أقوى نقد لمجتمع مشروع الإنقاذ الحضاري
البرجوازية الإسلامية المستحدثة في السودان إلى أين:
يكذب من يقول بأن خياراته خير من خيارات الشعب السياسية، وذلك لأن وجهة نظر الشعوب تكون دائماً مبنية على حسابات واقعية معاشة، ولا تميل إلى اللعب على وتر العواطف السياسية الكاذبة التي يجيدها خبثاء السياسة ولصوص الأوطان.
وكان معلوم لدينا أن لصوص السلطة وهم خارجها يمثلون مفرزة للتبشيع بالغير وتضخيم أخطاء المنافسين، ثم اكتشفنا بعد وصولهم للسلطة بشقيهم اليساري والإسلاموي بأنهم يمثلون أيضاً مفرزة لإنتاج المشاكل والأزمات بسبب عدم تمتعهم بالموهبة والخبرة السياسية، وعدم التزامهم بالمبادئ والشعارات التي يطرحونها.
وهذا ما أكده الأستاذ صهيب حامد في مقاله الرائع بصحيفة ألوان 2/5/2007م عن البرجوازية الإسلامية التي ضخمتها حكومة الإنقاذ حيث كتب مقالاً عنها قال فيه:
".. إن تاريخ هذه الكتلة الاجتماعية التي أسميناها بالبرجوازية الإسلامية يؤشر إلى انحدارها من أوساط اجتماعية فقيرة ومهمشة، ولكن فيما يبدوا أن مقدار الطموح في المشروع السياسي للحركة الإسلامية قد غذي مشاعر هذه الفئات وهي اليوم بعد تاريخ طويل من الممارسة الطموحة تقف على رأس الحراك الاجتماعي لأهل السودان.
عموماً وقبل الاسترسال علينا ملاحظة نقطة مهمة سوف تعيننا في فهم بعض الأشياء إلى الأمام، وهي أن الاستثمارات التي اجتذبها الإسلاميون من الخليج وغيره لتمويل النشاط التطوعي للحركة ومشاريعهم الاجتماعية، كان مالاً سهلاً مما نمى المواهب الطفيلية لدى بعض فئات الإسلاميين الذين اعتادوا على الكسب السهل، وهو الأمر الذي قاد هذه الفئات فيما بعد الإنقاذ للاقتيات من ضعف السياسات والقوانين التي وضعت خصيصاً لتسهيل هذه المسالك.
إن تحليل مؤشرات الترتيب الاجتماعي الجديد في السودان إبان العقد الأخير، سوف يضع يدنا على الحقائق الأساسية. فمثلاً لو قمنا بجرد للقاطنين الجدد بأحزمة الرفاهية القديمة المتمثلة في العمارات والرياض والطائف والفردوس والمعمورة والمهندسين والمغتربين والصافية والمنشية وغيرها، لوجدنا أن البرجوازية الإسلامية تمثل الأغلبية العظمى من القاطنين هناك، أما في أحزمة الرفاهية الجديدة المتمثلة في كافوري وغاردن سيتي ومخططات السكن الجديدة لوجدنا أن هذه الأخيرة قد أنشأتها أصلاً هذه البرجوازية.
عليه فالنهضة العمرانية التي يشهدها السودان اليوم لا تشكل مؤشراً حقيقياً للنمو، بقدر ما أنها تمثل مؤشراً لنمو هذه البرجوازية التي عزلت نفسها في هذه الأحزمة!.
أما مراكز السيطرة الأساسية لهذه البرجوازية في الاقتصاد السوداني فتتمثل في مجالات الاتصالات والبترول وقطاع التمويل عموماً بما في ذلك المصارف خصوصاً بعد دخول الكثير من مؤسسات التمويل الخليجية والعالمية في هذا المجال، وهناك قطاع التوكيلات العالمية وغيرها سواء على مستوى السلع أو الخدمات.
إن مثالاً بسيطاً سوف يمنحنا أبلغ مثال على مبلغ الضرر الذي تحدثه هذه البرجوازية في الاقتصاد السوداني. لو تذكرون ذلك القرار الذي صدر من وزارة المالية وفتح مجال الاستيراد أمام معدات النقل الثقيلة فدخل قدر مهول من هذه المعدات تحت بصر وزير المالية وامتلأ السوق بها، وإذا بأصحاب هذه المعدات يكتشفون أنهم قد غرر بهم وهم يعلمون للتو أن سوق النقل في السودان تسيطر عليه ما لا يزيد عن عشرة شركات يكاد كل سوداني يحفظ أسمائها عن ظهر قلب!!.
وبذا أكتشف أصحاب هذه المعدات أنهم سوف لن يخدموا سوى كمقاول فرعي لهذه الشركات المدللة بعد أن يرسوا عليها العطاء، وبذا صار كارتل المقاولات هذا يحدد الأسعار كيفما اتفق، فانهار سوق مقاولات النقل بالسودان دون أن يلتفت مسئول واحد لهذه الظاهرة!!. بل لقد وصل سعر بعض هذه المعدات في السوق إلى 10% من القيمة التي استوردت بها!. ويعجب خريج اقتصاد مثلي لمخططي سياستنا الاقتصادية وهم يدعون جهلهم بمآلآت القرارات التي يصدرونها!!.
إن الأخطر من ذلك هو انهيار سوق العمل بالسودان وازدياد معدلات البطالة بعد أن قرر مخططينا الاقتصاديون استمرار سياسة الاحتكار هذه، وبذا انهارت آلاف الشركات العاملة في مختلف المجالات فوجد عشرات الآلاف من الموظفين والعمال أنفسهم في الشارع.
إن الإشكالية الكبرى التي تمثلها هذه البرجوازية على المشروع السياسي للإنقاذ هي إنها قد طورت علاقات مصالح كبرى مع مراكز الاستثمار والمال العالمي سواء بالغرب أو جنوب شرق آسيا، وصار ارتباطها بهذه المراكز أكبر من ارتباطها بالمشروع السياسي الذي أنجبها مما يعطي الأولوية لخدمة هذه العلاقة الجديدة أكثر من أي شيء آخر.
علماً بأن وجود فئات اجتماعية مؤثرة ومتنفذة تتسنم صهوة المشروع السياسي وتنظر إلى أهمية ذواتها وكأنها أهم من هذا المشروع سوف يؤدي بنا في نهاية المطاف إلى فصل مستقبل ومصير هذه الطبقة عن مصير المشروع السياسي الوطني. كما إن الوضع التراكمي لرؤوس أموال هذه الفئات مقابل ضيق أوعية الاستثمار المحلي، سوف يجعلها تفكر في إعادة تدوير هذه الأموال في مكان آخر من العالم تماماً كما يحدث في الخليج من تراكم رؤوس الأموال الوطنية في الترسانات العالمية مساهمة في تحريك اقتصاديات أخرى مقابل عوائد أكبر.
إن الأمر الأخير هو ما يفسر لنا التسرب المريع للعملة الحرة خارج السودان في الفترة الأخيرة وهي مسألة ظل يشتكي منها الكثير من المسئولين الماليين بالدولة!. إن الهوية الجديدة للبرجوازية الإسلامية لا تعرف الارتباط القديم بالأيدلوجية الإصلاحية للإخوان المسلمين.
فما حدث لهذه الهوية من تطور على يد التجربة السودانية منذ 1964م ومن ثم ما أنجبه المشروع السياسي للإنقاذ كان كبيراً بحيث صار العامل الذي يشكل هذه الهوية هو مركب مصالح وارتباطات متعارضة بشدة مع الأيدلوجية القديمة.. والتي كانت كافلاً لهذه البرجوازية للوصول لهذه النقطة.
إن هذه الهوية الجديدة للبرجوازية الإسلامية سوف تعتمد على وجود أكبر قدر من نقاط الارتباط بالمجتمع الدولي ومراكز المال العالمي التي تطالب دوماً بتهدئة نقاط التوتر بين المركز العالمي والمركز المحلي سواء كان المركز العالمي ممثلاً بنقطة ما في الغرب أو نقطة أخرى تقع شرقاً. وهو الأمر الذي سيحول المشروع السياسي للإنقاذ في نهاية المطاف إلى حالة أكثر سوءاً من الحالة المدجنة بالخليج!!"؛ انتهى المقال.
وهنا لي تعليق صغير أقول فيه: إن من المعلوم في عالم السياسة أنه لا يصح إلا الصحيح، وهذه القاعدة صدقت مع الحركة الإسلامية، فحسن البنا حاول الاعتماد على فرقة مسلحة يستند عليها لتنفيذ خطه ألجهادي، ولكن أفلتت السيطرة من يده وتسببت فرقته المسلحة هذه في قتله.
وخلفه حسن الهضيبي الذي تحالف مع العسكر فأُكل يوم أكل ثور الديمقراطية الأبيض، أما حسن الترابي فقد اعتمد على قوة المال والعسكر معاً فإنقلب عليه العسكر وتحالف معهم المال الذي تمدد إلى فضاءات أوسع تسببت في تدجين الدولة ككل كما أوضح الأستاذ صهيب حامد في مقاله.
وهكذا تأكد فيهم قول الله سبحانه وتعالى في سورة العلق الآيات 6،7: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}، فبعد أن صعد العسكر ورأس المال على أكتاف الحركة طغوا عليها وقلبوا لها ظهر المجن.
فهل من مخرج من هذه المصائب التي أضرت بالحركة الإسلامية وأضرت بنا؟.. وهنا نقول إن على الحركة الإسلامية بشقيها الثوري والسلفي أن توقف حربها الضروس لله ورسوله وأن تعود في ممارساتها السياسية إلى ما فرضه الله سبحانه وتعالى في شأن الأمر [الإمارة والحكم] في الإسلام، قال تعالى في الآية 38 من سورة الشورى: {وأمرهم شورى بينهم} وتعني أن إمارة المسلمين شورى بينهم. أي أن شؤون السلطة والحكم في الإسلام مقيدة بشورى المسلمين لا بالتكوينات المسلحة ولا بالتحالفات مع العسكر ولا بالتمكين الماليس، فهذه كلها فشلت كما هو ثابت من تجارب الحركة الماثلة أمامنا.
عليه فلا سبيل للنجاح في أي عمل إسلامي إلا بالعمل بما فرضه الله سبحانه وتعالى من الشورى وإفشاء الحرية السياسية وإقرار التعددية السياسية، لأن القوة الحقيقية في عالم السياسة تكمن في وحدة الأمة ووحدة مرجعيتها وقد جعلها الإسلام لقرارها. وأخيراً نُذكر السادرين في غيهم بقول الله سبحانه وتعالى في الآية 30 من سورة الأنفال : {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}؛ ودمتم.
|