.
(2)
كانت تغني بكثير شجى و تعطي كل حرف حقه من الغنج و مستحـقــّـه من الدلال .. تحرر الشعر الأسـود الطويل من الثوب المنسـوب جزافآ للوطن و عربدت بشعرها الجميل نسمات الأصيل..بدا شعرها طويلآ أرهق طيـّـات الثوب حين تخاصرت نهاياتهما مع وسط الصبية و كثيفآ إستعصى على نسمات النيل التي تراءى للمذيع أنها تشاركه رغبة تصفيف هذا الشعر أو بعثرته و الإحتفاء بهذه التظاهرة الجمالية .. بحركة تلقائية خطـت زهراء نحو الماء و غاصت أقدامها الحافية في الرمل المبلل احتفاءً بقرب الشـط ..واصلت الغناء..
سألتك كـيف ..
كيف ..و.. وين
هواك أوهام ... و وعدك زيف
واضح من الأداء أن اختيار الأغنية ليس مصادفة ، و أنة المجروح في حركة مـد طويلة لحروف العلة كشفت أصل العلة ، غير أن زهراء صارت أحلى و هي حزينة ....و التقطيبة التي تبدّت في مقاطع العتاب بالأغنية كانت تشي بملامح شخصية بادية العناد و النفور..حتى المقاطع التي تكرّرها كانت رسالة لحفيف الموج:
سهرت مع ملاحم شوق
و في أحضاني نام الليل
ردّدت " سهرت مع ملاحم شوق" بطريقة أم كلثوم في التطريب و التكرار..فمرّة تقول (آآآآه سهرت)..ثم تصمت متبسـّـمة و أخرى تطيل من إرهاق الواو في (شووووووق)...و في كل مرة يختلف في الأداء ضربآ من ضروب الموسيقى يحلـّـق بالسامعين عاليآ.
بانتهاء اللحـن المميز صفق الجميع و عبروا عن دهشتهم و اعجابهم بأدائها و زاد المذيع بسؤال مهني تقليدي عن راعي موهبتها و مشجعها فذكرت أنه شقيقها الذي كان صديقها المفضل ..
تحدث الشباب عن ضرورة العودة للشاطيء الآخر لمواصلة البرنامج ، و كان المذيع يلعنهم في سره، و ادعى في المايكريفون أن فقرة زهراء انما هي المفاجأة التي وعد بها الجميع في بداية البرنامج.
فشلت كل محاولاته في أن يظل محايدآ، حتى أمام الكاميرا، فكان يقدمها باحتفاء بالغ و يثني عليها قبل و بعد الفقرة غير عابيء بسخرية أصدقائه الذين فشلوا في الهائه عنها و لو لبعض الوقت .. أوصلها نهاية الرحلة من الجامعة لباب الداخلية التي تحمل اسم المناضل الشهير بينما تطل على الشارع سفارة بلد استعماري .
صار المذيع أكثر حرصآ على الجامعة من التلفزيون ، لا سـيما في أيام الOff حيث لا يعاتبه زملاؤه بالغياب من المحاضرات آن تواجده بالجامعة ، و كان الليمون المثلج أفضل مهديء للأعصاب التي يهيجها صراع الرغبات و الدوافع . بين الجامعة و داخلية الطالبات مشوار قصير يسميه الطلاب اصطلاحآ (طرحة) لكونهم يقومون بتوصيل الزميلات بشكل جماعي و عدد قليل ، و أصبح برنامج الطرحة من أحب المشاوير لديهما و كان الزمان متسامحآ بحيث يسيرا متماسكين بلا مضايقات للسلطات الأمنية العليا و كانت تغني في برنامج الطرحة كثيرآ.
و حدث أن تأخرا في الغناء يومآ
و وجدا باب الداخلية مقفلآ ..
أصـر الحارس ألاّ دخول بعد العاشرة
و رفض التفاوض ..
بل طلب منهما الابتعاد .. قال المذيع ، كمن وجد الحل ، أحسن نوقف تاكسي و أنا بمشي معاك و أوصلك لأي بيت من قرايبك و ....
قاطعته :
ما في أي زول من أهلي ممكن يدخلني بيتوبعد الوكـت دة ..
قال موضحآ:و الله لو أسرتنا في الخرطوم ما يحتاج .. لكـن ..
تحدّرت على خدها دمعه و هي تنظر للساعة تشير للعاشرة و النصف و سائق التاكسي ينهب الأرض باتجاه شمبات الأراضي .. فتح الباب بلا حذر و سمع ود الجيران يعلق :
أمـّــك .. الأستاذ طـاااابق ..
......
نواصـل ،
_________________
.
|