عرض مشاركة واحدة
قديم 19-09-2020, 10:42 AM   #[9]
زين العابدين حسن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

(6)
كانت المحطة مكتظة و الأصوات عالية بحيث لايمكن سماع من يتكلم معك إن لم يكن فمه في أذنك . أكثر ما ضايق فاطمة الرائحة الكريهة المنبعثة من كل مكان ، حيثما دارت لتتفاداها تجد أنها تنبعث من ذلك الاتجاه أكثر ، عرفوا فيما بعد أن تلك رائحة فضلات الحمير التي تجر عربات الركاب و البضائع . كان أحمد محتارا فهو لا يدري كيف يبحث عن ابن عمه درديري الذي لا يعرف أحدا غيره . درديري من ابناء عمومته الذين يمتون له بصلة قرابة بعيدة لكنه زارهم في تلك الديار قبل عشرين عاما و قضى معهم شهرا .
ــ ما هذا ؟ من أنتم ؟ هل جئتم لتفسدوا علينا مشروعنا الحضاري ؟
كانوا أربعة يشقون طريقهم وسط الجموع الذين يفسحون لهم الطريق باستسلام ، مما يدل على هيبة السلطة التي تكسوهم بلبسهم الرسمي و لحاهم الكثة و جباههم التي تزينها غرة الصلاة . أجابهم أحمد مضطربا منزعجا :" جئنا لديارنا من بلاد الكفار التي لم تعد تقبل بنا ."
ــ "الم يخبروكم كيف يجب أن تلبس نساؤكم ؟ ما هذا الزي الفاضح الذي ترتديه هذه و هذه ؟" و أشار بصورة مستنكرة لآمنة و فاطمة . نظر احمد لزوجته و بنته ، كانت كل واحدة تلبس حجابها الذي تعتز به ، لكن يبدو ان للمحتسب رايا آخر فقد كان يشير للساقين المكشوفتين فوق القدمين (سمع الناس يهمهمون بلفظ المحتسب واصفين به من يخاطبهم) ، حدث الأمر سريعا بصورة لم يستوعبها أي من ثلاثتهم . أوقفوهم امام القاضي الذي نظر إلى آمنة و فاطمة بصورة مستهجنة و أصدر قراره سريعا بالجلد عشرين جلدة لكل منهما بتهمة الزي الفاضح .
ــ"أما هذا الديوث فثلاثين جلدة شفية حتى ينتبه للبس نسائه ." ختم القاضي بوجه مكفهر .
أخذوهم سريعا لساحة الجلد حيث تنفذ الأحكام . انتظروا دورهم فقد كان عدد المحكومين كبيرا . بدأ الأمر بتنفيذ الأحكام الحدية . جاء الحراس بثلاثة مقيدين بالسلاسل ، ربطوا كل واحد على مقعد حديدي ضخم مصمم بطريق خاصة . لم يتصور أحمد في أحلامه أنه سيشاهد منظرا كهذا . بعد ان تلا المحتسب الأحكام الصادرة على الأشقياء الثلاثة و هي حد الحرابة (القطع من خلاف) ، جاء الجلاد يحمل ساطورا لامعا ، استدار احمد سريعا و اشار لآمنة التي تقف مع مجموعة النساء أن تستدير و تحجب فاطمة حتى لا ترى ... اضطر لإغلاق اذنيه عندما بدا الصراخ و التوسل بلا فائدة ... تكرر الصراخ و التوسل ، كاد ان يدخل في غيبوبة رغم أنه لم يكن يرى شيئا .. همهم (لماذا لا يخدرونهم كما كان يحدث في عهد أمير المؤمنين الأسبق ؟) أجابه جاره هامسا :"أفتى شيوخنا الأجلاء بان ذلك كان بدعة لم يُعمل بها في عهد النبوة و الخلفاء الراشدين ... ثم أنه لا يوجد مخدر ."
شعر احمد بأن مصيبته على قسوتها خفيفة . سمع صوت امرأة تولول و تتوسل و سمع ازيز السوط يشق الهواء ، التفت فقد عرف أن الامر جلد بالسوط ليس إلا . كان يقف بعد الحاجز الذي يفصل بين المحكومين و بين من جاء ليشهد تنفيذ الأحكام الربانية عدد كبير من المؤمنين . و لما كان قريبا من الحاجز فقد كان يسمع تعليقاتهم .
ــ :"بت الكلب ، بالت .." كان أحدهم يتشفى بصورة حيرت أحمد .
عندما حان دوره كان يشعر بأن الدنيا حقا لا تساوي جناح بعوضة . نقره المحتسب بالسوط نقرات مؤلمة ليريه كيف يقف ليتطهر من الرجس (عبارة التطهر من الرجس سمعها من ذاك المتشفي).غامت عيناه بعد السوط الأول ، شعر بالدواربعد الثاني ، التهب جسده بالنار بعد الثالث ، بعد الرابع لم يعد يرى أو يسمع فقد دخل في غيبوبة لم يفق منها إلا على يد آمنة الحانية تهزه . عرف انهم طهروه بثلاثين سوطا شفية لم تنقص سوطا واحدا ، تذكر قول آمنة هناك معترضة على الرجوع لديار الأجداد(على الأقل هنا لا توجد سياط) .... يتبع ..



زين العابدين حسن غير متصل   رد مع اقتباس