في ضاحية السِّدِرَاب كان الوضع مختلفًا تمامًا، حيث انقلبت الضاحية رأسًا على عقب، وبعث الصَّادِق ضَوْ البَيَت بعض شباب الضاحية في جميع الأنحاء بحثًا عن ابنته التي اختفت دون أن يشعر بها أحد. خرج مَسْعُوُد الصَّادِق كذلك بحثًا عن شقيقته فكان الوحيد الذي ذهب إلى بيت امْتِثَال الصَّادِق، الذي لا يبعد كثيرًا عن بيت العائلة الكبير، ولكنه لم يعثر لها على أثر هناك. صرخت امْتِثَال الصَّادِق عندما علمت بالأمر، وهي تقول: "لاشك أنها نفذت تهديدها." بينما تلعثم مَسْعُوُد الصَّادِق كثيرًا، وهو يقول: "لا يأتي من ورائكن إلا الفضائح والعار!" وخرجا بحثًا عنها في القرى القريبة التي يمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام.
في غضون ساعة واحدة فقط عرفت ضاحية السِّدِرَاب عن بكرة أبيها والضواحي والقرى المجاورة لها، والتي تبلغ في مجموعها ثلاثًا وعشرين ضاحية وقرية، بخبر اختفاء نِعْمَات ابنة الصَّادِق ضَو البَيَت، وبدأ الجميع يتكهنون سبب اختفائها كما يحلو لهم، ولم يهدأ البحث حتى ساعات الليل المتأخرة. تعجبوا كيف لفتاة أن تختفي هكذا فجأة من بين ظهرانيهم دون أن يشعر بها أحد، وخمن البعض أن يكون الجن قد اختطفها. قالوا: "إن اختطفها الجن فلا فائدة ترجى من البحث." ورغم اليأس الذي لف الجميع فإن البحث لم يتوقف.
جلس الصَّادِق ضَوْ البَيَت في راكوبته المفضلة في فناء بيت العائلة الكبير وإلى جواره صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر الذي راح يهدئه رغم قلقه الشخصي على مصيرها. قال بصوت اجتهد كثيرًا في طلائه بنبرة التفاؤل العزيز في تلك اللحظات: "إن لم يعثر الشباب على جثتها في الأنحاء، وهذا ما أتمناه، فهذا يعني أنها مازالت على قيد الحياة، وربما هربت مع الرجل الذي جاءك خاطبًا إياها، ورفضته." فانتفض الصَّادِق ضَوْ البَيَت من مجلسه، وراح يصرخ في وجهه:
- هل جئت تواسيني في محنتي أم جئت شامتًا أيها الأعور؟
- إنما تمنيت أن تكون على قيد الحياة، أفلا تتمنى أنت ذلك؟
- أفضل أن تأكلها الضباع ووحوش الجبال ولا يتركوا منها إلا شعرها على أن تخرج عن طوعي وتعصيني لتتزوج من عبد أسود؛ لاسيما وإنها تعلم أنني رفضته. ابنتي لا تفعل ذلك، لا يمكن لها أن تضع رأسي في الوحل بعد هذا العمر.
- سنرى من منا هو الأعور.
زعق الصَّادِق ضَوْ البَيَت في الشباب الذين عادوا خاليي الوفاض بعد بحث دام لساعات طويلة بمن فيهم ولده مَسْعُوُد الصَّادِق: "سبعة وعشرين بغلًا عجزوا عن إيجاد فتاة؟ كان يجدر بأمهاتكم أن يرقدن عليكم ساعة ولدتم." ثم إنه أمرهم بأن يخرجوا للبحث عنها مرة أخرى، فخرجوا وبحثوا مجددًا بكل عزم، ولكن الأمر انتهى بعد ثلاثة أيام، وتوقف الجميع عن البحث، قال أحد الرجال:
"إما أن الأرض انشقت وابتلعتها أو تبخرت أو اختطفها الجن. لا حل آخر؛ فقد بحث الشباب في كل القرى والضواحي حول ضاحيتنا، ولم يجدوا شيئًا وأقرب قرية بعد هذه القرى المجاورة تبعد مسيرة أسبوع أو أكثر مشيًا على الأقدام، ولا يمكن لفتاة أن تذهب بمفردها أبعد من هذا، كان لابد أن يجدها الشباب فاقدة للوعي من الجوع أو العطش في أي مكان من هذه الصحراء القاحلة، هذا إن استطاعت تجاوز السباع والأفاعي السامة."
ولم يكد يمر أسبوع على اختفائها حتى بعثت نِعْمَات الصَّادِق إلى أبيها رسولًا أبكمًا يحمل رسالة بخط يدها تخبره فيه بأمر زواجها من عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة، وتطلب منه العفو ومباركة الزيجة. بدا من الخط وترتيبه أنها في حالة مزاجية مرتاحة للغاية، كما أنها حرصت على استخدام عبارات لطيفة لتلين به قلب أبيها وتهون عليه وقع الصدمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم
والدي العزيز، تحية طيبة
أعرف أنك غاضب مني وإنه ليحزنني ذلك كثيرًا، وأنت تعلم أنني لا أطيق غضبك علي، ولكن هل بإمكانك فعلًا أن تغضب من نِعْمَات حبيبتك؟ أشك في ذلك. إنني أؤمن بأن جل اهتمامك وأملك في هذه الدنيا أن تراني سعيدة، فإن كان الأمر كذلك فاعلم أنني سعيدة غاية السعادة مع الرجل الذي اخترته، وكنت أتمنى أن تعرفه كما عرفته، فهو يكن لك كل مودة واحترام، وأقسم لك على ذلك. كل ما أريدك أن تعرفه أنني لم أفعل شيئًا يغضب الله أو يمس بكرامتك وشرفك، فلقد تزوجت على سنة الله ورسوله، وإن كنت قد هربت فأنت تعلم السبب الذي دعاني إلى ذلك. لقد تمنيت أن تكون أنت وأخوتي إلى جواري في حفل الزفاف. فعلًا افتقدتكم كثيرًا.
أكتب إليك هذه الرسالة لأعتذر عما بدر مني، وما قد يكون سببه غيابي المفاجئ من قلق فأنا بخير وأعيش سعيدة، وأهل زوجي يحبونني كثيرًا ويعاملونني كأخت لهم. كل أملي أن تبارك لنا هذه الزيجة حتى تكتمل فرحتي ويبارك الله لنا فيها. ولأنني أعرفك جيدًا يا أبي فإنني أرسل إليك هذه الرسالة مع رسول أمي وأبكم حتى لا تتمكن من معرفة مكاننا، وإن رحبت بزواجنا فسوف آتيك مع زوجي وأهله إلى القرية في أسرع وقت.
كلمة أخيرة: عفوًا أبي إن لم أستطع الاقتناع بوجهة نظرك، فأنا لا أرى أن ثمة فارقًا بين البشر إلا الأخلاق الحميدة، وهو أحد الأشياء التي جذبتني إلى عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة وجعلني أقرر الزواج به.
ابنتك المحبة دومًا: نِعْمَات."
خرج الصَّادِق ضَوْ البَيَت من فوره، بعد قراءة الرسالة، إلى سوق الضاحية، ورفع الرسالة عاليًا، وهو يقول: "أيها الناس، إنها رسالة من نِعْمَات ابنتي تقول إنها تزوجت من عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الذي رفضته، وأنا هنا لأشهدكم أنني تبرأت منها إلى يوم الدين." وختم خطبته القصيرة بتكرار عبارة "حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الله ونعم الوكيل." ارتسمت علامات الأسى والإشفاق على محيا الجميع فيما عدا مَسْعُوُد الطَّاهِر الذي وقف غير بعيد في انتظار أن يساعد الناس صديقه على الجلوس في مكانه أخيرًا، فذهب إليه وجلس إلى جواره، وهو يربت على كتفه قائلًا:
- لو أنك فقط استمعت إلى الرجل عندما جاء يخطبها، لعرفنا من أي الديار هو على الأقل!
- هذا ليس وقت التوبيخ الآن.
- أعلم إنك لن تتبرأ منها.
- لقد فعلتها للتو وانتهى الأمر. حسبي الله ونعم الوكيل.
- ما فعلته هو ما يجعلني أقول إنك لن تتبرأ منها.
- ماذا تحاول أن تقول يا فيلسوف الغبراء؟ هل تجدني في مزاج مناسب لمثل خطرفاتك هذه؟
- لقد خرجت على الناس لتثبت لهم بأن ابنتك تزوجت على سنة الله ورسولها، وأنها ليست كما قد يظنون، والأب الذي يفعل ذلك لا يمكنه أن يتبرأ من ابنته أبدًا؛ لاسيما إن كانت نِعْمَات، يا أبا نِعْمَات.
اكتفى الصَّادِق ضَوْ البَيَت بأن نظر إليه مباشرة في عينيه وقد ارتسمت على وجهه ملامح صراع عضلي محتدم بين الحزن والابتسام، ثم قال: "صدقت هذه المرة أيها الأعور. أنت دائمًا تفهمني، ولا أعلم لماذا أنت بالتحديد!" هز مَسْعُوُد الطَّاهِر رأسه، وهو يقول: "إنها العشرة يا صديقي. فقط تمنى لها حياة سعيدة مع الرجل الذي اختارته، فقد اختارت نصيبها وانتهى الأمر." تمسك الصَّادِق ضَوْ البَيَت ببقايا كبريائه ورفع رأسه عاليًا، وصاح في وجه مَسْعُوُد: "أما هذه فلا يا أعور." واكتفى مَسْعُوُد الطَّاهِر برسم ابتسامة يعرفها الصَّادِق ضَوْ البَيَت جيدًا، وأثارت حنقه وغضبه فزعق ثانية: "أغرب عن وجهي الآن أيها الأعور."
|