الراوي في مواجهة حسنة بنت محمود
الراوي في مواجهة حسنة بنت محمود في رواية موسم الهجرة إلى الشمال ظل الراوي يختبئ ثوب الكاتب، فهو ليس بمتفرّج على لعب الشخوص، بل فاعل سلبي، لا يكاد يتخذ قرارا، تتجمّع على شخصه كل دروب الحياة ليكون أشبه برسول متعال عن الحياة. ليس في مقابلة شخصية آسرة كحُسنة بنت محمود، بل هو الشارد من حبال تلتف من حوله لتجعله فاعل في قلب القص، بل ولتجعله بطلا كادت حياته أن يتعاطف معها القارئ. لكنه انزوى في ركن قصي يشهد الخطورة تنهض من حوله وتحاول أن تعانقه، ولكنه يتسلل ببطء كالظل. تحتار القارئ في تصنيف الكاتب، أهو الظل للكاتب الذي يكاد أن يكون بطلا، ثم لا يكون. رغم مظروف الوصية الذي تركه مصطفى سعيد، وأنه المسؤول في حالة غيابه. (2) كتب الروائي الدكتور الراحل محمد عزام: الراوي: تتشكل البنية السردية للخطاب من تضافر ثلاثة مكونات هي: الراوي، والمروي، والمروي له. فــ(الراوي) هو الشخص الذي يروي الحكاية أو يُخبر عنها، سواء كانت حقيقة أم متخيّلة. ولا يُشترط فيه أن يكون اسماً متعيّناً، فقد يتقنّع بضمير ما، أو يُرمز لـه بحرف. و(المروي) هو كل ما يصدر عن الراوي، وينتظم لتشكيل مجموع من الأحداث تقترن بأشخاص، ويؤطرها فضاء من الزمان والمكان. وأما (المروي له) فهو الذي يتلقى ما يرسله الراوي. و(الروائي) لا يتكلم بصوته، ولكنه يفوّض (راوياً) تخييلياً، يتوجه إلى قارئ تخييلي، وهذا (الراوي) هو (الأنا الثانية) للروائي. وقد يكون شخصية من شخصيات الرواية. والمهم هو التمييز بين (الروائي) و(الراوي) فالروائي هو الكاتب خالق العالم التخييلي، وهو الذي يختار (الراوي)، ولا يظهر ظهوراً مباشراً في النصّ الروائي. وأما (الراوي) فهو أسلوب صياغة، أو أسلوب تقديم المادة القصصية، وقناع من الأقنعة العديدة التي يتخفّى الروائي خلفها في تقديم عمله السردي. وقد أدّى التغيير الذي طرأ على طبيعة (الراوي) إلى تطور واضح في تقنيات صياغة المادة القصصية في الرواية الحديثة. ومن نقاط التحوّل الهامة التي طرأت على بنية التوصيل القصصي اختفاء (الروائي) نتيجة موقف ينادي بنفي شخصيته. وقد كان فولتير أول من نادى بهذا المبدأ حين قال: "يجب أن يكون الروائي في عمله كالله في الكون: حاضر غائب". ولقد حظي (الراوي) باهتمام زائد بين النقاد والمبدعين على السواء، وذلك لأهميته، في الخطاب الروائي، فبموقعه يتحدد شكل الرواية. ومنذ مطلع القرن الماضي سعى (هنري جيمس) إلى إخفاء (الروائي) وإظهار (الراوي) على أساس أنه المعبّر عن رؤية الكاتب الفكرية والفنية من خلال موقعه المحوري في الخطاب الروائي. (3) قراءة النصوص من الرواية: {انصرف الولدان وظلت هي واقفة أمامي. قامة ممشوقة تقرب من الطول، ليست بدينة ولكنها ريانة ممتلئة كعود قصب السكر، لا تضع حناء في قدميها ولا في يديها، ولكن عطراً خفيفاً يفوح منها. شفتاها لعساوان طبيعة، وأسنانها قوية بيضاء منتظمة. وجهها وسيم، والعينان السوداوان الواسعتان يختلط فيهما الحزن والحياء .حين سلمت عليها أحسست بيدها ناعمة دافئة في يدي. امرأة نبيلة الوقفة، أجنبية الحسن، أم أنني أتخيل شيئاً ليس موجوداً حقيقة؟ امرأة أحس حين ألقاها بالحرج والخطر، فأهرب منها أسرع ما أستطيع...} * {عذا هو القربان الذي يريده ود الريس أن يذبحه على حافة القبر، و يرشي به الموت فيمهله عاما أو عامين. وظلت واقفة رغم إلحاحي، ولم تجلس إلا حين قلت لها ( إذا لم تجلسي فسأذهب ). بدأت الحديث بطيئا متعسرا، ومضى كذلك والشمس تنحدر نحو المغيب، والهواء يبرد قليلا قليلا ، وقليلا قليلا أيضا أخذت عقدة لساني تنحلّ وعقدة لسانها. وقلت لها شيئا أضحكها وارتجف قلبي من عذوبة ضحكها. وانتشر دم المغيب فجأة في الأفق الغربي كدماء ملايين ماتوا في حرب عارمة نشبت بين الأرض والسماء. وانتهت الحرب فجأة بالهزيمة، ونزل ظلام كامل مستتب احتل الكون بأقطابه الأربعة، وأضاع مني الحزن والحياء الذي في عينيها. لم يبق إلا الصوت الذي دفأته الألفة والعطر الخفيف كينبوع قد يجف في أي لحظة ...}ْ * { لم تجب. وظللت برهة أنتظر ولكنها لم تجب. ثم أدركت أن الظلام والعطر كادا يخرجاني عن طوري وأن ذلك سؤال لا يسأل في ذلك الزمان وذلك المكان. ولكن الظلام ما لبث ثغر ثغره نفذ منه صوتها إلى صوتها...} * { إذا صدق ظني ، فإن الصوت لم يكن حزينا ، بل كانت فيه مناغاة. وتركت الصمت يوسوس لها فلعلها تقول شيئا نعم} * { وكدتُ أيأس. ثم هبت نسمة نشطة في اتجاهي حاملة شحنة من العطر وأحسست بيأس يزداد حدة. وفجأة حدثت فجوة كبيرة في الظلام، ونفذ منها صوت حزين هذه المرة. حزنا أعمق من غور النهر...} * { نعم هبنا قمنا أنا وهي الآن، في هذه اللحظة، وأوقدنا المصباح، ودخلنا، هل نجده معلقا من رقبته في السقف، أم نجده جالسا القرفصاء على الأرض؟...} * { صوتها ليس حزينا وليس فيه مناغاة، ولكنه مشرشر الأطراف كورقة الذرة...} * { وأحسست بها تبكي في صمت ثم ارتفع بكاؤها، وتحول إلى شهيق حاد، ارتعش له الظلام القائم بيني وبينها. ضاع العطر والصمت، ولم يكن في الكون إلا نحيب امرأة ثكلت زوجا لا تعرفه، رجلا أفرد أشرعته وضرب في عرض البحر وراء سراب أجنبي، وود الريس الشيخ في داره يحلم بليالي الغنج تحت فركة القرمصيص. وأنا ماذا أفعل الآن وسط هذه الفوضى؟ هل أقوم إليها وأضمها إلى صدري وأجفف دموعها بمنديلي وأعيد الطمأنينة إلى قلبها بكلماتي؟ وقمت نصف قومة مستندا إلى ذراعي، ولكني أحسست بالخطر ، وتذكرت شيئا، فلبثت واقفا هكذا زمنا في حالة بين الإقدام والإحجام. وبغتة هبط علي عناء ثقيل تهالكت تحت وطأته على المقعد. الظلام كثيف وعميق وأساسي وليس حالة ينعدم فيها الضوء . الظلام الآن ثابت كأن الضوء لم يوجد أصلا ، ونجوم السماء مجرد فتوق في ثوب قديم مهلهل. العطر أضغاث أحلام، صوت لا يسمع مثل أصوات أرجل النمل في تل الرمل. ونبع من جوف الظلام صوت لم يكن صوتها، صوت ليس غاضبا ولا حزينا ولا خائفا ...} عبدالله الشقليني 20أغسطس2020 |
اقتباس:
قلت لنفسى وأنا أقرأ وأتداخل فى بوستك الآخر عن حسنة بت محمود إن أستاذنا الشقلينى قد فتح بابا ستفتح بعده أبواب وأبواب تدخلنا إلى عوالم شيخنا الطيب صالح الروائية . . قبل عام أو أكثر دار نقاش فى قروب من قروبات رومانيا الواتسابية حول السؤال القديم المتجدد هل مصطفى سعيد هو الطيب صالح . . هل الراوى هو الطيب صالح؟؟؟؟؟؟ وتفرع السوال وتمدد كحال كل كلام يدور حول الطيب صالح . . منذ أن عرفت الطيب صالح أحسست بأننى أقرب للراوى فى كل رواياته وقصصه . . بشخصيته المتوازنة بين الشرق والغرب . . بإنتمائه لقريته . . بلده . . بإحساسه بأهله جده وأبوه وأمه وإخوته وبأصحابه محجوب وعبد الحفيظ والطاهر ود الرواسى . . وبأنه مخلوق له أصل له جذور . . له هدف . . أمام حسنة خاف أن يمضى للأمام وخاف من تبعات إتخاذ قرار . وأمام مريم أذعن عندما قال جده لا . . فى بندر شاه يقول : وقد خيل إلينا يومها أن ما وقع قد وقع فجأة . . ثم تكشف لنا رويداً رويداً ونحن فى ذلك الخضم المتلاطم بين الشك واليقين . . أن ما حدث كان مثل سقف البيت حين يسقط لا يكون قد سقط فجأة ولكنه يظل يسقط منذ أن يوضع فى محله أول مرة . هل هى بذرة غرسها مصطفى سعيد؟؟؟ أم نبتة صغيرة سقاها ورعاها حتى صارت حسنة التى وصفها الراوى؟؟؟؟ |
الأكرم عايد
لكم تعود إلينا بكنوز.. أحسب الحوار معك كأنك هو عائد على أنك أصفى سريرة ، وأجل قامة وأندى ربيع في الزمان ... ليت الزمان أحجية متكررة ونسيجا فضفاض ليت الماضي مثل الحاضر على نغم متواتر شكرا لك |
اقتباس:
بدأب وبذل وإصرار على مواصلة سعيك بحثا عن الجمال وتقديما له . . وشكراً لك على كلامك الجميل الرقيق والذى لن أجد ما يقابله مهما بحثت ونقبت . . فى بالى كما ذكرت لك سابقا البحث عن جدلية علاقة القوة والضعف فى شخوص الطيب صالح وموقع سورة الضحى فى هذه العلاقة . ولكن حتى تكتمل الصورة فى ذلك البحث سأعود لأشارتك عن اللامنتمى بتوصيف كولن ويلسون وفى حالة مصطفى سعيد . إحترامى وتقديرى مودتى ومحبتى |
الأحباب بيكاسو / عايد،
سلام وتجلة ... أتابع بإهتمام وإعجاب تدارسكما وتثاقفكما حول أدب الطيب صالح. الحديث عن أدب الطيب صالح، عندما يأتي من ذوي الدربة والدراية بمكامن القص والرواية، لا يقل متعة عن القراءة له، وهكذا تفعلان. أذكر في زيارة لي لمدينة ياش (درس بها عايد وتبعد عن مدينتنا 17 ساعة بالقطار) كنا مجموعة، وبعد السهرة الممتعة مع الصحاب حان وقت النوم، والأماكن المتاحة كانت أقل من مطلوبات مضاجع الجُنوب، فكان نصيبي أن أبيت في غرفة عايد حيث لم يكن متاح غير سريره. رقدنا "خلف خلاف" فقد كانت الرشاقة -حينها- تسمح بمباصرة متسع السرير. كانت رقدتنا أشبه برسمة "ولد الكتشينة" وليس الشايب :). الوقت كان قد قارب الفجر، وقبل النوم تجاذبنا أطراف الحديث، وجاءت سيرة أدب الطيب صالح عرضاً، فقضت على أمل غمضة الجفون قبل أن أن يدركنا الصباح، فما سكتنا عن الكلام المباح. قام عايد ووضع كفتيرة الشاي على الموقد الكهربائي الصغير، ولمن يعرف عايد وارتباطه بالشاي، يُدرك أنه بتلك الخطوة قد قضى على آخر أمل في مطابقة الجفون، وهكذا قد كان ... سيرة الطيب صالح وسرد بعض مقاطع رواياته من الذاكرة .. كأس من الشاي، مع مباصرة القليل المتبقي من السكَر المدخور ... مجادعة عن عبقرية الطيب صالح .. ثم نعيد الكرَة مرة ومرات .. أشرقت شمس اليوم التالي، ولم يغمض لنا جفن، غير أننا كنا ممتلئين ب "الإمتلاء البهيج" كما يقول عايد. تحيات ومتابعة. |
اقتباس:
على الذاكرة ووضوح الأشياء فيها . . ذلك زمن عجيب مثل هذا البوست العجيب لأستاذنا الجميل الشقلينى . أتذكر ذلك اللقاء وحتى أحداث الليل أتذكرها مضيئة وكأن ليلها إنقلب نهارا وحديثنا عن شيخنا الطيب صالح غمرنا بدفء أشعل نار حطبه موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين ودومة ود حامد وبندر شاه ومريود . . كنت وقتها عندما أسمع مقاطع من مختارة كيفما شاء فكأننى أسمع وردى أو أبو عركى . . فأطرب وأنتشى . . وأمتلئ بهجة وحياة . . كان لأبى ذر ذاكرة لا تفلت شيئا يمر عليها بسهولة وكنت أنا قد حفظت موسم الهجرة من صفحتها الأولى حتى الأخيرة بدون أن أقصد . . بدون أن أتعمد الحفظ . . كان يسمعنى مقطع من كتب الطيب صالح فأقرأ له : عدت إلى أهلى يا سادتى بعد غيبة طويلة سبعة سنين على وجه التحديد . . كنت خلالها أتعلم فى أوربا . . تعلمت الكثير وغاب عنى الكثير ولكن تلك قصة أخرى . . حاولت أن أتخلص من أسره إستجابة لنصيحة الزملاء والأصدقاء وكان متاحا أمامنا عشرات الكتاب والمدارس الأدبية وكان زملاؤنا العرب الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون يعودون من عطلاتهم محملين بالإصدارات الجديدة لكتاب عرب وكتاب من العالم المتسع الملئ بالثقافات المختلفة . . ولكننا عدنا للطيب صالح . . أعادتنا تلك الكتب والمدارس الجديدة فقد فتحت أذهننا لعوالم الطيب صالح الكثيرة والمتشابكة . . أيام نقاشنا عن هوية مصطفى سعيد عدت لقراءة عرس الزين بحثا عن أوجه الشبه بين الزين والطيب صالح . . فوجدت نفسى مستغرقا فى قراءة الرواية وكأنها المرة الأولى التى أطلع فيها على الرواية . شكراً يا عمدة على هذه المداخلة شكراً أستاذنا الجميل على البوست العجيب . . |
كتب الطيب صالح في دوحته الرائعة " موسم الهجرة إلى الشمال "،على لسان الراوي :
{ كما أن النخلة القائمة في فناء دارنا ، نبتت في دارنا ولم تنبت في دارٍ غيرها . وكونهم جاءوا إلى ديارنا ، لا أدري لماذا ، فهل معنى ذلك أننا نسمّم حاضرنا ومستقبلنا ؟ إنهم سيخرجون من بلادنا إن عاجلاً أو آجلاً ، كما خرج قوم كثيرون عبر التاريخ من بلاد كثيرة . سكك الحديد ، والبواخر ، والمستشفيات والمصانع ، والمدارس ، ستكون لنا ، وسنتحدث لغتهم ، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل . سنكون كما نحن قوماً عاديين ، وإذا كنا أكاذيب فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا .} هذا الحديث كان عن الاستعمار * كل الملف مهدى للحبايب : سعادة العمدة والأكرم عائد |
اقتباس:
https://f.top4top.io/p_1702uuyw73.jpg ... سلام شقليني وسلام عابد .. هذه صفحات 120 و 125 و 126 و127 .. من ذكريات المجذوب الجزء الاول ... لا اتفق مع نظرية او فكرة الراوي البطل .. ففي هذه الحالة لن تكون رواية .. بقدر ما هي مذكرات أو ذكريات أو اي شئ غير الرواية .. فالراوي المجيد هو الذي يستشف من واقعه وخياله ما يستطيع ان يمزجه لإخراج المادة الادبية او الرواية ذات المشاهد المتعددة .. وكلما كانت الرواية متماسكة كلما إتسع مشارب النقد والقراءة .. رأيي في إبداع الطيب صالح .. في بندر شاهـ - ومريود - وعرس الزين كان اعمق واوثق للرواية .. ولكن موسم الهجرة الي الشمال .. أخذ الطابع السياسي وخاض في صراع الثقافات .. لذا تم تضخيمه .. واستطاع ان يعمل مقارنة مخبوءة بين مفهوم العلاقة في الشرق والغرب .. |
سلام المحسي،
قبل أيام قلت في براح آخر، رأي قريب من رأيك وبالتحديد عن رواية مريود؛ بأنها مقروءة مع ضو البيت بندر شاه، هي من أعمق روايات الطيب صالح، حسب رأيي، وأوردت المقطع التالي كمثال: ".. محجوب قبل خدها وهو يغالب الدموع فتغلبه. وانحنيتُ عليها وقبلت جبهتها، فتشبثت بي وطوقتني بذراعيها، فأحسست بها مثل سرٍ عزيزْ، مثل شيءٍ عسيرٍ مستحيلْ. ذلك العطر. ذلك الشباب. ذلك الحلم. دارت عجلة الزمان القهقرَى، حتى توقفت عند ليلة صيفٍ قمراءْ، ليست من ليالي هذا الزمان ولا هذه الأرض. وسمعتُ حس بكائي كأن أحداً غيري يبكي الدموع التي ظلت حبيسةً كل تلك الأعوام. هذه حصتي من كل شيء. هذا نصيبي وإرثي. مات عنها وتركها لي لتموت على صدري. لعلني لهذا عُدت. كانت مثل طائر. رفعها محجوب من نعشها فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر، وسمعت هبوب أمشير تناديني بلسان مريم "لا شيء .. لا أحد." خطا بها نحو القبر، فاعترضت طريقه ومددت يديَ. نظر إلي برهةً، ورأيت عيناه ترقّان وتغرورقان، فتركها لي. كانت خفيفة مثل فرخ طائر وأنا أسير بها في طريقٍ طويلٍ يمتد من بلدٍ إلى بلدْ ومن سهلٍ إلى جبلْ. لم يكن حلماً. أبداً. كانت مريم نائمةً على كتفي. سرتُ بها على ضفة نهرٍ إلى وقت الضحى، فأيقظها لفح الشمس على وجهها. انفلتت مني وقفزَت في الماء. نظرتُ، فإذا هي في بركةٍ من الضوء، وكأن أشعة الشمس هجرت كل شيٍ وتعلقت بجسدها. كانت تغطس وتقلع، وتختفي هنا وتظهر هناك، وتضحك لي من جهة اليمين، ثم إذا هي تناديني من جهة اليسار. نعم. نعم. نعم. أريد أن أغرق في نبع ذلك الضوء الذي ليس من أضواء هذا الزمان ولا هذه الأرض. لكنني ترددتُ، ليس أكثر مما يطرف جفن العين. في تلك اللحظة، عاد الشعاع إلى منبعه، وذهب الطيف، لا أعلم إلى أين. ناديتُ بأعلى صوتي "يا مريوم. يا مريوم." فعاد الصدى مجسماً بألسنةٍ شتىَ "يا مريود. يا مريود." ضربتُ دون هديٍ في صحراء عقبة تُويوي ريحها وتتهايل رمالها، حتى بلغ مني اليأس وأخذ مني الجهد. ثم إذا شجرة طلْحٍ يلمع نوّارُها. تهالكتُ عندها. فجأةً أحسستُ بمريم. بُعيد العشاء أو قُبيل الفجر لا أعلم. لكنني أذكر ظلاماً رهيفاً وضوءاً ينسكب على وجهي من عينيها، شربتُ منه حتى بلغ مني الظمأُ غايته. قلت لها: - " ألا أسيرُ معك؟ فإنني الآن أقوى." قالت: - " لا. أنت تعود أدراجك وأنا أسير من هنا وحدي." قلت: - " لكني" ... قالت: - " إنك لن تستطيع معي صبرا. فوراء هذه البيداء جبال. ووراء الجبال بحر. ووراء البحر لاذا ولاذا. النداءُ لي وحدي. أنت تعود وأنا أمضي." ثم أخذت رأسي ووضعته في حجرها، وهدهدتني زمناً بصوتٍ كأنه دبيبُ نملٍ في تلال رمال، وقالت لي: - " لا تبتئس يا ضوء عيني فإنني لن أبعد. سوف تراني وتسمع صوتي." قلت وأنا لست أنا: - "هيهات . هيهات." حينئذ قبلتني بين عيني، وابتسمت بكل جمال وجهها في وجهي، وقالت: - " بلَى بلَى يا رمانة قلبي. إذا احتجتني فادعني فسوف أجيء" قلت: - " هيهات . هيهات." قالت: - " ولكن عليك أن تصبر وتُذعن" قلت: - " إذاً اجعلي لي آيةً" قالت: - " آيتك ماء. آيتك ماء. أبداً تتلفت خلفك. آيتك أن تظل يقظان إلى آخر العهد. ستراني وسوف أعينك قدر المستطاع." قلت: - " فلأسر معكِ خطواتٍ أُقدِّمكِ." قالت: - " لا يا تفاحة فؤادي. هنا مفترق الطرق وإنه الوداع." عصر الحزن قلبي عصراً، ولم أجد الدمع الذي أُبرِّد به حر جوفي لأنها سلبتني نعمة البكاء. قلت لها: - " إذاً زوديني ." قالت: - " لا" قلت: - " زوديني" قالت: - " لا" قلت: - " زوديني" قالت: - " لا" قلت: - " زوديني" قالت: - " وا حسرتا عليك يا محبوبي. خير الزاد أنا. وإنني مفارقتك من هنا. لا شبع لك من بعدي ولا ري، ولا شفيع ولا نجي. فاضرب حيث شئتْ، وتزود إن استطعتْ واطلب النجاء. إلى أن تلقاني فأعطيك المنَّ والسلوى." ثم أبعَدَتْ. وسمعتُ صوتها كأنه ينـزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياحٌ وتنشره رياح: - " يا مريود. أنت لا شيء. أنت لا أحد يا مريود. إنك اخترت جدَّكَ وجدك اختارك لأنكما أرجح في موازين أهل الدنيا. وأبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل. لقد أحبَّ بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر، وأقام على سفر، وفارق على عجل. حلم أحلام الضعفاء، وتزود من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة... لما نادته الحياة" .... قلتُ نعم. قلتُ نعم. قلتُ نعم. ولكن طريق العودة كان أشق لأنني كنتُ قد نسيت." |
أدناه تعليقي المشار إليه في المداخلة السابقة:
اقتباس:
|
اقتباس:
سلام عكود .. طبعا روايتي مريود وبندر شاهـ .. لهما جزء ثالث .. صرح به الطيب صالح .. ولكن لم ينجزهـ .. فكانت علي وزن ثلاثية غرناطة .. حاولت تخيل الجزء الثالث .. إنها ستكون بنفس نهج السبر في أحاجي الحبوبات والجمع ما بين الاساطير .. هناك أسطورة تجدها علي ضفاف النيل ’’ابو العشرة - جد المية أو المئة‘‘ هذه الاسطورة وجدتها ممتدة من كوستي وحتي جنوب مصر في منطقة اسيوط . وليست ادري هل هي نوبية أم عربية .. وإن كانت حبوبتي ’’نفيسة‘‘ أو يوا نفسية رحمها الله .. تؤكد بأن القصة حقيقية .. وإن السيدة ’’حرة بت عبدالرحمن‘‘ قد ولدت عشرة ابناء ذكور وثلاثين بنتا .. فهذا يمثل كتاب طبقات .. أما اقرب شئ ان تكون في رواية تحفظها من الاندثار . وحسب حضوري لهذه الاحاجي الخرافية أو الاساطير أقول ان الطيب صالح استطاع ان يرسم لنا اشياء شاهدناها وعاصرنا بعض من حكوا عنها ، ولكننا لم نستطيع أن نقف علي نقاطها إلا عندما نظرنا الي كتابات الطيب صالح .. وهذا في رأيي الجمال .. أن تجد ما كنت تود ان تقوله .. قد شرحه لك الطيب الصالح .. الطيب صالح .. نظر الي المجتمع السوداني مثله مثل الشاعراء الذين نظروا الي المجتمع من خلال ادب المدائح وروح الصوفية .. ’’حيث العشق والوله‘‘ .. وإذا قرأنا هذا - في الطيف او في الصحيان زورني علي ذمة الراوي . حينما راجت اغنية {في الطيف او في الصحيان} للشاعر عمر البنا،، وقف احد دراويش الطريق يردد {هل تسمح لي صحوا اراك عيان} ثم ذهب لدار عمر البنا وهي غير بعيد من مسجد سيدي الشيخ قريب الله وسأله يا عمر البنا القصيدة دي كتبتها لينا ولا ليكم؟! ،، نظر عمر البنا للدرويش طويلا وفهم مغذى سؤاله وادرك حالة الاشواق التي يكابدها فقال للدرويش [الخمر هي الخمر وان إختلفت الكؤوس] ، بكي الدرويش حتى اشفق عليه الماره في الطريق لعمرك تلك اذواق قلوب تتنسم معاني بعيده لمعنى شعري عابر (هل تسمح لي صحوا أراك عيان) كلمات اغنية يا حبيبي انا عيان - فى طيف أو فى صحيان زورنى ياحبيبى أنا عيان مالو لو فى بعض الاحيان تسمح لى صحواا أراك عياان زورنى تاخد ياحبيب عن حالى بيان عسي تبقى قلوبنا فى الغرام سيان يادوبى انا عيان ديما اساهر لي صيحة الااذان اناجى خيال اشعارى والنجم والاوزار زورنى انت وين يال بي حسنك وطننا مزان انت تظهر وتشرخ عنى يا الاحزان زورنى ياتومى انا عيااان يا الفريد الحسن وبهجة ام درمان زى من شوفتك ياحبيبى زمان زورنى يعنى اساهر ونوم عيني حرمان وانت بين اترابها فى نعيم وامان زورنى ياتومى انا عيان تنظم وصفك ياحبيبى لسان والبال اتعلم من قامتك الميسان زورنى غير حسنك ما رأيت انسان فقد عاشق الدمعة ولحريرك لمسان زورنى ياحبيبى انا عيان فى الطيف أو فى الصحيان زورنى |
الراوي
تطور الراوئي في شبكة الرواية والراوي والروائي والقارئ ،فصار شخصية اعتبارية فضفاضة ، تلقي أضواءها على الرواية في بساط البحث . يتقلب الرواي بين الموضوعية والذاتية. تطورت شخصية الراوي ،عبر تاريخ طويل من تطور السرد الروائي ، وللمؤلف أن يختار للراوي شكله ومصباحه وأدواته ، ليتلصص في جنبات الرواية. في لقاء الراوي بحسنة بنت محمود ، كاد في لقائه أن يندغم الراوي في شخوص الرواية كبطل ، يطلّ على الساحة بعد غياب مصطفى سعيد ، وكاد أن يميل إلى حسنة ، التي أبدت رغبتها الضمنية إلى أن اختار مصطفى قد وجد جانبا من قلبها مكانا فسيحا . لكن الراوي آثر ألا تشتبك في الوقائع الروائية ، لاستقرار وضعه العائلي الذي أراد ألا يدخله في آلام الضرار ومتاهاته . |
[rams]https://www.youtube.com/watch?v=dm7CeTwCVmE[/rams]
|
اقتباس:
سلام شقليني نعم يتقلب الراوي بين الموضوعية والذايتة ، حتي إنه يتقمص دور البطل ويتلبس المشهد اللحظي كاملا ، وقد يخرج منه في بعض سطور ، غير أبه بما قدر يجر ذلك علي ترتيب المشهد التالي ، وهذا يعتمد علي قدرة المؤلف للدخول والخروج بين هذه وتلك المشاهد .. واتفق معك في ان للمؤلف كل الحق ان يختار للراوي شكله ومصباحه وادواته .. هذا تجدهـ باينا في رواية الشمندورة - لمحمد خليل قاسم .. تلك الرواية القمة في الروعة ، ولكنها لم تجد حظها .. قمت بنشرها علي الإنترنت في 2009م تقريبا بطلب من حنينه .. فإنتشر وذاع صيت الرواية ، وبعدها كتب عنها النقاد كم من المقالات واعاد بعضهم ما نشرهـ عند نشر الطبعة الاولي .. وتم طباعة الكتاب ثلاثة مرات ما بين 2009م الي 2017م .. علاقة المؤلف والراوي والبطل إذا حاولنا ان نربط بينهم سنجد كما من الخيوط المتشابكة يصعب فكفكتها وحلحلتها الي سطور وحروف .. لذا افضل قراءة العمل الروائي بعيدا عن شخصية المؤلف والراوي .. فقط في حيز البطل وجغرافيته الادبية حتي لا نتهتم المؤلف او الراوي بأنه يحكي عن شخصه أو شخصية فلان .. ولك وللجميع كل الود وخالص التقدير ابوبكر خيري |
اقتباس:
عزيزي العمدة عكود تحياتي شرفنا شيخنا الطيب صالح برواياته ومقابلاته ، حول قصة موسم الهجرة إلى الشمال . وحملت القصة قصة السودان بين الحربين ، الأولى والثانية ، وكانت مرحلة الحكم في السودان أيام ( سايمز) * الحاكم العام مستر سايمز يرى ضرورة وحدة السودان بخلاف سياسة سلفه ( مفي ) الذي كان يهدف عزل الجنوب عن الشمال : تاريخ الجمعيات الثقافية في الثلاثينات دخلت الحركة الوطنية مرحلة جديدة بتشجيع من الحكومة . لقد تأكد لسايمز أن تشجيع الجمعيات التبشيرية وإبعاد الشماليين من الجنوب يؤدي بالضرورة إلى خلق عداء سواء بالنسبة للمصريين أو الشماليين ، ورفض إتباع سياسة " مفي " المتعلقة بتطوير الجنوب بمعزل عن الشمال ، والمؤدية للانفصال بينهما ، واتبع سياسة جديدة للتقريب بينهما ، ولذلك يمكن التحقق من أن سايمز كان يهدف لبناء أمة حديثة عن طريق إدارة عامة في الاعتبار الأول ومتقدمة ليس بالتعاون مع السلطات القبلية ، بل بالتعاون مع الإنتليجنسيا السودانية ، وفي نظره لم تكن الإنتليجنسيا هدامة أو ثائرة ، ورغم أن التعاون معها ينطوي على مخاطر لأنه من الأفضل أن يظلوا مغتربين بعيدين عن مجريات الأمور في بلادهم . وقدم "سايمز " مذكرة عن الإعلام الثقافي لمديري المديريات الشمالية في 1938 وأبرز بوضوح معالم سياسته . وأفادت الحركة الوطنية أيما فائدة من سياسة " سايمز " وبدأت النشاط الثقافي الوطني الذي مهد للابتعاث للإنجلترا وبيروت ، الذي مهد لاحقا لمؤتمر الخريجين وتطوره لنيل الاستقلال . * |
| الساعة الآن 06:18 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.