الرويـــــس (1-4)
لفحات من نسمات باردة تداعب وجهي في ذلك الصباح الباكر و أنا بين مغالبة ماتبقى من سلطان النوم و بين مجابدة سعال تبقى (خمّاراً) من التهاب سابق ، أيمم وجهي ناحية محطة الغبيبة ، وكعادتي أتفرس سحنات البشر و أقيم لهم في خيالي مقامات حكايا أؤلفها كيفما اتفق لتقصّر علي المسافات و تزيد السحر ...
مقعد سخيف كان من نصيبي اذ أن متكأته لا تتحرك ، الا أنني لم اتذمر اذ انه حقق لي شرطي المهم في مقاعد التسفار ، أي أن يكون بجانب النافذة ، الجلوس بجانب النافذة يجعلك مُشرعاً تجاه الأفق ، متصدراً للريح و شاخصاً كطائر!
و مع التهام الاطارات للاسفلت تتناقص كتل الاسمنت والزجاج الذان بنيت منهما هذه المدينة شيئاً فشيئاً ليتراءى المدى خَجٍلاً في البدء ومن ثم يستبين سافراً يهيمن على الغيمات التي ما انقطع تواطئها مع السماء حتى اقتربنا من أبو ظبي ، عرفت أن المدينة اقتربت حين حفت جانبي الطريق "شتيلات" نخل حنينات سرقن مني ابتسامة ، وبعثن من ذاكرتي البلد ، ( مقرات ) التي أحاطها النيل بذراعيه وتكسرت أمواجه المتخلقة من مخر الفلاليك لعبابها على صدرها ..
بعثت النخلات "الظبيانيات" من الذاكرة نخلات "مقراتيات" ...
قاطعت رنات الهاتف ابتساماتي ، عكـود يتصل مراراً ليعرف موقعي الحالي فأقرأ له من لافتات الحوانيت ما تقع عليه عيني فيجيبني بتحديد اسم الشارع الذي نحن فيه متبوعاً بتحديد المدة المتبقية لوصولنا الى محطة الحافلات الرئيسية في دقة تضاهي أجهزة تحديد المواقع !
أصل "معسماً" الى المحطة الرئيسية وكعادتي أبحث عن البن في مظانه ، وأدثره بدخان السجائر المحبب اليّ لأواصل تتبع السحنات ونسج حكايا تخصها ..
عكود في اتصال من اتصالاته المتعاقبة يوصيني أن أرتحل بالباص X87 لأنه يأتي للرويس مباشرة ، بعكس الباص X88 الذي تطول رحلته عن الأول بأربعين دقيقة نظراً لأنه يغشى بلدة "المرفأ" وقد جاءت هذه الوصية بعد أن رأى تذمري وتفاجئي ببعد الرويس بعد أن وصلت لأبو ظبي ..
جلست مواصلاً في التدخين والخيالات مطرقاً - نوعاً ما الى الأرض - كمن يحاول تذكر شئ ما ، أحسست في اطراقي ذاك بنسمة باردة "فرزتها" من بقية النسمات اذ أنها كانت محملة برائحة عطر (أظنه اسكادا) رفعت رأسي وفغرت فاهي في مواجهة منحوتة أنثى جميلة للحد الذي تؤلمك معدتك حين النظر اليها !
تسألني بصوت بالغ الموسيقى وبانجليزية هوليودية :
- هل أتى الباص الذاهب الى المرفأ بعد؟؟؟
- لا لم يأتي لكنه سيصل بعد عشرين دقيقة...
جلست بارتياح من كان يخشى التأخر وبدأت تتحدث أو تغني - لست متأكداً ، وبدأت عيناي تلمع.
وأتبعتها باخراج هاتفي والاتصال بعكود واخباره اني لم أجد سوى الباص الذاهب للرويس عن طريق المرفأ وسأستقله هو ....!
|