت في الخرطوم الصادق يقول لي شروط وجعفر نميري يقول ليست هنالك أي شروط ، ويسأل الصادق هل هي شرط مقالة أم مكتوبة تارة يقول مقالة وتارة أخرى يقول مكتوبة ... ثم حضر إلى هنا الأخ فتح الرحمن البشير وكما هو معلوم حسب الخلفيات الحزبية التقى بي وقال لي أنه حضر لقاء جعفر نميري والصادق المهدي الذي كان في منزله أي منزل فتح الرحمن البشير من طقطق إلى السلام عليكم ولم يقدم فيه الصادق أي شروط فلا تخدعوا أنفسكم !! قال جعفر نميري للصادق في هذا اللقاء أنت تقول هنالك شروط وأنا لا أعرف لك شروط دعنا لا نتغالط فالنكون لجنة لبحث مصير دائرة المهدي ــ الدائرة التي دارت عليه وعلى أنصاره ــ ومعصرة ربك وأملاك الجيرة أبا أشياء مادية ليس لها علاقة بقضايا وطنية ولا بنضال الشعب السوداني لا من قريب ولا من بعيد ) ما أشبه الليلة بالبارح وما أقدر كلمات الشريف بعد هذا العمر الطويل على المواكبة والتحريض من أجل التغيير و الديمقراطية .[/align]

kabashi 16-01-2008 11:50 PM

http://www.l44l.com/up/uploads/d80b93dcbb.jpg


من أقوال الشريف الخالدة

* نحن حواري الشورى لا الإستبداد وأنصار الحوار الوطني لا الكبت .

* نحن أهل الرأي والرأي الأخر .

* نحن أصحاب صناديق الاقتراع وصناديدها و إن أتت بغيرنا.

* نحن الأحرار الديمقراطيين المتحررون فكراً ونضال ومسارا .

* نحن الاشتراكيون بالالتزام نحن قضايا الكادحين من عمال وزراع .

* نجوع ونأكل أصابعنا ولا نأكل قضيانا الوطنية.


[align=justify]فإن كان هذا ما نسبه لحزبه ولم يعد كذلك فقد كان في شخصه حقيقة لا إدعاء تحكيها المواقف قبل الأقوال سيبقى الحسين بأقواله وأفعاله مدرسة متفردة في الحركة الاتحادية وصفحة بيضاء من غير سوء مليئة بالمواقف البطولية وخوارق الأعمال في تاريخ السياسة السودانية تبهر كل من يطلع عليها من الأجيال اللاحقة وتثير حنق أنصاف المناضلين وأرباعهم المنهزمين دوماً فتحشرهم بعيد عن الأنظار ليفسحوا المجال لتقدم أمة لم تزل تنجب الأفذاذ .
ألا رحم الله الشريف حسين الهندي وتقبله شهيداً عنده وأجزل ثوابه أضعاف ما قدم لوطنه وشعبه
[/align]

kabashi 18-01-2008 09:10 PM

[align=justify]الشريف حسين الهندي عن الأخوان المسلمين ومصالحتهم نميري
.... الأخوان المسلمون تنظيم ظل ينحصر في قطاع الطلاب وقد أجروا عدة محاولات لاختبار شعبيتهم فكانت النتيجة أن ليس لهم قاعدة شعبية تذكر لأن الشعب السوداني مسلم ولا يريد من أحد أن يقول له أن أحسن إسلام منك تعال لأصحح لك إسلامك ففي السودان من هم أشد إسلاماً منهم .
وللحقيقة والتاريخ حين أتى هذا النظام (مايو) اشتركوا في معارضته و بكل الشراسة الممكنة وعندما أتت المصالحة قالوا نحن حزب صغير فما الذي سيعود لنا من معارضة النظام بعد سقوطه فقرروا المصالحة والدخول في النظام و قالوا لجعفر نميري إننا نستطيع أن نصنع لك استقرارا في الحقل التعليمي بيد إننا نسيطر على الاتحادات الطلابية وتم تسليح طلابهم بمعرفة أمن النظام بالهراوات والسيخ و صاروا يدخلون الداخليات ويقيمون المحاكم ويضربون ويقتلون زملائهم الطلاب دفاع عن باطل النميري وأصبح النظام يقدك عليهم بالبعثات الخارجية وامتدادات لهذه البعثات ونخرط قادتهم في النظام و أنشوا المؤسسات المالية و أصبح زعيمهم مستشار لجعفر نميري و أحمد عبد الرحمن وزير للداخلية ربما ليذوها بما علمه من أسرار المعارضة في الخارج لا يخجلون من الماضي ولا الحاضر وقد نصحناهم قبل الدخول وعند الدخول ونصحناهم بعد الدخول ولكنهم كما قال الشاعر :
نصحتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
وهؤلاء لم يستبينوا النصح حتى ضحى يومنا هذا .
[/align]

kabashi 20-01-2008 11:47 PM

[align=justify]السيد الصادق بعد المصالحة ودخوله الإتحاد الاشتراكي وحديثه عن أن التنظيم الواحد هو الأمثل للشعب السوداني تذكر فجأة أنه ديمقراطي ربما لأن النميري لم يعينه رئيس للوزراء فقال أنا مشارك ولست مشترك في هذا النظام !!سئل الشريف حسين الهندي عن رأيه في هذا القول العجيب فقال ( الصادق المهدي رجل بارع في انتقاء الكلمات المتشابكات والمتناقضات فأنا لا أريد من عاقل أن يفسر لي ما هو الفرق بين المشارك والمشترك لأن المشترك هو الذي شارك ولكن هذا كلام يقوله الصادق للاستهلاك الداخلي خاصة داخل جماهير الأنصار لأنه يعلم أنها بليت من هذا النظام بلاء خاص فوق بلائها مع الشعب السوداني فقد قتلوا في أبا و ود نوباوي وقيل ما قيل في زعامتهم ولأنه لا يستطيع أن يجيبهم على أسئلتهم هل الإمام الهادي حي أم قتل و إذا كان قتل فمن الذي قتله ومن الذي شيعه ومن الذي صلى عليه ومن الذي دفنه لذلك هو بمثل هذا الكلام يريد أن يقول للأنصار أنا لست مشترك في هذا النظام الذي قتل الإمام الهادي ولكن الصادق المهدي مشترك في النظام وهو المسئول ضميرياً وتاريخياً عن ترويع أي مواطن سوداني ) [/align]

kabashi 22-01-2008 07:45 PM

عن القوات المسلحة يقول الراحل المقيم :
(وأصبحت كل واجبات قواتنا المسلحة هي إن تروع شعبنا وأصبح السلاح في أيدي أفراد شعبنا من البدو والرعاة أكثر من السلاح في أيدي جنودنا . طبقة اللواءات العسكرية والمهنيين وطبقة العمداء وبعض العقداء بنت وسكنت المنازل الفاخرة لو عمر الواحد منهم مثل عمر نوح ولو كان مرتبه أكثر من مرتب وزير الدفاع السعودي لما تمكن من بناء مثل هذا المنزل وفرشه بمستجلبات الأثاث الحديث من أوروبا وامتطى السيارات الفاخرة .. إلا يتساءلون من أين أتوا بها؟ .. إلا يتساءلون كيف افتقر بقية العشرين مليون واغتنت فئة قليلة ؟.. إلا يعرفون إن هذه حقبة سوداء من حقب تاريخ الشعب السوداني.)
لله درك تأبى كلماتك أن ترحل معك فمازالت تقطر بالحياة كأنما قيلت اليوم وصدق سيد قطب حين قال الكلمة الحية تقتات على قلب حي فمات قلبك الكبير وبقيت الكلمات في حياة أبدية

kabashi 24-01-2008 11:44 PM

[align=justify]حين تكون الوطنية في القلب تبقى ترجمتها بالسان كلمات ندية عبر الزمن كأنما قيلت اليوم هذا ما يجده المتأمل لأقوال هذا الشريف الفذ :
(كثير ما خجلت من نفسي وكرهتها وأنا أدعو للحرية والتحرر وأتغنى بالإسقلال وأعياده وأتلفت حولي فأرى أشباحاً وأسمالاً لم تعرف طعم للحياة مجرد الحياة دعك من الحرية والإستقلال وما شبهها وقد تألمت عندما رأيت في دارفور جمعاً يلتفون حول جنازة لم يجدوا ماءً لغسلها وكم تمنيت أن أخجل حتى أتوارى )
ولا عجب إن كان الشريف قال مثل هذه الكلمات في 1958م ولكن كيف كان سيكون ألمه لو رأى أهل دارفور الأن في العراء صيفهم وشتائهم وخريفهم جوعى وعطشى تولد النساء أطفالها على الأرض حين صار لا فرق بين الإنسان والحيوان في دولة الكيزان وضع صعب على الكافر ولم يصعب على القادة الذين يتسابقون لكسب رضاء من فعل كل هذا كما لم يصعب على أبنائهم المتاجرين بمعناتهم من أجل مال أو سلطة زائلة تحت دعاوي التحرير الزائفة ...
سيدي الشريف ألم يعد في هذه الأمة أمثالك ؟؟
[/align]

kabashi 27-01-2008 05:35 PM

البطل المصاب الفراقو ما بنسد
اب خلقنا رضية المحاسنو ما بتعد
*****
ضقنا الويل ورآك في العذاب وصلنا الحد
فينا الضاع كتير والباقي أتشرد
*****
بي موتك يا الشريف ماتت معاك أمال
ميتك سمحة ماك المرتشي المحتال
كل الحي بموت لو قصر العمر لو طال

عبد الله ود الطيب

kabashi 31-01-2008 12:47 AM

[align=justify]كان الشريف عليه رحمة الله صاحب إيمان راسخ بشعبه لا يداخله الشك في أنه سوف يخرج ويسقط نظام النميري طال الزمن أم قصر صالح زعماء بالوراثة أم عارضوا حكى الشريف زين العابدين ان الحسين كان بالقاهرة بغرض مقابلة الرئس محمد أنور السادات في محاولة لتحييده في صراع المعارضة مع نظام النميري فدار بينهما أي الشريف حسين والشريف زين نقاش في منزله بالقاهرة فقال الشريف زين قلت له أنت تتعب نفسك ما حد سيخرج ولا حد سيسقط النظام فرد الحسين سيخرجوا فقلت لن يخرجوا فما كان منه إلأ ورجمني بالطفاية التي إنحنيت تجنب لها وظل هكذا حت أخر يوم في حياته على قناعة لم تتزحزح بإنتفاضة الشعب السوداني ضد النميري .
وما أصدق إيمانه بأخلاق السودانيين كما أورد ضابط الأمن عاصم كباشي الذي كان قد رافق الراحل الشريف حسين الهندي في العودة الي مقر اقامته بلندن بعد جولة مفاوضات مضنية في 1977 نام الشريف في الطريق فقد كان منهكا .فقال له الضابط عاصم كباشي انسيت يا مولانا انك في صحبة رجل أمن كيف تنام ؟ فقال الشريف ( انا انام تحرسني أخلاق السودانيين ) وواصل نومه
[/align]

kabashi 02-02-2008 10:45 PM

هكذا كان يتكلم بصدق ومعانة وألم ومرارة تقطر من كلماته الخالدة فكثيرون لم تعجبهم معارضته الباسلة و أخرون كانوا يهاجمون قبوله مبدأ التفاوض !!
(فليقرأ كل من يعتقد إننا نرفض المصالحة والوحدة الوطنية وكل من يعتقد إننا نتهالك علي الحكومة فليرمنا الأول منهم بحجر وليرمنا الآخرون بكل الحجارة وليكن التاريخ والمستقبل والوطن حكماً عدلاً بيننا وبينهم)
كان يتابع الجيش وكانت لديه معلومات عن إجتماعات ليلية تتم في منزل ببحري فذهب وتيقن من ذلك بنفسه بصحبة العم المناضل الحاج مضوي وظل ينبه وينصح ولكن لم تجد نصائحه الأذن الصاغية ممن في يده .... كما يقول في مذكراته ..
( إنكم تتكلمون عن الانفراد بالحكم وأنا أحذركم من ضياع الديمقراطية فأني اعلم أن .............. وسردت ما كان لدي من معلومات تفصيلية ورد علي زميلي الموكل بالحفاظ علي الديمقراطية وحكمها في ثقة يشوبها الاستعلاء والغرور فليطمئن وزير المالية فنحن نعلم ونراقب وسمعت لحظتها همسة أراد صاحبها أن تسمع " انه يريد أن يخيفنا)

فيصل سعد 13-02-2008 11:25 AM

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
بــــري الشـريف والشـريف [/align]


جريدة الخرطوم - الأحد : 8/1/1995

مطلع الأغنية الشبابية : دمك خفيف ... "أيوا" ؛ شكلك ظريف ... "أيوا" ؛ الرحلة وين - وفي رواية أخرى - الحفلة وين ... يا مسافر بري الشريف ... "أيوا" . و"أيوا" هذه .. يرددها الكورس أو المجموعة التي خلف "المغني" .

ومناسبة هذه الكلمات التي وردت في الأغنية ، تحكي عن كرم آل بري .. وبري الشريف بالذات ؛ فيقال أنه كانت هنالك "حفلة" ؛ أي حفلة زواج في بري الشريف ، أو بري "اللاماب" المعروفة بعدم تخطيطها .. لذا سميت اللاماب أي اللا خريطة - إذا صحت الترجمة - ومعروفة بقرابة كل سكانها ومعرفتهم لبعضهم البعض ؛ كمعرفة أهل القرى والحلالات ؛ وهي حقيقة ، تشبهها - أي القرى والحلالات - لقرب النيل منها ؛ وأيضاً ضــريح الشــريف الهــندي المقام وسط " المدينة " ، أعطاها هذا الجانب . وهذا الضريح يأتي إليه كل منقطع السبيل . ذكرني بهذا .. ما سأورده في القصة التالية :

حين كنا نعمل في مــدينة جـدة ؛ وأتى إلينا (ونحن مجموعة من الســودانيين نعمل بجوار بعض) ؛ أتى أحد الإخوة وقال إنه من الشكرية ؛ وبعد أن تناولنا الغداء ، قال عنده مشكلة كبيرة جداً مع صاحب العمل ؛ ربما يكون فيها توقف عن العمل - أو ما يشبه ذلك .. لذا كان مشــغولا للغاية ؛ وأخذني على جانب ، لقربي من صـــاحب عمله ؛ وطلب مني التوســط بينهم ؛ ووعدته خيرا .

وحصلت المعرفة كأنما هوآت إليَّ أنا ؛ فسألني من أين يا ابن العم ؟ قلت ليه من بري .. قال بري الشريف ؟ يا سلام !! والله دي عندنا معاها قصة طريفة خلاص ؛ ودون سابق طلب ، راح يسردها .

ذَكَر : أنه كان قادما من السعودية في عام 83 ... " ومعاي واحد صديقا لي ؛ وبعد الطيارة ما وصلتنا مطار الخرطوم ، ما كنا عارفين لوين نتَّجه ؛ وكنا كمان سامعين بالسرقة والنهب المسلح والحاجات دي ؛ بعدين لقينا لينا بوكس كتبنا رقمه وأديناه العسكري ؛ واتفقنا معاه وإتوكلنا ركبنا . قلنالو : " ودينا بري الشـريف .. بس ما تســالنا أمشي لي وين ! ولاَّأجي من وين ! نحن ما بنعرف أي حاجة ! ولابنعرف أي زول هناك ... طيب ماشين لي منو ؟ ماشين لناس الهندي .. وأنا ذاتي ما بعرف وين ناس الشريف الهندي " .

وفي الطريق .. قال : " لاقينا واحد بيعرف بري الشريف " ؛ وحلف صاحبي القاعد قدام ، وشــايل المطوة في جيبه : " ما يركب معانا .. لأنه احتمال السـواق يكون متفق معاه " ؛ وأنا قلت ليه : " أنا بتكفل بو .. خلي يركب معاي أنا وراء جمب الشنط ! " وفعلا ركب وراء . وصــاحبنا الراكب قدام مع السـواق - عندما همَّ السواق بإدخال يده في جيبه لاســتخراج سيجارة - أدخل يده في جيبه وجهز " المطواة " ؛ وأنا بعاين ليهم بالقزاز.

وعندما وصلنا .. رحبوا بينا في دار الشريف الهندي ؛ كأننا من أفراد العائلة .. وتدخلت أنا هنا وقلت ليه : " إنت طالما ما بتعرف ناس الهندي ، كيف ذهبت لهناك ؟ قاطعني .. وفِهم ما أرمي إليه ؛ وقال ليْ : " ديل مامعروفين ... أشراف ؛ لابد يكون عندهم ضريح ، وصالون ضيافة .. "

وواصـل صــاحبنا : " أكــرمـونا كرم ماعادي ، وحملوا شــنطنا لحدي باصات الحلة ؛ وسـافرنا .." أما السائق فقد رفض يأخذ حسابه - الذي استلفناه من أحد الموجودين بالصالون تلك الأيام - وقال إنه سيأتي الصباح ويأخذ الحساب ؛ لأنه عايز يتعرف علينا . وفعلا تم له ذلك . وحلفنا .. إلاّ يشيل الثلاثين جنيه ؛ رغم أننا اتفقنا معاه بخمسة وعشرين جنيه فقط .

وأنا بحكم سني لم أر أحدا من آل الهندي ، إلاّ المرحوم /الشريف الحسين يوسف الهندي ؛ وكنت حينها صغيرا جداً ؛ وكان يجتمع في جلسات مع المرحوم/ عمي - سعد أحمد الشيخ .. رحمه الله - وأتذكر الأستاذ/ محمد إبراهيم نقد ؛ رغم اختلاف الآراء بينهم ؛ إلاّ أني أتذكر أنّي كنت طالبا في المرحلة الإبتدائية ؛ وكان عمي يذاكر معي ؛ وحينها يأتي إليه أصحابه ويساعدوني في أشــياء .. ويضـحكون علي كثيرا . كانوا لايأتون إلى المنزل ، إلاّ ويحملون لي أشياء أحتفظ ببعضها .. والآخر راح أيام السيول .

واختفى فجأة الأثنان ؛ واغترب عمي ؛ وتفرقوا .. وبعد سنين ، وجدت قدماي تقوداني إلى بري اللاماب ، مع الراجـلين والوفــود الآتية : شي بالســيارات وشي بالباصــات وشي بالأرجل - نساء ورجال - كان موكبا رهيبا .. حينما أُتِيَ بجثمان المرحوم/ الشريف حسين الهندي . وكنت حتى تلك اللحظات ، لاأعرف أن هذا الموكب ، هو موكب ذاك الرجل - صديق عمي - العزيز ؛ الذي وعدني بهدايا قيمة ولم أستلمها .

ولأني كنت متحمسا للغاية ، دخلت في الصفوف الأمامية ، ولم أشعر بنفسي إلاّ في مباني أمن السودان حينها .. وبعد (س) و (ج) إستمرت لساعات طويلة ، أرهبونا خلالها بمشاهدة المناظر المأساوية ، من تعذيب بعض أخواننا الكبار . وفجأة فقت .. عندما رأيت صورته في يد أحد رجال الأمن - صورة الشـريف حسـين - كان قد أخذها من أحد المحجوزين على ما أظن . وربطت الموقف .. وتأكدت من أن هذا هو جثمان الشريف حسين الهندي نفسه . بكيت كثيراً وشديداً لفرقة صـديقنا الوفي ؛ وظن معتقلونا أني أبكي خوفا ورهبة من الموقف ؛ فأُطلِق سراحنا حوالي الثانية ليلا ، بعد توصيلنا إلى منزلنا - الذي وجدته أشبه بموكب الشريف - من أهل بيتنا .

فلم أحظ بالتمتع برؤية مناضلنا الجسور ؛ إلاّ لحظات ، لم أتبين فيها الخيط الأبيض من الأسود من السياسة . وظللت أتابع كل ما يقال ويكتب عنه ، لتكوين صورة عنه ؛ ووقعت في يدي صحيفة قديمة ؛ بها حوار مع المرحوم/ الشريف حسين ؛ ذكر في أحد ردوده .. " أن بلدا يعمل فيها سعد الشيخ (إشارة للمرحوم عمي) ... الذي كان قد ترك العمل بعد تأميم المؤسسات والشركات ؛ وكانت لديه وكالة الخرطوم للأنباء - نواة وكالة الســودان للأنباء - الآن" ، قال : " إن بلدا يعمل فيها سعد الشيخ بقالا ، ده طرفنا منها " ... وكان المرحوم سعد الشيخ قد فتح له كنتيناً في بري المحس ؛ وعلم بذلك المرحوم حسين الهندي في منفاه بلندن . وكان هذا رده للصحيفة ....

رحم الله الأستاذ المناضل/ الشريف حسين الهندي رحمة واسعة ، ورحم الله سعد الشيخ ذاك الرجل الصامت ؛ الذي مات صامدا يكابد المرض ، ويحمل السودان في كل دواخله ؛ ومتع الله الأستاذ محمد إبراهم نقد ، وكل رجالنا الوطنيين بالصحة والعافية . ومزيداً من النضال ...


الصادق مصطفى الشيخ
جـــــدة
03/05/2005


فيصل سعد 15-02-2008 07:47 AM

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم


المذكرات الأولى: الهارب
بقلم الشريف حسين الهندي[/align]




لم يكن صباح الرابع والعشرين من مايو مختلفا عن غيره ؛ كان البيت مكتظا بالنائمين وبالداخلين إليه قبل هاتف الفجر.. ودوَّى أذان الصلاة فيه وسوَّى الناس صفوفهم ، ولست مبالغا إذا قلت إن المصلِّين فيه ، كانوا أكثر عددا من المصلِّين في الجامع الكبـير؛ وتحاملت على نفسي لأنهض، فلم أكن قد حضرت إلا قبل ساعتين ، ولم أجد إلا سريرا بلا مرتبة ، كوَّمت نفسي عليه . وعلى أي حال .. فقد كنت أسعد حالا من الذين افترشوا البلاط والنجيلة والكراسي ؛ وكنت قد تعودت على هذا المنظـر ، فلم يعد يزعجني في شيء ؛ وحتى الشرطة عجزت عن حراسة منزلي ، فتركَته مفتوحا ، يلجه كل من لم يجد له مأوى في الهزيع الأخير من الليل . ولا غرابة فقد كان وزيرا متخلفا في بلد متخلف ؛ يعتقد أهله أن وزيرهم : " لا ينام ولا يأكل الطعام ؛ وأن من حقهم عليه أن يحولوا بينه وبين كل ذلك ، وأن يقابلوهـ فرادى ومئات .. أنَّى شاءوا ؛ و الويل له إذا عبس وتولى ، أو توارى واعتذر ..

وبنفس ملابسي التي أمضيت بها النهار ، وتكوَّمت بها على سرير الحديد .. نهضت ؛ ورأسي يدور إجهادا ، وجسدي لا يكاد يحملني ؛ ولن يصدقني أحد طبعا إذا قلت أنني لم أتناول غدائي ولا طعام عشائي ؛ وبقيت في مكتبي بوزارة المالية حتى الثالثة صباحا ؛ وليس هناك إفطار في منزلي لأتناوله ؛ وإن كان موجودا فلا سبيل إليه . وهرعت على عجل للعربة ، فقد كنت على موعد في الحقل في شمال الجزيرة ، ولو تأخرت دقائق لكان خروجي من منزلي في مرتبة المستحيلات ؛ ولبقيت كالعادة كل يوم ، إلى أن أقابل مئتي شخص أو يزيدون .. وأسمع وأتجاوب وأستجيب مع مجموعاتهم كلها .

وانطلق السائق ، وهو ينظر إلى في إشفاق ورثاء ، يمزجهما أسى وحزن وحسرة ؛ فبقدر ما عمل مع العديد من الوزراء ، لم ير وزيرا مكدودا منكودا مطـارَدا مثلي ؛ ولم ير" نُزُلاً " مثل منزلي ، وكان يردد ذلك دائما ، وهو يمُطُّ شفتيه ، ويصفِّق بيد على الأخرى في عجب وضيق ..

وردَّت لي نسائم الفجر بعضا من فكري ، فسرحت أفكر في أحداث اليوم السابق والعربة تسرع صوب الجزيرة الخضراء ، تذكرت اجتماع الهيئة البرلمانية للحزب ، وهي تبحث في مستقبل الحكم ؛ واسترجعت كلامي لهم – كلامي الذي أزعج أحلام البعض ، واعتبره الآخرون حديثا انصرافيا – وقصدت به إخافتهم وإيقاظهم من أحلام اليقظة في لذة الانفراد بالحكم : " إنكم تتكلمون عن الانفراد بالحكم ، وأنا أحذركم من ضياع الديموقراطية .. فإني أعلم أن …" . وسـردتُّ ما كان لديَّ من معلومات تفصـيلية . وردَّ على زميلي الموكل بالحفاظ على أمن الديموقراطية وحكمها ؛ في ثقة يشوبها الاستعلاء والغرور: " فليطمئن السيد وزير المالية ، فنحن نعلم ونراقب " .. وسمعت لحظتها همسة أراد صاحبها أن تسمع : " إنه يريد أن يخيفنا " !!!

وجلست وقد بلَّغت ؛ وكنت في نفس النهار قد ذهبت إلى السيد رئيس الوزراء ووزير الدفاع ، وأخبـرته : أن المناورات بالذخيرة الحيَّة في (خـور عمر) بالدبابات .. أمر ممنوع ، منذ محاولة انقلاب (كبيدة) في عهد عبد الله خليل ؛ وأن زيارة "بُلك" المظلات بأسلحتهم للمناورة بالدبابات ، بدعوى أنهم مدعوون لليلة سمر هناك ، ما هي إلا لتكملة الانقلاب بإضافة المظليين من المشاة للدبابات . وذكرت له مصدر أخباري - وهو أحد سفراء السودان الآن - وكان عضوا في جماعة .. " الضباط الأحرار" ؛ وعن اجتماعهم الذي رفضوا فيه الانقلاب بأغلبية ساحقة ، وعن إصرار قِّلة منهم عليه . وأن هذه القلة هي التي خرجت بالدبابات للمناورة ، وبالمظلات .. بأسلحتها للزيادة .

وبنفس الثقة التي يصرِّف بها رئيس الوزراء كثيرا من الأمور، صرف مخاوفي على أنها هواجس ؛ ثم رجعت إليه بعد ساعات معي العميد حسن فحل ، وكنا قد التقينا ووثِقنا أن معلوماتنا متطابقة ؛ فهرعنا إليه . هذه المرة جاملنا رئيس الوزراء فاتصل بآخر من يعلم : قائده العام ؛ فاستمهله ثم رد عليه بأن : "ما تقوله أضغاث أحلام " .. وأشار السيد رئيس الوزراء إلى حذائه قائلا لنا : " أنهم لا يستطيعون قلب حذائي هذا " ؛ وحدَّقنا فيه .. ثم في الحذاء وانصرفنا …

وبعد شهور علِمنا أن الذي سأله القائد العام ، قبل أن يرد على رئيس الوزراء ، كان .. الرائد مأمون عوض أبو زيد ؛ المسؤول الرابع في الاستخبارات العسكرية . وكان كل المسؤولين قبله في إجازة ؛ وكان هو أكبر الرؤوس التي خططت للانقلاب ؛ والمسؤول الوحيد الباقي في الاستخبارات العسكرية ، بعد سفر كل رؤسائه في إجازاتهم ..

وفكرت في أن أطلب من السائق الرجوع ؛ ولكن ما الذي سأفعله ‍‍ ؟ خصوصا وقد رجعت نفس المساء لمنزل السيد رئيس الوزراء ، وأخبرته بما وصلني : " أن العقيد جعفر نميري بالخرطوم منذ أيام " ؛ وأنه في إجازة محلية ترك بعدها عمله في "جبـيت " ، وأمضى أياما في " القضارف " ، برئاسة القيادة الشرقية .. ثم أياما " بشندي " ، برئاسة القيادة الشمالية .. وأنه منذ حضوره إلى الخرطوم ، فهو دائم التردد على القيادات العسكرية : كحامية الخرطوم ، وسلاح المدرعات ، وسلاح المهندسين وغيرها ؛ وأن هناك اجتماعات تعقد في منزله ، يحضرها فاروق حمدنا الله الرائد بالمعاش ؛ وصديقه كمال رمضان المحامي المعروف الاتجاه .

وسردت كثيرا من التفاصـيل؛ فترك حديثي الممِل، ومال إلى داؤود عبد اللطيف ، وحديثه الشيِّق المليء بالنكات ، المنغَّم بعالي الضحكات . فانصرفت للمرة الثالثة ذلك اليوم ، وسردت معلوماتي للهيئة البرلمانية واللجنة التنفيذية ، وسط مئتين من الأعضاء . فلم يكن حظي مع وزير الأمن ، بأكثر من حظي مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع . وكانت مخاوفي قد زادت ، عندما طلبت الخارجية سفر حوالي ثلاثين ضابطا ، في إحدى مراحل مفاوضاتنا لصفقة الأسلحة الروسية ، وكان العدد مريبا وكبيرا ، فرفضت بحجة شح الموارد المالية . ولم ينقضِ يوم حتى أخطرتنا الخارجية ، بأن كل العدد سيسافر ويستضاف ، على حساب وزارة الدفاع السوفيتية ؛ وكان فيهم أكثر من عشرة قواد أسلحة ؛ وكان الذين بدأوا المفاوضات وأكملوها ، موظف من المالية ، مع ضابط واحد فقط من الدفاع ؛ وسافر كل هؤلاء بموافقة وزارة الدفاع والخارجية ، قبل يوم واحد من الانقلاب ، أو على وجه التحديد ، عشية يوم الانقلاب ، وقبله بثلاث ساعات فقط ...

إذا أضيف لذلك الجو السياسي السائد وقتها ؛ اتفاق جناحي حزب الأمة – الاتفاق أن يكون السـيد الصادق المهدي رئيسا للوزراء .. وإلى الأبد . واستقالة رئيس الوزراء ؛ ومحاولة الحزب الاتحادي الديموقراطي في الانفراد بالحكم ؛ وسفر السيد الإمام الهادي المهدي إلى الجزيرة (أبا) ؛ ورفضنا قرار مجلس الأمن رقم 242 ؛ وزيارة حسن صبري الخولي ، لإقناعنا بالعدول عن رفضنا .. وإصرارنا على الرفض ، كان على أساس عدم المساس بالقضية الفلسطينية ؛ وتمسكنا بقرارات مؤتمر القمة العربية بالخرطوم ؛ والعلاقات المقطوعة مع أمريكا و ألمانيا ، وقبلها مع بريطانيا ؛ والقضية الدستورية في حل الجمعية التأسيسية، وتدخل بعض الضباط في ذلك؛ وقضية حل الحزب الشيوعي ، وموقف بعض القضاة منها؛ وتطَلّع الجميع للحكم المقبل، ومعركة رئاسة الجمهورية ؛ وإهمال الأغلبية للحكم الحالي وأمنه وأدائه ؛ ومرض رئيس الوزراء الخطير، ونصيحة الأطباء له ، وإشفاقنا عليه .. رغم شجاعته ومحاولته الاستمرار؛ ومقالات أحمد سليمان عن وجوب تدخل الجيش في السياسة ، والسكوت .. بل الرضاء عليها من البعض ؛ والتسيب وعدم المبالاة في أغلبية الوزارات ، وإلقاء العبء كله على قِلَّة تقِلُّ عن أصابع اليد الواحدة . كل هذا .. إرهاصات ونُذر؛ إذا أضيف إليها النشاط الظاهر والمستتر ، في عدد من السفارات المعروفة ‍‍. كان الجو كله ينذر ببداية أحداث كبيرة وكانت هناك قوى في الداخل والخارج تخطط لها؛ وكانت هناك أموال تصرف؛ وكان هناك نشاط ملحوظ في بعض الدوائر العسكرية ؛ وكانت الصحافة - بتوجيه من البعض - تستعمل كل حرياتها لزيادة التوتر، واستفحال الانفجار..

مع هذا فلم أرجع ، وقد يكون لرجوعي إذا فعلت ، أثر على الأحداث ؛ رغم أني كنت وحدي أهتم وأتابع وأعمل ؛ وفَعَلَت فيَّ ظروف الإعياء المتواصل ، وتداعي الموقف السياسي ، والانفعالات النفسية .. فعلها . ماذا لو تم انقلاب قام به ضباط وطنيون بقيادة وطنية ؟ قد يكون قادرا على التغيير الذي كنا نسعى إليه ، ونطلبه ولا نستطيعه .. أليس هو قطاعا من قطاعات الشعب السوداني ؟ وماذا لو أدى دوره ؟ وأنا شخصيا .. ألم أصل حالة الانهيار ؟ وأسقط مغشيا على ثلاث مرات .. وظللت أعمل إثنتين وعشرين ساعة ؟ مع هذا فلم أستطع إلا تغييرا ضئيلا ؟ وما هي مقدرتي على الاستمرار في التصفيق بيد واحدة ؛ أوَلاَ أُأَذِّن في مالطة ؟؟

وقبل أسابيع استدعِيت للقصر، وقابلت الدكتور وصفي ؛ وكان الرئيس متعبا في قلبه ؛ وقال لي د. وصـفي إنه قال - قبل أن تعتوره إغماءة بسيطة :

" استدع الشريف وحده وأخبره " .

وجلست بجانبه وقلبي تعصره مخالب من حديد ؛ والدنيا كلها قد اسوَدَّت في قلـبي وناظِرَيَّ ؛ وتذكرت قوله لاثنين من زملائي أمامي عاتبا :

" لا تستغربوا إذا سقطت بينكم " ..

ومن يومها حاولت أن أضم الزحف الكبير، الذي يتجه إلى الأزهري كل صباح ، إلى الزحف الذي يتجه نحوي ؛ وكلا الزحفين يبتدئان .. من الغفير والجنايني والزيات ، إلى أستاذ الجامعة ؛ وحسب الطريقة السودانية ، وحسـب التقاليد السائدة ، فعليك أن تستقبل الكل بكل الاحترام مهما طال الوقت ، وبكل الانتباه ؛ ثم تجاوب وتستجيب . وعليك بعد ذلك أن تعمل للدولة ، وعلى حساب نومك وأكلك ، وكل ما يتبع ذلك .. ولا عذر! فلقد كنت أرتدي ملابس الخروج كل يوم في الحمام ؛ ومع هذا يمتلئ حتى الحمام بالناس !

إلى متى سيستمر ذلك ؟ وماذا لو جاء إلى السلطة ، قطاع من الجيش نظيف ووطني ومتجانس ؟ ألن يكون ذلك قادرا على أداء التغيير وإحداثه ؟ إذاً لماذا الرجوع ؟

وأعترِف أني ضعفت ... على الأقل إذا حدث ، فأستطيع أن آكل ، وأنا الآن يتفضل على بعض الأصدقاء بالأكل ؛ وأستطيع أن أنام ، وأنا الآن لا أطمع فيه ؛ وأستطيع أن أرتاح ، وقد تراكمت على السنين وأنا أجري بلا نهاية ؛ ما الذي سأفقده ؟ لقد دخلت هذا الحكم غنيا فافتقرت ، وصحيحا فمرضت ، وقارئا فانقطعت عن القراءة ! وصرفت نفسي بصعوبة عن هذا التفكير الشخصي الأناني ..

كلمات محجوب في احتفال وحدة حزب الأمة ؛ ظلت تدوي في أُذنَيَّ: " خير لكم أن تتفقوا ضدنا ، من أن تختلفوا علينا " .. وترى ما الذي يقصد ؟ أهي مجرد محسِّنات لفظية ، هو مولع بها ومبدع فيها ؟ أم هي تحمل معاني ومحاذير أكثر من ذلك ؟ وقطع عليَّ سبل التفكير .. توقف العربة ، ووقوفها أمام أول حواشة في أول مكتب من مكاتب شمال غرب الجزيرة ؛ وترجَّلت ..

واستمرت عمليات اللقيط طوال اليوم ، إلى أن جاوزنا قرية (طابت) ؛ وكان عبء الإصلاح الزراعي ألقِيَ على عاتقي في يوليو؛ وكان المحصول يبشِّر بنتائج باهرة ؛ وأرضه مليئة بالحشائش ولم يجنِه بعضهم ..

بعد التاسعة مساء ، كنت على موعد مع الأخ سِيد احمد عبد الهادي ، ووجدت معه أمير الصاوي وحسين حمو، أكبر مسؤولي الأمن ؛ وكانت مواعيد طوافي على الفرق والثكنات قد فاتت ؛ ولبثت مرهقا لا أستطيع لها سبيلا؛ وألغيت مواعيد الأخ سيد احمد مع السيد محمد عثمان ليلها .. حول مشاكل تأليف الوزارة .

وحوالي الحادية عشرة استأذنت ؛ وقرب منزل السيد الصادق انتابتني سِنة من النوم ؛ مردها الإرهاق البدني والفكري والعصبي ؛ وخرجت العربة من الطريق ، وكادت تقتحم منزل السيد الصادق . وهنا استيقظت وعدلت مسارها ؛ وأدركت .. أنني بحالتي هذه ، لن أدرك منزلي سالما ؛ فاتجهت إلى استراحة الجزيرة على بعد أمتار؛ وكنت أتخذ منها بديلا لمحاولة العمل . وقابلني عم رجب بوجهه البشوش الشجاع ؛ وفي عينيه عتابه المكبوت لي ؛ وفي فمه نصائحه المتكررة، بمحاولة الاحتفاظ بما بقِيَ من صحتي. ودخلت بكامل ملابسي واستلقيت على سـرير في الفرندا؛ وكان هذا .. لتمضي ساعتان من النوم ، وسببا لعدم اعتقالي ذلك اليوم .

لم تمض ساعة أو بعض الساعة ، وأنا مستغرق في إغفاءة قلقة ، هي أقرب إلى الإغماء منها إلى النوم الهادئ العميق ؛ حتى استيقظت على صوت ضربات عالية على باب الغرفة المغلق . وكنت متعودا على طرقات آخر الليل ، وزيارات طارق الليل الذي يتصيد الأوقات ، ليحكي مشاكله في هدوء ، ويحاول أن يجد لها حلولا . والأوقات هذه معروفة ، عند الذين يعرفون ساعات الانقضاض ، على سياسي من المسؤولين أمثالي ؛ عند الفجر أو الظهر- عند الغداء أو القيلولة - أو الهزيع الأخير من الليل .. وهنا يحلو لهم الجو بدون الزحمة .

وسألت الطارق في صوت ضعيف منهك: " من هذا؟ " ؛ وأجاب في انفعال يشوبه قلق وتوجّس ، أثار انتباهي:" أنا! وأرجو تقابلني لأمر هام "؛ واسترسلت وأنا أحاول مغالبة الوهن والإنهاك: " ألا يستطيع هذا الأمر أن ينتظر للصباح" ؟ قلتها في رجاء وتوسّل. وردَّ في صراحة وإصرار: " لا يمكن أن ينتظر دقيقة واحدة؛ هو أمر خطير لا يتعلق بشخصي" .

وتثاقلت وفتحت الباب ؛ وكان الطارق شخصا مخلصا وفيَّا ، قليل التردد عديم المطالب ؛ ولم ينتظر بل انفجر: " هناك حركة غريبة في الشوارع ؛ الجيش نزل .. كنت في منزل عرس بالمقرن ، وفي طريقي تابعت سيارات من الجيش تملأ الطرقات " ...

ولم أكن محتاجا لكثير من الشرح والتفصيل .. وأدركت الأمر في لحظة ؛ فقد كنت أتوقعه . واتجهت إلى سروالي والقميص ؛ ولم تمض دقيقة حتى تبعته إلى الخارج ، وأنا أحمل مفتاح عربتي الصغيرة ؛ وفي صمت دخلت العربة . فأوقفني وطلب مني الدخـول لعربته ؛ واتجهنا إلى منزل السيد رئيس الوزراء على بعد دقائق ؛ ووصلناه وجنود المظلات ينزلون من سياراتهم ويفتشون رجل البوليس .. ويقتلونه . وطلبت من صديقي مواصلة السير إلى القيادة العامة .. فوجدت أنها قد احتلَّت ؛ وأمامها ثلاث مدرعات .

ثم انطلقنا عبر كوبري النيل الأزرق إلى الخرطوم بحري ، صوب سلاح الإشارة ؛ وأُوقِفنا في الكوبري . وذهبنا صوب معسكر الشجرة ، ووجدنا أن المدرعات والانقلابيين قد سبقونا ، ولم يبق إلا سلاح المهندسين . وكان الجنود قد قاموا بحراسة الكوبري ؛ وقابلتنا السيارات وهى راجعة . أدركت بعد هذه الزيارات السريعة ، أن المرحلة الأولى من الانقلاب قد تمت ؛ فقررت أن أختفي بعض الوقت ، حتى أحدد التحرك المقبل .

كنت أعلم أن الانقلاب إذا تجاوز المرحلة الأولى ، وتمتع بعنصر المباغتة ، فإنه سيبقى ويوطد أقدامه ؛ وكان هذا هو الذي حدث ؛ وبقيَ أن أفكر في طـريقة مقاومته في وقت آخر لاحق ؛ وذهبت إلى مخبأ مأمون لا يخطر على بال أحد ، لكي أستطيع التفكير . لكن .. إذا كنت قد تمكنت من دخول أي قيادة واسـتنفرتها ، كان يمكن أن نقاوم الانقلاب وربما نقضي عليه ؛ ولكن الصديق رغم اهتمامه ، كان قد وصل إليَّ متأخرا ؛ ليس أكثر من ساعة واحدة فقط ، ولكنها كانت ساعة فاصلة .

حاولت من المخبأ، العثور على سيارة ، تنقلني إلى شندي أو القضارف ؛ وكانت هذه آخر فرصي لمقاومته ، قبل أن يستجمع أنفاسه ؛ ولكنها السـاعة الواحدة ، ولم يبق بعد ذلك إلا مواجهته ؛ وأصبح الصبح .. فإذا الدبابات تحيط بكل الأمكنة ؛ وخرجت مستترا .

كان الجنود قِلَّة وجددَاً، يظهر عليهم الاستهتار؛ وكان عددهم ليس كبيرا، يجلسون على الأرض بجانب مدرعاتهم . وكان من الممكن لأي قوة تملك خمسين مدربا بأسلحتهم ، أن تقضي عليهم ؛ وكان من الواضح أنهم لا يدرون خطورة ما أقدموا عليه ؛ وكان ممكنا أن ينقضوا عليه نفسه ؛ إذ أنهم كانوا محنَّطين وكسالى وفاقدي الحماس ؛ وليس لديهم قناعة بما يضحون من أجله. وكنت مدركا أن مثل هذه الأنظمة إذا وطدت أقدامها، وكلما طال بها الزمن ، صنعت لها ركائز ، وانضم إليها آخرون ورسخت أقدامها ؛ ولم يكن ممكنا جمع خمسين شخصا مسلحين آنذاك ، وكانوا كافين لهزيمتهم .

فبقيت في دار صديقي – كهربائي الطيران – أضرب أخماسا بأسداس؛ وساعات تمر كلها مكرَّسة لحماية الانقلاب؛ وتلا نميرى بيانه من الإذاعة ، وتساءلت مع نفسي : " لِمَ لا نعطيهم الفرصة ليجرِّبوا ؟ فقد يكونون أقدر على مواجهة الموقف ؟ " …

إن بيانه لم يثر في نفسي شيئا جديدا ، ولم يزد في حماسي لإحباط الانقلاب … بيان عادي لم أعتقد أنه موعَز به من جهة ، أو أنه مستورَد ؛ ربما مجرد شهوة الحكم لكل من يحمل السلاح والناس عُزَّل .. أوكل من يسبق بائع اللبن والناس نيام .

إذا كان ذلك قطاعا وطنيا، أراد أن يجرِّب حظه وعضلاته ، فليكن . فهذا .. أصبح عمل الجيوش في العالم الثالث ، تشغل بها فراغها المستمر ؛ فهي لا يمكن أن تحبس نشاطها داخل الثكنات ، إلى أن تقوم الحرب ؛ ومتى تقوم ؟ لا يمكن لمن درِّب على القتال - وأعطِيَ السـلاح - أن يحترم مدنيين مثلنا ، لا يستطيعون استعمال السكين ؛ ويظل يحرسهم وهم وزراء وحكام ، بفضل سلاحه .. منطق معوَج ! لماذا يحرس مدنيَّا مثلي ، وهو الذي يحمل السلاح ؟ فيكون هو حارسا وأكون أنا حاكما ووزيرا !

لقد فطن الأمريكان لهذا منذ مدة .. وكانت سياستهم أن الجيوش في البلدان المتخلفة ، أقوى تنظيما وأكثر ضبطا وربطا ، من المؤسسات السياسية الهشة الحديثة ؛ زيادة على أنها مشبعة بالأيديولوجية الغربية بحكم تدريبها . إذاً فهي أولى بالحكم، وأقدر على تنفيذ السياسات والمخططات الغربية؛ وإرغام الناس عليها بحد السلاح ؛ وأن البلدان المتخلفة لا تستحق الديموقراطية . ولذا .. فإن الجيوش يجب أن تخلف الاستعمار، الذي سارع بالرحيل - حسب تفكيرهم - سابقا لأوانه. فالديموقراطية لأوروبا، وليس لأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أو السودان. وهكذا .. ومنذ عهد حسني الزعيم ، كانوا وراء حمى الانقلابات التي سادت العالم الثالث ؛ وكانوا هم الكتَّاب لكل بيان .. لهم الديموقراطية والرفاهية ، ولنا القهر والفقر .

ولقد دخلنا قبل ذلك في الحلقة ، وكنا نعتقد أننا قد أخذنا كفايتنا منها ؛ وأن شعبنا قد برهن ، أنه لا يمكن أن يكون كبقية الدّمى التي تحَرَّك من غرفة بعيدة في البنتاجون؛ ولكن قد نكون .. قد انتكسنا ، أو ضعفنا ، أو خرجنا عن الطاعة ، فحق علينا العقاب ؛ فليكن ضابط من الجيش الوطني - قطاع من قطاعات الشعب السوداني - أراد أو أريد له أن يجرِّب .. فليكن ؛ فقد يستطيع التغيير؛ وقد تخيِّل له نفسه أشياء ، فليجرِّب فشعبنا جبار؛ وحزبنا ليس مثل كل بقية الأحزاب الليبرالية ؛ التي تهاوت في المنطقة العربية والأفريقية واللاتينية ؛ فالديمقراطية في دمائنا ، ولن تزول .. إلى أن نسكب آخر قطرة من هذه الدماء .

كان هذا هو شعوري عند تلاوة البيان الأول لنميري ؛ وأقنعت نفسي ألاَّ داعيَ للقلق ؛ فقد كنت متوقعا ذلك متوجِّسا منه ، فلم أفاجأ كثيرا ولم أهتز ؛ وجاء البيان الثاني من بابكر عوض الله - رئيس الوزراء ؛ وحفظت كلماته .. كلمة كلمة ؛ وتمعنت في وزارته من 10 وزراء : أي ثلاثة أرباع المجلس شيوعيون - أغلبهم أعضاء في اللجنة المركزية ؛ ومنهم متعاطفون ورفقاء درب ؛ وواحد أو اثنين ، من الضعفاء الواقفين على السياج ؛ المستطعِمين في كل مائدة ؛ الراقصين على أي نغم .

وهنا اختلفت نظرتي .. لا يمكن أن نرضى بهذا ؛ ليس هذا هو الجيش السوداني .. حِفنة منه أرادت بسلاح الشعب وبقوة الجيش وعنفه ، أن تحكم أقلية على كل الناس ؛ وأن تفرض آيديولوجية بقوة السلاح ، عجزت أن تفرض نفسها بالقبول والرضى والمنطق ؛ وأرادت أن تحتمي وراء قوة الجيش .. وتسميها ثورة ؛ وبطشه .. وتسميه عنفا ثوريا . تحارب كل وجهات النظر وتفرض واحدا منها ؛ هي أقلية الأقليات ، وتعتنقها كآيديولوجية ؛ وترغم الناس - كل الناس - على اعتناقها بقوة البندقية ؛ تحِل كل الأحزاب السياسية ، وتفرض واحدا منها ، تحت ستار الثورة ، وبحماية القوات المسلحة .

وتذكرت فقرة في خطاب رئيس الوزراء ، هي قبول قرار مجلس الأمن رقم 242 ؛ وتذكرت رفضنا له ، وزيارة حسن صبري الخولي لإقناعنا ورفضنا الإقناع ؛ وتمسكنا بعدم المساس بالقضية الفلسطينية .. إذاً ليست هذه هي القوات المسلحة الوطنية ، وليست هذه انتفاضتها .

إن أصابع الخارج واضحة وملموسة ؛ هو انقلاب مستورد يحمي نظرية مستوردة ؛ ويخدم أغراضا مستوردة ؛ ويفرض آيديولوجية مستوردة ، ويحكم أقلية أممية ؛ ويتسربل بشعارات مستوردة .. إذاً فالذي ذهب ، ليس هو الحكم أو النظام ، ولاحتى الديموقراطية ؛ بل هو الذاتية السـودانية ، والكيان والهوية الوطنية ، والاستقلال نفسه .. والذي أتى ليس هو الجيش، وإرادة التغيير والحكم المستقر؛ بل هو مِسخ مستورد ، مفروض بقوة السلاح ؛ يحمي الأفكار الخارجية ، وشعارات أجنبية ، ووجودا دخيلا وآيديولوجية مفروضة ؛ تسندها أسِنَّة الرماح .

لقد أصبح وأصبحنا .. مستعمَرين ، وكنا أحرارا ؛ وصرنا عبيدا .. وكنا أسيادا طلقاء . فارقنا الاستقلال .. وعانقنا استعمارا جديدا ، بوجه حديث ؛ هو أنكى وأقسى من الاستعمار الذي طردناه .

وسَـرَت في جسدي قوى غلابة، انحسر معها الوهم والضعف الذي كان يلازمني؛ وتلاشت حالة اللامبالاة .. وحلت محلها قوة جبارة، ملأت جسدي وروحي وعقلي؛ وغمرني إحساس بالتحدي، سَرَى كالإعصار في حواسي ، وملأ كل جوارحي ؛ تضاءلت بجانبه العواطف الحزبية ، وسمت المشاعر الوطنية . والولاء الحزبي .. هو طريق المواطنة في بلد مستقل ، ليخدم أهله اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. وبما أنه لم يعد هناك وطن مستقل ، فلا محل للولاء الحزبي ؛ إذ أنه إذا كان صادقا ، يترك فراغه لتملأه الروح الوطنية ، لتكافح لإعادة الوطن السليب المستعمَر ، حتى تكون أرضه خصبة للعقائد الحزبية .

وقررت وحدي - إذ لم يكن بجانبي زميل أو صديق - أن أقاوم هذا الخطر بكل قواي ؛ حتى ولو بأظـافري وأسناني ؛ وأن أحتفظ بولائي الحزبي نظيفا، ولكن بعيدا لأكافح - مع من يستطيع - لاستعادة الحرية والاستقلال لوطننا . وكانت هذه هي قناعتي وأسبقيَّتي الأولى ؛ وكان منطلقها هو: أن الولاء الحزبي ، هو استمرار للولاء الوطني ، وتعميق وإثراء له؛ وإذا تداعى الوطن .. فهو الأولى والأسبق والأحق بالكفاح من أجله؛ وعندها قررت أن أحتفظ بحريَّتي كاملة ، حتى أستعمل كل ثانية منها لرد هذا الخطر الداهم ، الذي يهدد كياننا وذاتيتنا .

وكان الحفاظ على الحرية من أجل الخلاص الوطني ، عملية صعبة امتلأت بالتحدي والمغامرات ، والتعب والعرق والدم والدموع ؛ استمرت وأنا داخل السودان .. ستة أشهر؛ ولا تزال مليئة بالمعارك والخوف والقلق والثبات والصمود . والسودانيون لا يؤمنون بالتمتع بالحرية من أجل الكفاح ، بل يفضلون أن يقدم الإنسان نفسه للسجن ، وطاقاته للحبس ، دليلا على الشجاعة والفداء . ورفضت هذا المنطق !! إذ كيف أقدم نفسي كالحَمَل ، لكي أسجَن مع طاقاتي ، وأحرم نفسي وبلدي من مساهمتي في تحريرها ، وأقدم يديَّ خائفا ومختارا للحبس ؟

على المعلوم التقليدي، إن هذا هو.. أرقى مراتب الشجاعة والفداء ؛ وتقاليد القبول بالسجن من سلطة غير شرعية ، وتسليم المناضل نفسه لها لكي تسجنه ، وتشل إمكانياته ، كان .. حتى ذلك الوقت ، دليل الشجاعة .. وتجسيد الثبات . وخرقت هذا التقليد وانتهكته ، واستعملت الأسلوب الحديث على وعلى السودان .. وهو: أن احتفاظي بحرِيَّتي ، هو بداية المعركة لاستعادة حرية الآخرين ؛ وفي ذلك تهون كل التضحيات .

وتحملت النكات والصور الكاريكاتيرية، وهمس الناس ولمزهم، والأغاني والدوبيت؛ وحتى نكاية الصحف والناس .. وأصبح لقبي (الشريف الهارب) ، فما أجمله وألذه من نداء .

استمرت اللعبة بيني وبين الحكومة ، بكل قوات جيشها وشرطتها وسجونها وأمنها ، وكل خبرات حلفائها المحليين والعالميين . وكانت حديث مختلف طبقات الشعب السوداني ومتابعته ؛ وعجزت الحكـومة مع كل هذه الإمكانات، في أن تضع يدها على رجل واحد لا حول له ولا قوة. وفي الوهلة الأولى جندت الحكومة كل طاقاتها ، كأنما تقول إن (الشريف الهارب) ، إذا لم يقبض عليه ، فلن يكون للنظام استقرار ولا راحة ؛ فلم تنم ولم تتركني أنام .

وكان هذا هو الشيء الوحيد ، الذي صدق فيه حدسها وصح استنتاجها ، ولمدة تسع سنوات ؛ فلو كانت قد ألقت يدها على ، لاستراحت في كثير من الذي حدث ؛ ولعلها تحاول الآن ولكن بوسائل أخرى . وكلنا يعرف الآخر، وكلنا يقظ وفطن . ويساورني مرات كثيرة ، الشك فيما أقوله ، فيما غير هزيمة السلطة ، في معركة حرِّيَّتى الشخصية ؛ فقد كانت الرؤية المستقبلية كلها ، ركاما من الظلمات بعضها فوق بعض ؛ ولم يكن هناك وقت لتخطيط واضح ، في كيفية مصارعة النظام وإسقاطه ... وفي بعض المرات، كنت أسائل نفسي .. ولماذا ؟

وبالنسبة إليَّ شخصيا ، ألم أكن مطاردا مثل هذه المطاردة طوال أربع وعشرين ساعة ؟ لقد كنت وزيرا ، فهل كانت لي سلطة الوزير ، وهيبة الوزير ، وراحة الوزير ، وأكل الوزير ، ومسكن الوزير ، وملبس الوزير ؟ ألم أكن أكثر الناس إجهادا ، وأقلهم تغذية ، وأتعسهم نوما ؟ وألم أكن مطاردا بمثل هذا العدد من المواطنين ، في المنزل والمكتب وحتى الطريق ؟ حتى اضطررت لمواصلة العمل الوزاري ، بعد العاشرة مساء ، وحتى تباشير الفجر؟ وكم مرة سقطت ؟ ويومها فحصني الطبيب .. ثم فحص بدقة أكثر، ثم ابتسم وقال- ورنة صوته يغالبها التهَكّم المكبوت: " إنه سـوء تغذية ؛ إنه جائع " ..

ولعلى أول وزير في تاريخ الحكم والحكام ، كان مرضه أنه جائع . ويومها ، " اعتقلني " الرئيس الأزهري في القصر الجمهوري ، وأمر بمواصلة تغذيتي ؛ وكان يرد على المستفسرين المشفقين بلهجته الواقعية الحانية : " إن الشريف ليس مريضا .. إنه جائع " ؛ ثم يردف ذلك بضحكته التي تبعث السرور وتشيعه على الحضور .

وفي مساء يوم ما، حضر إليَّ ( م ) ، وكان أحد ملازمي الإمام الهادي المقربين ، موضع السر ومحل الثقة ؛ وهمس في أذني : " يقول لك الإمام ، إذا بللت رأسك للحلاقة ، فاحْـلِقه عندي في الجزيرة (أبا) .

كانت صلتي بالإمام الهادي قوية وثابتة ، لم يؤثر عليها مرور عشرات السنين ؛ ولا عبور العديد من المشاكل ؛ ولا اختلاف الانتماءات السياسية . وكان تقديري لصفاته الخلقية ، ولدينه ووطنيته واستقامته وأمانته ووفائه ، وليدة التجربة المستمرة والمعايشة الدائمة ، منذ أن كنا أطفالا ؛ وكان يكبرني ببضع سنوات .. ولم تكن وليدة الاسم ولا اللقب ولا الأسرة ؛ بل هي ثمرة التجربة الطويلة المتواصلة والاختبار اليومي ، في صِغار الأمور وفي كِبارها .. خلق بيننا ثقة متبادلة ومحبة متواصلة .

وكنت أعرف أنه المتدين ليس بالوراثة ، والأمين ليس بالأسرَة ، والوفيَّ بغير اللقب ، والشجاع لا بالولادة ؛ بل بالمعدن والأصل والطبع والخلق . وكنت أعيش مشاكله وآلامه ، وآماله ومثله وقيمه كما لم يعشها ؛ ولم يعرفها أقرب الناس إليه من أفراد أسرته . وأستطيع أن أؤكد بالأمس واليوم وغداً ، أنه منذ الإمام المهدي وإلى اليوم ، لم تلتحم جماهير الأنصار بشخص ، أيقظ فيها نفس الشحنة الدينية التي صنعت (المهدية) ، ولم يعاشر الأنصار من يقاربه تدينا والتحاما بهم ، واقترابا بمشاعرهم مثله ؛ وليس بذلك غرابة .. فقد كان تدينه الفطري ، واستقامته الغريزية ، وامتزاجه بالبسطاء الطيبين - رهبان الليل وفرسان النهار- المتهجدين آن السحر ، والمتواجدين لدى "راتب الفجر" ، التاركين متاع الدنيا ، وملذاتها وصغائرها وراءهم ، والمستقبلين رضاء الله ؛ الساهرين في سبيل مرضاته ، الخبيرين بلقائه ، والمستبشرين برضائه ؛ والباذلين النفس والنفيس في نصرة دينه . كان هؤلاء هم أحب البشر إليه ، مما جعله مثلا لفرسان عصور الإسلام الزاهرة، وبقية السلف الصالح، الذي انقرض منذ عهود غابرة .

وكنت مستودَعا لأدق أسراره ، وشريكا أصيلا وفيَّاً له في مساره ؛ ولذلك .. فلم استغرب رسالته ، بل أسرعت لتلبيتها لأقف بجانبه ؛ وحتى لأموت دونه أو معه ، وبلادنا تمتَحَن في دينها وكرامتها واستقلالها ؛ فأنا أعرف مشاعره وتصرفاته ، ومواجهته لمثل هذه الامتحانات القومية المصـيرية ..

وسرَحت بعيدا بفكري ، والسيارة تلتهم الطريق المليء بالحواجز والحراسات ؛ سرَحت بعيدا سنينا طويلة ؛ ومر أمامي شريط التاريخ يطوي السنين القهقرى ؛ تذكرت الإمام المهدي وهجرته في (قدير) …

وتذكرت جدي الشريف محمد الأمين الهندي ، وهو يعلم أبناء المسلمين القرآن في الرهد ؛ وقد شارف سِنّه المائة عام ؛ وتذكرت وضعه الاجتماعي يومها ، إذ كان والدي يذكِّرني بذلك كلما رآني مزهوَّاً بردائي الأفرنجي ، وأنا قادم في العطلة من كلية فيكتوريا بالإسكندرية ، قائلا :

" من أنت؟ ومن الذي تعتقد أنك وارثه.. جاها أو مالا ؟ ألا تعلم أن جدك كان يغالط من معه ، أهــذا قرش أو(تعريفة) طـوال اليوم؟ وهو لا يعلم الفــرق بينهما؛ أتعتقد أنك حـفيد الأغنياء، أو وارثا لأهل طريـقة صــوفية؟ ماأنتم إلا حفــدة فقـراء.. كل مجدهم هو تعليم القرآن، وإشعال ناره" ... في(مرنات) - بجوار شلال السبلوقة ؛ إلى (نوارة) بالدندر وإلى الرهــد ... " وكل مالديكم.. ولدى الله والناس، هو تعليم القرآن"! ثم يصمت وعلى وجهه الصبوح الأشيب، يتلون الأسى بالغضب ويردف: " كل مخلوق يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أوينصرانه ". وكنت قبل أن أذهب لكلية فيكتوريا، قد حفظت القرآن تلاوة وتجويدا .

وكان واجبي أن أقعد على ركبتيَّ وأرتِّله له كل فجر؛ ولم أكن قد تجاوزت التاسعة وقتها ؛ وكان والدي أتعس الناس عندما ذهبت للتعليم المدني ، ولكنه فعل ذلك مرضاة لخالي الذي كان يعِزّه ، وللإمام عبد الرحمن المهدي ، وهو يقول تأسيا بقول الرسول (ص) : " فليفعلوا ما أرادوا ، فإنهم أهل بدر" .

وذهبت مع ابنه الإمام الهادي ؛ وتولَّى (عطر الله ثراه ، وجعل قبره روضة من رياض الجنة) رعايتي والانفاق على تعليمي ؛ وكنت أحد أبنائه ، أحضر اجتماعات الأسرة ؛ وكان يضع يده على رأسي …

ويقول : " الله يبارك لك في ذكائك يا حسين " ..

وكنت صريحا معه على صِغَر سِنِّي؛

فكنت أسأله : " هل هناك ذكاء مبارك، وآخر غير مبارك؟"؛ وكان يطرق …

ويقول : " نعم " !

وهكذا أمضيت طفولتي وصدر شبابي ، قريبا منه .. أكثر من أغلب أبنائه ؛ وكاد يزوِّجني لولا حدوث مشاكل ، أسرية وشللية من بعض الأقارب ؛ هي التي أخَّرَت زواجي ثلاثين سنة ؛ وأنا على قَسَم .. ألا أتزوج مدى الحياة . وترتَّب على ذلك مشاكل عاطفية ، لا تزال آثارها محل المعاناة ، ولا داعي لسرد تفاصيلها ؛ ولنرجع إلى التاريخ القديم .

وحمل جدي جرابه وجسده لا يكاد يحمله ، وبقي مع الإمام المهدي شهورا في الهجرة ؛ وعندما حان وقت الهجوم على (الأبيض) ، تزود ببضع كسرات من العيش المحروق ، وتقدم مع الإمام المـهدي ؛ وحاول الإمام المهدي أن يثنيه ويرجعه ، ولكنه - ورجلاه لا تحملانه - كان يقابل ذلك بالرفض والإصرار عليه ؛ حتى قال له الإمام المهدي : " أنا لا أستطيع أن أتركك ، ولكن سرعتنا هذه تعطل زحف الجيش ، وقد يستفيد منها الأعداء أرجوك أن ترجع وأجرك هو أجر المجاهد ، وأن تسأل لنا الله النصر؛ فبيدك اسم الله الأعظم ، وسر السلاح " .. وهنا فقط ، رجع جدي والحسرة والألم يقطعان نياط قلبه ؛ ولم تمض أيام حتى لبى نداء ربه .

وتذكرت عمي الشريف على، مهاجما لسنار حتى فتحت – وهي آخر قلعة من قلاع الاستعمار – واستشهد هناك، وقبره لا يزال في قرية (الشريف) .. بجوار (الخزان) ؛ وجاء دور أبي وكان في الخامسة عشرة؛ وقاد جيشــا للرباط في (المتمة) - على الحدود الشرقية للسودان - وظل يقاتل سنينا حتى استولى (كتشنر) على أم درمان . ثم رجع وهو يقاتل (الشفتة) وقاطعي الطريق ؛ حتى استقر في شرق النيل وغربه : في قرية (الربوة) . ثم استمر في الدعوة وتجميع الناس ، حتى اعتقل في قرية (ودالعباس) ؛ وحمل بالباخرة إلى سجن (كوبر) ، حيث بقي عدة سنوات . ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية بعدها في الخرطوم ، ثم في (بُرِّي) من ضواحي الخرطوم ، غرب النيل - وظل فيها متفرغا للدعوة ، ولم يُسمح له بالرجوع إلى موطنه حتى مات .

وكتبت شلة من علماء ذلك الزمن ، عريضة وقَّعوا عليها .. مطالبين بإعدامه ، على أساس أنه يحضِّر لإحياء " الفتنة "؛ ولم يوقع على العريضة إلا (الشيخ ود البدوي) من أربعين عالما . وكان (سلاطين) وقتها ، مفتشا عاما ونائبا عن (ونجت) – الحاكم العام الذي كان غائبا – وجرت بينه وبين والدي المقابلة الطريفة الآتية، عندما أحضِر والدي له .. وهو مكبل بالأغلال :

" أتريد أن تصير مهديا يا ود الهندي ، ولم تكن إلا أميرا صغير السن والمقام ؟ " . وردَّ والدي عليه : " إن الله على كل شيء قدير يا شويطين ! فلقد كنت مؤذنا لنا وأصبحت الآن مفتشا عامـا وكنت مسلما فكفرت بأنعم الله ! وسيذيقك الله لباس الجوع والخوف " .

وكان (سلاطين) - الذي هرب ودبر حملة استرجاع السودان ورجع معها - على وشك تنفيذ حكم الإعدام ؛ وجاء (ونجت) فخشي من آثاره .. فبدله إلى السجن . وظل والدي وصلاته بالإنجليز تحيطها الشكوك ومظاهر العداء . وقطع أسلاك التليفون- التي كانت تربطه بهم . وظل يجمع الصافنات من الجياد ، وسيوف المعارك الشهيرة ؛ ويكتب تاريخ السودان . ولم يدعَ إلا مرة واحدة لحفل (التشريفة) ، الذي كان يقام في المساء ؛ وحان - وقتها - ميعاد صلاة المغرب ؛ فخرج من منضدة الحفل وأذَّن لصلاة المغرب ؛ وانفرط عقد المدعوين أثناء تلاوة الحاكم العام لخطابه ، وأمهم للصلاة . ومن يومها شطب من كشف المدعوين للتشريفة .

وكنت أقضي أيام العطلة ، وأنا أقرأ له الكتب طوال اليوم .. في مكتبته (العربية الإسلامية) الضخمة ؛ إذ كانت عيناه قد ضعـفتا . وأكتب له ما يُملي عليَّ من التاريخ ؛ إذ كانت أصبعاه قد تقرَّحتا ، حتى كان يربطهما بالشاش؛ وعاش بجسده بيننا ، في سرير خشبي لا كساء له ؛ وروحه تهيم وتعيش في الدعوة الإسلامية وفي دولتها ؛ وهو يردد أناشيدها ، ويجمع أدبها وروائع معاركها؛ حتى رأى قبسا من نور في دعوة مؤتمر الخريجين ؛ فأهداهم منزله الذي أصبح نادياً لهم ، وولدت فيه دعوة المؤتمر، ويوم السودان ، ويوم التعليم ، والمذكرة التاريخية التي رفعها المؤتمرون للسكرتير الإداري ، وحزب الأشقاء ... ونادي الخريجين الذي كان ولا يزال : (شيخ الأندية) .

لابد أني سرحت طويلا ؛ ولكن للحق وللتاريخ ، فقد كنت سارحا طوال رحلتي ، للدرجة التي لم أعِر فيها إنتباها طويلا ، لتبادل متعدد لإطلاق النار بين زملائي ، وبين بعض حراس الحواجز. لقد شدَّني التاريخ حتى أصمَّ أذنَيَّ عن سماع أزيز الرصاص ؛ وحتى أزال مني مظاهر الخوف من الخطر؛ وشعرت أن رحلتي هذه .. فيها تشابه كبير لماضي تاريخ بلادنا ؛ تمر بنفس الظروف التي كانت تمر بها قبل اندلاع الثورة المهدية .. حكم الاستعمار الثنائي أو المثلث ؛ ما كنت أتصوره وأجزم بحدوثه : من جوع ومن قهر اقتصادي وحكم بوليسي ؛ ما كنت أعلمه: من تدهور أخلاقي لا محـالة حادث - مثل زواج الرجل بالرجل في (الأبيض) - ما كنت أحس به : من ضرورة تجمع كل القوى للدفاع عن مقدسات وطننا وكياناته ؛ وعن حقوق الإنسـان فيه ؛ ما أشبه من أن تصبح هكذا على مر العصور؛ إرثا لكل السودانيين وليس عقارا لأسرة ، ولا ضياعا لطائفة . وما كان أكبرها وأعظمها لو ظلت كذلك !! ولو لم يشوهها المعتدون لقيادتها ، فيجعلون منها معسكرات للمليشيات ، ترجع ثمنا للمساومة ، وتبقى سلاحا للتمديد ، انتظارا لمساومة قادمة أخرى .

ما أعمق الجرح الذي يوغر صدورنا ، والذي لن يندمل أبدا .. ونحن نرى اليوم البيانات الكاذبة توزع ؛ مدعية زورا وبهتانا أننا نشتم الأنصار ونحقِّرهم !! نحن الذين نعرف روابط الكفاح ، في التاريخ القديم والحديث ؛ نحن وقود الثورة الأولى والثانية ؛ نحن الذين ربط بيننا الإمام المهدي ، وهو يقود ثورة قومية ووطنية ضد الاستعمار؛ ثم ربط بيننا أخيرا إمام آخر .. هو صورة وأصل من الإمام الأول ، في دفاعه عن الدين والوطن ؛ ثم هو أخيرا لا آخرا ، يعرف أقدار الرجال ؛ ويمنعه دينه ، وتعصـمه وطنيته ، من الارتماء في أحضان الاستعمار، قديما كان أو جديدا ؛ ثم هو يجمع ولا يفرق ، ويقرب ولا يبعد ، ويوطد ولا يبدد . ثم هو واضح وضوح الشمس ماض مضاء السيف ، يمنعه خلقه ودينه من اتباع أسلوب الهمس في الغرف المغلقة ، والحسابات النقدية للربح والخسارة ، والجري وراء الطموح المجنون للسلطة ، في أمور تخص وطنه - كل وطنه ومواطنيه ، جميع مواطنيه . ولا يقبل لنفسه ولا تاريخه ، أن يضع شخصه وأطماعه وطموحاته في كفة ، وفي الكفة الأخرى مستقبل وطنه ، ومقوماته واستقلاله وكرامة مواطنيه .

هل يمكن أن توكل لرجل مثل هذا ، مقدسات الخلاص الوطني صلحا أم حربا ؟ أو تترك له مقدرات شعب ، ومستقبله وأجياله الحالية والمقبلة ، حتى يقيسها على نفسه ، مثلما يقيس أي شخص ملابسه وأحذيته ؟ وهل الرجال الذين صنعوا الثورات من أسلافه ، كانوا بهذا الخلق ؟ وهل كانوا سينجحون في هذه الثورات وفي قيادة الرجال ؟ لو كانت منطلقاتهم شخصية وأنانية ومصلحية وحسابية ؟

وجذبني أحد الزملاء من ورائي، واسترجعني من غياهب التاريخ ومجاليه : الزاهية الرائعة .. مرة واحدة .. قفزا فوق الحقب ؛ إلى واقع الحاضر بكل مجابهاته وتحدياته . وكنا في مدخل الجزيرة (أبا) ، واستوقفنا الحاجز الأول . ليس هناك فرق بين الحواجز ، ولكن الأولى كانت تموج بالرداء العسكري ، وتفوح منها روائح التسلط والقهر ؛ وعلى وجوه رجالها معالم الاحتقار للناس ، ونوازع تخويفهم وإذلالهم . أما هذا الحاجز فوراءه رجال على وجوههم صرامة الحق وسماحة الدين ، ورداؤهم مدني .

وتوالت الحواجز وتجاوزناها؛ ودخلنا منازل الضيافة .. وكانت تموج بكل مطارد بلا جريرة، مطلوب بلا جريمة ، هارب بدينه ووطنيته إلى البقعة الوحيدة في السودان ، التي كان فيها المواطن السوداني يتمتع بحريته ، ويطوف على الجميع وهو آمن .. يحملون الأكل والشرب والأمن والحماية .

لو لم يكن للجزيرة (أبا) دور في التاريخ ، غير أنها كانت مأوى لكل مواطن شريف ، لا جريرة له إلا أنه ليس من المجرمين، ولا من مرتادي السجون؛ ومع ذلك فهو لا يحس بالأمن إلا إذا دخل الجزيرة(أبا)، وقابله أهلها مرحبين:" أدخلوها بسلام آمين " ؛ ومن دخل الجزيرة (أبا) ، فهو آمـن .. لكفاها هذا الدور في التاريخ - التاريخ الذي أظلت فيه أحرار الرجال وأعراضهم وعقائدهم ؛ وأحاطتهم بحماية من دماء أبنائها من الأنصار .

ونار الضيافة لا تنطفئ فيها ليل نهار ؛ ويقوم بالخدمة فيها على كل من احتمى ، آلاف الرجال والنساء ؛ ويخرج من منازلها عشرات الآلاف من أواني الأكل والشرب ملأى ؛ وتفرش فيها آلاف الأسِرَّة ؛ وتجد فيها وحدها - دون كل أرض السودان - بشاشة السودانيين وأخلاق السودانيين؛ ودينهم وكرمهم وإيثارهم على أنفسهم، ولو كانت بهم خصاصة .

سوف يسجل التاريخ أنه لقرابة عام كامل ، كانت الجزيرة (أبا) هي السودان .. كما نعرفه ونحبه وننتمي إليه؛ وبقي كل السودان غريبا عنا .. الأحرار فيه هم السجناء ، والمجرمون فيه هم الطلقاء ؛ ليس فيه مكان لأبنائه المخلصين البررة ؛ وأصبح البقاء فيه احتواءا جغرافياً ، وليس انتماءا وجدانياً وعاطفياً . وبقيت الجزيرة (أبا) .. إمامها البطل .. أنصارها المخلصون البواسل .. نساؤها ، أطفالها ، شيبها ، شبابها .. هم كل السودان ، وكل ما يمثل أهل السودان ، من نبل وكرم وشهامة وحماية .

بقيت هكذا .. ولجأ إليها واحتمى بها كل مقهور؛ فلم يسئ إليه أحد ؛ ولم يعبس في وجهه أحد ؛ ولم يبت فيها أحد على الطوى ؛ ولم تمتد إليه يد السلطة الغاشمة المستبدة . بقيت هكذا حتى تجمعت ضدها كل قوى الشر والعدوان ، ودافع أهلها عنها دفاع الأبطال . وأساطير شجاعتها مشاعل للتاريخ ؛ كافحت العدوان في البحر والجو والبر؛ ومن قوَى تفوقها عدداً أضعافا مضاعفة ؛ ومن عدة دول لا دولة واحدة .

وسأكتب في مذكراتي ، عن معركة (الجزيرة أبا) ؛ ويومها سيتضح لكل من يعلم : أنها إحدى ملاحم الصمود والشجاعة التي قَلَّ أن يسجل التاريخ مثلها. والذي أريد أن أسجله هنا .. أنه يوم فتحت الجزيرة (أبا) ، لم تســقط هي ؛ بل سقط كل السودان .. بتاريخه ودينه وخلقه وقيمه ؛ فلقد ظلت هي السودان مكبراً ومصغراً ، صامدة عاماً كاملاً ؛ في داخلها السودان كله : المؤمن الوطني المسلم ؛ وفي خارجها جسم غريب لا ينتمي للســودان ، ولا لأهـله ، ولا لكل ما يمثلون من أخلاقيات بشيء .

توقفت في الخارج مدة من الزمن ، أتأمل في اللاجئين من النظام ، من مختلف الاتجاهات ؛ وأتأمل في الحركة الدائبة لخدمتهم . وفي هذه اللحظة وصل السيد/ الإمام الهادي ، إلى الجانب في دار الضيافة ، الذي كنت أجلس فيه . تقدم إلى كعادته يطأ الثرى متمهلا ، والبِشر والبشاشة ينضحان من وجهه ، الذي يتألق بنور من الهدى والتقوى ؛ والابتسامة المخلصة الوضاءة الوقورة ، تسابق يده الممدودة في مودة لمعانقتي .

كان هادئا وعاديا على غير ما يقتضي الموقف ؛ وكنت أتوقع ذلك منه ، فلقد شاهدته وشاركته ، في مواقف عديدة عصيبة وشائكة ، مثل هذه من قبل ؛ ولكن كان هناك شيء جديد في عينيه ؛ فيهما عمق وإصرار أكثر مما كانا يمتلئان به، في مواقف مشابهة مستعصية .. وأدركت لتوِّي مدى اهتمامه بالموقف وقياسه له، ولم ينتظر. فكما قيل ، فليـس هناك أمور تشرح أو تحلل .. كنت قد شرحت له الموقف في الخرطوم ، ومحاولاتي لمنع الانقلاب . كان مهتما ويساعد مجهوداتي لثقته المطلقة فيَّ ، وكنت قد حددَّت له هوية الانقلاب قبل أن يحدث ؛ ولذلك فلم يضع وقتا في الحديث والتفت إلى قائلا :

" إنني لا أعتبر نفسي مسلما ، إذا عشتُ وارتضـيتُ حكما ملحدا؛ وكــذلك لن أعــايش حكما غـير ديمـوقراطي ؛ ولن أقبل حكما عسكريا " .

وكان واضحا أن اهتمامه بالناحية الدينية أكبر؛ ولم يكن هذا جديدا على وليس غريبا عليه ؛ ولم نتناقش طويلا ، إذ كانت وجهات نظرنا متطابقة؛ ونظر إلى يسأل سؤال من يعرف الجواب، وقد حدده سلفا: " ليس هذا مثل حكم عبود ؛ وسنضطر للدخول في مواجهة مسلحة " . قلتها والألم يعصر قلبي ؛ وقال :

" لقد توقعت هذا الرد وليس لي رأي غيره ؛ ونحن ملزَمون شرعا ومضطرون وطنيا " ..

والتفت إلى وقد زاد ذلك البريق في عينيه اشتعالا :

" إن هذا موقف يحتاج لأمور لن يسـتطيع غيرك القيام بها وأنا لا أقصد طلبا في كلامي هذا ؛ فأنا واثق أن هذه قناعتك " .

ثم تكلمنا عن وجوب وجود تنظيم جبهوي لمواجهة الموقف ؛ واتفقنا على ذلك ، وأضاف : " إن هذه عادة قد استنها الأئمة في أزمات قومية ، ولذلك فأنا موافق على ذلك " .

وكان بالجزيرة أبا وقتها الأخ الكاروري ، ولم أكن قد قابلته ؛ وفي نفس اليوم ، وبعد ثلاث ساعات من وصولي للجزيرة (أبا) ، أعلن ميـلاد (الجبهة الوطنية) من أحزاب : الأمة ، الاتحادي ، الأخوان ؛ ووقعها السيد الإمام والأخ الكاروري وشخصي .. وهؤلاء هم المؤسسون.

ولقد سمعنا أخيرا عن محاولات لحلها من غير المؤسسين ، وكان أول بند في اتفاقها هو : إزالة النظام الحاضر بكل السبل والوسائل . ولم يكن يدور بخلدنا يومها ، أن إحدى هذه الوسائل ، يكون مقاعد الاتحاد الاشتراكي ، في اللجنة المركزية والمكتب السياسي؛ أو التعيين في مجلس الشعب، أو حتى رئاسـة الوزارة ، أو الاتحاد الاشتراكي ، أو أية وزارة .

ورفض الإمام أن أعود لدار الضيافة بالخارج ؛ ثم أخلى منزل زوجته الكبرى ، وكان يتوسط منازل زوجتيه الأخريين ، وقال الأنصار: أن ضيفا ما – حتى من أشقائه – لم ينزل هنا . كنت أسكن داخل منازل العائلة ، وكان لا يتناول وجبة إلا معي ؛ وكنت أستيقظ مع ترتيل الراتب من الفكي عبد الله ؛ ثم يؤم الناس هو لصلاة الصبح ؛ وليس في الجزيرة أبا نشاط ، غير الصلاة وتلاوة القرآن ، والراتب ودروس (النصيحة) ؛ ولم أر بلدا يرتل فيها اسم الله كل ثانية مثلها؛ ولم أر رجالا كرَّسوا أنفسهم للعبادة مثل سكانها ولم أر مدينة ليس فيها محل للرذيلة غيرها . والأمن فيها مستتب ، وليس فيها أي حادث سرقة ؛ مع عدم وجود أي مركز شرطة ؛ أو حتى أي أثر لخفير فيها .

كان الدين والخلق والقرآن والصلاة، هي القانون والحارس ضد الرذيلة، والعاصم من السرقة . ولو عاش أفلاطون ، لرأى بعينيه المجتمع الفاضـل الذي عناه .. ولم يجد من يؤسسه على الهدى والتقوى والطهارة ، ويحكمه بلا قانون ولا بوليس ، بل أخلاقيات القرآن والسنة .

وقال الإمام في صلاة الجمعة ، لمائة ألف من أنصاره حضروها: " لو جئتم كلكم لحمايتي، فإن الله يرعاني .. أما ضيفي" - وأشار للمنزل الذي أقطنه ، وهو منزل زوجته الأولى ، ووالدة نجله الأكبر؛ وكان الجميع يعلمون أنني أعيش فيه – "فإنني لن أسمح لأحد بحمايته .. بل سأحميه بنفسي" ؛ وأخرج ذراعه ولوح بها ؛ ولم تكن هذه إحدى عاداته ؛ وأكرمني أكرمه الله .

وكان ينام حول منزلي كل ليلة مئتان من أنصاره ؛ وكان إذا اضطرته الظروف – وهي نادرة – ألاَّ يشاركني الطعام ، يصر على رؤية الطعام ، قبل أن يقدَّم إلى ؛ ويضيف إليه أصنافا ويحذف أصنافا أخرى ؛ ثم يأمر بألاَّ يمسه أحد بعد فراغي منه إلا بعد حضوره ؛ فكان يكشفه ويتفقده ثم يناقشني في أكلي ذلك اليوم ؛ وفي الألوان التي أرغب فيها والتي لا أرغب . وكان يمضي كل يومه معي ، ويعقد اجتماعاته في منزلتي ؛ ولا يفارقني إلا لدى النوم . وخصص نصف من يخدمونه لملازمتي وخدمتي بصفة دائمة ؛ ولم أكرَم طوال حياتي ؛ ولم يهتم أحد بتفاصيل حياتي مثلما فعل . وكان يفعل ذلك كله بنفس راضية وإقبال رَضِي ؛ وكانت المشكلة الكبرى بالنسبة لي هي الدخان (السجائر) . فليس هناك في الجزيرة من يدخنه ، وليس هناك من يبيعه . وجمع رهطا من كبار الأنصار وقال لهم : " ليس في الجزيرة من يبيع الدخان أو يستعمله ؟ إن الشريف يدخن وأنا موافق على ذلك " .

وكان هذا أول تصريح من نوعه يصدر في الجزيرة ، منذ ميلادها وإلى أن غادرتها . ولم يكن له من شغل آخر غير التشاور معي ؛ وغير الاهتمام بالضـيوف الذين بلغوا عشـرات الآلآف .. ومنهم اللاجئون من البطش ، والهاربون من الظلم .. فكان يطوف بنفسه على محال صنع الطعام ؛ ويتفقد من يأكل ومن لا يأكل . ولم يحدث في تاريـخ اللجوء في العالم ، أن عومل لاجئون مثلما عوملوا في الجزيرة (أبا) ؛ ولقد أكبرت الأخ الكاروري عندما استمعت إليه في المذياع ، يقول في الاستجواب للسلطة : " لقد جئنا نحتمي عنده من البطش ؛ فآوانا .. وكان رجلا عظيما وشجاعا " . وأكبَرت الكاروري ، وكنت أكبره ؛ وتحجَّرت في عيوني دموع كالجبال .. لم ترد أن تجف ، ولم يرد لها أن تنهمر.

ومع هذا .. فقد كان هناك الخفافيش الذين ظهروا هذه الأيام – ومنهم من تجرأ وجاء يحتج على وجودي في الجزيرة – فانتهرهم وطردهم . وهناك المحامي ، الصديق المشهور الذي أرسل خطابا لأحد أصدقائه في الجزيرة ، وختمه بقوله : " أُبلِّغ سلامي لكل من في الجزيرة .. ماعدا الشريف " . ووقع الخطاب في يد الإمام فأطلعني عليه ، وهو ينفجر غضبا ؛ ثم مزقه إربا ووضع قدمه على نفاياه .

إن معركة الجزيرة (أبا) الحربية ، وغزوها بكل أنواع الأسلحة الحديثة ، والدول التي تحالفت عليها ، وشهداؤها الذين قابلوا الرصاص بالسلاح الأبيض ، وصدورهم مفتوحة للموت ، والذين دفنوا أحياء وهم يحملون القرآن في قلوبهم ، وفي أيديهم وفي ألسنتهم ... لها باب خاص في مذكراتي هذه . أما أيامي التي عشتها فيها قبل الغزو ، فهي أيام خوالد في تاريخي ، وفي تاريخ الرجولة وأخلاق العروبة ، ليس لها مثيل ....


http://mash-had.org/To_My_Country_An...y_Alhaareb.htm

فيصل سعد 15-02-2008 08:40 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول سبحانه وتعالى:

" مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا "

(الأحزاب/23)


المناضل الشهيد/ الشريف الحسين يوسف الهندي
(1924- 1982)

[align=center] http://www.l44l.com/up/uploads/5dc790d22f.jpg[/align]

قال صلى الله عليه وسلّم في الحديث القدسي:

"أَنِ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام فَيُنَادِي "فِي السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ
قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ" قَالَ فَيُحِبُّونَه،ُ قَالَ ثُمَّ يَضَعُ اللَّهُ لَهُ الْقَبُولَ فِي الْأَرْضِ"
- رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد.


نسبه و نشأته

هو الشريف الحسين ابن العارف بالله الشريف يوسف الهندي بن قطب القرآن الشريف محمد الأمين "ود الهندي" ينتمي نسبهم إلى الرسول الكريم (). ولد في حي بري الشريف من قرية بري اللاماب عام 1924م.. نشأ وترعرع بها في بيت عادي من بيوت الطين ، ككل المساكن التي نشأ فيها إخوانه.. (ولم يكن يميّز بيت والده الشريف يوسف عن بيوت غيره إلا " سراياه " ، وهي دواوين ضيافة وليست لسكنى أسره الخاصة).. ومن ثمّ عاش طفولته وصباه وشبابه كما يعيش إخوانه والعاديون من الناس؛ كما زملاؤهم في الخلوة بلا تميّيز في العيش او الملبس.. برغم أن والدهم كان من زعماء السودان الدينيين الثلاثة الكبار؛ وكان ذا سعة ويسر..

بدأ الحسين دراسته في خلوة أبيه ببري وعندما أتم حفظ القرآن في العاشرة من عمره أخذه جدّه لأمه محمد أحمد خير المعروف ب "ود خير"، وألحقه بالمدرسة الأولية بمدينة سنجة، ثم ساقه خاله أحمد خير المحامي إلى المدرسة الأولية بود مدني. وبعده تم قبوله بمدرسة ودمدني الأميرية الوسطى عام 1935م؛ ثم تدّرج بقفزات كبيرة مرحلة بعد مرحلة حتى الصف الرابع؛.. كثيرا ما فات فيها اقرانه وزملاء دراسته، متعديا الكل بسنة كاملة. وقبل أن يكمل عامه الدراسي سافر لتلقي دراسته الثانوية بكلية فيكتوريا بالإسكندرية. وعندما رجع إلى السودان في الإجازة المدرسية؛ ورآه أبوه مزهوا بزيه الإفرنجي أراد منعه من العودة إلى مصر، فتدخّل خاله أحمد خير والإمام عبدالرحمن المهدي (صديق الشريف يوسف الهندي المقرّب.. وكانا يتبادلا الهدايا) والذي طلب منه أن يسمح له بمعاملة الحسين كأحد أبنائه وأن تكون نفقات دراسته عليه، فأقنعا الشريف يوسف الهندي، الذي قال عند ذلك قول الرسول (ص): "فليفعلوا ما أرادوا.. فإنهم أهل بدر".

وكان الشريف حسين أقرب إلى نفس الإمام عبدالرحمن المهدي من أغلب أبنائه.. مما جاء على لسان او قلم الحسين في مذكراته بعنوان: "لوطني وللتاريخ". فواصل الشريف تعليمه بكلية فيكتوريا بمصر وكانت قد توثقت علاقة أخوية قوية ربطته بالإمام الهادي المهدي الذي سبقه إليها بعدة سنوات. وشاء الله أن تقوم الحرب العالمية الثانية وهو هناك في مصر؛ فعاد إلى السودان ليتمّ دراسته بكلية غردون (جامعة الخرطوم فيما بعد).

ومنذ صباه الباكر.. كانت للشريف الحسين أخلاق إنسانية اكثر من رائعة وحميدة وصفات شخصية جميلة راقية على عفة من القلب واليد واللسان اقل ما توصف به أنها غير عادية؛ إن لم تكن فريدة في ذلك، قل لها النظير.



أعماله الخاصة.. تجارية ومشاريع زراعية

فكّر الشريف حسين في بداية شغله في العمل التجاري؛ بتكوين شركة لما وراء البحار؛ وشاركه فيها آخرون.. لكنه ما لبث أن انسحب منها؛ وتفرغ للعمل الزراعي.. الذي بدأه بجنينة (مزرعة) واسعة ورثها مع اثنين من اشقائه؛ عن ابيهم.. (شمال غرب سوق حلة كوكو شرق النيل الأزرق مقابلةً لحديقة والدهم غرب النيل ببري- يقطن بها الآن شقيقه زين العابدين الهندي). وكان يزرع أيضا في جنائنهم بسوبا شرق؛ ثم أقام مشروعا للقطن (في قرية "أم أرضة" بالنيل الأبيض)؛ وآخر بالتمانيات (قرية بالقرب من قرية الكباشي شمال الخرطوم).. كما لهم حوّاشات (حقول زراعية) في الجزيرة، تركها عندما اصطدم بمسؤولين إنجليز في إدارة مشروع الجزيرة الزراعي.. والتفت للزراعة المطريّة الآليّة بمدينة القضارف شرقي السودان.


اهتماماته الشخصية.. أدبية وسياسة وصحفية

عند بداية سفره للخارج أقام الشريف بفندق الكونتنتال في مصر، وكانت اهتماماته الأدبية يومها طاغية على السياسية؛ يقرأ كثيرا، وعرف بسرعة القراءة. ووطد علاقته مع كبار الأدباء المصريين؛ يحضر ندوة العقاد بانتظام؛ ومجالس طه حسين وحديث الأربعاء.

وتزامن وجوده في القاهرة مع وفد السودان للمفاوضات السياسية: السودانية-المصرية في نصف الأربعينات من القرن المنصرم.. برئاسة السيد إسماعيل الأزهري؛ وساهم في نفقات وفد السودان.. وكان الحسين كفيلا ضامنا وولي أمر "شرفي" يقوم ايضا بالنفقات لثلاثة طلبة بكلية فيكتوريا في مصر وأهلهم بود مدني بالسودان.

نشاطه السياسي وعمله الصحفي بعد عودته من مصر

في السودان رفع الشريف منذ وقت باكر شعاره الفاصل ألاَ سياسة مع القداسة، وكان من رأيه أن الطائفية ينبغي أن تبتعد عن العمل السياسي - وعلى قادتها.. ألا يتدثّروا بالقداسة إذا أرادوا أن يخوضوا مع الآخرين غمار السياسة؛ لذا فور انفصال طائفة الختمية عن الإتحاديين، وتكوينها لحزب الشعب الديمقراطي ، بادر الحسين بالإنضمام للحزب الوطني الاتحادي.. وكتب عن الطائفية فى جريدة "العَلم" (التي كان من أميّز محرريها) مقالا بعنوان: "لا قداسة مع السياسة".. كما كان يكتب فى جريدة " النداء".

ومن خبطاته الصحفية أنّه أخرج عددا خاصا من جريدة "العلم" عن الفساد الذى حدث بوزارة الرّي فى أمتداد المناقل. وقد أحدث هذا العدد ردود فعل عنيفة فى كثير من الأوساط.. وفي 19 مايو 1958م كتب مقالا بعنوان: "دولة الإقطاع" نشره بجريدة "العلم" ايضا، جاء فيه:


"المشكلة هى مشكلة ملاّك الأراضي من المزارعين، الذين يجدون ملكياتهم الصغيرة
وقد أغرقها طوفان مشروع إقطاعي كبير، إبتلع فى جوفه عشرات الآلاف من الأفدنة،
تملكها عشرات الآلاف من الأسر الفقيرة ".

كما أنه عندما أصبح نائبا – فيما بعد - كتب سلسلة مقالات بعنوان: "خواطر نائب". وحينما أخذ سلفية من البنك مقدارها ثلاثين ألف جنيه.. وسافر لمدينة الحوش بمنطقة الجزيرة، هاجمته صحف الحكومة، وكتبت صحيفة "الأمة" مقالا بعنوان: "الشريف الهارب"، زعمت فيه أنه هرب بسلفية البنك؛ وقرأ المقال ثم كتب بجريدة "العلم" يوم 11 مايو 1958م رده الشهير اللاذع بعنوان "عودة الهارب".

إنضمامه للحزب الوطني الاتحادي (الديموقراطي فيما بعد) وأعماله

وانضم الشريف إلى الحزب الوطني الاتحادي وكان يتمتع بذاكرة قوية، يحفظ أسماء الناس بسرعة، ويتذكّر كل من يلتقيه، مهما كانت فترة اللقاء قصيرة؛ مما ساعده على معرفة لجان الحزب وجماهيره؛ وقد كسر الحواجز بينه وبينهم؛ ولذا قفز للمقدمة بسرعة؛ وتقدّم من سبقوه في الحزب. وقبل دمج الحزبين (حزبه الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي) كان يصّر على أن يتم الدّمج على أسس واضحة؛ مستفيدين من تجارب الماضي، لتفادي أخطاء الإنقسام مرة أخرى. و لعب دورا كبيرا في توحيد الحزب وتم الإتفاق على أن يكون السيد إسماعيل الأزهري رئيسا للحزب، والشيخ علي عبد الرحمن نائبا له.. بينما كان البعض يرشحون الشريف لخلافة الأزهري مستقبلا وفيما بعد.. قدّم الشريف تصوّرا عمليا للدور الذي ينبغي أن يؤدوه فى الساحة السياسية، عبر حزب مفتوح لكافة المواطنين.. وعندما أزف موعد الانتخابات، أعلن عن ترشيح نفسه فى دائرة الحوش وفق رغبة جماهيرها، وبعد الإقتراع فاز بأكثر من ضعف أصوات منافسه..

الإنتخابات ودخوله البرلمان


في عام 1957 ترشّح الشريف فى دائرة (الحوش) عن حزبه وفاز ثم أصبح عضوا بالبرلمان السوداني الثاني ، الذي سرَّحه الحكم العسكري الأول في 17 نوفمبر عام 1958م ، ورغم قِصر المدة ، فقد تكشَّفت مَـلَكاته الأدبية والشاعرية ، فبرز خطيبا ساحرا مِفوه ، ومتحدثا فذا قادرا على امتلاك مشاعر سامعيه.

فى انتخابات عام 1958م أعاد ترشيح نفسه فى دائرة الحوش ايضا عن الحزب الوطني الإتحادي واتّجه لدارفور التى كان مشرفا على الإنتخابات فيها ممثّلا لحزبه، وجاب أنحاء مديرية دارفور المختلفة، وواصل نشاطه بهمّة عالية وحماس.. وتأثّر جدا بما وقف عليه من ندرة المياه وانعدام الخدمات الاجتماعية هناك، ممّا دعاه - وبتحسر شديد - لإثارة قضية في البرلمان بشأنها.. الأمر الذي اثلج صدور اهل دارفور فأحبوه وحفظوه له فيما بعد.

اثناء عضويته البرلمانية، كلّفته كتلة المعارضة بالرد على خطاب الميزانية الذي ألقاه السيد وزير المالية.. عندها ألقى يوم 3 يونيو 1958م، خطابا ضافيا فى البرلمان إنتقد فيه الميزانية نقد خبير، حتى أشاد به المحجوب وزير الخارجية يومها، ونال استحسان قطاعات واسعة من المجتمع.. وكان ذلك قبل انقلاب الفريق عبّود بخمسة شهور ونصف.

موقفه من نظام عبود (نوفمبر 1958م إلى 1964م)

إنطوى العهد الحزبي بقيام إنقلاب الفريق إبراهيم عبود في17 نوفمبر 1958م، وعنده أعلن الإتحاديون - بقيادة الرئيس الأزهري - معارضتهم لهذا النظام، وتشكّلت خلية للعمل على مناهضة الحكم العسكري، تتكون من الشريف الحسين وآخرين.. وذات يوم قال لهم: "من المستحسن أن تتريّثوا قليلا، لأن الحكم العسكري رفع شعارات معيّنة، خاطب بها عواطف الجماهير التى ملّت صراعات الأحزاب وممارساتها، وإنكم لن تجدوا إستجابة أوآذانا صاغية فى ظل تلك الظروف، حتى يثبت للناس - عمليّا - سوء الحكم العسكري، ومن ثمّ يبدأ غضبهم وتذمّرهم، وحينها.. يمكن أن تبدأ المناهضة الحقيقية، التي تجد استجابة وتجاوبا فى الشارع"..

وهنا كان على الشريف أن يفاضل بين خيارين.. إما أن يلتزم حزبيا ويعارض - وفق قرار القيادة - بعدم تأييد الحكم العسكري، وقد يتطلب منه ذلك مصادمة النظام فى الداخل، ويوقع ذلك نفسو و/أو خاله الأستاذ أحمد خير المحامي - الذي يعامله كوالده - فى حرج.. وإما أن يعلن تأييده للحكم العسكري، ويختلف بالتالي مع حزبه وقيادته.

عليه آثر أن يقضي فترة الحكم العسكري بمصر. وأضحى فى مصر قبلة لكثير من السودانيين الضيوف من أهله وأرحامه وأصدقائه وغيرهم من طالبي المساعدة.. يأخذ المال بيمينه ويوزعه بيسراه منفقا له على الغير؛ إنفاق من لا يخشى الفقر، ويذكر أنه قال يوما لواحد من أصحابه المنتقدين له حين وصف إنفاقه ذاك بالتبذير: "نحن قوم لسنا للمال بمخازن.. ولكنا محطات".

موقفه من القومية العربية وحركات التحرر
علاقاته بالرئيس عبد الناصر.. وبالخارج


أثناء وجوده بمصر تكونت بينه وبين الرئيس عبد الناصر (رحمهما الله) علاقة قوية، تميّزت هذه العلاقة بالصداقة الشخصية وبالأخوة المؤمنة بالقومية العربية؛ وبالثقة المتبادلة والمبادئ المشتركة، في خدمة قضايا تحرير الشعوب العربية والأفريقية – على وجه الخصوص- من الاستعمار وأعوانه.. الحكام العملاء. إقرأ قصصه مع جمال عبدالناصر.. والتي منها قصة محاولته لإنقاذ لومامبا.

قضى الشريف في عقد الستينات فترة ببيروت؛ والتقى هناك بكثير من اللاجئين السياسيين (من كبار شيوخ "المحميات" المستعمرة - Protectorate Colonies - آنذاك في الخليج العربي وغيره).. الذين هاجروا من بلادهم ولجأوا إلى بيروت سياسيا، وكان يساعدهم - ماديا – ومنهم من رد له الجميل؛ وحافظوا على الود معه إلى ان رحل الى جوار ربه الرحيم. كما ساهم مع الرئيس عبد الناصر مساهمة فعالة في مساندة ودعم عدد كبير من المنتمين لحركات التحرر الوطني من نير الاستعمار، خاصة ثورة المليون شهيد الثورة الجزائرية، حتى تخلصت من الاستعمار الفرنسي البغيض.

وظلّ في ساحة النضال لإعادة الديموقراطية لبلاده ، حتى قيام ثورة أكتوبر الشعبية، التي أطاحت بالحكم العسكري الأول (نظام الفريق إبراهيم عبّود) عام 1964م. . ثم تبوَّأ للمرة الأولى وزارة الري ، ثم بعدها تولَّى وزارة المالية فالحكومات المحلية ، ومرة أخرى وزارة المالية.


دوره المحوري في مؤتمر لاءات الخرطوم أول سبتمبر 1967م

ساهم الشريف الحسين بدور إستراتيجي في قيام مؤتمر الخرطوم المشهور - ذي اللاءات الثلاث "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف".. في قضية فلسطين– وكان لِمَا قام به الأثر الكبير في نجاح المؤتمر.. إذ قام بدور رئيس وفعّال في الصلح بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز؛ الذي لولاه ربما لم يكتب النجاح للمؤتمر. راجع الحلقة الثانية عن هذا المؤتمر بقلمه في كتاب مذكراته بعنوان: "لوطني وللتاريخ"؛ الذي اعددناه الآن للطباعة والنشر.
كما سعى بعد ذلك مع جمال عبد الناصر لتعيين محمد أحمد المحجوب (رئيس وزراء السودان في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي) أمينا للجامعة العربية، ولكن الصادق المهدي حال دون ذلك. إقرأ قصة المسعى.


السياسة المالية والاقتصادية للشريف

كان الشريف يؤمن بالخدمة العامة وبالعمل الميداني فيها والذي يقتضي الإلتصاق المباشر بالجماهير.. ومنذ عام 1967م كان يسيّر وزارة المالية بطريقة مكّنته من جمع كل الخيوط بين يديه؛ ولمعرفة حل المعضلات المالية التي تعاني منها الوزارة؛ وفك الإختناقات التي يعاني منها الاقتصاد السوداني.. وفي المذكرات التي نشرها روبرت ماكنمارا (وزير الدفاع الأمريكي الأسبق عن فترة رئاسته للبنك الدولي عام 1960م إلى عام 1968م) شهادة، عبر فيها رئيس البنك الدولي عن كفاءة ومقدرة الشريف وحجته المنطقية في الحوار معه قي نقده لسياسة البنك الدولي المالية والإقتصادية.. للإنشاء والتنمية اوالتعمير..وذلك حين قال:


" خلال عملي لمدة ثمانية سنين في البنك الدولي، لم يستوقفني محافظ من محافظي

البنك (بحكم مناصبهم كوزراء للمالية) مثلما استوقفني وأدهشني شريف السودان "..

- قاصدا بذلك الشريف حسين ونقده لسياسات البنك الدولي.. المالية والاقتصادية


إقرأ ما كتبه د. مضوّي الترابي الأمين العام المساعد للتخطيط الاستراتيجي بالحزب الاتحادي الديموقراطي - عن السياسات التي تبعها الحزب في فترات الديمقراطية السابقة على أيدي شباب الحزب وعلى رأسهم الشريف حسين الهندي وقتها - في كتاب الحركة الاتحادية، الصادرعن (الأمانةالعامة) رقم 3 من وثائق مؤتمرات الحزب بالاسكندرية: الأول (سبتمبر 91 م) والثاني (ديسمبر 92 ).. كتابها بعنوان: " نحو أفق جديد للعمل الوطني.. (الفكر .. التأصيل .. التنظيم).

وتم كذلك تنفيذ مشروعات التأميم في الإصلاح الزراعي التي رفعت سيف السخرة المسلط على عنق المزارع.

إقرأ عن إنجازاته عندما كان وزيرا في تلك الفترة.

وحدث انقلاب 25 مايو 1969م .
ليلة إنقلاب مايو الشيوعي بقيادة نميري عام1969م


في طبيعة الشريف الحسين.. أنه لا يعرف لخدمته الوطنية العامة وقتا محددا او منتظما.. لا ليلا ولا نهارا؛ فهو في العمل (شخصيا) لا يكل ولا يمل .. فلا يقف لإجازات ولا لعطلات - رسمية كانت او موسمية – فقد كان ساهرا يوم انقلاب النميري؛ مع نائب مدير البنك الزراعي مصطفى عوض الله (شقيق مولانا بابكر عوض الله الذي كان رئيسا للوزارة عند مطلع نظام نميري الشيوعي). والشيوعية تقول: "الدين أفيون الشعوب"؛ ومن ثم اهمل النميري ونظامه الباكر ذكرى مولد نبينا الكريم محمد بن عبد الله "ص" .. ليحتفل مع الشيوعيين – يومذاك - بميلاد الروسي الكافر الملحد.. نبي الشيوعية الموؤدة لينين. وعجبا لسودانيين يفعلون ذلك!!

ولما عاد الشريف في الثالثة صباحا للنوم افاده شاب لم يكن يعرفه من قبل؛ إسمه عباس محمد أحمد (الفونس).. شاهد دبابات الإنقلاب متجهة نحو إذاعة أم درمان؛ وأكد للشريف أن انقلابا عسكريا بقيادة ضابط اسمه جعفر نميري قد وقع.. فلجأ من فوره إلى مدينة ودمدني ثم ذهب إلى الجزيرة أبا عند الإمام الهادي المهدي عندما أتاه منه رسول.

زعامته للجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو 1969م

ولأن هذا الانقلاب كان شيوعيا أحمر لم تستكن له القوى الديموقراطية في الحركة الوطنية السودانية من البداية.. ومن ثم أعدت عدتها للمواجهة المسلحة لاقتلاعه قبل ان يتمكن من الرسوخ؛ وقد تجمعت فيها بعض القيادات السياسية المعارضة للشيوعيين؛ ثم تبلورت المعارضة مكوّنة جبهة وطنية عريضة تحت زعامة الشريف حسين الهندي؛ فاوفدته للخارج حيث قام بدوره في تنظيم العمل خارج السودان. وفي مؤتمرسياسي جامع (في موسم الحج عام 1970م) انعقد بمنى كان الشريف نجمه الساطع وابرز المشتركين فيه.. اتخذ المؤتمر قرارات بتوسيع النشاط المضاد لحكومة الانقلاب؛ وباعترافها (على لسان وزير داخليتها باستديوهات التلفزيون يوم 24 يونيو1970م)، بتوحد عمل المعارضة ضدها في الخارج.. كما تركّز وتكثّف وسط طلاب الجامعات في الداخل؛ إعدادا نفسيا وذهنيا لهم بغية توعية وتعبئة الجماهير سياسيا لمقاومة النظام الشيوعي العميل. إقرأ ما قاله د. يوسف الشويري (صديقه) عن مقاومة الشريف لنظام مايو العسكري، مقالته بعنوان الديمقراطية الثائرة.

وتم شراء السلاح وارساله للداخل بطرق وعرة وخطيرة لمعسكر الانصار بالجزيرة ابا بواسطة، وسبق ان لبّى الانصار نداء الامام الهادي الشهيد للجهاد.. وفي رحلة النميري للنيل الابيض حدث الاشتباك الأول معه وكان الأنصار في مظاهرة سلمية ترفع مطالبهم إلاّ ان نميري ادعى محاولتهم إغتياله؛ ومن ثم ارسل جيشه في 27 مارس 1970م متدفقا على الجزيرة ابا ليطلق قذائف الهاون الثقيلة على الابرياء هناك.. كما تدخلت طائرات دولة بالجوار أحرقت الجزيرة بقذائف الموت ثلاث ليال مستمرة استشهد فيها الآلاف.

مصالحة "جدة" التي تنكّر لها نميري

في مطلع 1972م - بدأت وفود النظام تتوالى على الشريف في السعودية ، وسيطة من أجل المصالحة الوطنية ، ومن أجل المصلحة العامة. ووضع الشريف وصحبه شروطا واضحة كالشمس ، لعودة مثل هذه ، وقبِلَها الوفد وأبرقها للنميري ؛ الذي أبرق موافقا ثم اشترط الشريف أن يأتي نميري لجدة، ليتم الاتفاق أمام الملك فيصل ، ويكون بذلك شاهدا عليه . وأتى نميري ؛ واجتمع به الشريف للمرة الأولى في حياته ، في حضور جلالة الملك فيصل ؛ وأبدى كلا الطرفين حُسن النية .. ثم تركهما الملك فيصل ليناقشا وحدهما ويبلغاه بما اتُّفِق عليه .

ووافق نميري على إعادة العمل بالدستور ، وعلى كفالة الحريات العامة واستقلال القضاء ؛ ووافق على حق الشعب في أن ينتخب من يمثله في نزاهة وحرية ، كما وافق على إلغاء التأميمات والمصادرات .

استصدر الشريف من الملك فيصل شيكاً بمبلغ 120 مليون دولار ؛ هي قيمة التعويضات .. وسلمه لنميري ؛ ولم يعرف الشريف إلى أن توفاه الله ، ما حدث لذلك الشيك !!!

والتزم النميري بإذاعته بمجرد وصوله الخرطوم، ولكن عندما عاد نميري إلى الخرطوم، تفاجأ الشريف وصحبه عندما جاء صوته في المذياع يكيل القدح والذم والسِّباب للشريف ، ولمن مع الشريف ؛ ولم يخيِّب نميري ظنهم في التنكر للعهد ونقض الوعد . وانصرف الشريف لمعركته السادسة مع النظام ؛ ذهب ليجهز لانتفاضة يوليو (1976م) ، تجهيز العروس في ليلة زفافها ، ولقد أسماها - رحمه الله – "عروس الثورات".
ولم يكن بالإمر المستغرب بعد ذلك نقض نميري لإتفاقية أديس أبابا الشهيرة التي وُقِّعت عام 72 وبرعاية الإمبراطور الإثيوبي "هيلا سيلاسي" مع متمردي حركة الأنانيا.

كانت اجراءات القمع والقهر التي تبعت أحداث الجزيرة أبا، لم ترهب المعارضة، بل تصاعدت خطواتها وتواصلت حتى انطلقت حركة شعبان 1973م.. حيث تفجرت هزة شعبية، يقودها طلاب جامعة الخرطوم بالتضامن مع تنظيمات الجبهة الوطنية وشعاراتها تهتف: "لن ترتاح ياسفاح".. ولما تضامنت النقابات مع هذه، اندلعت المظاهرات والاعتصامات؛ وعم التوتر انحاء البلاد. وتواصل الغليان رغم اعلان حالة الطوارئ؛ و"محاكم امن الدولة والإرهاب الشيوعي. ثم ادرك الناس ان تجربة المقاومة المدنية - التي قمعت بالدبابات - لن تجدي في مواجهة النظام؛ وترسبت قناعة تامة عند المعارضة، ان هذا النظام الذي يواجه الناس بالعنف لابدّ ان يواجه بالعنف.. وما أخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة.


نضاله وقيادته "عروس الإنتفاضات" (يوليو 1976م)

تأسست الجبهة الوطنية من جديد من الاحزاب السودانية الثلاتة: الاتحادي الديموقراطي وحزب الامة والاخوان المسلمين لمقاومة النظام وانتظمت اعمالها بالخارج (بأثيوبيا) في التدريب العسكري والاستعداد للنزول لارض الوطن . وتنازل الشريف حسين من رئاسة الجبهة للصادق المهدي واصبح هو نائبا له؛ ولكنه كان الأكثر حضورا، والمموّل الرسمي لكل إحتياجات وتحركات أعضاء الجبهة، والتي مارست عملها السياسي بالخارج. وتلقّحت منشورات ومظاهرات الداخل بالحديث الملتهب من الشريف الحسين الشريف حسين في اذاعة الجبهة الوطنية باثيوبيا –الذي كان يتابعه الناس بالداخل بشغف. وكان ممن يسانده في الإشراف على المعسكرات د. عمر نور الدائم نائب رئيس حزب الامة.

إمتد كفاح الشريف وصحبه في نضالهم ضد مايو بين أثيوبيا والمملكة العربية السعودية ، التى دعمتهم في أوائل سنين النظام المايوي، للقضاء على أي توجه شيوعي بالسودان. لكنها لم تكن ترغب في الإعلان عن هذا الدعم حتي لا يستدعي ذلك اي توتر في علاقاتها مع حكومة السودان.. ومن ثم بحثت المعارضة عن مقر لها بديل. فوجدت عند القيادة الليبية استقبالا طيبا وحسن وفادة، لأن علاقتها كانت سيئة مع النظام الحاكم في السودان.. ووجدوا في ليبيا الدعم المادي والعسكري، وفتحت لهم القيادة الليبية أراضي ليبيا، ليتدرب فيها مقاتلو الجبهة، الذين انتقل بعضهم من أثيوبيا، وأنضم إليه أنصار الإمام الهادي المهدي الذي أوصاهم قبل إستشهاده بإتباع ومساندة الشريف حسين الهندي.

ووضعت خطة محكمة نفّذها العميد "محمد نور سعد" واستطاعت قواته السيطرة على معظم وحدات العاصمة والأهداف الحيوية فيها كالاذاعة والمطار ودار الهاتف والأماكن الحاكمة. لكنها لم تستطع تشغيل الإذاعة أو ايجاد اذاعة بديلة كما كان مخططا لذلك، وفشل في السيطرة على وحدة المدرعات ومصنع الذخيرة بالشجرة، وفشل في السيطرة على القيادة العامة للجيش السوداني كذلك. فتم دحرها وقام نميري بتعذيب المشاركين في هذا الإنقلاب بصورة وحشية –كتعذيبه للقائد الشجاع دفع الله راس المية- وتنفيذ الإعدامات الجماعية بدون محاكمات وبدون رحمة.

مصالحة بورتسودان الفاشلة (7-7-1977م) وانقسام المعارضة

عندما سئل الشريف بعد فشل هذه المصالحة: هل تعتقدون أن انقسامات القوى السياسية لعب لغير صالح المعارضة ؟ رد قائلا: إنقسامات المعارضة .. إنقسامات زعامية وليست شعبية . فالرأي العام السوداني والشعب السوداني كله معارض؛ مهما كانت خلفياته السياسية ، وأيا كان مدَّعو زعامته . وإن كانت الانقسامات أثرت على السطح وعلى الذين يقيسون الانقسام بالأشخاص، فهي لم تؤثر على العمق إطلاقا . ونفس الذين قاتلوا من أجل يوليو ضد النظام ، سيقاتلون الآن ضده بنفس الشراسة؛ مهما حدثت من انقسامات . فمدَّعو الزعامة أو الوراثة معزولون شعبيا .. ووقوفهم مع النظام لا يكسبه قوة ، إنما يكسبهم ضعف.


إتفاقية مصالحة لندن.. "الحق الذي أريد به باطل" 1979م

الدكتور عمر محمد الطيب الذي كان نائبا للرئيس المخلوع نميري كتب مقالا يوم السبت الموافق 16 مايو 1998م في واحدة من صحف الخرطوم ذكر فيه علاقة جده لأمه الحاج اسماعيل السرورابي بأسرة الشريف يوسف الهندي الذي كان يناديه "بخالي".. ومن هنا كانت هذه العلاقة سببا في مبادرته الشخصية لاتفاقية المصالحة في لندن بين نظام المخلوع نميري و الشريف حسين الذي وصفها بـ "الحق الذي اريد به باطل" في مذكراته بعنوان: "لوطني وللتاريخ".. راجع مقال د. عمر في الرابطة اعلاه.


حجة وداعه وقرآته المولد بالمدينة المنورة


بنهاية عام 1981ه كان الشريف قد أدّى فريضة حجة وداعه الاخيرة وعلى الرغم من ظروفه السياسية والصحية؛ زار المدينة المنورة وأقام بها مدة شهر- أطول هذه المرة مما اعتاد عليه - وتلى فصولا من كتاب "حسن الختام في مولد سيد الأنام ".. تأليف والده الشريف يوسف الهندي (رحمهم الله) في جمع من أحباب بيتهم ومريدي طريقهم الدينية الصوفية تبركا واحتفالا يومذاك بذكرى مولد جده المصطفى (صلى الله عليه وسلم).. يمكن الاستماع إليه هنا وهو يتلوه ( ) .

سفره لمؤتمر اثينا ووفاته هناك 9 يناير 1982م

كان الحزب الاتحادي الديموقراطي يعقد مؤتمرا تاريخيا في إحدى جزر اليونان ، وهو أكبر ملتقى للاتحاديين ضم شملهم قيادة وشبابا وطلابا ، منذ أن انفض سامر الديموقراطية في صبيحة 25 مايو 1969م المشؤوم ؛ وكان من المقرر أن يخاطب "الشهيد البطل" هذا المؤتمر في جلسته الختامية ، وعند عودته.. في طريقه للمؤتمر من مدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، أصيب "بالذبحة القلبية" في مدينة جدة ، ولزم غرفة "العناية الطبية الفائقة" في مستشفى جدة الوطني، وتستَّر المرافقون - بتوجيه منه - على هذا الحدث حتى عوفي وأصّر – فيما علمنا - على مقابلة الاميرفهد بن عبد العزيز (كان يومها وليا للعهد), وهو على موعد معه بالرياض؛ كما كان على موعد آخر أيضا (مع الملك حسين في عمان) أوفى بلقائه فيها قبل الذهاب إلى اليونان التي كان مطارها مغلقا بسبب إضراب العمّال به، فنزل بمكان آخر وأستغلّ مركبا للوصول لأثينا فنزل بفندق "الملك مينوس" وطلب من مرافقه العثور على مكان خاله –وأستاذه ومربيه- المتواجد بأثينا وقتها "أحمد خير المحامي".

وخرج المرافق ملبيا طلب "الشيخ" .. ومن بعد خروجه مباشرة ، أغلق الشهيد باب الحجرة ، وانتقل من المقعد الذي كان يجلس عليه .. للسرير، ليقضي نحبه هادئا مطمئناً ، مرتاحاً في رقدته الأخيرة ، وكأنه يغطُّ في نوم عميق ، وليس عليه مظهر من مظاهر الموت !! وتلك كانت حسن الخاتمة. وبكته جموع غفيرة لا حصر لها ولا عد سودانيين ويونانيين طلابا وغيرهم إفتقدوه وإحسانه إليهم.


الصلاة على جثمانه الطاهر في ثلاث قارات ودفنه بالسودان


نعي الحزب الاتحادي الديموقراطي وفاة الشريف حسين الهندي، وتمّ تشييع جثمان الشهيد الطاهر تكريما له في ثلاث قارات.. بدءا باليونان نفسها (في أوربا)؛ مرورا بطرابلس عاصمة الفاتح من سبتمبر في ليبيا (بأفريقيا) والتي تمنت على المرافقين بعد الصلاة عليه أن لو يدفن مع المجاهد العظيم عمر المختار رحمه الله..

وبعدها طلبت في إصرار بغداد عاصمة الرافدين بالعراق (في آسيا)، متمنية على المرافقين أيضا أن لو يدفن بعد الصلاة عليه في كربلاء مع جده سميه سيد الشهداء الإمام الحسين إبن الإمام علي (رضواان الله) عليهم؛ بينما عرضت المملكة العربية السعودية (حفظها الله) الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف، ودفنه بالبقيع مع آل الييت الهاشمي الأكبر، قرب جده الأعظم () .. إذا ما تعنت الحاكم الطاغية العتل ذاك الشامت الخالي من كل خلق سوداني الكريم في مثل هذه المواقف الإنسانية العصيبة خاصة عند الموت (فلم ينعه)، ناسيا ربه وسبيل الأولين والآخرين المنتظره إبدا - ويلا له - مهما طال عمره وساء عمله فلا حول ولا قوة إلا بالله ..

لقد تم كل الذي ذكرنا قبل ان ووري الثرى الجثمان الطاهر للشريف حسين الهندي في ضريح والده العارف بالله الشريف يوسف في حيهم بضاحية بري اللاماب بمدينة الخرطوم؛ رحمهما الله رحمة واسعة.

قال الشاعر ابراهيم عمر الامين عليه الرحمة في رثاء الشريف حسين الهندي:

واصعد الى الخلد روحاً طاهراً عبقاً كفاك في الأرض بذلاً كنته فيها
وان طوى الجسد الفاني المنون ففي ذكراك صفحة مجد ليس يطويها


http://mash-had.org/Alhindi_Hussien.html

فيصل سعد 17-02-2008 09:13 AM

[align=center]

مرثية المرحوم الشريف حسين الهندي
محمد حامد السقاي


خبر الشوم بلغ الليلة جابو الناعي
قال مات الهمام نايرالبصيرة الواعي
إندك الأساس وخرالسقف مداعي
وانفرط القطيع بقى لادليل لاراعي

الموت ســنة لكن الفقد مو هين
ياالهــندي المجرد حاد سقايتو تزين
رحــيلك لوع العــنقالي والمتدين
وكم جريت وسـم بين الحواجب بين

السـودان نُكِب ياالدخري فيك يوم فقدك
ويا صلب الشكيمة المُتَّ حافظ عـهدك
الأراضـين تعج يتوم ربَّعُولك لحدك
إهتزت جبال مكة وضـرائح جـدك

أب دربــا زلـق البـاروه ملوا وفتروا
من جارحات جوارحه الجارحة لانوا وكسروا
كتار الطـلبوا أسـباب الوصـول لي قـدرو
كل القاسو صـد بالحسـرة قال : ماني قدرو

قداد الدروب شـرك المصـايد هبرو
أب عوما قَرِف بحر المخـاطر عبرو
ماظـنيتو مات بي هينة ، شايل وبرو
ملك الموت أكيد بي غفلة غفَّا وغدرو

نارك ياالشريف بين الجوانح سارجة
رمَّلت المنابر والمحـافل القاجة
فارس أمات حجول المابتقبـِّل لاجة
خليت الرجال دمـاعه تدفر سـاجة

عهدك كان رخا وكم من نعيمو غرفنا
ورايك في المحـافل ياالشريف شرَّفنا
نحن وراك زي ما قالوا عشـنا وشفنا
يا ود ابدروع قرقر وراك أب عفنة

رقد فحل الصهب تلب التقيلة اب غارب
وتمساح لجة اب موجـا بلعلع كارب
قول لي الطال عرض وانغر سما الهارب
كان عمرو طـال ما بنبرم لك شارب

رقد الليـلة تقالة القلوب الجـازعة
فاضت روحو لي باريها صـدت راجعة
قدر السـيد نفد غار الزوامل الراتعة
شال تلب الحمول خلى المجافلة وضالعة

من تبيت حصـيف قط ما بتقوم في هايفة
ونفسـك للصغاير والرغالات عايفة
في النـوم والثبات عينك مفتحة شايفة
من نعش اب كريق قالوا المرافعين خايفة


كـباس الدهم فرتاق جحافل العوق
وقشاش دمعة المتموم مغص مخنوق
أب فهما بحـل عقد الزرد مطبوق
وراك الكـبدة تنزف والقلب محروق

قنديل الكبس أب ضوا مو ممحوق
واب قدرا على عالي الكواكب يفوق
أظنك ياالشريف زايد عليك الشوق
وهزاك الحنين للأزهري وزروق

أملـنا المروق من الظـلام بي شروق
ولكن الكـريم تدبيرو مو مسـبوق
غفانا القـدر قبل الهـنية نضــوق
وجاب أمل الخلاص شايلنو في صندوق

في السودان بشوف كل النفوس موجودة
وكانت عايشـة آمالا عليك معقودة
لكن شن نسـو ما تمـت المعدودة
حكم السيد رضا وإرادتو مي مردودة

فوضـنا الأمر فيــك للكريم مولاك
وتاريخـك بخلد لي النشــور ذكراك
سائلنوا الكــريم الأخلصـك حباك
يبرد مــرقدك وعقب الجنان مثواك



مرثية المرحوم الشريف حسين الهندي
الشاعر: عبدالله الطيب



البطل المصـاب الفراقو ما بنسد
أب خلقا رضية المحاسنو مابتنعد
ياحليـل الشريف الوفى ما وعد
الجـرح المغـور الليـلة إتجدد

تاني منو براك بعرف كلام الجد
يابحر المحيط الما بحبسك سد
فوق الطنـدبة بتمرق الحد
ضقنا الويل بي وراك وصلنا الحد
فينا الضاع كتير والباقي إتشرد
كل يوم الأمل في نفوسنا يتجدد
راجين جـيتك بعدالعذاب نسعد


بي موتك ياالشريف ماتت معاك آمال
فقـدوك العدامى وعليك شـوقنا طال
ميتك سمحة ماك المرتشي المحتال
كل الحي بموت لو قصر العمر أو طال

فتحت خشم بيوت قبال ياالشريف ما تقوم
يا ضـراع الضعيف .. يانصرة المظلوم


يوم مـت ياالشريف آمالنا إتوفت
بي حالتنا الكئيبة ، كل الدول عرفت
في مفترق طـرق خليتنا نتلفت
راجين جيتك ... وانت قافلتك قفت

من قم ياالشريف حاشـاك ماكا جبان
مادرت تعيش سعيد وباقي البلد تعبان
بيتك بالعدامى طــول الوقت مليان
ضيفانو الألوف ريقـان خلف ريقان

ياحليل الشريف الخيرو ما دابو
راجنو الألوف لي جيتو بتشابو
أب رايا سديد كل الدنيا بتهابو
ما جروا القلم راجعـوا حسابو

من قمـت ياالشـريف بلدنا إتقـدم
حتى الكـان عدو من بعدك إتنـدم
كل يوم الديـون في ضهورنا تتردم
قاسينا الشدايد ما عارفين نصل يوم كم[/align]

kabashi 18-02-2008 10:10 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فيصل سعد (المشاركة 89781)
ترقبوا في الطريق اليكم تسجيل صوتي كامل
للقاء الشريف الحسين الهندي في ندوة لندن 1980 بالطلبة الإتحاديين ..

[align=justify]اخي فيصل تحياتي
في إنتظارك ونتابع بشغف كل ما أثريت به البوست جزاك الله خير على وفائك فهذا الرجل جدير بالوفاء وحياته ومواقفه ظاهرة جديرة بالدراسة والتحليل وأخذ العبرة والخبرة ... فإن كان قدر أهل السودان السيء أن يرحل أمثاله فإن قدرهم الأسوأ أن يبغى فيهم البغاث شذاذ الأفاق وطلاب السلطة .
أتمنى أن يكون هذا التسجيل الذي تحدث فيه عن طلب عبد الناصر ترشيح المحجوب لأمانة الجامعة العربية وكيف رفض الصادق بحجة لا يقولها عاقل ولا يصدقها عاقل !!
[/align]

فيصل سعد 19-02-2008 05:22 AM

الاخ كباشي لك اطيب التحايا ... سوف انحت الصخر و ساواصل معك هذا البوست العميق وفاء و عرفان للراحل المقيم المناضل الحقيقي و الوطني الغيور الشريف حسين يوسف الهندي.. و لا اخفيك سرا ان قلت لك بانني تربيت و نشأت في طفولتي و بواكير الصبا في كنف هذا العم العزيز الذي كان يعتبرني ابننا له و اكثر ،، في سودان زاهر عزيز مختلف مليان خيرا و امننا و طمأنينة و سلام .. و كما سبق ذكره بانه كان صديقا حميما و توأم روح لوالدي عليه الرحمة جمعهم العمل العام و حب الوطن و اطيب صلات العشرة و الجيرة في ارض البراري الطيبة العريقة ...

محمدعابدين 21-02-2008 07:27 PM

الشقيق التليد
 
الله يديك العافية ياكباشى .... واحييييييييك على صمودك ودوام حبك وعشقك لمن هو يستحق
اكتر الشريف

محمدعابدين 21-02-2008 07:40 PM

الرفيع كباششششششششششششششى
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة kabashi (المشاركة 88476)
هكذا كان يتكلم بصدق ومعانة وألم ومرارة تقطر من كلماته الخالدة فكثيرون لم تعجبهم معارضته الباسلة و أخرون كانوا يهاجمون قبوله مبدأ التفاوض !!
(فليقرأ كل من يعتقد إننا نرفض المصالحة والوحدة الوطنية وكل من يعتقد إننا نتهالك علي الحكومة فليرمنا الأول منهم بحجر وليرمنا الآخرون بكل الحجارة وليكن التاريخ والمستقبل والوطن حكماً عدلاً بيننا وبينهم)
كان يتابع الجيش وكانت لديه معلومات عن إجتماعات ليلية تتم في منزل ببحري فذهب وتيقن من ذلك بنفسه بصحبة العم المناضل الحاج مضوي وظل ينبه وينصح ولكن لم تجد نصائحه الأذن الصاغية ممن في يده .... كما يقول في مذكراته ..
( إنكم تتكلمون عن الانفراد بالحكم وأنا أحذركم من ضياع الديمقراطية فأني اعلم أن .............. وسردت ما كان لدي من معلومات تفصيلية ورد علي زميلي الموكل بالحفاظ علي الديمقراطية وحكمها في ثقة يشوبها الاستعلاء والغرور فليطمئن وزير المالية فنحن نعلم ونراقب وسمعت لحظتها همسة أراد صاحبها أن تسمع " انه يريد أن يخيفنا)

يارجل يارفيع... ياقامة .. باهامة... بااصلك فى الارض و راسك قى السماء
...ورينا نتصل بك كيف؟؟؟؟؟
او انت اتصل على الرقم (0122210631
او abuosman64@hotmail.com
سلام طوييييييييييييييييييييل

kabashi 06-03-2008 08:27 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعابدين (المشاركة 90081)
الله يديك العافية ياكباشى .... واحييييييييك على صمودك ودوام حبك وعشقك لمن هو يستحق
اكتر الشريف

[align=justify]الشقيق محمد عابدين
تحياتي وأشواقي ياغالي وشكراً على هذا التشريف المضاعف أول بزيارة البوست وثانياً بإصباغ صفة حب الشريف حسين وللحقيقة أن ما يختلج في نفسي إتجاهه لم يعد المحبة والإعجاب فقط بل أصبح عندي حبه مقياس لوطنية كل سوداني .

العزيز الأخ فيصل سعد الشيخ ... تحياتي
نحن في إنتظار التسجيل الصوتي للشريف حتى نشنف الأذن بنغم الوطنية الخالد
[/align]

مزمل فزع 06-03-2008 04:35 PM

الاشقاء
ما أجمل ان يترك الانسان بعد رحيله صدى ، وكما يقول أهل الحكمة يجب ان لايتحلل الانسان بعد موته الى عوامله الاولية ويزروه التراب ، ولكنه يجب ان يتحول الى قيم ومثل ومبادئ يذكرها الاجيال ، وقد كان بالفعل الشريف حسين الهندى يمثل تلك القيم والمبادئ التى دافع عنها واستشهد من أجلها الى أن لاقى ربه راضياً مرضيا ، فهو بلا شك من الشخصيات السودانيه التى تستحق الدراسه والمراجعه والتوثيق ، لكى تتعرف الاجيال الحاضره والقادمة معنى التضحية والصمود والمقاومة ، ففى حياته ونضاله وموته عبره ودروس ، لقد كان الشهيد مدرسة قائمه بذاتها وتكويناتها لها ملامحها وطعمها الخاص ، ومازالت أحاديثه فى الاشرطه المسموعه والمرئيه هى حديث الساعه ، ومازالت القضايا التى طرحها الشهيد قائمه وكان قارئاً للمستقبل البعيد بصوره دقيقه ومدروسه، وكان خبيراً ومدركاً لطرح الحلول.
خلال اقامتى فى بريطانيا منذ منتصف التسعينيات كنت حريصاً بأن التقى بكل الذين عاصروا الشهيد الشريف الحسين الهندى من السودانيين والجنسيات الاخرى، وكل واحد من الذين التقيت بهم ، لا يخلو حديثه عن كرمه، شجاعته، عفته،بسالته، انسانيته وسودانيته التى كانت مضرب المثل فى الوطنيه وحب الارض التى كان يمنى نفسه طيلة الهجره عن ترابه بأن يراه محرراً وطليقاً، ولازلنا بعد رحيله أكثر تقيداً من قبل، عندى مجموعه من أشرطة الفيديو للشهيد الهندى بحاول انزلها ليكم فى القريب العاجل، اللهم ارحمه وأسكنه مع الصالحين، ولكم كل الحب......والى اللقاء

فيصل سعد 06-03-2008 04:50 PM

شكرا للمداخلة القيمة اخونا مزمل و ننتظر الفيديو..
هل انت اخ او قريب معاوية فزع الذي كان يسكن رأس الخيمة اواخر التسعينات
و كان يعمل بدفاع ابوظبي؟ و التحية لكم جميعا مع وافر الود و المحبة!!!

مزمل فزع 06-03-2008 05:41 PM

[size=3]الشقيق الراائع/ فيصل سعد
التحيه لك خاصه ومخصوصه ومختصه، كما كان يقول الشريف زين العابدين الهندى على هذا الجهد الكبير لدفع هذا البوست ، والشكر ايضاً موصول للشقيق الرائع كباشى الحاج الذى تربطنى به علاقه اسريه وتنظيميه وعشره وزماله ، وأيام عشناها بحلوها ومرها.
أما عن سؤالك، نعم ، معاويه الخير أبراهيم فزع(رأس الخيمه) هو ابن عمى، ولم التقى به منذ عام 1980 وكان ذلك فى زواجه، شفت السودان دى ياأخى سعد أصبح قاسى كيف؟
[/size]

فيصل سعد 10-03-2008 08:29 AM

[align=center]الشريف حسين الهندي وحركة 2 يوليو1976[/align]

حركة 2 يوليو1976.. اتهمت بأنها "غزو أجنبي للسودان".. سأل صحفي لبناني الشريف هل هذا صحيح؟ فاجاب:


طبعا لا ! لم يشترك في الحركة أي شخص غير سوداني ، كانت حركة سودانية لحما ودما ، إلا من ناحية الأسلحة والمعدات، فهي طبعا مستوردة ، فنحن لا نصنع الأسلحة، وليس هناك أسلحة محلية في السودان . أما من ناحية التخطيط أو التنفيذ أو الإدارة ، فهي سودانية " لحما ودما". ويبدو ان الشريف سماها عروس الثورات لأنها محكمة (بضمة الميم الاولى) الترتيبات والتنظيم والتوقيت مع دقة السرية في الثلاثة جوانب التي ذكرها حتى جهزت تماما ليلة زفافها لدخولها البلد. ويضيف قائلا: " لقد كانت سرا سودانيا محكما ومغلقا؛ لا يتجاوز عدد الذين يعرفونه أصابع اليد الواحدة"


ويعزو الشريف الاتهام إلى عنصر المفاجأة الذي امتازت به الحركة؛ حتى اعتقد الناس أن القائمين بالحركة أشخاص أتوا من الخارج. والحقيقة إنهم كانوا موجودين داخل السودان .. منذ مدة طويلة؛ وانقضوا على النظام من داخل السودان . وكانت نقطة وثوبهم وتحركهم، على بعد 20 كيلو مترا من الأهداف العسكرية التي هاجموها.

وحتى عندما لم تنجح حركة يوليو في اليوم الأول ، وعندما تعرضت لكل القوى التي استنجد بها النظام من داخل السودان أو من خارجه ، فإنها لم تطلب من أصدقائها في خارج السودان النجدة أوالتدخل ، وهؤلاء الأصدقاء كانوا قادرين على ذلك ، إن لم أقل إنهم كانوا راغبين في مساعدتها . وكانت الحركة عند ذلك، قد أصبحت حدثا معروفا في الإذاعات ، وفي الساحة الداخلية نفسها ؛ وكانت الإذاعة السودانية قد أخرست . وكان في الإمكان طلب النجدة أو التدخل . ولم يكن هنالك طوال 3 أيام أي أثر .. للشرعية داخل السودان .. كان يمكن لحركة يوليو أن تنجح عن طريق التدخل من الخارج لمساعدتها، خصوصا أن النظام استنجد بالخارج وأُسعف .. لكننا قاتلنا معركة سودانية بحتة، وتحملنا كل آثارها .. بما فيها الهزيمة والموت والتعذيب وغيره..

إننا لم نشأ إن نشوه وجه يوليو، بأي تدخل أو مساندة من الخارج ، فيما يختص بإنجاح العملية .. ولا أخفي سرا، إذا قلت إنه كان لدينا - ولايزال - أصدقاء لديهم الرغبة في معاونتنا .. حتى في القتال نفسه .. لكننا نعرف كيف نضع الحدود والفواصل، بين التعاون وبين التدخل .. سواء بالنسبة لحركتنا؛ أو بالنسبة لسمعة الآخرين ..

"وقد يكون هذا خطأ تكتيكيا أو مرحليا نحن نتحمل نتائجه، لكنه فيما يختص بفلسفة التحرك وأهدافه، ليس خطأ استراتيجيا، إلا أننا نتقبل كل آثاره بكل الرضى."


ثم سئل الشريف عن رأيه في اللغط الذي أثير عقب فشل حركة 2 يوليو ، ومفاده أن الحركة ضربت من داخلها … فكان جوابه:

"في المرتبة الأولى .. الحركة فشلت ذاتيا، والفشل الذاتي كان ميدانيا: عسكريا وسياسيا .. نتيجة ثغرات واضحة؛ فإن الذين خططوا للحركة - وأنا كنت في مطلعهم - شاءت الظروف ألا يشتركوا في تنفيذها في الميدان .. فقد أصبت بحادث سيارة، أدى بي في وقتها إلى شلل كامل .. فلم ألحق بالحركة في موضع تنفيذها .. والأخطاء كانت واضحة وبسيطة، للدرجة التي حملت الكثيرين على الاعتقاد أنها كانت متعمدة؛ لأنها كانت من الوضوح والبساطة بحيث لا تغيب عن فطنة أي إنسان عادي.."

اما عن من كان مسئولا عن هذه الأخطاء ؟ لم يفصح الشريف، لكنه أضاف :


"قطعا كانت يوليو مضمونة النجاح، من حيث التخطيط والتنفيذ؛ بحيث أغرت بعض الزملاء في حينه، بالاعتقاد أنها ناجحة ، ولذلك سرحت أفكارهم لما بعد النجاح .. بحيث أنهم نسوا أو تناسوا الضرورة الوطنية والقومية لاسقاط النظام .. وبدأوا يفكرون في وراثة النظام؛ وفي السيطرة على الحكم .. وبالتالي كنا نحن في واد وهم في واد آخر ، ولم تغب عنا هذه الحقيقة حتى قبل يوليو.. ولكننا كنا نعتقد أنه إذا كان هنالك مجرد تفكير بالوراثة ، فعلى أصحابه أن يتأنوا إلى ما بعد يوليو .. وأريد أن أقول إن هذا التفكير لم يكن لدى المقاتلين؛ وإنما كان لدى بعض الطامعين، من الذين أدركوا يوليو أخيرا وهي تتحرك ، ولم يشتركوا في معاناة ولادتها ونشأتها .. ولو أردت أن أحدد الأخطاء، وأشرح التعمد فيها أو العفوية، لاحتاج هذا إلى صفحات كثيرة.. وكل ما أقوله هو أن حركة يوليو كانت حركة وطنية وقومية تخطيطا وتنفيذا ، أردنا بها – كما أراد المقاتلون - خلاص السودان من الحكم الحالي؛ وخروجه من التدهور القومي .. وأراد الآخرون غير ذلك.."

فيصل سعد 10-03-2008 08:59 AM

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم

من أقوال الشهيد: الشريف حسين الهندي[/align]



* نحن كحزب .. نقود المعارضة المنظمة في الخارج والداخل ، ومنذ انقلاب مايو؛ وهذا جزء من الاستراتيجية الواضحة المعالم .. لمفاهيم الحزب ومعتقداته.

* إختلافنا مع هذا النظام - من حيث المعتقد المبدئي - تتلخص في الآتي : الحريات العامة والشخصية .. وفي نظام الحزب الواحد ؛ وفي آلة القمع التي تحصي أنفاس الناس ؛ وفي الخطوط العامة للسياسة الاقتصادية .. ناهيك عن عدم اعترافنا المبدئي بشرعيته. نحن حزب ليبرالي يقود المعارضة ؛ وموجودون داخل البلاد في الطبقة الوسطى : المثقفين والعمال والزراع والرّحل والرّعاة..

* لا نرجو .. بل ندعو ونسعى ونعمل ، لكي يجتمع العرب - كل العرب - ويتفقوا على قضية واحدة ؛ ثم لهم بعد أن ينصفوها ، أن يختلفوا في الآيديولوجيات.


* نحن في مرحلة .. لا نستطيع أن نسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية الواضحة .. فقد عاش شعبنا في ظلم وظلام واستبداد ؛ لا يمكن أن نتجاوزه أو ننساه أو نهمله أو نتغاضى عنه؛ وهذا واجب وطني ، لا يمكن لأي وطني سوداني ، أن يصل لمرتبة الخيانة وفقدان الإحساس ، وقصور الرؤية والجبن السياسي والاجتماعي ؛ فيحيا - مجرد الحياة - دون أن يؤكده ويحدده..

* لقد ظللنا نقاتل النظام من أجل الديموقراطية ، وخلافنا مع النظام هو الديموقراطية ؛ نحن نؤمن بإتاحة الحريات الديموقراطية لجميع المواطنين .. حرية العقيدة والنشر والتجمع .. وغيرها من الحريات .. ونحن لا نؤمن بذلك داخل السودان فحسب ، وإنما خارج السودان وفي العالم كله..

* نحن اشتراكيون في ملكية الوسائل الإنتاجية لجماهير الشعب ؛ ولكننا لا نمنع النشاط الفردي المبني على المبادأة .. وعلى الحوافز؛ على أن يكون هذا نشاطا لصالح الوطن وليس للاستعمار.. ونحن مع الملكية العامة لوسائل الإنتاج الأساسية .. ونحن اشتراكيون بهذا القدر.. ولسنا أمميون.. ونحن لا نؤمن بتحكم طبقة على طبقة..

* ليس لهذا النظام فلسفة أو معتقد ؛ فهو سلطوي وتظاهري ومتذبذب ونفعي .. في نفس الوقت ، ليس له مواقف في قضايا الأمة .. وليس له قاعدة يرتكز عليها .. وستظل سياسته الخارجية باهتة ، لا لون لها ولا استقلالية..

* نحن نؤمن بالوحدة العربية الشاملة ؛ ونحن نؤمن بقضيتنا العربية المركزية في فلسطين ؛ ونحن كنا وراء مؤتمر الخرطوم - ولاءاته الشهيرة..



* إن إسقاط هذا النظام ليس معجزة من المعجزات ؛ بل هو أمر يرونه بعيداً ونراه قريباً، وأجزم صادقاً .. أننا قاب قوسين أو أدنى من ذلك..

فيصل سعد 10-03-2008 09:36 AM

[align=center]الديموقراطية الثائرة
قراءة في حياة الشريف حسين الهندي ونضاله

بقلم : د . يوسف الشويري
أستاذ التاريخ العربي والإسلامي في جامعة أكزيتر - بريطانيا
ومدير معهد الدراسات العربية والإسلامية[/align]


لابد من القول .. أن الفكر السياسي السوداني ، لا يزال يعاني من تجاهل واسع النطاق ، وكأنه لا يستحق - حتى ولو إشارة عابرة - في كل الدراسات التي كتبت حول تطور الفكر العربي عامة، سواء في اللغة العربية أو اللغات الأجنبية . وكان يعتقد الكثيرون من محللين سياسيين ومنظرين وأكاديميين ، أن عهد الديموقراطية العربية قد ولى بدون رجعة. وبدأ الحديث عن الملامح التقدمية للأنظمة العسكرية، التي ستمهد الطريق أمام مرحلة أخرى ، أبعد تطورا وأشد شمولية ، فتزول معها كل الأحزاب السياسية العقائدية وصراع الأفكار. غير أنه بعد نكسة 1967م ، ثم اندلاع حرب 1973م ، وانحرافها عبر سياسة السادات نحو أهداف سلبية ، أخذت تنضح في الأقطار العربية المختلفة تطلعات جديدة ، وبدأت عملية مراجعة الحسابات وإعادة النظر، في شتى مجالات حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

ولا شك أن البترول العربي، خاصة بعد رفع أسعاره في 1973م ، كان قد ساهم في خلق وقائع جديدة ؛ وأدى إلى بروز فئات اجتماعية وقيادات وهيئات مهنية وإدارية وفنية ؛ ورسَّخ نوعا من التقاليد والأعراف .. تكاد تكون متماثلة في الدول العربية النفطية وسواها . ونشأ عن توفر رؤوس الأموال المحلية في العالم العربي ، توجه نحو إيجاد الخطط ، وإيلاء التنمية الداخلية أهمية متزايدة .

ومع أن هذا التوجه لم يتحول في معظم الأحيان إلى خطط ناجحة ومتكاملة ، غير أنه أعطى دفعا مباشرا للتطلعات والتوقعات الشعبية ، وانتظار حياة أفضل ، وتحقيق بعض الحرية التي تعكس - ولو الحد الأدنى من حقوق المواطن الطبيعية .

ولا يمكننا أن نشير هنا .. إلى كل التطورات التي ستساعد في المستقبل حركة المطالب الديموقراطية ، وإكسـابها المعاني التي تسـتحقها . ولكن يمكن القول أن ما يجرى في السودان الآن ، يرتسم كتجربة شبه نموذجية لا بد من دراستها ومتابعتها ، تعبيراً عما ستتمخض عنه في المستقبل أوضاع عربية أخرى ؛ ودليلاً على إمكانية نجاح التجربة أو تعثرها . وهذا هو مكمن الخطأ في النظر إلى السودان .. وكأنه وضع شاذ ، وحالة فريدة من نوعها . ولا نذيع سرا إذا قلنا إنه بلد يعاني من أزمات اقتصادية شبه مستعصية ، ماليا وزراعيا وصناعيا وإداريا . ولذلك فهو نموذج متطرف ، أو الأكثر تطرفا . وكان لا بد له ، وبمنطق استقراء الأحداث الماضية والتاريخ الحديث ، أن يغرق في ثورة دموية أو حرب أهلية ، ولفترة طويلة .. حيث يختفي الحل الديموقراطي البرلماني ، بتعدد أحزابه ودستوره وانتخاباته العامة .

أما الذي حدث .. فهو عكس ما توقعه أكثر من مراقب ؛ وفي واقع الأمر عاش السودان حرباً أهلية شبه متواصلة ، منذ انقلاب مايو 1969م ؛ إذ أن النظام العسكري تعرض لمقاومة دائمة ودؤوبة ، من اطراف داخلية متعددة . ورغم حله للأحزاب السياسية ، ومصادرته للحريات ، وإقامته دولة بوليسية ، وسن القوانين الاعتباطية لتبريراعتقال كل من يشك في ولائه ، فإن العمل المعارض والمضاد ، لم يتوقف لحظة واحدة . فمن ضرب جزيرة (أبا) في 1970م ، والتي احتشدت فيها قوات الأنصار ، إلى انقلاب هاشم العطا ، بعد عام واحد .

ثم تعدد وتكرار محاولات الانقلابات سـنة بعد سنة ؛ علاوة على المظاهرات والإضرابات ، والتي توجتها انتفاضة يوليو 1976م ، بقيادة جناحـي الجبهة الوطنية المكونة من حزبي الأمة والاتحادي الديموقراطي ؛ إضافة إلى مشاركة بعض الأخوان المسلمين .. حلقات في سلسلة تمتد حتى عشية سقوط رأس النظام وانتهاء عهده . ورغم إخفاق انتفاضة يوليو 1976م ، والتصفيات التي تعرض لها بعض الذين شاركوا فيها ، أو إصدارالأحكام الغيابية على الذين ظلوا خارج السودان - مثل الشريف حسين الهندي والصادق المهدي - فإن العد العكسي للنظام بدأ منذ ذلك التاريخ . وأخذت تتكشف هزالة القاعدة التي يستند اليها جعفر نميري ، خاصة بعد تصاعد الأزمة الاقتصادية ، وإصابة البلاد بالشلل شبه التام ، وفي كل مرافقها الحيوية .

وكان النميري يدرك أن المعارضة في الداخل والخارج ، ستستمر وتزداد كثافة ، وتحظى بتعاطف عربي ودولي . ولذلك بادر إلى المصالحة الوطنية في 1977م ، وهو يعوِّل على الاكتفاء بتقديم بعض التنازلات غير الأساسية ، مقابل حصوله على صمت المعارضة أو احتوائها داخل أجهزة حكمه . وكانت المعارضة آنذاك تتمثل أساسا في الجبهة الوطنية ، بقيادة كل من الشريف حسين الهندي والصادق المهدي وحسن الترابي ؛ وعاد هذان الأخيران بعد المصالحة إلى السودان ، ودخلا بشكل أو آخر في أجهزة النظام القائمة آنذاك ، في حين رفض الشريف حسين الهندي العودة قبل التزام النميري ببنود كل الاتفاق وتطبيقها عمليا . لا .. بل إن موقفه كان نابعا من نظرة بعيدة المدى ، قائمة على تعميق عزلة نظام النميري وعزله أكثر فأكثر.. إذ أن الشريف أضحى - بعد تخلي رفاق الأمس عنه - رمز المعارضة الجديد ، وقطب القوى الوطنية والديموقراطية السودانية . وكان يدرك أن المفاوضات مع النظام لن تؤدي إلى انفراج الأزمة السياسية ، بل إلى إطالة أمد الحكم العسكري .

وفي أكتوبر 1977 م .. عاد السيد الصادق المهدي إلى الخرطوم ، بعد أن تمَّت المصالحة بينه وبين الرئيس النميري . غير أن عودة المهدي .. لم تضع حداً لمجمل الخلافات التي كانت عالقة بين النظام الســوداني وأقطاب المعارضة . فالشريف حسين رفض العودة آنذاك ، رغم أن النميري بعث إليه بطائرة خاصة لِتُقِلَّه إلى الخرطوم . كما أرسل الرئيس السوداني إلى الشريف رسالة ، طالبا عودته إلى السودان من أجل " تنقية الأجواء السياسية " ، ومباشرة " تدعيم الوحدة الوطنية ". وقد حمل الرسالة في طائرة خاصة رجل الأعمال السوداني فتح الرحمن البشير، الذي لعب دور الوسيط في المصالحة ، ورجل آخر مقرَّب من النميري . ومع ذلك استمر الشريف في رفض العودة ضمن الظروف التي كانت قائمة ، وأشار فتح الرحمن البشير بوضـوح ، إلى: " أن هناك جهات في لندن ، عملت على تخريب المصالحة ، ولكن تمكَّنَّا أخيرا من تنقية الأجواء " . وهو كان يعني ، دور الشريف الهندي داخل المعارضة السودانية ، عبر رفضه العودة . وأرسل الشريف ردا خطيا على الرسالة التي تسـلمها من النميري، شــكره فيها على دعوته إلى الحضور ، مضِيفاً أن حضوره متعذر لظروف صحية ، وذكَّره بالسجناء والمعتقلين السياسيين الذين أعلن عن إطلاق سراحهم ، مبيِّنا له أنه : " أصبح في كل مدينة وقرية - بل ومنزل - سجين " .

وفشلت المصالحة ، ودخل السودان في طور جديد من الصراع الداخلي ؛ إلى أن سقط النظام وسط إفلاس شامل ، وانتشار الفساد والمحسوبية ، وانهيار كل مقومات المجتمع المادية والمعنوية .

وفي أقل من عام ، عادت البلاد إلى وضع شبيه - في جوانب متعددة منه - بفترة ما قبل 1969م ؛ وكأن الأنظمة العسكرية الفاسدة، تظل بأجهزتها فئة معزولة ، نخبوية النظرية والممارسة ؛ تجمِّد وتضبط تناقضات المجتمع إلى حين ، ولكنها لا تحدث تغييرا جذريا في قلب العلاقات الاجتماعية ، فتبقى هذه الأخيرة في حالة شبه جامدة ، إلى أن تتحرك مرة ثانية بعد ذهاب الفئة النخبوية. ولذلك أطلق السودانيون على حركتهم التي أسقطت النميري وطاقمه .. اسم: " انتفاضة " ؛ ولم يسبغوا عليها لقب " الثورة " ، إذ باتوا يدركون أن الثورة لا تزال تنتظر من يحققها ، وهي ليست مؤسسات سياسية دستورية - رغم أهميتها البالغة. ولكن هذه الأخيرة تشكل المقدمة والتمهيد لإجراء تغييرات شاملة، في صميم المجتمع وثقافته واقتصاده . فلم تفشل الديموقراطية في السودان في السابق ؛ لأنها لم تجد من يؤمن بها فقط ، بل لأن المجتمع الذي احتضنها ، عانى من تخلف اقتصادي وشبه جمود اجتماعي ، وانشطار سياسي لا يرتدي طابعا حزبيا بحتا .


وعندما يتم إحياء بعض تراث الشريف حسين الهندي ، فإنما يتم انطلاقا من محاولة لفت الانتباه إلى الأمور التالية :


1 - أن للنضال السياسي ، أسسه وأعرافه وتقاليده التي لا يجوز التخلي عنها مطلقا ، وإلا تحول هذا النضال إلى عمل فوقي نفعي ذي صفة عابرة . ولا يؤتي النضال ثماره إلا إذا حافظ على منطلقاته المبدئية ، التي تظل تتسم بليونة التعامل مع التطورات والطوارئ والمفاجآت .

2 - أن الحرية قضية جوهرية ثابتة المعالم ؛ تأخذ سبل تحقيقها أساليب متنوعة ، وفق الظروف المحيطة بالذين يعملون من أجلها . وإذا انتهك نظام ما .. حريات المواطنين وســلبهم حقوقهم الطبيعية ، فإن الدفاع عن هذه الحريات والحقوق ، لا بد أن يرتفع إلى مستوى جديد ، تمتزج فيه كل أشكال المقاومة السلبية والإيجابية ، بما فيها المقاومة المسلحة ، وكحق شرعي في وجه قوة طاغية لا تفقه سوى لغة واحدة .

3 - لا ينشأ نظام عسكري كنظام نميري ، ويستمر وسط الفراغ وبدون أسباب موضوعية ، تتيح أمامه مجال البروز والتشبث بالسلطة ، ولذلك فإن إعادة القديم إلى قِدمه ، بعد إسقاط الحكم العسكري مسألة مستحيلة ، وتحمل في أحشائها مشروع انقلاب عسكري جديد ، وربما ما هو أخطر وأدهى .

4 - من هنا لم تعد الديموقراطية شكلا دستوريا مجردا من أي مضمون اجتماعي ، أو التزام عملي بالتنمية والنهوض بالاقتصاد .. كمسؤولية منوطة بالدولة الجديدة .

5 - تعني الديموقراطية – استطرادا - بناء الإنسان الجديد المتحرر من قيود التبعية ، والخضوع في معيشـته وحياته ، لتأثيرات عشائرية أو طائفية أو عائلية .

ولذلك فإن في مذكرات الشريف الهندي ، التي كتبها بخط يده ، حول الفترة الأولى من النظام العسكري ، علاقة مباشرة بتسليط الأضواء على الظروف التي أدت إلى حدوث الانقلاب ؛ وإبراز كيفية التصدي له ، ثم الارتقاء بالعمل السياسي إلى آفاق جديدة ، لا تنتهي بمجرد نجاح التصدي وإحراز الانتصار .


وفي الحلقتين.. الأولى: (بعنوان/ الهارب)؛ والثانية: (بعنوان/ مؤتمر الخرطوم 1967م).. من المذكرات ، إشارات مضيئة تكشف الوضع السياسي والنفسي ، لقادة الأحزاب الحاكمة عشية الانقلاب . وهي لا تسرد تفاصيل الصراعات بين هذا الجناح أو ذاك ، ولا تتطرق إلى أحداث عامة ، بل تقدم صورا داخلية متحركة ، لما كان يجري .. وكأنه قدر محتوم .


ويبدأ الشريف مذكراته متحدثا عن مسؤولياته - وهو وزير للمالية - وعلاقاته بالمواطنين ، مبيِّناً الأسس التي قامت عليها هذه العلاقات . وتشعر.. وأنت تقرأها ، أنه كان - كوزيرمالية - يتحمل أعباء ، وينوء كاهله بمهمات ، لا يستطيع تنكّبها فريق مالي بكامل طاقمه وأجهزته . ويركز بأسلوبه الخاص ، على حسـنات العلاقات الاجتماعية ، والتي كانت سائدة في السودان .. وسيئاتها. ولا شك أن ما يصفه عن تجربته الخاصـة، حالة نادرة في قلب تلك العلاقات النادرة ….

يقول:

" وحتى الشرطة عجزت عن حراسة منزلي ، فتركته مفتوحا يلجه كل من لا يجد له مأوى في الهزيع الأخير من الليل . ولا غرابة .. فقد كان (أي هو) وزيراً متخلفا في بلد متخلف ، يعتقد أهله أن وزيرهم لا ينام ولا يأكل الطعام !! "

ووسط جموع الناس وتهافتهم وإلحاحهم ، في حل مشكلاتهم الشخصية والعائلية والمعيشية ، ورفعها مباشرة إلى الوزير ، كان الإعداد يجري للانقلاب العسكري ، وتقترب ساعة الصفر ، والشريف حسين .. يكاد أن يكون وحده ملمَّاً بما يحدث ، ومعارضا له في آن معا . إذ كان آخرون من قادة الأحزاب والزعامات ، على اطلاع مباشر- أو غير مباشر- بما يدور، وبعضهم تواطأ قبل الانقلاب أو بعده بقليل ، ولم يحرك الباقون ساكنا . وعبثا حاول الوزير المرهَق ، تحذير المسؤلين وتنبيههم وحثهم على اتخاذ القرارات اللازمة ، للحيلولة دون ما كان يبيِّته العسكريون من "الضباط الأحرار" ، وكشفته المحاكمات التي جرت ، لبعض هؤلاء العسكريين من أقطاب مايو.. كما كان دور الشريف حسين حاسما وفعالا في مقاومة النظام ، ومبادرته إلى التحرك ضده منذ عامه الأول.

وفي لحظة من اللحظات ، وقبل وقوع الانقلاب في فجر 25 مايو 1969م ، يسترسل الشريف في حوار بينه وبين نفسه ، وهو يحاول تلمس الأسباب القريبة والبعيدة التي تنذر ببداية أحداث كبيرة ، ويصف بشفافية نادرة .. الصراعات النفسية ، والأحاسيس المتضاربة ، والتوتر المشحون بآلاف علامات الاستفهام ، وذلك قبل اتخاذ القرار الحاسم.

وما أن سمع تلاوة البيان الانقلابي عبر الإذاعة ، حتى اضمحل ضرب الأخماس بالأسداس ، واستقر رأيه على موقف واحد ، لا سبيل أمامه للمساومة أو التردد ، أو طرح المزيد من الأسئلة .. يقول : " وسَرَت في جسدي قوة غلابة انحسر معها الوَهَم ، والضعف الذي كان يلازمني .. وقررت وحدي - إذ لم يكن بجانبي زميل أو صديق - أن أقاوم هذا الخطر حتى ولو بأظافري وأسناني ".

وبدأت مقاومة الخطر ؛ واستمرت اثني عشر عاما ، في الفيافي والصحاري ومخيمات التدريب والمهجر ؛ والتنقل المتواصل في عواصم العالم والسهر الدائم ، والإعداد المستمر ، وتنظيم القوى وحشدها ، وتعرية النظام العسكري ، بكل الوسائل السياسية والإعلامية والدبلوماسية ، والتصدي له عبر قوافل الشهداء ، والالتزام بمبادئ الديموقراطية ، واستقطاب العناصر الخيرة من كل أبناء الشعب السوداني.

ولم يكن قرار الشريف في المبادرة إلى المقاومة ، داخل السودان أو خارجه ، وبالتحالف مع كل من يبدي استعدادا للسير معه ، حتى ولو إلى منتصف الطريق .. نابعا من خواء ؛ لا يستند إلى خلفية محددة. جاء هذا القرار أمرا طبيعيا مرتبطا بتجربته الشخصية الطويلة ، وقدرته على بلورة موقف واضح ، يتجاوب تجاوبا عفويا مع الإنسان السوداني العادي ومطالبه الوطنية والقومية.

فيصل سعد 10-03-2008 10:05 AM

[align=center]

إنجازات الشريف حسين الهندي
عندما كان وزيرا في الخدمة المدنية العامة (1966-1969)
[/align]




سياسات الشريف فيما تولى من وزارات
(1) بوزارة الحكومة المحلية: خطته للعمران والإسكان




لما كان الشريف وزيرا للحكومة المحلية والإسكان قام بعمل إستراتيجية في تخطيطه العمراني ذات برنامج بمشروعات لتوزيع الأراضي للمواطنين. وعند منطلق منجزات هذا المشروع الحيوي والهام خاصة بالنسبة للطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة في المجتمع السوداني – يومئذ – قام الشريف بتوزيع اراضي امتداد الصحافة جنوب الخرطوم واراضي امتداد مدينة البراري شرقها.. وهذا الحي الذي خلقه امتداد البراري، سُمي "بامتداد ناصر" (ربما تكريما لصديقه الزعيم المصري العربي الكبير الرئيس جمال عبد الناصر) الذي زار البلاد ايام مؤتمر الخرطوم عام 67م والذي استقبل فيها إستقبال الفاتحين.

(2) بوزارة الري والكهرباء: خزان الروصيرص ومشروع الرهد

كان التخطيط لمشروع الرهد والقرض الذي وقعه الشريف مع البنك الدولي يتضمن ان تتم تعلية خزان الروصيرص.. حتى يمكن حفر قناتين: واحدة (غربية) لري سهول الكنانة؛ ومشروع سكر كنانة الحالي مع مشاريع السكر اللاحقة: (غرب سنار وحجر عسلاية).. والقناة الثانية (شرقية)، لتروي مشروع الرهد الحالي ومشروع سكر الجنيد ومنطقة سهل البطانة مضيفة بذلك مساحة زراعية جديدة هي ضعف مساحة الجزيرة والمناقل مجتمعتين.

تعلية خزان الروصيرص وقتها كانت تعني اولا: زيادة السعة الاستيعابية للخزن المائي في البلاد .. وقتها ويمكن من ثم زيادة المساحات الزراعية بها. وتعني ثانيا: إضافة طاقة كهربائية (من التوليد الكهرومائي في السودان) قدرت ب 400 إلى 600 ميقاواط كهرباء مما يعني التوسع مع هذه المشاريع ، في مشروعات التصنيع الزراعي والحيواني والصناعات التحويلية والوسيطة..وهذا يعني إضافة كبيرة للناتج (الدخل) القومي ..من المؤمل ان يخلق ذلك علاقات إنتاج جديدة تضاف لقوى الإنتاج الاخرى وتوسع من الطبقة الوسطى (وهي الاكبر يومذاك) قاعدة الحزب الاتحادي الاساسية.



(3) بوزارة المالية والاقتصاد: (لدورتين في هذه الوزارة)

أ - السياسة المالية والاقتصادية للشريف:-


كان الشريف يؤمن بالخدمة العامة وبالعمل الميداني فيها والذي يقتضي الإلتصاق المباشر بالجماهير.. ومنذ عام 1967م كان يسير وزارة المالية بطريقة مكنته من جمع كل الخيوط بين يديه؛ ولمعرفة حل المعضلات المالية التي تعاني منها الوزارة؛ وفك الإختناقات التي يعاني منها الاقتصاد السوداني.. وفي المذكرات التي نشرها روبرت ماكنمارا (وزير الدفاع الأمريكي الأسبق عن فترة رئاسته للبنك الدولي عام 1960م إلى عام 1968م) شهادة، عبر فيها رئيس البنك الدولي عن كفاءة ومقدرة الشريف وحجته المنطقية في الحوار معه.. قي نقده للبنك الدولي، في سياساته المالية والإقتصادية: للإنشاء والتنمية والتعمير؛ وجاء ذلك حين قال ماكنمارا:


" خلال عملي لمدة ثمانية سنين في البنك الدولي، لم يستوقفني محافظ من محافظي البنك
(بحكم مناصبهم كوزراء للمالية) مثلما استوقفني وأدهشني شريف السودان "..
قاصدا الشريف الحسين.. وزيرالمالية والاقتصادية يومذاك.



ب - كادر للعمال والموظفين لتحرير وتوازن الأسواق بغية السلام الاجتماعي


في سبيل الإصلاح المالي والإداري.. ولما كانت هناك طفرة كبيرة متوقعة في الانتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، فهي تتطلب – بالضرورة - كفاءات مقتدرة في الإدارة والتخطيط؛ ومن ثم انتبه الشريف لهذا الجانب؛ خوفا على الكوادر المؤهلة من الاغتراب؛ بسبب ضغط الحاجة.. وللحفاظ على استثمارات الدولة في التعليم والتدريب والتأهيل.. فأصدر كادر العمال والموظفين؛ وكانت غايته السير خطوة نحو خلق توازن بين تكلفة المعيشة ومتطلباتها وبين الأجور .. في سبيل تحقيق حرية السوق والاجور مع المحافظة على استراتيجية السلام الاجتماعي في دولة مقتدرة تعرف كيف تصنع الضوابط للعلاقة المالية بين الاجير ورب العمل دون قسر او إكراه.. الامر الذي ادى إلى شيئن: اولا المحافظة على الكوادر والكفاءات الوطنية المؤهلة من الهجرة والاغتراب؛ وثانيا الحفاظ على الخدمة العامة من التسيب والفساد الذي تمليه ضرورات الحياة في ظل نقص الأجور وقلتها، إذ اصبح الأجر وقتذاك لا يفي بمتطلبات الحياة فحسب، بل يوفرهامشا (فائضا) للإدخار.


ج – "بند الهندي" في محاربة البطالة

من باب الإصلاح المالي والإداري ابتكر الشريف في الميزانية العامة للدولة تحت بند الإدارة العمومية بندا سمي باسمه "بند الهندي".. كان يرمي من ورائه لمحاربة البطالة؛ والسير خطوة نحو نوع من الضمان الاجتماعي؛ إصطاد فيه عصفورين بحجر واحد حيث قرر:

اولا.. استيعاب كل من أكمل المدرسة الوسطى وما فوقها ، موظفا بالحكومة. وعين عددا كبيرا من الموظفين خوفا من أن طاقات الشباب الهائلة ، إذا لم توجه التوجيه الأمثل ، فإن " القوى الهدامة " - على حد تعبيره - ستستغلهم أسوأ استغلال ، وتسعى لاستيعاب هذه الطاقات لتوجيهها توجها سيئا.. فتكون أداة هدم ومعول تخريب وتقويض؛ بدلا من أن تكون أداة بناء .

ثانيا.. تأمين الاستيعاب للخريج (وحتى الطالب في الاجازة الصيفية.. منه يلقى نوعا من التدريب ومنه دخلا يقضي به بعض حاجاته) في الخدمة العامة.. وبالتالي أمّن الشريف للنشئ عملا وعائدا وتدريبا يغنيه عن الحاجة للهجرة والاغتراب؛ كما استبقى على استثمارات الدولة في التعليم والتأهيل داخل الوطن.. وفي كلا الحالين كان الامر انتظارا لبدء الانتاج في مشاريع التوسع في الزراعة (بشقيها: النباتي والحيواني) وفي الصناعات التحويلية.. توسعا افقيا ورأسيا.. بل كان هناك جانب غير معلن عنه في خطة هذا البند: وهو سحب الفائض في دواوين الحكومة ومؤسساتها واستيعابهم - فيما بعد - في مشروع الرهد وامتداداته (عند اكتمالها بعد 3 سنوات).. عندها يكونوا قد نالوا تدريبا عمليا في نظم الإدارة.. وتقسم عليهم الحيازات الزراعية الكبيرة (المقترح فيها 20 فدان للفرد).. ويصبحوا بفضل نظام هذه الحيازات الزراعية الكبيرة شركاء للدولة، يملكون ويديرون نوعا حديثا من المزارع اشبه بالنموذج الكندي او النموذج الاسترالي.


د – قيادته ثورة الإصلاح الزراعي ورفع الإنتاج والإنتاجية

- بدأ الشريف مشروعه لتحرير أسرى الررا عة وأجراء الأرض بالإصلاح الزراعي بتأميم اكبر مشاريع النيل الأزرق ومشاريع النيل الأبيض الزراعية – وكان لذلك اثره الكبير في رفع نصيب العامل والأجير من الارض (حيث كانت اغلب هذه المشروعات مملوكة لأسر إقطاعية تمتهن العمل السياسي)؛ إلى شريك في حالتي الارض والانتاج؛ وله اتحاد يرعى مصالحه ويحفظ حقوقه.

وبفضل تغييره لعلاقات الإنتاج في هذه المشاريع الضخمة (وجرى ذلك أساسا في "نظام الحساب المشترك للأطراف الأربعة المشاركة فيه: الدولة والمزارع ثم اتحاد المزارعين وإدارة المشروع الزراعي المعني) نجم عن ذلك استقرار المزارعين في اراضيهم وحقولهم بدل الهجرة إلى المدن اوالاغتراب. كما ارتفع إنتاج المحاصيل الزراعية النقدية بفضل الزيادة في الإنتاجية الزراعية النابعةاصلا من تغيير علاقات الشراكة المذكور. ويلاحظ في هذا الصدد ايضا بعض التوسع (على قلته) في الطبقة السودانية الوسطى مع انتشار الخدمات البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية في معظم مناطق الإصلاح الزراعي,, إن لم يكن كلها؛ مما دعى الدكتور مضوي الترابي لأن يقول: لم تبق في الجزيرة او المناقل قرية غير مكتملة الخدمات" ..


هـ - برنامجه الاقتصادي للتنمية والتعمير

من أهم معالم فترة الحكم الديموقراطي الثاني..ان الشريف (عام 1968) أعد برنامجا إقتصاديا طموحا تضمن إنشاء ما يلي من مشروعات البنية الأساسية والتنمية:


1/ كوبري حنتوب
2/ مشروع الرهد
3/ مصنع سكر كنانة
4/ مصنع سكر عسلاية
5/ طريق مدني سنار الدمازين
6/ كوبري سنجة

وحسب البعض أن هذا البرنامج الاقتصادي الطموح، ما هو إلا افكارا نظرية طرحها الشريف للإستهلاك المحلي من اجل الانتخابات.. ومثل هذا البرنامج لا يأتي إلاَّ في إطارخطة إنمائية شاملة! إلا أن الدلائل كانت تشير، إلى أن الشريف كان جادا في تنفيذ هذا البرنامج، لما بعد تشكيل الحكومة. ونأكيدا على جدية الشريف الحسين (وكان وزيرا للمال والاقتصاد يومها).. حين حملت جريدة "الجزيرة" يوم 26/9/1968م الخبر التالي:


"سافر هذا الأسبوع وفد لواشنطن.. للتباحث مع المسئولين بالبنك الدولي،
حول تمويل مشروع الرهد. ويتكون الوفد من نائب وكيل وزارة الري
ومساعده للمشتروات.. وباشمهندس القسم الميكانيكي ومندوبين
من وزارتي المالية والزراعة"..


علاوة على ذلك استقدم الشريف لجنة ( يرأسها المستر رست -RUST- من البنك الدولي)، لتعمير وتحديث مشروع الجزيرة وامتداد المناقل.. الذي كان الحسين يوليه اهتماما فائقا. ولكن!! بعد أيام قليلة من قيام كارثة مايو الخراب (وهذا من اوصافه لها)، تحدث رئيسها المخلوع - في لقاء جمعه له الشيوعيون بود مدني - أعلن إلغاء قرارات لجنة البنك الدولي؛ والمتعلقة بمشروع الرهد خاصة.. و لكن بعد ان انقلب على الشيوعيين (وتحول للأمريكان) قرر إعادة اللجنة وتنفيذ قراراتها فورا..


وهناك دليل آخر.. قاله رئيس البنك الدولي - روبرت ماكنمارا - عن "شريف السودان؛ مذكور اعلاه أعلاه.. إضافة إلى أن المجتمع السوداني لم يعهد من الشريف الحسين إلقاء القول على عواهنه؛ ناهيك عن الاستهلاك المحلي.. ذلك ان الرجل كان (من طبيعة عاداته)، إذا قال فعل؛ بدليل إذا خطط لمشروع ما (من اي نوع كان)، اوجد التمويل لتنفيذه ونفذه.. (إلاّ أن يحول بينه وبين التنفيذ قدر إلهي؛ وتلك إرادة الله سبحانه لاحول ولا قوة إلا به تعالى).. ودونكم أداؤه وعطاؤه في الوزارات التي تولى امرها اثناء عهدهم الديموقراطي؛ وحتى في معارضته عهد مايو الديكتاتوري عسكريا في انتفاضة يوليو 1976م التي هزت عرش الطاغية الحاكم يومها حتى انبرى يبحث عن صلح زائف استذل فيه حتى من صالحوه على وهم حين رفضه الشريف لسابق معرفته بغدر النميري وتنكره لمصالحة جدة امام العاهل السعودي الملك فيصل الذي منح النميري يومها 120 مليون دولار ليعوض بها اصحاب الممتلكات المؤممة في بداية عهده الشيوعي.. لا يعرف الشريف حسين (فيما يقول د. جلال الدقير في مقدمة د. يوسف الشويري لمذكرات الشريف) كما لا احد غيره يعرف مصيرها إلى ان رحل الشريف شهيدا مرفوعا وسقط الطاغية منبوذا مخلوعا ومجدوعا..

فيصل سعد 10-03-2008 10:42 AM

[align=center] بسم الله الرحمن الرحيم

قصة مسعى الشريف حسين الهندي
لتعيين محمد احمد محجوب أمينا عاما للجامعة العربية[/align]





في خطابه للطلبة الاتحاديين بلندن عام 80-1979.. تعرض الشريف لقصة له مع طلب من عبد الناصر (حين كان يبحث عن بديل لأمين عام الجامعة العربية - عبدالخالق حسونة - الذي انتهت خدماته فيها؛ لذا فهو يقترح لها محمد احمد محجوب).. ذكرها الشريف في سياق حديثه لهم عن عجائب وغرائب السيد الصادق المهدي: (في انتفاضة يوليو 1976م ومصالحته الفاشلة في مدينة بورتسودان مع نميري..في 7 يوليو 1977). قال لهم - في شريط فيديو - ان اقتراح عبد الناصر تعيين محجوب امينا عاما للجامعة العربية، كان سيحل مشكلة محتدمة.. ويومها كان صراعها علني في الشارع السوداني وداخل حزب الأمة بجناحيه وهي: من يكون رئيسا للوزارة.. الصادق ام محجوب؟

وما ان عرض الشريف اقتراح عبد الناصر على الرئيس الأزهري والمحجوب والإمام الهادي إلاّ وكانت الموافقة تامة من الكل وفورا حلا للمشكلة المذكورة.. ولما عرض الأمر على الصادق لم يوافق فحسب بل قال للشريف كلاما عجبا مضمونه ان هذا سيعطل برنامجه لحل مشاكل العالم: السودان في 3 شهور؛ وافريقيا في 6 ؛ والشرق العربي وآسيا في سنة؛ واوربا وامريكا واللاّتينية ربما تاخذ منه وقتا اطول قليلا !! وهنا خرج الشريف من عنده وقال لنفسه: " أهل العقول في راحة".

ولما كان "سمح القول في خَشم سيدو" - ستجدون نصه بالحرف من لسان الشريف نفسه في رابط ندوة لندن في مداخلة سابقة بهذا البوست - عن قصة اقتراح عبد الناصر بين برنامج الصادق للكون ومسعى الشريف ليتبوأ السودان مقعد الأمانة العامة للعروبة في شخص المحجوب؛ علاوة على حل مشكلة رئاسة الوزارة داخل حزب الأمة يومذاك... لكن أضاع يعقوب الفرصة على الوطن لحاجة في نفسه ربما قضاها ... والله اعلم ...

فيصل سعد 10-03-2008 11:08 AM

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم

عودة الهارب
بقلم الشريف حسين الهندي - يوم 11 مايو1958
ردّه على مقال جريدة "الأمة": "الهارب"[/align]




"بالخط العريض" وفى صدر الصحيفة الأولى وبالمانشيت البارز، أبرزت صحافة الحكومة إكتشافها الأثري، عن سلفيتي الزراعية، كأنها أطلقت قمراً صناعيا ثالثاً، ثم تخيلت أني قد هربت، وخالت أنها قد انتصرت، وعاشت على هذه النشوة أسبوعا كاملا. ولو كانت الديون تحمل الناس على الهروب، لارتحنا من وجوه كثيرة كانت ولا تزال.. مصدرا لشقاء الكثيرين، ولرحل عن هذه البلاد سادة ولبيعت سرايات وتهدمت دوائر؛ فإن حياة بعض الناس سلسلة متلاحقة من الديون، من عهد فليبيدس وكونتيمخالوس، إلى عهد الكريدي ليونيه..

و لو كان هؤلاء يستدينون من الحكومات والبنوك والشركات فحسب، لسكتنا .. ولكنهم يخطفون اللقمة من الجائع .. لأنه جاهل، ويحوِّلون حبات عرق الكادحين إلى سلاسل من الذهب يكنزونها، ويتنعمون على حساب حقوق المزارعين المتراكمة، ويأكلون أموال الأيامى واليتامى ظلما، ويملأون بطونهم المستكرشة سُحتا وطعاما ذا غُصَّة، و سيصلون بعد ذلك سعيرا وعذابا أليما .. وها هم أولا لم يهربوا للآن.. يصبحون على معونة ويمسون على قرض .. ويبيتون على مؤامرة يخفُّون عند الطمع ويثقلون عند الفزع، يتعاظمون كما تتعاظم القياصرة، ويتفاخرون كما تتفاخر الأكاسرة، وأفقر الفقراء فى هذا البلد أريح ضميرا، وأحسن عند الله مآبا..

نعم إنني مدين لجمهورية السودان وليس في هذا ما أخجل منه .. وعندما كتبت ما كتبت، وسلكت فى حياتي السياسية ما سلكت، لم أكن أجهل هذه الحقيقة، ولم أكن أعتقد أنكم لن تشهروا هذا السلاح عليَّ؛ فإن التهديد، خاصة من أخص خصائصكم .. ولم أكن أعش في المريخ، حتى أن هذه حكومتكم، ووزير ماليتها وزير ماليتكم، وأن أمورها تدبر بليل في سراياكم.. وحتى لو كان فى إمكانكم أن تبيعوا البيوت والممتلكات، فلن تستطيعوا سد منافذ الهواء؛ كما لن تستطيعوا كبح جماح هذا القلم.. فلقد قررت أن أقف بجانب الشعب السوداني، لا أتزحزح ولا أتحـول، ولا أساوم حتى لو أمسك جميع سادتكم، بأطراف هذا القميص المتسخ، الذى يعلوه غبار السفر، يريدون انتزاعه مني..

إن أزهري لم يمنحني سلفية، ولو كان أزهري يمنح الأصدقاء ويمنع الخصوم، لما كنتم الآن في مثل هذا الموقف، الذي ترهبون فيه وتستَعْدون أدواتكم على الناس.. ثم إنني لم أكن في الحزب الوطني الاتحادي، عندما كان الأزهري في الحكم.. فلقد دخلت الحزب الوطني الاتحادي صبيحة إسقاطكم لحكومته القومية.. ومن يومها وضعت يدي في يده.. ولئن تقطع يدي فلن أسحبها من يده، ومهما بطشتم أو نكلتم فستبقى يدي في يده، تشد من أزره وتعاون في أمره، حتى تبلغ ملتقي البحرين، أو نلبث حقبا.. فاذهبوا إذن وابحثوا عن رجل آخر تهددونه أو بضاعة تشترونها، أو نخاسة تقيمونها بدراهمكم البخسة ، وأسلحتكم الصدئة..

لو كنت أنشد الثراء لسلكت طريقا يحذقها بعض الناس، حتى اغتنوا مظهرا وافتقروا مخبرا، ولكنت قد سعيت وراء سراي الشريف يوسف الهندي بوابور المياه، و وراء هبة الثواب المهداة إليه من أخيه؛ وهذه طلاسم تعرفونها جيدا، ويعرفها معكم فضيلة مولانا الشيخ /حسن مدثر، قاضى القضاة السابق.. وأرجو الاّ تضطرني الظروف لفك رموزها، حتى لا تخِف موازين بعض الناس..

إذا فبيعوا ما تشاؤون ونكِّلوا بمن تشاؤون؛ فقط.. نفِّذوا كل ذلك في صمت واسكتوا صبيانكم، حتى لا تحملونا على ارتياد مسالك تعففنا منها زمنا طويلا، وإبقاء على صلات لا أظن أن صبيانكم يعرفونها؛ وإلاّ.. فلن يكون وقود هذه النار التى تشعلونها إلا صحائفهم البائرة؛ بل سيكون وقودها الناس والحجارة.. ولن تسكتنا يؤمئذ قوة؛ فما أكثر ما نعرف، وما أكثر ما نكتم..

ثم أنني لن أهرب ! وأنتم تعرفون ذلك جيدا؛ فلم يهرب عمي.. يوم استشهد في مشارف سنار مقبلا لا مدبرا.. ولم يهرب أبي، عندما قذف بحصانه فى وابورالإنجليز بكرري، عندما ثبت من ثبت، وهرب من يعرفه كبراؤكم ‍ومما سجله التاريخ .. وأخيرا.. فإنني ما زلت محررا بجريدة "العلم"، وهى صفة أعتز بها، وأحرص عليها، ولن أبدلها بملئ خزائنكم ذهبا، أو حشو ثيابكم حطباً..

خالد الحاج 10-03-2008 02:16 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فيصل سعد (المشاركة 91957)
نذكر اخونا خالد الحاج ، باننا طلبنا مساعدته في المداخلة
رقم 24 في هذا البوست متضمنة اللنك و الرابط و
نثق في مساعدته و كريم استجابته لطلبنا برفع ملفين
صوتيين في هذا البوست على حسب التساهيل..

سلامات يا فيصل
لم انتبه والله لو لا رسالتك..
الملفات ضخمة أقلها (58ميجا) تحتاج شغل... أديني ساعة...

خالد الحاج 10-03-2008 02:33 PM

[align=center][rams]http://sudaniyat.net/up/uploading/Hussien_London_First.wma[/rams][/align]

[align=center]( لقاء الشريف حسين الهندي في ندوة لندن 1980 بالطلبة الإتحاديين "الشريط الأول")[/align]

خالد الحاج 10-03-2008 02:51 PM

[align=center][rams]http://sudaniyat.net/up/uploading/Hussien_London_Second.wma[/rams][/align]
[align=center]( لقاء الشريف حسين الهندي في ندوة لندن 1980 بالطلبة الإتحاديين "الشريط الثاني")[/align]

فيصل سعد 11-03-2008 08:52 AM


لك وافر الشكر و التقدير عزيزنا خالد الحاج
و دمت عونا و سندا للجميع هنا ، علما و مقدرة و خبرة .
الود و الاعزاز ..

kabashi 11-03-2008 07:44 PM

[align=justify]الأخ العزيز فيصل
جزيل الشكر على رسالتك ولا مانع لدي البتة فيما إقترحت حول عنوان البوست وجزاك الله خير فقد أسديت لذكرى الراحل المقيم وعطرت المكان بأريج أفعاله وأقواله الخالدة و التي لا شك أنها ثروة قومية لو تم الإطلاع عليها والتنقيب فيها لأثرت الساحة السياسية فهي تجربة وطنية فريدة ولكن كتم عليها لأسباب عديدة وقد كان أشدها مضاضة على النفس تكتم حزبه !! ولكن الله متم نوره رغم كيد الناقصين وأنصاف المناضلين سوف تأتي أجيال تنقب وسيكتب التاريخ حقائق بعيدة عن إدعاءات المدعين ...
والشكر عبرك للأستاذ الرائع خالد الحاج على ما قام به من جهد فني بوضع المادة الصوتية على البوست والتي أضفت عليه حيوية وبهجة . [/align]

فيصل سعد 12-03-2008 01:41 AM

لا شكر على واجب اخونا كباشي ، و ذلك النضال الحقيقي ، و تلك البطولة النادرة ، و التضحية و التجرد و نكران الذات ، و التسامي و نقاء السريرة ، في سيرة و مسيرة شهيد الحرية و الديمقراطية الشريف حسين الهندي ، تفرض و توجب علينا ان نضاعف الجهد في ابرازها و اضاءتها و توصيلها للجميع بصبر و تأني ، و صراحة و وضوح و سماحة ، على نفس منهجه و اسلوبه الراقي محاورة و اقناع ، و انا عاهدتك سابقا و لا زلت على عهدي بان اواصل معك هذا البوست بكل ما املك من معلومات ، و طلبنا مددا من مصادر موثقة سنردفها تباعا ان شاء الله ،، و سنوفي الرجل حقه كاملا مثلما كان وفيا و منحازا لوطنه و شعبه ، و داعما و مساندا للبسطاء و الشرفاء ، و منافحا للظلم ، و متخيرا وعر الدروب نحو الحرية و العزة و الكرامة .

اطيب التحايا..

فيصل سعد 14-03-2008 06:45 AM

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم

الشريف حسين: صفاته الشخصية وطبيعته الإنسانية
[/align]

اشتهر بين أقرانه بالجرأة والشجاعة والإقدام ؛ ومحاولة المغامرة وركوب الصعاب مع حبه الشديد للمديح والمدّاح؛ يسهر معهم في طفولته وصباه . وكان أنشط الذاكرين في حلقات الذكر؛ إذ كان الوهن والفتور يدبان في الآخرين إذا تقدم الليل ؛ ويظل هو نشطا . وفي صباه ألف بعض المدائح النبوية وعلى سبيل المثال قال قصيدته التي مطلعها:

[align=center]بروق الخيف ضياك بعيد علي المشتاق صباح العيد[/align]


ومنذ أيام الخلوة ، كان إنسانا إجتماعيا محبوبا نشطا ؛ يعمل بيديه مع الذين يعدون الطعام، في التكية القائمة بدارهم لإطعام الضيوف؛ ويساهم في نقله بعد إعداده على عاتقه. أحب المساكين وعاش معهم واختلط بهم ؛ وكان يتفانى في خدمتهم . وعرف بالكرم والإيثار وكراهية الإثرة والأنانية ؛ يعتبر كل ما يكتسبه هو حق مشاع لغيره معه؛ لذا يدع الآخرين يشاركونه حتى في ملابسه .. وذكر زملاء طفولته ببرى ، وبعض زملاء دراسته بود مدنى وفكتوريا ، أن قلبه لا يعرف الحقد ؛ ولكنه لا يقبل أي استفزاز .. وإذا استغضب فإنه يثور ثورة عارمة . وعرف منذ صغره بالفصاحة والإبانة وزلاقة وطلاقة اللسان وقوة البيان ..


عندما أتم حفظه للقرآن الكريم، أخذه خاله أحمد خير معه ليتم دراسته بود مدني .. وألحقه بالصف الرابع بالمدرسة الأوليه؛ وطوى كل المرحلة في عام؛ وامتحن للدخول للمرحلة الوسطى ؛ وقبل بالمدرسة الأميرية عام 1935 م . كان يكتفي بحضور الحصص ، ولا يستذكر دروسه؛ ورغم ذلك كان مبرزا في كل العلوم خاصة اللغتين العربية والإنجليزية ؛ وعندما تُعقد الامتحانات يتبادل المراكز الأولى مع أبرز أبناء دفعته بالمرحلة الوسطى. كان يجيد الخطابة بصوته الجهوري المتميز ؛ ويحفظ الشعر ويتمثل به. وعرف بالشجاعة الأدبية ؛ ويشترك في المناشط الثقافية والأدبية ؛ ويحب الدراما والتمثيل في الليالي التي تقيمها المدرسـة..

" لقد كان الشريف الحسين على المستوى الإنساني ، شخصا كريما يفيض بالمروؤة والإيثار وحب الخير للآخرين .. وقد ساهم في علاج المرضى ، وقضاء حاجة كل من يقصده ، واهتم بطلاب العلم إهتماما فائقا، وقد تلقى الكثيرون منهم دراساتهم الجامعية وفوق الجامعية على حسـابه الخاص ، وكان ينفق كل ما يحصل عليه من أموال طائلة في وقت وجيز ، على المرضى وذوي الحاجات والطلبة .. وحتى الذين يعيشون في فنادق لندن التي أتوها من السودان معارضين ، كانوا يقيمون في أرقى الفنادق ، يعيشون في مستوى محترم، على حساب الشريف . ويقيم آخرون في عواصم أوربية وعربية أخرى ، وينفق عليهم الشريف . وقد خرج هؤلاء بمحض إرادتهم ، لأنهم ضاقوا ذرعا بالنظام في السودان ، ولا تثريب عليهم ، إلا أن بعض السودانيين كانوا متعاطفين مع مايو ، أو المنخرطين في نظامها ، ومع ذلك أعلنوا بعد الإنتفاضة ، أنهم كانوا على صلة بالشريف وبالمعارضة في الخارج.

وكان الشريف على صلة شخصية ، بكثير من الملوك والرؤساء والأمراء والأثرياء ؛ وعلى علاقة وطيدة بعدد من حركات التحرر الوطني، يساعد بعضها في احتياجاتها، وكان يشرف على معسكرات المقاتلين السودانيين في ليبيا وأثيوبيا المعارضين لنظام مايو.


إن الشريف حسين الهندي شخص غير عادي ، وإنسان متعدد المواهب ، وهو بحر واسع من أي جانب أتيته ، ولكن الجوانب التي تستحق أن يتعمق فيها الدارسون ، هي الجوانب الإنسانية . فقد ولج العمل العام من هذا الجانب ، وكان في حياته الخاصة متواضعا ونصيرا للمستضعفين ولصيقا بالبؤساء ، وعطوفا على المساكين الذين أحبهم وأحبوه ، وكان رقيقا في تعامله معهم، ينفق عليهم إنفاق من لا يخشى الفقر. ومن القصص الإنسانية التي تدل على رهافة حسـه ، أنه ذهب مرة لجنينته الواقعة بالفرب من سوق حلة كوكو –شرق النيل الأزرق وبالضفة المقابلة لحي بري، في معية صديقه الأستاذ/ عبدالماجد أبو حسبو ، وأحس الشريف عندما هم بالدخول بحركة ، ورأى صديقا له من المساكين كان منحنيا لرفع جوال ليمون ، فوضع الشريف سبابته على فمه ، مشيرا لأبو حسبو بأن يصمت ، وقاده بسـرعة شـديدة وسط الأشجار الشائكة الكثيفة ، حتى أصاب أحد الأغصان يد الشريف بجرح طفيف ، ولما أبتعدا ذكر الشريف لصديقه أبو حسبو بعد فترة ، أنه لمح أحد أصدقائه ، وكان منحنيا يحرك جوالا مليئا بالليمون ، وخاف أن يرفع صديقه رأسه ويراهما ، فيبتعد خَجَلا منه نهائيا ، ولا يحضر ليطلب منه شيئا ، إذا إحتاج إليه.. وأخذ يوجد المبررات لصديقه الذي إضطرته الحاجة والضرورة لأخذ ذاك الجوال.

وذات مرة ، حدثت مشادة كلامية بينه وبين الأستاذ/ أحمد إبراهيم دريج زعيم المعارضة داخل الجمعية التأسيسية يومها، وبعد أيام كان الشريف في طريقه لسنجه ، ليقضي فيها أيام العيد مع أخواله ، وكان ينوي أن يمضي ليلة باستراحة مشروع الجزيرة ببركات ، وعلم أن السيد دريج زعيم المعارضة ، سيأتى ترافقه أسرته لقضاء أيام العيد بها ، فقرر أن يواصل رحلته ويدع الإستراحة لدريج وأسرته ، وطلب من أصدقائه ببركات أن يحسنوا إستقبالهم ، وأن يحفوهم باهتمامهم ، طيلة فترة وجودهم معهم ؛ وأشرف بنفسه على تجهيز المكان ، الذي كان مقررا أن ينزل فيه السيد دريج . وقد إندهش البعض لهذا الإهتمام ، وهذه الرقة المتناهية ، وذكروا له أن بينه وبين السيد دريج في دنيا السياسة ما صنع الحداد ، فقال لهم:

" تلك أحاديث السياسة ، ولكننا على المستوى الشخصي إخوة ، لا شحناء أو بغضاء بيننا،
وإنني أعتبر أن أبناءه هم أبنائى ، وأن أسرته هي أسرتي ، ويجب أن تحتفوا بهم " ..


ويقول اللصيقون به، أنه في حياته الخاصة إنسان ودود ، دمث الأخلاق ، يألف ويؤلف قضى أخريات أيامه في العبادة ، وتلاوة القرآن الكريم وقراءة مولد والده (كتابه للسيرة النبوية) . وقد سجل منه بعض الألواح (فصول)، وقضى شهرين قبل وفاته بالمدينة المنورة يشارك في مديح الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع بعضا من أحباب والده، ويبكي بكاءا حارّا ، عند قبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعدما يؤدي صلواته فيه.


كما كان بطبعه وتربيته الصوفية يميل إلى الزهد؛ قليل الطعام، قليل المنام، بليغ الكلام .. ديموقراطي النزعة واشتراكي المبدأ في عيشه الشخصي والحياة؛ برغم ما كان يملك من المال فما أكثره! ومن الجاه وما اوسعه! فلا عجب إن كتب في مذكراته انه (وفيما يخص ذاته) لا يؤمن بالملكية الفردية عملا بقول جده الرسول محمد (ص): "الناس سواسية في الماء والكلأ والنار" يعني الوقود.. أوليست هذه ركائز العيش والحياة؟ والماء وحده قال تعالى عنه: " وجعلنا من الماء كل شيء حي".. فإذا كانت الديمقراطية هي المشاركة في التشريع والحكم والإشتراكية هي توزيع الموارد والمال والملكية على الناس جميعا معنى ذلك أن الديمقراطية تعني إقتسام السلطة والإشتراكية تعني إقتسام الثروة التي تنعم بها البلاد، وهذا ما كان يؤمن به الشريف ويعمل على تحقيقه إلى أن لقي ربه (رحمه الله).

(من كتيّب "الشريف الحسين الهندي: أسرار وخفايا"؛ لصديق البادي).



[align=center]"لا قداسة مع السياسة"
مقال الشريف حسين الهندي بجريدة "العلم"
(في منتصف الخمسينات من القرن الماضي)[/align]



كان بعض الزملاء يستفسـرون الشـريف عن سبب عدم انضمامه للحركة الإتحادية، وهم يدركون تعاطفه معها؛ وكان يتذرع فى رده عليهم بأسباب واهية لم تقنعهم. ولكن بعض أصدقائه الحميمين كانوا يدركون ، أن من رأيه أن الطائفية ينبغي أن تبتعد عن العمل السياسي الحزبي - وعلى قادتها ألا يتدثروا بالقداسة ، إذا أرادوا أن يخوضوا مع الآخرين غمار السياسة ، ولذلك رفع الشريف منذ وقت باكر شعار : "لاقداسة مع السياسة" ، وهو الشعار الذى التقطه الأستاذ يحي الفضلي فيما بعد . وفور انفصـال طائفة الختمية وتكوينها لحزب الشــعب الديمقراطي ، بادر الشريف الحسين بالإنضمام للحزب الوطني ، وقد كتب الشريف عن الطائفية فى جريدة العلم ، مقالا بعنوان : "لاقداسة مع السياسة" ؛ جاء فيه :

"نحن نحترم رجال الدين ما التزموا جانب الدين، واعتصموا بدينهم وربهم إبتغاء مرضاة الله، ولكننا لن نهادن الكهنوت السياسي والرهبنة . وعندما نتعرض لزعيم ديني ، أصبح زعيما دينيا - سياسيا، فإننا لانتعرض لمسائله الخاصة، فهي ملكه. إننا لا نتحدث عن طعامه وشرابه وعواطفه.. وإنما نتحدث عن مدى صلته بالمجتمع الذى يعيش فيه، ومدى تأثيره السياسي على طائفة من المواطنين، بغض النظرعن الأسلوب الذى يتبعه، لأنه سياسي على كل حال"

- الشريف حسين الهندي -



فيصل سعد 14-03-2008 07:10 AM

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم

البرنامج الاقتصادي للإنقاذ الوطني
الشريف حسين الهندي[/align]


تمهيــد

الاختناقات الاقتصادية(سلع وخدمات)بين الحكم والإدارة


كل مهمة هذا النظام (مايو النميري ) أن يحـكم ، ليس مهمته أن يديـر شئون البلاد بل أن يحكم بالقهر!! وطالما هو مستمر في الحكم ، طالما هو مستمر في القهر .. لا يهم أن يكون هناك مـاء أو أن تكون هناك كهرباء أو أن تكون هناك خدمات أو أن تكون هناك سـلع ولا يهمهم أن تكون هناك اختنـاقات .

وفي واقع الأمر ، إذا بدأنا نعد - ونحن الآن في مرحلة العد التنازلي ، ولكننا كنا في مرحلة العد التصاعدي (منذ بداية هذا النظام) وأصبحنا نعد يوما بعد يوم ؛ إذا أصبحنا نعد الآن .. مجمل الاختناقات الموجودة ، والتي تطفح على السطح ، لعجزنا عن العد ، ولقلنا أن شعبنا يعيش الآن في خناق وفي اختناقات متكررة متجددة ، وفي كل يوم ! وهو لا يبرح من اختناق ، إلاَّ لكي يقع في اختناق آخر .

وفي الحقيقة .. إن مرد هذا الاختناق للسلطة نفسها ، لأنها سلطة جاهلة وواهية ، وغارقة في مشاكل أخرى لاتهم المواطنين . ليس هناك حلول أساسية وجذرية لهذه الاختناقات ، إلاَّ إزالة هذه السلطة ، إزالة جذرية ؛ وأن يأتي الشعب بسلطة تهتم بمشاكله فتزيلها ، وباختناقاته فتزيحها . هذا هو الحل الوحيد ، لهذه المأساة التي يعيشها الشعب السوداني ، والتي يسميها النظام وتسميها صحفه … اختناقات !

مراحل البرنامج الاقتصادي للإنقاذ الوطني

لو استطردت في شرح المشاكل المعيشية والاقتصادية التي يعانيها السودان ، والافلاس الذي حدث فيه؛ بأرقام ونماذج مختلفة ، لأخذ هذا الحديث مئات الساعات . ولكن ، حقيقة الأمر أننا ، أنا وأنت والسودانيين وبقية العالم ، والمجتمع الاقتصادي والمصرفي بأكمله والدول ، نعرف أن السودان مفلس اقتصاديا لا ينقصه إلا إشهار إفلاسه . وبالتالي … فهذا الحديث عن الافلاس الاقتصادي وانعدام السلع وندرتها ، حقيقة واقعة . وكثيرا ما يقول لنا الناس: لماذا تتعبون أنفسكم ، وهذه السلطة منهارة اقتصاديا‍؟ والاصلاح الاقتصادي من بعدها مستحيل أومعجزة … أوما يشبه المعجزة‍‍‍.

لكننا نحن وطنيون ، لا يمكن أن نقتنع بهذا المنطق . ونحن نعتقد أن استمرار السلطة يوما واحدا، يشكل سنة كاملة من زيادة الانهيار الاقتصادي . وبالتالي ، فنحن كمواطنين - وبالدرجة الأولى - مطلوب منا فورا انهاء هذه السلطة .. لأن بداية نهايتها موجودة الآن . وبذلك ، لكي لا تتضاعف المشاكل الموجودة الآن ، اقتصاديا وإداريا ، وأدائيا ، وأخلاقيا ؛ فيصبح اليوم سنة كاملة من الانهيار ، فواجبنا كمواطنين أن نتصدى لقضايا بلادنا؛ مثلما واجبنا كمواطنين أن نتصدى للدفاع عن حدودها .. إذا اجتاحها عدو . فلا عذر لنا أن نقول إن الموقف ميؤوس منه للدرجة التي تدفعنا للتخلي . الواجب الوطني يتهمنا بالخيانة إذا قلنا ذلك . هذا في المقام الأول . في المقام الثاني ، لقد قلنا – وأنا أؤكد لك – إن المشاكل الاقتصادية الموجودة في السودان الآن ، والتي بلغت حدا يرى الكثيرون أنه لا حدود له ، نحن لدينا له حدود محددة . وأنا لا أستطيع الآن أن أشرح لك الحلول المحددة . ولكن ، سأعطيك أربع أوخمس نقاط تشكل برنامجا اقتصاديا للانقاذ .. على ثلاث مراحل ، يطبقه حكم قومي مجمع عليه من جميع السودانيين ، لكي ينجح .


المرحلة الأولى

علاج الميزان السلعي



معالجة الميزان السلعي بزيادة عرض السلع - في البلاد - على طلبها؛ بحيث لا تكون هناك ندرة للسلع ، ولا سوق سوداء ولا متاجرة بها؛ وبحيث تعود حلقة السلع التي انقطعت فتواصل دوراتها؛ وبحيث يكون المعروض من السلع في الأسواق أكثر من الطلب عليها . نحن في المدى الأول سوف نستورد كميات كافية من السلع ، تجعل المواطن السوداني واثقا أنه كلما طلب السلعة وجدها . ولا يجد نفسه مضطرا للتخزين المنزلي ، كما يحدث الآن في السودان .


مثلا : كلما وجد مواطن سلعة ، بدلا من أن يشتري حاجته منها ليوم أولأسبوع ، كان يشتري حاجته لسنة؛ لأنه في داخله يعتقد أنه لن يجدها مرة أخرى . وهو يتنافس فيها مع آخرين ويرفع سعرها . ويستغل ذلك تجار السوق السوداء . نحن سنطرح السلع الأساسية – حتى شبه الأساسية والرأسمالية وشبه الرأسمالية – بالدرجة الكافية التي تحدث زيادة في عرضها على طلبها … وبالدرجة التي تطمئن أي مستهلك لها ، أنه كلما أرادها وجدها ، فهو ليس مضطرا لتخزينها . وبذلك فنحن لدينا دراسة عن السلع المطلوبة والناقصة وغير الموجودة؛ ونحن نعرف مقدارها نقدا بالتقريب . ونحن باتصالاتنا، نستطيع إن نؤكد إننا قادرون على تأمين المبالغ اللازمة لشراء كل السلع التي تعيد التوازن السلعي في السودان ... أي التوازن بين السلع والأسعار . والتوازن بين العرض والطلب. بل وزيادة العرض على الطلب في المرحلة الأولى؛ والمبلغ الذي يؤمن هذا والذي قد يفوق البليون دولار، أنا اؤكد لك إننا سنؤمنه .


ونحن سنجعل كل رخص الاستيراد مفتوحة .. أي إلغاء الرخص ، بحيث لا تحدث تجارة رخص ... نسجل الاستيراد فقط في المرحلة الأولى، ونجعله مفتوحا . وفي نفس الوقت ، نحن لن نحارب التجار بإدخال السلع في البطاقات ، وبالمحاكم المدنية ، وبالتسعيرة ، وبتفتيش المخازن ، لأن هذا هو مطلب التجار فعلا . إذا ما أدخلت السلع في التسعيرة ، اختفت وزاد سعرها .. وزاد ربح التاجر منها . نحن سنعالج المشكلة . وأنا لا أقصد أن نحارب التجار . فنحن نطلب التعاون معهم ، ولكن السياسة التي سنطبقها هي: أن نجعل السلع تفيض على السوق؛ بالدرجة التي تجعل المواطن يجدها في كل محل وفي كل إقليم .. وفي كل عاصمة؛ وبحيث لا يستطيع التاجرأن يستغل انفراده بها .. كما يحدث الآن . وفي ذات الوقت بدون أن نحرم التجار من الاستيراد ، ستستورد الحكومة جميع أنواع السلع كاحتىاطي واقي؛ يكون موجودا لديها تطرحه في السوق إذا ما شعرت بأن التجار يريدون الاستغلال ورفع الأسعار. وعند ذلك لن يصيب التجار الا الخسارة ماديا . وأنت لا تحارب التاجر بالتسعيرة والبطاقات - التي تخلق السوق السوداء - لأن هذا مطلبه هنا .. حيث يربح . أنت تحاربه بالخسارة المادية . فإذا كان يخزن سلعا، واستوردت أنت عشرة أضعاف المطلوب منها ، عند ذلك سيضطر لبيعها خوف الخسارة .


نحن مستعدون أن نجلب للسودان ما هو ناقص من السلع؛ و بالأحرى .. ما هو مطلوب؛ لأنه ليس هناك سلع في السودان اطلاقا . وفي مدة لا تتجاوز الأسابيع، بحيث يحدث تشبُّع كامل من كل هذه السلع؛ و بحيث يزيد العرض على الطلب زيادة كبيرة واضحة؛ وبحيث يطمئن المواطن فلا يشتري اكثر من حاجته ، ليخزنها منزليا؛ وبحيث يخاف التاجر، فيكتفي بالربح الزهيد . وبعد أن نطمئن إلى أن حلقة التجارة التي انقطعت قد عاودت دورانها مرة أخرى؛ وأن كل المخازن (سواء مخازن المستوردين أو مخازن تجار الجملة او تجار القطاعي أوتجار الأ قاليم، أو تجار القرى في الأقاليم ، ومخازن الحكومة نفسها) ، قد تشبعت بالسلع ، نعد الاحتياطي الواقي ، ونعيد - بعد ذلك كما قلت لك - التوازن بين العرض والطلب . أما في البداية ، فلابد أن نزيد العرض على الطلب بحيث ندخل الاطمئنان للمستهلكين ، و نوحي بالخوف للتاجر الذي يريد أن يراهن على السوق السوداء ، و نقضي على التخزين المنزلي الذي هو أخطر أنواع التخزين .


سؤالك الطبيعي هو: من أين لكم هذه المبالغ والبلاد مفلسة ؟ وأنا لا أسمي ممن سنجد العون . ولكن الذي أقوله لك ، إننا مصدر ثقة بالنسبة لاستعمال الأموال العامة لمصلحة الشعب … وقد كنا كذلك . ونحن نعرف الآن مصادر النقد السائل ، و محلات وجوده .. كما نعرف مصادر انتاج السلع وتصديرها واسعارها الحقيقية؛ ونحن اثناء عملنا للمعارضة ، لا نعمل اعلاميا وتدريبيا فقط ، وإنما دراسة أيضا ، وتلمسا لحل المشاكل الموجودة الآن ، واتصالات بهذا الخصوص . والذي أريد أن أؤكده لك، أننا نعرف بالضبط درجة النقص في السلع ، ونعرف بالضبط قيمتها ، ونعرف من أين تأتي وبسرعة ، ونحن نستطيع أن نؤكد أن لدينا تأكيدا ممن لا يمكن أن يرتفع الشك إليهم .. بأن ما هو مطلوب - لكي يعيش الشعب السوداني معيشة إنسانية - متاح إذا ما كانت هنالك في السودان، سلطة مسؤولة ومستقرة ومطلوبة شعبيا . هذه هي المرحلة الأولي.


في المرحلة الثانية:

الاستمرار في استراتيجية التنمية



والاستمرار في تأمين سلامة الاقتصاد السوداني. نحن سندرس كل مسائل التمويل الادخار والاستثمار(الخاص والعام والأجنبي) ومتطلبات مشاريع التنمية عندنا : الانتاجية والبنية التحتىة؛ المخطط لها أوالمقترحة الآن. وسنصلح أي مشروع تطرق إليه عناصر الفساد والخلل. وسنوقف أي مشروع خلق من أجل الرشوة فقط .. ولا إنتاجية ولا ربحية له؛ والفاشل من حيث الجدوى الاقتصادية. وسوف نرشد التنمية ، ولكننا لن نوقفها؛ بالأحرى سنزيدها. ونحن أيضاً متأكدون من أن الأموال التي تصرف على تنمية نزيهة لمصلحة الشعب السوداني … ستكون موجودة.


في المرحلة الثالثة:

أعادة التوازن الاقتصادي في الموازين غير الميزان السلعي أعلاه



توجب علينا - نحن السودانيين - أن نشترك في معالجة اقتصادنا المنهار ، لا أن نعتمد على الخارج فقط؛ لأنك تعرف أن المعونات والهبات التي تأتي من الخارج ، إنما تأتي من وفورات الشعوب الأخرى؛ لأن الشعوب الأخرى نفسها، يمكن أن تنفق وفوراتها في زيادة دخول أفرادها ، أو زيادة الأجور فيها ، أو زيادة الرفاهية ، وأنت ترى الآن المعارك التي تدور حول زيادة الأجور في العالم ، ولكي تنخفض معدلات التضخم. نفس الدول التي تدور فيها هذه المعارك ، هي التي يقصدها السودان لكي تعطيه ، وهو يصرف أمواله سفها.

في هذه المرحلة نحن سنعيد التوازن الاقتصادي في الموازين الداخلية والخارجية للسودان؛ بمعني أننا نعيد التوازن في الميزان الداخلي (الميزانية) .. بين الصرف والدخل؛ ونعيد التوازن في (سعر الجنيه السوداني) .. على مستوى سعرالعملة الأجنبية؛ وفي الميزان الخارجي (ميزان المدفوعات) .. بين التصدير والإستيراد. ولن نعيد هذا التوازن بالقسر إطلاقاً . ولن نحرم أي طبقة من أي مميزات لديها الآن.


لن نطلب "شد الأحزمة على البطون" – وهو التعبير الشائع في السودان – لأنه في بلادنا لم تعد هناك بطون .. وبالتالي فلن تكون هناك أحزمة. ولكن هنالك في بلادنا صرفاً تفاخرياً .. أغلبه على الأمن ، وعلى استخبارات الجيش – ولا أقول على الجيش نفسه – وعلى الاحتفالات ، وعلى الرشاوي ، وعلى تنظيم سياسي فاسد .. مثل الاتحاد الاشتراكي؛ كلها مصروفات طفيلية وقشورية؛ سوف نشطبها بجرة قلم .

وأيضاً ، نحن نستطيع أن نجعل أسـعار السلع تنخفض بنسبة 300 بالمائة؛ وقد يدهشك ذلك؛ فالسودان الآن يستورد بما يسميه النميري "السعر المتوازي". والسعر المتوازي هو سعر السوق السوداء للعملة الأجنبية .. أي أن الدولار يساوي جنيهاً .. والجنيه الاسترليني يساوي جنيهين وربع الجنيه. وإذا نظرت إلى ذلك تجد إنه يزيد الأسعار100 بالمائة. وهذا ينعكس أيضاً زيادة في التكلفة ، والشحن البحري ، والتأمين ، وأرباح التجار ، والسوق السوداء . نحن سنؤمن العملة التي نستورد بها؛ بالسعر الرسمي للعملة السودانية .. أي بنصف السعر الذي تشتري به السلع الآن؛ ونطرحها في السوق بهذا السعر.

أما الآن ، فالتاجر السوداني يشتري بالسعر المتوازي .. كما تسميه الحكومة، أو بسعر السوق السوداء كما نسميه نحن؛ أي عليه هو أن يوجد العملة الأجنبية . وهذه أول حكومة في العالم تتنكر لمسؤوليتها في إحضار النقد الأجنبي لإستجلاب السلع الضرورية لبلادها . فالتاجر يذهب ويشتري النقد الأجنبي مقابل الجنيه السوداني، وقيمة الجنيه السوداني في الحضيض . والحكومة تسمح له بذلك . وبذلك يضيف كل فروقات أسعار النقد الأجنبي المشترى من السوق السوداء إلى السلع . فيصبح التضخم لدينا، زيادة على قلة السلع والسوق السوداء ، 300 % أو 400 % أكثر من التضخم المستورد من العالم .


إن مستوى التضخم في العالم مثلاً هو: 15% ، نحن يكون لدينا 300 % وأكثر . نحن سنبطل هذا النظام. وستكون لدينا العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع، بالسعر الرسمي للجنيه السوداني . ذلك يرفع من قيمة الجنيه السوداني؛ ويترك المستورد السوداني أن يجد عملة أجنبية – عبر حكومته المسؤولة - من أجل شراء حاجاته .. سواء استهلاكية أو رأسمالية .


وهذا يدعو إلى تخفيض الأسعار عندنا - في اللحظة الأولى - وبمقادير خيالية .. لأن زيادة الاسعار الآن ، ناتجة عن الزيادة في العملة؛ وليست ناتجة عن الزيادة في سعر السلع نفسها؛ لأنك تذهب مثلاً في جدة، وتبيع الجنيه السوداني ب 3 ريالات؛ ثم تشتري الجنيه الاسترليني ب 9 ريالات؛ فكأنك اشتريت السلعة ب 300 % من قيمتها . أما إذا كان لديك جنيهات استرلينية، فإنك تشتريها بقيمتها، وبما فيها من تضخم .. قد يكون 12 % . فالتضخم الآن هو تضخم انعدام الرصيد الأجنبي الكافي للاستهلاك . وبالتالي .. فالحكومة تعطي رخصة لمن يحضر نقداً أجنبياً . والتاجر يشتري هذا النقد بتهريب الجنيه السوداني ، أو المحصول السوداني ، وبيعه في الخارج . ثم إحضار السلع من الخارج . وهذا يضيف 300 % أو 400 % إلى سعرها . وهذا يفسر لك كيف أن قلة تحتكر السلع فتخلق السوق السوداء . وكيف ترتفع أسعار السلع عندنا أكثر من بقية انحاء العالم .



وأريد أن أسالك وانت من لبنان ، وفي لبنان حرب … ليس في السودان عشرة بالمائة منها ، بل وسلسلة حروب متصلة : وانت تعلم أنه في لبنان، السلع أرخص منها في السودان، وأكثر توفراً منها في السودان . وأنت تعلم أننا - قبل الآن - كنا نزود أثيوبيا وأوغندا وأفريقيا الوسطي والتشاد .. بالسلع . والآن ، فبعض هذه البلدان - مثل التشاد - في حرب أهلية طاحنة . ومع هذا ، فهي التي تزودنا بالسلع .



حلنا للمشكلة الاقتصادية ذو ثلاث شعب : المشكلة العاجلة هي زيادة عرض السلع على طلبها؛ ثم التوازن بين العرض والطلب؛ ثم التوازن بين السلع والمال .. من نقد محلي وعملات أجنبية . ليس هناك الآن توازن بين السلع والمال ، السلعة ثابتة وغالية ، والمال قيمته منخفضة .. لأن كميات كبيرة من المال المطبوع - الذي ليس له رصيد - تجري وراء سلع قليلة . وهنا ترتفع الأسعار قطعاً .


أهذا يعني إعادة الثقة الداخلية والخارجيه بالجنيه السوداني ؟


إعادة الثقة الداخلية والخارجية بالجنيه السوداني، لا تحدث إلا بتغـيير السلطة الحالية . والسلطة التي تأتي، واجباتها هي التي قلتها لك . ولا يمكن أن تتم تنمية في السودان إلا إذا تم هذا ، لأن أي تنمية تتم في السودان الآن ستكون نسبة التضخم فيها 400 بالمائة؛ لأنه حتى المواد الداخلية ترتفع أسعارها، لأن مكوناتها من الخارج. حتى العامل السوداني يرتفع أجره، لأنه يعيش من هذه السلع الغالية . فأنت عليك أولا أن تزيل هذا التضخم المصطنع ، الذي هو تضخم عملة؛ بأيجاد الثقة لدى المستهلك السوداني ، وبأيجاد التعاون مع التاجر الذي سيشعر أنه سيخسر كل رأسماله ، وبانعدام السوق السوداء .

ثم بعد ذلك عليك أن تدرس مشاريع التنمية واحدا واحدا ، ودراستنا لها قد انتهت . فتعيد إدارة وتسيير وتنظيم ما هو مفيد ، وتلغي ما هو غير مفيد . وتذهب في التنمية ، لأن التنمية لا تتوقف ، وثالثا ، عليك إن تعيد الاقتصاد السوداني نفسه إلى التوازن .. توازن داخلي بين الصرف والدخل، وتوازن خارجي بين التصدير- الذي يأتي بالعملة الأجنبية - وبين الاستيراد الذي يتطلب العملة الأجنبية . كل هذا دون أن تضغط على جماهير الشــعب ، لأنه لم يبق لديها ما يضغط عليها به . هي الآن في حالة جوع ، فلا يمكن لك أن تطلب منها شيئا . ونحن درسنا هذه المشكلة وأعددنا نفسنا لها ، وأنا أؤكد لك أن كل ما هو مطلوب منها موجود فعلا . الفرق هو ذهاب هذا النظام . لكنه بوجود هذا النظام لا يمكن أن تحدث سياسة مثل هذه .

فحوى كلامكم أن الدعم الاقتصادي الخارجي للسودان، سيتوقف على وجود نظام حائز للثقة الدولية؛ لكن البرنامج يثير تعليقا لابد منه .. بصفتكم وزير مالية سابق، فأنتم تعلمون أن مثل هذا الطرح سوف يصطدم مع برنامج صندوق النقد الدولي ، سواء الموضوعة للسودان أو للدول التي تعيش حالات مشابهة .. وذلك بالنسبة لنقطتين : تخفيض قيمة العملة ، والحد من توفير السلع للمواطنين .. في السودان كما في مصر أولا .

أولا، أنا لم أقل أن النظام يحوز على ثقة الدول؛ وإنما قلت إن النظام يجب أن يحوز على ثقة السودان . والمفروض إنه إذا حاز بثقة السودانيين ، فسيحوز على ثقة الدول . وثانيا ، أنا أعرف كل مشاورات صندوق النقد الدولي، التي اشتركت فيها قرابة خمس سنوات . صندوق النقد الدولي يدعو لتخفيض قيمة الجنيه السوداني، وليس في هذا ما ينفعنا اطلاقا . ولقد خفض السودان قيمة الجنيه ثلاث مرات من غير اعلان . وهو في طريقه للتخفيض مرة رابعة . أنت تخفض الجنيه السوداني إذا ما شعرت أن سلعك الزراعية – المنتجة لديك – تجد تنافسا من دول أخرى تنتج نفس السلع؛ فتخفض سعر الصرف عندك لكي تبيع أكثر . والعكس حاصل عندنا الآن ، السلعة التي ننتجها أسعارها مرتفعة جدا في العالم ، ولولا الأداء السيء للنميري في ال 10 سنوات الماضية ، لكنا الآن نساوي دول النفط أرصدة .

سلعنا … مثل القطن والفول والسمسم والصمغ ، ارتفعت أسعارها سبعة أضعاف عما كانت عليه عام 1969 . ولما انتاجها انخفض إلى الرشوة لم نستفد منها شيئا . وبالتالي ، حتى لو خفضنا سعر الجنيه فهذا لا يفيد . نحن نخفض الجنيه إذا كانت سلعنا في السوق متنافسة مع سلع دول أخرى أرخص منها . وإذا خفضت نيجيريا مثلا عملتها ، ربما نخفض .. إذا خفضت غانا ، أو دولة تنتج القطن .. وهذا ليس حادثا .

ونحن نستطيع إن نقنع صندوق النقد بذلك . صندوق النقد في السودان يضغط دائما باتجاه إن هنالك صرفا تفاخريا أكثر من الدخل ، وإنه ليس هناك دخل . وهو يعلم إنه لو طلب تخفيض الصـرف ، فهذا غير ممكن . لأن الصرف ياتي من فم واحد ، وبلا دراسة . ولا وجود لوزارة مالية لكي تحجب الصرف . وبالتالي ، فأي ترشيد للصرف التفاخري لن يكون مرفوضا لدى صندوق النقد الدولي .

ثم إننا في حالة طوارئ ، ولا يعني هذا إننا نوافق على كل الذي يقوله صندوق النقد ، أوعلى كل الذي تقوله بعثته التي تحضرإلى السودان. نحن نستطيع أن نختلف مع هذه البعثة وأن نذهب إلى صندوق النقد رأسا ، ومهمته هي التوازن الدولي ، ونقنعه بهذه القضية . لأنها قضية واضحة اقتصاديا . وأنا لا أعرف كيف وافق صندوق النقد على الاستيراد بدون عملة . وكيف سيوافق الآن على الاستيراد بالسعر الموازي وهو عدم الاستقرار . إن صندوق النقد الدولي مستشار ، ونحن نعرف سياسته . ونحن متأكدون أننا إذا شرحنا سياستنا والمصادر التي سنأتي منها بتمويل السياسة المتفق عليها ، وتكون هذه السياسة حكيمة اقتصاديا ، فإن صندوق النقد سيوافق عليها ، وبل ويساعد في تحقيقها .

أنا أقول إن برنامجنا الاقتصادي سيكون مقنعا للذين يملكون المال السائل ، وللذين طالما ساعدوا السودان وذهبت أموالهم هدرا . إنهم يرون أنفسهم يدفعون ، ويرون السودانيين يجوعون ويهجرون بلادهم . لكننا لن نضع خطة للشحاذة . بل سنضع خطة اقتصادية للانقاذ والتنمية في بلد موارده التنموية لا حدود لها . وسنقنع بها الذين يملكون النقد السائل ، بل قد أقول لك أننا أقنعنا بها أكثرهم الآن . وسنقنع بها الرأي العام الاقتصادي في العالم، والمؤسسات الدولية ، بشرح الحالة الراهنة ... لأن هذه البعثات عندما تذهب للسودان تعطي ارقاما خيالية ، أوتحجب عنها الوقائع ، فتذهب ل 7 أو8 أيام ، و تحضر بأرقام غير صحيحة وباستقراءات غير صحيحة .

نحن سنشرح الموقف وسنشرح خطتنا، وهي الخطة الوحيدة للعلاج . ونحن واثقون إن دوائر المال في العالم والمؤسسات الاقتصادية ، والدول التي تملك المقدرة على مساعدتنا سوف تقتنع بها . وإلا فما مصلحتها في سودان مفلس لا تستطيع استرداد ديونها منه ؟ ويخل هو نفسه بالتوازن الدولي ويزيد الأزمة الاقتصادية العالمية، ولا تكون منه فائدة ، كان سيكون "سلة خبز" في وقت انتشرت المجاعات ، أومحلا لزيادة الرقعة الزراعية في وقت انخفضت فيه في العالم . ما الفائدة إذا استمر السودان على هذا النحو ؟ أنا واثق أنه حتى التجار السودانيين سيتعاونون كلهم ويكتفون بالربح البسيط فقط، ويغيرون من أساليبهم كلهم لمحاولة انقاذ بلادهم ... لأنه ما هي مصلحتهم في مستهلك سوداني ليس لديه ما يشتري به ، أويجد سلعة ليس له طاقة على مشتراها؟

إن مصلحة متوسطي الحال وصغار التجار – الذين نمثلهم – هي أن يكون هناك رواج اقتصادي ، وزيادة في البيع ، وقلة في الربح ، بحيث أن زيادة البيع تحل محل زيادة السعر. أما في بلد كلها سوق سوداء لن يستفيد منها إلا – كما هو حاصل الآن – أصحاب 10 أو15 أضعاف السعر. أما في بلد بها السلع متوفرة وبها مستهلك أومزارع يأخذ فوائد انتاجه لنفسه ، وتزداد انتاجيته بزيادة مقومات الانتاج من الحكومة ، وبالقيام بواجباتها بإحضار كل مقومات الانتاج ، وإعطاء المزارع حقوقه في الانتاج بسعرها الأصلي العالمي ، فذلك يزيد قوته الشرائية . ويقابل ذلك طرح السلع ، فسيحدث الرواج الاقتصادي . وبذلك ، حتى التجار سيتعاونون . لأنهم وطنيون في المقام الأول؛ والمزارعون سيتعاونون لأن روحهم المعنوية سترتفع؛ ويجدون أسعار سلعهم (وأسعارها في العالم عالية) . وما يجدونه منها في السودان ، لايساوي 10 بالمائة ؛ نتيجة لأن الحكومة ليست لديها مقومات للأنتاج ؛ لا آلات ولا مخصبات ولا مبيدات حشرية ولا إدارة .. ولا أداء . ولها تسويق مرتش مع السماسرة . فيعود كل ذلك بفقر على المزارع ، فيترك الحقل الزراعي ، ويهاجر لكي يعمل في الخارج .


الانتعاش الاقتصادي وعودة الكوادر واليد العاملة المهاجرة

في سنة 1968 - وكنت في وفد يطوف الدول العربية - كانت كل دولة عربية أصل إليها ، تطلب مني مئات من المدرسين والمهندسين والأطباء والمهنيين والفنيين السودانيين. وكانت حاجة بلادي تدفعني لكي لا أعطي إلا العشرات. أما الآن فكل هؤلاء - من أعلى المستويات وحتى العامل الزراعي - قد هجروا السودان وذهبوا للخارج . ونحن في أشد السرور أن يشترك إخواننا في التنمية في البلاد العربية ؛ ولكن إخواننا يعلمون أن التنمية في بلادنا أيضا ، ستفيد المنطقة العربية نفسها .

وأنا واثق .. إنه بعودة الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي والاستقرار المعيشي ، ومع توفر السلع ورخص الحياة في السودان ، فسيعود العدد الكبير من هؤلاء ، الكافي لإنعاش التنمية في السودان ؛ ولإحداث الاستقرار الاقتصادي ؛ والكفاءآت التي تستطيع أن تعدِّل السياسات الفاسدة والجاهلة الموجودة الآن . هذا العدد سيعود . وسيبقى في البلدان العربية عدد آخر يكفي لمشاريع التنمية فيها ، ويساعد أيضا بدخوله الخارجية على إنعاش الاقتصاد السوداني

فيصل سعد 16-03-2008 07:59 AM

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم

الشريف.. وقصة قيام الجبهة الوطنية ومعسكراتها بإثيوبيا
(بقلم: محمد سليمان بابكر رجب)[/align]


تكوين الجبهة الوطنية وبنود اتفاقها

في شهر رمضان المبارك ، (اكتوبر 1969) كان لقاؤنا بالمناضل الشهيد الشريف الحسين يوسف الهندي - رحمه الله - في شرق أفريقيا وفي أديس أبابا بالتحديد ؛ وقبل ذلك ... فإن أخبار تحركاته لضرب الإنقلاب المايوي الشيوعي العميل ، كانت تصلنا حيث كنا آنذاك خارج أفريقيا ، لمنازلة الصهاينة في الجولان وغرب نهر الأردن ؛ ولكن أذنابهم وتلاميذهم النجباء ، سددوا لنا طعنة من الخلف ليصرفونا عما نحن فيه ...

لقد كانت مجموعتنا تحت قيادة الأخ الشهيد المجاهد الدكتور/ محمد صالح عمر - رحمه الله . وفي ذات يوم عقد إجتماع حيث تقرر فيه أن يسافر الأخ/ محمد صالح عمر لمتابعة الأخبار ؛ على أن يكون الجميع في أهبة الاستعداد للإنتقال إلى أي مكان . وبعد مدة من الزمن عاد إلينا محمد صالح عمر وعقد معنا إجتماعاً أطلعنا فيه على مجريات الأمور . وأخبرنا بأنه التقي باحد قياديي الجبهة الوطنية المهمين ؛ والذي خرج من السودان حاملا النقاط التي تم الإتفاق عليها ؛ والتي وقع عليها أحزاب الأمة والإتحادي الديموقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي وهي:

أولا: إزالة الواجهة الشيوعية من الحكم.
ثانيا: رفض التدخل الأجنبي في البلاد.
ثالثا: إطلاق سراح المعتقلين السياسين الأبرياء، وتقديم من تثبت إدانته للمحاكم الفورية.
رابعا: إجازة مسودة الدستور الإسلامي وإجراء إنتخابات عامة في البلاد.
خامسا: تكوين حكومة قومية ترأسها القوات المسلحة.
سادسا: رجوع الجيش إلى ثكناته.


وبعد نقاش مستفيض تقررأن نغادر بلاد الشام ، إلى مكان آخر- سيعرف في حينه - وعلى مجموعات . وكنا في أول مجموعة تحركت مع الأخ/ محمد صالح عمر ؛ حيث تم لقاؤنا بالشريف الهندي كما ذكرت سابقا ، حيث قدمنا إليه الأخ/محمد صالح عمر ، وبعد التحية والبشاشة والكرم الذي عرف به ، بدأ يسألنا عن مناطقنا في السودان ، ليتعرف على كل واحد منا.

قيام معسكرات الجبهة الوطنية بإثيوبيا

مكثنا أياما في أديس أبابا ، حيث كان عددنا ستة أشخاص ؛ ثم وصل إلينا من أوروبا كل من الأخوان : الدكتور/ عمر نور الدائم ، والأستاذ/ عثمان خالد مضوي المحامي ، و الدكتور/ أحمد إبراهيم الترابي ، وغيرهم من المجاهدين . وكان الجميع يواصلون الليل بالنهار يراجعون الخرط الحدودية ، ويخططون ويتشاورون . وفي يوم من العشرة الأواخر من رمضان ، أخبرنا الشريف : أن مندوب الإمام الهادي المهدي قد وصل منطقة الحدود ، وعسكر برجاله وجماله .

وقال: " لا بد من الإسراع إليهم قبل أن يكتشف وجودهم في المنطقة ، من قبل عيون النظام " ... واقترح علينا فتح جبهتين لإقامة المعسكرات للتدريب وتسريب السلاح ؛ وهما جبهتا الكرمك والقلاَّبات . وقال لنا بصوته العالي:

" أمشوا في هذا البلد مرفوعي الرأس ، موفوري الكرامة ، لا تظنوا أن أحداً هنا يَمْتَنَّ علينا .. هؤلاء الأحباش الذين نحن في أرضهم الآن ، هم مدانون لنا نحن السودانيين مرتين ؛ الأولى : عندما احتل أرضهم الطليان ؛ فقد هاجروا للسودان ، فاستضافهم وآزرهم ، وقدم لهم كل عون حتى حرّروا أرضهم ، واســتردوا حريتهم . والثانية : عندما أطيح بعرش إمبراطورهم هيلاسلاسي ، في زمن حكم الفريق إبراهيم عبود أيضا ، وقف معهم السودان" ..

وهذه أول مرة يهاجر فيها السودانيون لأرض الحبشة ، بسبب تسلط الإلحاد وأذنابه . واقترح أن تتحرك مجموعة محمد صالح عمر إلى أحراش المتمَّة : (متمة المك نمر) في موازاة القلابات ؛ والمجموعة الثانية لمنطقة جبل الرادوك في موازاة الكرمك . وأصرَّ أن يتحرك مع هذه المجموعة ، رافضاً البقاء في أديس أبابا ، رغم أنه كان مصاباً بعدة أمراض من بينها الضغط والسكرى .

غادرنا أديس أبابا صبيحة السابعة والعشرين من رمضان بقيادته ؛ حيث سلكنا طريقاً عجيباً إبتدأ جميلا ومسفلتا ؛ وبعد مسيرة أربعين كيلومتراً بين الجبال والوديان الخضراء بضواحي أديــس .. ونحن نسـتشف نسمات الصباح الجميل ، وبعد أن تركنا مدينة (أمبو وها) - وهي تعني بالأمهرية : " مدينة الماء العذب " - حيث ودعنا الطريق المسفلت ؛ ومن ثم بدأت مشقة الطريق ... فتارة نصعد معه إلى قمم الجبال ، وأخرى ننحدر معه إلى سفح الوديان ، بين الأحراش و التلال ؛ وأحيانا تختفي عنا الشمس ونحن في وسط النهار .

وكنا نأخذ قسطاً من الراحة ثم نواصل المسير ؛ وكان دليلنا الحبشي يحب الراحات ، بعكس الشريف الذي كان يتعجل الوصول لملاقاة رسول الإمام الهادي . وهنا ... قال لي الشريف بإسمي الحركي الجديد : " يابيلو ! أنا شايف دليلنا عندو نية مبيت ! والراجل دا بخاف من الدبيب خوف شــديد ، ودحين داير منك بعد ما ترتاح شـوية ، وتشوفني قعدت معاه ، تجيني وتكلمني زي البتهمس في أذني بكلام سر ، وتقول لي بصوت عالي جداً جداً : " أنا شفت ثعبان لكن ... ماكتلناه !! وعندما انصرفت منهم ، سمعت الشريف يقول للدليل : " بيلو قال .. شــافوا ثعبان ولم يتمكـنوا من قتله . فنهض الدليل واقفاً وقال : " ترو آي دلم " - يعني المكان خطر - ويجب أن نواصل سيرنا ونبيت في مدينة أصوصا .

وبالفعل قضينا الليل وتناولنا السحور بها ؛ وغادرناها بعد الفجر. وكان ذلك في 29 رمضان .. وبعد مسيرة طويلة وشاقة لا حت لنا الكرمك ، فتوقفنا للراحة والاستجمام ؛ ثم واصلنا السير نحو جبل الكرمك - والذي كنا نراه على البعد مثل الجمل أبوسنامين . وعندما اقتربنا منها حوالي ثلاثين كيلومتراً ، إتجهنا جهة اليمين في شكل قوس حول وادي الرادوك ، وهو الهدف المنشود لإقامة المعسكر رقم (1) للجبهة الوطنية ، بقيادة وإشراف الشريف حسين الهندي ..

في تلك الليلة علمنا من إذاعة أم درمان ، ثبوت عيد الفطر المبارك ؛ وأصبح علينا العيد وصلينا صلاته ؛ وكان خطيبنا وإمامنا الأستاذ/ زين العابدين الركابي ؛ وكانت خطبة عظيمة شاملة ، تمنى يومها أخونا الدكتور/ عمر نور الدائم ، أن لو سمع تلك الخطبة المسلمون في جميع أنحاء العالم .. وبعد أن تبادلنا التهاني وتناولنا وجبة الإفطار ، إنصرف كل منا لعمله .. فالبعض يقطع الأخشاب لتشييد المعسكر ، وآخرون يتفقدوا العربات ويجهزوا السلاح ، الذي سيرسل على الجمال للسودان .

ومجموعة ذهبت مع الشريف ، للبحث عن تواجد أماكن مياه تصلح للشرب . وكنا في بحثنا معه عن الماء ، نردد النكتة التي كانت متبادلة بيننا في الطريق ، ونضحك عندها كثيراً ؛ وهي : أن أحداً منا قال للآخر :

" بالله الشريف دا ، كان وزير مالية واقتصاد ... أم كان راعي إبل ؟ ".


ثاني أيام العيد تم تحميل جمال مندوب الإمام ؛ وهو الشيخ/ بشرى عويضة ، وجماعته من قبيلة رفاعة بضواحي سنجة . وكلف الإخوان/ بابكر العوض و أحمد سعد عمر بمرافقتهم ، حتى يبتعدوا عن الكرمك . وعند عودة الإخوان/ بابكر وأحمد سعد ، ضلوا الطريق ؛ وأصبح عليهم الصبح ، وهم في مجرى الخور ، داخل مدينة الكرمك ؛ وكتبت النجاة للأخ بابكر العوض - من أبناء فداسي الحليماب - واعتقل الأخ/ أحمد سعد عمر ومعه سلاحه ، وزج به في سجن الكرمك .. وكان هذا أول خطر نواجهه ، ونحن في مقرنا الجديد.

أحمد سعد أصغرنا سنَّا ، وقد ترك الجامعة في السنة الأولى بكلة الصيدلة ، وجاء مجاهداً .. فكيف يكون هذا ؟ وما الحل؟ وهنا تجلت عبقرية الشريف الهندي، إذ استطاع بعون الله ، تخليص أحمد سعد من الأسر وعاد إلينا سالما ، ولم يبح لهم بأي شيء.

منطقة وادي جبل الرادوك ، كثيرة الجبال المختلفة الألوان ؛ وكثيرة الأشجار والوديان ؛ وحولها تنتشر قرى كثيرة تسكنها قبائل مختلفة ؛ ولغة التخاطب السائدة مع غيرهم ، هي العربية المصبوغة بلكنة ؛ وإن كان لكل قبيلة لهجتها الخاصة بها .

كنت أسأل الشريف عن القبائل ؛ فيحدثني عن قبيلة (القالّة) - وهي من أكبر القبائل في أثيوبيا - أما (الوطاويط والشنقرة والقز) ، فهي قبائل مشتركة بين أثيوبيا والسودان . وقال لي:

" لنا أبناء عمومة هنا من آل الهندي "

وأذكر أنه قال لي : " ألم تر الجماعة الجالسين للفطور ، كما يجلس السودانيين للفطور في رمضان ؟ " ... فهؤلاء هم بنوا عمومتي . وأذكر أنه أرسـل إليهم إثنين من الإخوان أيام العيد ؛ وسألت الإخوان : " هل صحيح أنكم وجدتم أبناء عمومة الشريف في تلك القرية ؟ " . قالوا : " نعم ! " . و جزم لي أحدهم بأنهم يشبهوا الشريف لدرجة " الشام " الذي في وجهه .. فيهم .

وفي اعتقادي أن الشريف كان بارَّا بهم عندما أرسل لهم الإخوان ، ولكنه لم يقابلهم ، ولم يفصح لهم الأخوان عن هوية الشخص الذي أرسلهم ، وكل الذي يعرفه عنا أهل القرى بصورة عامة ، أننا في هذه الجبال نقوم بأعمال تعدين ؛ و فعلا كنا نأخذ من داخل الأرض عينات من الحجارة الملوّنة ، ونضعها حول الطريق الرئيسي الذي يربط الكرمك بأصوصة عن طريق (دول) الحبشية .

الأهالي في هذه القرى ... يعملون بالزراعة والبحث في مجاري الوديان ، وفي جبال الإنقسنا وجبال شمبول عن الذهب . ويخترق هذه المنطقة الحدودية خور (أحمر) المشهور. وفي يوم من الأيام ، بينما الأهالي يفتحون خطوط النار ، لتقيهم الحرائق في فصل الصيف ، إذا بنا نرى على البعد من المعسكر ، نيران إتجهت بها الرياح نحو المعسكر . وكان العدد الموجود في المعسكر في ذلك الوقت عدد قليل ؛ وعندما علم الشريف بالخبر ، وقف في أعلى التل كالطود الشامخ ، مخاطبا لنا : "أنتم إخواني .. أنتم أبنائي .. أنتم أبناء السودان .. لا !! أنتم السودان كله ؛ أنتم النواة الخيرة ؛ هيا حملوا السيارات ؛ هيا أنقذوا الأشياء المهمة ؛ هيا إبتدوا بالمتفجرات والذخيرة" . وأخذ يوجهنا ويدعوا لنا : "الله يعينكم؛ موفقين بإذن الله"؛ ثم أمر الأخ/ بابكر العوض مع مجموعة ، ليتصدوا لسرب من النار اقترب من المعسكر . فكنا نسمع صوت الأخ /بابكر وإخوته ، يرددون التكبير: " الله أكبر" ... وفي أياديهم فروع الشجر الأخضر يقاومون بها النيران .

وبفضل الله .. تم شحن السيارات ؛ وخرجت لمكان آمن . وطلبنا من الشريف أن يرافق السيارات ، ولكنه رفض ؛ وظل معنا .. وهنا إلتفت النيران بالمعسكر من جميع الجهات ؛ وابتدأت تلسعنا حرارتها ؛ والكل يكبر ويهلل ويردد الشهادة . ونزلنا أسفل الوادي . وهنا وسعتنا رحمة الله ولطفه الخفي ؛ إذ سكنت الرياح ، وخمدت النيران . فخرجنا خلف الأخ بابكر العوض ، نردد التكبير ونقضي على النار ، التي اخترقت المعسكر من الناحية الشمالية . وبعد إخماد النار حمدنا لله وعانقنا بعضنا بعضا ، وتحلقنا حول أبينا وأخينا الكبير الشريف الحسين الهندي.

كما ذكرت ... إن الفترة التي مكثها الأخ/ أحمد سعد ، لم يكن لها أي تأثير سلبي على مهمتنا ؛ وواصلنا إرسال السلاح على الجمال ، تحت قيادة الشيخ/ بشرى عويضة مندوب الإمام الهادي .وعندما اكتملت الصيانة الموسمية ، التي تجري عادة بعد فصل الخريف ، لطريق سنار- الروصيرص - الكرمك .. أرسل الشريف للإمام لكي يرسل السيارات ؛ وكان الشريف يتشاور معنا ويطلعنا على كل شيء ينوي عمله. وكنا نعلم أن الأشياء التي يسألنا عنها .. هو يعرفها سلفا ؛ ولكنها الأخوة والزمالة ، والحب المتبادل ، والتربية الرشيدة ، وعدم التسلط والإستبداد بالرأي . فقلنا له : " قلت لنا أن الطريق طويل ، وأن عيون النظام مفتوحة ، وأن الجمال مهمتها محدودة وآمنة ، فكيف بك تريد أن يتم التحميل على السيارات إلى الجزيرة أبا ؟ والخرطوم ؟ ومدن السودان الأخرى ؟ فقال : " أعطوني خاطركم ، وستروا بأعينكم كيف تحمل السيارات السلاح ، وتصل بإذن الله إلى الجزيرة أبا ، وأي مكان نريده في السودان !! ".

وعندما حضرت أول سيارة لمنطقة الحدود ، وذهبنا لتحميلها ، وبعد السلام والسؤال عن أحوال الطريق، وقبل بداية التحميل، قال الشريف: "هل أنتم ستعدون ؟ " فأجاب الجميع : " نعم ! " ؛ قال : " السيارة الأولى يتم شحنها بالقنا " ، فقلنا : " سبحان الله ! من سلاح إلى قنا ؟ " . وبسرعة أجاب : " نعم قنا ! مساهمة منكم في إعمار جامع الكون ، في الجزيرة أبا " ؛ وفهمنا ما يعني الشريف . وقلنا لبعضنا : " عدّل عن خطّة 4،2،4 ... ليتعامل مع عيون النظام بخطة القشاش " ؛ أما السيارة الثانية ، فقال : " إبتدوا بالقنا ثم السلاح ثم القنا مرة أخرى " ؛ يعني لعب بـ 4،2،4 ... وفعلا نجحت الخطة وسارت عملية الترحيل على ما يرام.

وقبل أن تصل نسبة ما سربناه من السلاح إلى 40% ، فاجأتنا أحداث ضرب الجزيرة أبا وودنوباوي ؛ فتوقف كل شيَّ ؛ وتقرر تجميع السلاح من معسكرات ومستودعات الحدود ، إلى داخل العمق الأثيوبي ؛ وإخلاء المعسكر الرئيسي رقم (1) ؛ ونقله إلى موقع آخر بالقرب من أصوصة . وقد كلفت ومعي الأخ/ أحمد مساعد - وهو من ابناء بارا ؛ وهو الآخر قطع دراسته في جامعة الخرطوم كلية الآداب ولحق بالجهاد - وكان نعم المعين لي في تلك المهمة التي كلفنا وأبلغنا بها الشريف شفهيا ، قائلا لنا :

" قررنا أن ترابطا أنتما الأثنان ، في معسكر الرادوك ، لمدة أسبوعين ، لا ستقطاب القادمين إلينا من السودان " . وقال لنا : " في اعتقادي إذا كان محمدصالح عمر، ومهدي إبراهيم ، وعزالدين الشيخ ، وعبدالمطلب خوجلي ، على قيد الحياة ، أول من يصلوا إليكم لأنهم يعرفون الموقع .. والسلاح ، والذخيرة واحتياطي .. تكون معكم سيارة لاندروفر أخرى ؛ وسنكون على اتصال بكم ؛ وكلنا ثقة فيكم ؛ وأنتم رجال نعرفكم حقا ؛ ومع السلامة .

إستشهاد الإمام الهادي وانتقال قيادة الجبهة إلى جدة

في مساء اليوم الذي غادرونا فيه ، سمعنا من إذاعة أم درمان ، بياناً يعلن إستشهاد الإمام الهادي ، وبعض مرافقيه . وفي صبيحة اليوم ، حضر إلينا في السابعة صباحاً الشيخ/ حسين - وهو شيخ قرية على الحدود - وأخبرنا بتفاصيل الحادث . وفكرنا في عمل كمين ، لقطع طريق الكرمك الروصيرص ، لتخليص وتحريرالأسرى المعتقلين ، ولكن علمنا أنهم أخذوهم لمطار الدمازين فوراً ومنها للخرطوم.

في نهاية الأسبوع الأول ، وصلنا في مقرنا بالمعسكر ، الأخ المجاهد/ مهدي إبراهيم ، وشرح لنا تفاصيل ما حدث بالجزيرة أبا وربك ؛ وعلمنا منه إستشهاد الأخ المجاهد الشهيد/ محمد صالح عمر ، وكيف دفن ومن معه في حفر من قبل الجيش . وعندما عرف الشريف بوصول مهدي إلينا ، جاءنا مسرعا ؛ وجلس معنا حوالي نصف ساعة ، وأخذ معه مهدي ؛ وطلب منَّا مواصلة الرباط حتى نهاية الأسبوع الآخر؛ وقبل نهاية المدة بيومين ، وصلتنا تعليمات منهم أن نخلي المعسكر ، ونلحق بهم فوراً ... وقد كان.

وعند عودتنا إلى أديس أبابا ، عقد الشريف الهندي إجتماعا عاما ؛ حيث تحدث قائلا : " الحمد لله ... إن الجميع قد أدوا واجبهم على النحو الأكمل ؛ ولكن إرادة الله فوق الجميع ؛ وسنعيد حساباتنا ونرتب أمورنا ؛ ونحن على استعداد لتنفيذ رغبة أي فرد ؛ سواء كان يريد الدراسة ، أو التجارة ، أو مواصلة العمل من الداخل " . وقد أطلعه الجميع على رغباتهم ، التي نفذها فوراً.

وبحكم معايشتي الشخصية ، وملازمتي والتصاقي به ، فإن الشريف رجل عرفناه ، مسلما مجاهدا، ومناضلا وطنيا، فوق الصفات الحزبية والأسرية؛ وقد سمعنا منه الكثير؛ وتعلمنا منه الكثير... وإن كنا طلاب مرحلة أولية في مدرسته الكبرى.

رحمه الله رحمة واسعة ، بقدر ما قدم لأمته ووطنه .

محمد سليمان بابكر


الساعة الآن 06:54 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.