|
:: كــاتب جديـــد ::
|
إستشهاد أمجاد
[frame="7 80"][align=center]إستشهاد أمجاد [/align]
كان عصام , يتابع بدهشة طفولية , أعمدة دخان سيجارته , وهي تصعد في خطوط عمودية , نحو الأٌفق , ثم تتلوى في حركات , حلزونية , راقصة , لتختفي تدريجياً , في فضاء شرفته , المطلة على الشارع . كان يقارن ذلك بواقع حاله , وأفكاره التي سرعان , ما تذروها الرياح , كلما شرع في تنفيذها على أرض الواقع . كانت سيجارته , في رمقها الأخير , عندما همّ بإشعال الأُخرى , مؤمناً بأن , إشعال سيجارة , إثر أُخرى , سوف يدعم بنات افكاره , التي كان يقطع , تسلسلها رنين الهاتف من وقت الى آخر . في سره يصب جام غضبه , على الهاتف ؛ هذه الآلة التي لا تحمل في طياتها سوى " الهوا " . ولا ينسى تفريغ ما تبقى في جعبته من لعنات , الى صندوق البريد الذي لا يأتي الا بالفواتير , في بلد يأخذ بشماله , ما يعطيك إياه بيمينه , بكل ظرف ولطف . مع نفسه يدندن : يا زمن وقف شويه واهدي لي لحظات هنية . يردد هذا المقطع عدة مرات , مرسلاً نظراته الملتاعة , الى ساعته الحائطية , التي تتلاقى عقاربها لدرجة الالتحام , ثم ما تلبث أن تفترق , لتنفرج زاويتها شيئاً فشيئاً , كأنها تسخر منه ضاحكة , دون أن تستجيب لنداءاته المستحيلة . كان المقطع , يخرج من دواخله , بحشرجة , تثير الشفقة . ومن أعماقه يضحك على صوته الأجش , وترجع به الذاكرة الى سني المرحلة الإبتدائية , عندما تقيأ يوماً خجله , وتطوع بكل حماس , بتلحين نشيد إسماعيل والقط , وما لاقاه من زملاء صفه من موجة ضحك , وسخرية , وأخيراً , حكم الإعدام , الذي اصدره مدرس اللغة العريبة : صوتك يا عصام يذكرني , بطاحونة قريتي . انصحك بعدم تكرار هذه المهزلة .
( يا زول أمريكا دي إما بزنس إما دراسة !! ) ... عبارة , طالما سمعها مراراً وتكراراً . بعد كل جلسة نقاش , مع الأصدقاء . فآمن بها إيماناً مطلقاً , وأضحت شعاراً , يحمله بين ظهرانيه , اينما حلّ . لكن أنىَ له بالبزنس أو الدراسة , مع التزاماته المادية تجاه أهله , و" طائشة الضفائر " التي تنتظره منذ سنوات , لإقتحام القفص الذهبي ؟ . كانت المعادلة صعبة , وجد حلها أخيراً بعد اقتناعه بنظرية , خاله " ابو شنب " . فأرسل له من – دم قلبه – آلاف الدولارات , لشراء سيارة " أمجاد " , علها تغنيه , عن التحويل الشهري . وقبل أن يلتقط عصام , أنفاسه , ويتنفس الصعداء , تتوالى عليه الإتصالات الهاتفية من السودان , تخطره مرة , بهروب السائق بالايراد الشهري , ومرة بعطب السيارة , والحاجة الفورية الى قطع غيار , وأخيراً وليس آخر استشهاد أمجاد في حادث حركة مروّع , أرسلها – مأسوفاً عليها – الى زريبة الحلبي بأُمدرمان !! . وقبل أن يفيق عصام من صدمته , تتوسع دائرة الطلبات , و تأخذ طابعاً آخر هذه المرة , حينما يطالب , بمضاعفة ما كان يرسله بحجة انهيار الجنيه السوداني أمام الدولار الامريكي ! ... وتنقضي خمس سنوات حسوما بدون بزنس أو دراسة أو " بطيخ " , بل تنقلات "مكوكية " من شركة الى أُخرى , وتساؤلاتٍ متكررةٍ , من الأُم : متى تعود يا عصام للزواج ؟ اريد أن افرح بك , قبل أن اموت !!
تساؤلات صعبة , يبحث عن اجاباتها , في لفافات السيجاير , فلا يجدها الا دخاناً يتلاشى في فضاء الحيرة والضياع . رائحة حريق , تنبعث من داخل المطبخ , تعقبها صافرة انذار , يقفز على إثرها عصام , من مقعده كالملدوغ , ويندفع كالقذيفة نحو الموقد , ليجد " حلة البطاطس " قد احترقت قبل أن تنضج أفكاره المشتتة.[/frame]
التعديل الأخير تم بواسطة الفاتح ; 29-05-2009 الساعة 05:16 PM.
|