عرض مشاركة واحدة
قديم 29-09-2015, 09:29 AM   #[6]
imported_زول الله
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_زول الله
 
افتراضي محطة 3

إعتدت أثناء التسعينات الميلادية ولمدة سنتين تقريباً هي عمر علاقتي بذلك الحي الهاديء من مدينة أمدرمان , إعتدت كل يومين أو ثلاثة أيام أو كل أسبوع أحياناً وفي العصريات أن أحمل معي سجادة متوسطة الحجم والشيشة الخاصة بي وصندوق به أدواتها بالإضافة الى صديقي المقرب جداً والذي لايمكنني الإستغناء عنه وهو آلة العود ... ثم أذهب مبتعداً عن ضجة الطرق الرئيسية وصناديق الأسمنت لأنتبذ بأشيائي ركناً قصياً على شاطيء النيل بمنطقة الحتانة بأمدرمان وأسكر وحدي بشذى ذلك الجو الهاديء والهواء النقي الذي لايلوثه سوى دخان المعسل الصاعد الى اعلى متآمراً مع أشعة شمس المغيب التي تعكس ظله على الماء وكأنه سحابة غارقة في شجونها.
كما تعودت أحياناً أن يأتي الى مجلسي بعض الهائمين مثلي بمعطيات الجمال في ذلك الشاطيء الحنين ويقاسموني بضع رشفات من شاي متبل بالقرنفل أو بضع أنفاس من المعسل البحريني أو تجذبهم نغمات ذلك العود العراقي الأسود فيطربون وأطرب.
وذات جلسة بذلك الشاطيء الحبيب أتاني رجل فارهـ الطول واسع العينان في سمرة دافئة يرتدي العراقي البلدي , تلوح في جبينه شهادة الزمن والعمر الذي قارب السبعين عاماً أو أقـل.
جلس ذلك الرجل المهيب بجانبي صامتاً يستمع الى مقطع من احدى أغنيات الحقيبة عزفاً وثم أدرك أني اعزفها فقط ولا أريد أن أغنيها فترجل هو وغنى تلك الأغنية بصوت تفوح منه عطور المسالمة وابوروف وحي القلعة , صوت معتق بخبرة لا يمكن تجاهلها.
صدح ذلك الصداح بأبيات ومقاطع جديدة في تلك الأغنية حتى ظننته قد أتى بأشياء فيها لم تكن موجودة أو لم أسمع عنها قط فهمت طرباً حتى قلت في نفسي ليته ما سكت.
عرفني بنفسه فاكتشفت أنه أحد رواد أغنيات حقيبة الفن بل دعامة كانت أساسية في مجال الغناء وله تسجيلات بالإذاعة السودانية لأغنيات معروفة كان أول من سجلها بصوته .
عرفت أن ذلك الرجل هو الأستاذ الفنان عبدالله أبوزيد الذي تغنى وعاصر كثير من المطربين مثل الراحل أبوداؤود وغيره ومن أشهر الاغاني المسجلة بصوته في الإذاعة السودانية أغنية (بعيدالدار) التي تغنى بها الكثيرون وكان لها رواجاً لم تشهده أغنية أخرى.
وذلك الإرشيف الفـني يسكن في ذلك الحي الهاديء بمنطقة الحتانة وحده مع ذكرياته وعوده وأيامه الجميلة أما أبنائه فهم يسكنون في منزله الكبير في حي آخر داخل مدينة الثورة وله الكثير من الأحفاد .
سعدت جداً بمعرفة ذلك الهرم الذي أبدى إستغرابه وايضا فرحته بوجود من يحفظ من أغنيات الحقيبة الشيء الكثير كما قال فأفهمته أن مصاحبة أمثاله من العمالقة وأهرام الفن هي هوايتي المفضلة فصرنا إخوة في الله والفن تعلمت منه الكثير الكثير جداً ونصحني وقومني ودلني لمفاتيح كثير من الأشياء التي لم أكن أحلم في يوم من الأيام أن أسبر أغوارها فكان نعم الصديق والأخ الأكبر والمربي الفاضل الذي لم يبخل يوماً بشيء يعرفه على احد ولم يعكر صفونا الا هذه الغربة اللعينة قبح الله وجهها ورماها في النار.
لك مني عاطر التحايا استاذي العزيز أينما كنت على هذه الكرة الأرضية وحيا الله أمثالك ممن عطروا مساحاتنا وعلمونا كيف نتعاطى الإبداع من أهله.









اقول قولي هذا واستغفرالله لي..........................



التوقيع:

يلسعني نحل النشوة في الوجدان
لا أعـرف كيف أحـُكـك يا وجـدان
محظوظ جداً نحل عيونك .. صادف قلباً عريان
"الكتيابي"



إن يكن حسنك مجهول المدى فخيال الشعر يرتاد الثُريا
رحمك الله الشاعر الفخم صديق مدثر
imported_زول الله غير متصل   رد مع اقتباس