عرض مشاركة واحدة
قديم 15-09-2020, 01:15 PM   #[7]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(4)
صرخت آمنة مفزوعة حين سمعت بيان الحكومة فيما يخص أهل الذمة أول مرة ... كان المسلمون في تلك البلاد قد ترجموا التعبير الفرنجي ب(اهل الذمة) لأنهم لم يجدوا ترجمة أفضل و كانوا يعتبرون أن المقصود به في الأساس هم المسلمين ... كرر المذيع بيان وزارة الداخلية الموجّه لأهل الذمة و الذي يجب أن يلتزموا به و أن يوقع عليه أي واحد منهم "عن يد" و ليس بالإنابة ، قرأ المذيع تعهد المسلمين الواجب التوقيع بلسانهم : (ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة ... ولا نظهر شركاً، ولا نرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً ... وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا ... ونشدُّ الزنانير على أوساطنا ........) . كانت فاتيما تبكي مقهورة أما والدهم فقد جاء مسرعا عندما سمع صرخة زوجته و جلس صامتا يستمع لبقية المرسوم . تأوه متألما و تنهد قائلا :" هذه نصوص العهدة العمرية ..." . تناول كتاب ابن القيم (أحكام أهل الذمة 3/1163-1164) و كتاب الإمام بن تيمية (مجموع الفتاوى 28/651) ليقرأ العهدة كاملة . لم ينتبه لما ختم به المذيع من أن ذلك أمر مؤقت لمدة ستحددها وزارة الداخلية فيما بعد ، بعدها لن يُسمح لأحد الإقامة في البلد إلا لمن ارتضى بيسوع المسيح مخلصا ... عندما نبهته آمنة قال متحسرا "على الأقل كانوا يعاملوننا كما عاملهم سيدنا عمر بن الخطاب بأن سمح لمن يريد الإقامة منهم أن يقيم ...." قاطعته فاتيما :"عاملونا مثلما عامل سيدنا عمر اليهود فقد قرأت شرطه لأهل إيلياء : (ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود) ...
صار شغلهم الشاغل الاستعداد للعودة لأرض الأجداد .. فجعوا بقرار ابنهم سامي فقد أعلن تحوله عن دينه و قبوله ليسوع مخلصا . لم ينفع بكاء آمنة و توسلاتها و لا استجداء أبيه له ، صار هو من يستجديهم طالبا منهم ان يحذوا حذوه ...
ـ "ماذا سنفعل هناك ؟ كيف سنعيش ؟ كل اصدقائي و حياتي هنا ..."
ـ " كيف نستطيع أن نترك ديننا ؟ كيف يمكن أن يكون للحياة طعم ؟ " ردد أحمد بصوت حزين .
ـ" لا تتركوا دينكم ، لكن تظاهروا فقط ، لن يستطيع أحد أن يطلع على ما في قلوبكم ."
فكّر أحمد مطرقا و فجأة تذكّر تجربة المورسكيين في بدايات القرن السادس عشر في اسبانيا بعد سقوط غرناطة 1492 م عندما أُجبروا على قبول احد الخيارين : إما دخول المسيحية أو الخروج من اسبانيا ، و تذكر تجربة من لم يستطيعوا الخروج ...
ـ "من يدريك أنهم لن يكرروا اختبارات المورسكيين اللعينة علينا ؟ هل تدري كيف تطورت الاختبارات ؟ لعلك لا تعرف انهم بعد أن كانوا يطلبون منهم شرب الخمر و أكل لحم الخنزير تطور الأمر ليطلبوا منهم سب حبيبهم المصطفى (ص) ، لم يكن لهم خيار فالنار تنتظر من يتردد لحظة ... بعدها صار التجسس و استنطاق الأطفال ثم جاءت محاكم التفتيش ... عندما يبدأ الأمر هكذا فلا أحد يعرف نهايته خاصة بعد سقوط مواثيق الأمم المتحدة و حقوق الإنسان و لم يعد للقوم مرجعية سوى الكتاب المقدس ...."
في غرفة نومهم تناقش الوالدان ، و من بين الدموع و النشيج و الآهات اتخذا قرارهما بعد أن وجدا موافقة فاتيما لن يبقيا في بلد قد تطلب منهم غدا ما كانت تطلبه اسبانيا من المورسكيين .. سيرحلان لديار الأجداد و ليكن ما يكن و سيبقى سامي غصة في حلوقهم ... تابع .



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس