18-02-2012, 06:29 PM
|
#[3]
|
|
:: كــاتب نشــط::
|
3
ذات يوم كانت جدتى عليلة جدا ، كانت ترتعد من الحمى منذ الصباح الباكر ، وعندما ازفت الشمس نحو الغروب اشتدت عليها الوطأة ، امسى سعالها جافا ومشروخا ، كنت مشغولة بعيدا عنها فى باحة الدار حين سمعت النداء خافتا وملحاحا ، هرولت صوبها على عجل ، التمعت العيون الصغيرة فى سعادة ، مررت يدها المعروقة على شعرى فى رفق وبدأت الحديث بانفاس لاهثة (كنت اخشى يا صغيرتى ان يأخذ الرب وديعته قبل ان اسلمك وديعتك) ، ثم انتابتها نوبة سعال حادة ومتصلة ، ناولتها كوبا من الماء اجترعته ببطء ، قلت لها يا جدتى لا تجهدى نفسك ، ما تحتاجين هو الراحة ، ابتسمت وقالت بصوت واهن : (هذه الدنيا لا راحة فيها ابدا يا صغيرتى، تعالى ، اقتربى لا وقت لدينا ، تعالى هل ترين ذلك الصندوق الصغير تحت سريرى ؟ قلت نعم أراه يا جدتى ، قالت احضريه الى هنا ...) كان فى صوتها رنة غريبة آمرة ، مسيطرة ، وغامضة فى الوقت نفسه ،فوجدت نفسى اتحرك تلقائيا الى حيث اشارت ، كان صندوقا صغيرا يشبه تلك الحصالات الصغيرة التى كنا نلهو بها فى صغرنا ، وكان من طول ما بقى مكانه ذلك يحسبه المرء مغروسا هناك ، نفضت عنه غباره وانا امده اليها بأياد مضطربة وعيون متسائلة ، سحبت جدتى الشراعة الخشبية فانفتح الصندوق الصغير ، هناك فى قاعه لم يكن شىء كثير ، حجاب صغير مصنوع من الجلد وجواره محفظة جلدية قديمة اهترأ جدارها وبدا كأنها هناك منذ عشرات السنين ، مدت جدتى يدا مرتعشة ، تناولت الحجاب الصغير ،فردته بين ايديها ، كان يتدلى منه خيط صغير ليعلق بواسطته على الذراع او الرقبة ، قربتنى منها وفى اللحظة التالية كان الحجاب يتدلى على صدرى كأنه كان هناك اصلا ، كأنه صنع لاجلى ، نظرت الى جدتى فى دهشة فلم تلق بالا لى ، كانت مشغولة بالمحفظة الجلدية القديمة التى امسكت بها فى حزم بين يديها واخذت تجول باصابعها المرتجفة فيها كمن يبحث عن شىء ما ، طال البحث قليلا وانتشر قلق غامر على وجهها ثم توقفت يدها بغتة ، التمعت العيون الصغيرة ، تهلل وجهها ، خرجت يدها حاملة ورقة صغيرة ، نظرت اليها طويلا ، ثم مدتها نحوى فى صمت ، ترددت طويلا قبل ان امد يدى لاخذها ، شىء ما فى داخلى كان يقول لى ان تلك الورقة الصغيرة جدا يكمن خلفها شىء يفوقها كثيرا ، لم يخب ظنى قط فيما بعد ، امتدت يدى ، تناولت الورقة الصغيرة ، فردتها ، كان بها ثمة كتابة ما بحروف صغيرة ،كلمات قليلة متباعدة خطت على عجل : (لا تصدقى احدا،لا تصدقى احدا ، أمك .) لم افهم شيئا فى البدء ثم التمع الخاطر سريعا ، هل يمكن ؟ لا ، مستحيل ، لم لا ، سرت فى جسدى قشعريرة شديدة ، ارتعشت يدى الممسكة بالورقة بشكل ظاهر حتى كادت تفلتها ، لكن جدتى امسكت بيدى وضمتها على الورقة فى حزم ، كانت يدها قطعة ملتهبة من الجمر ، ازداد ارتعاشى ، نظرت الى جدتى فى ضراعة ، كانت العيون ملتمعة بشكل غريب ، الدمعة تترقرق كأنها تطلب إذنا بالدخول ، قلت لها هل هى ؟ لم تدعنى اكمل ، هزت رأسها فى سكون ولفنا صمت طويل ، فتحت يدى فى بطء ، نظرت الى الورقة وكلماتها المتباعدة ثانية كأننى اراها لاول مرة ثم غبت فى صدر جدتى واخذنا نرتج سويا فى نشيج مر ، وجاء صوت جدتى من اغوار بعيدة : نعم يا صغيرتى كانت تلك اخر ما خطته يد امك من كلمات ، وكان ذلك اخر عهدنا بها جميعا ، كانت حزينة كغزال جريح تذرع الغرفة حيث كنت تقفين قبل هنيهة جيئة وذهابا والدموع تتساقط كحبات البرد الابيض فى اواسط الخريف ، كانت مجروحة ،مهيضة الجناح ، وحيدة ، كنت ترقدين على هذا السرير ذاته فى هذا المكان ذاته نائمة فى وداعة كملاك صغير ، ظلت تكتب ثم تمزق ما كتبت ، تهرول نحوك تقبلك فى حنو دافق ، تزيح بيدها الغطاء عن وجهك تنظر اليك طويلا كمن يستنشق اخر انفاسه ثم تغطى وجهك وتعاود الكتابة والمجىء والرواح ، كان ينبغى ان افهم ، لكننى لم افعل ، لم افهم ابدا ، حسبتها ستغيب اياما قليلة لقلت لها بعد ان فرغت من الكتابة وسلمتنى حجابك الصغير وحقيبتها الجلدية وقبلتك واتجهت صوب الباب الخارجى فى خطى مترددة : الى اين تذهبين فى هذا الليل يا ابنتى ، الصباح رباح ، ان كان لابد خذى معك الصغيرة ، انتفضت فى ذعر وقالت لى (لا ، الصغيرة لا،الرياح فى الخارج شديدة ، هى ما سيبقى منى ، هى وحدها) وكمن يهرب من شىء ما كمن يخاف على نفسه من نفسه انطلقت وغابت فى الظلام قبل ان اقول شيئا واصطفق الباب خلفها مرة والى الابد ، واجهشت جدتى بالبكاء ، عندها اخذ الجسد الضئيل يرتعش بقوة وسرعة قلت لها :- (جدتى استحلفك بالله ، كفاك ، كفاك) لكنها لم تكن فى عالمى حينها ، كانت قد ولجت عوالم بعيدة ونائية ، جاء صوتها واهنا اكثر من ذى قبل وهى تقول (كان ينبغى ان افهم ان ادرك ان المرأة المقهورة يستوى عندها كل شىء والعدم ، كان ينبغى ان امنعها ، ان اواسيها بكلمة ما ، لكن يبدو ان الامواج التى دفعتها الى احضان المجهول جذبتنى معها بشكل او اخر ، هواجس ابيك اللعينة تملكتنى مثلما افترسته هو الاخر ، كان ثمة قنطرة ما لم استطع تجاوزها ، لذا وقفت اتفرج فى لا مبالاة على زهرة سحقتها الاقدام فى قسوة ، وعندما افقت كان الاوان قد فات ، كانت اللحظة التى يمكن ايقاف الصخرة فيها قد ذهبت الى الابد وانهار الجبل ، صعدت امك الى الاعلى بلا اجنحة وبقينا جميعا فى السفح نحاول عبثا ايقاف سيل الصخور المنهمرة الذى دحرجته ايدينا ذات يوم ) .
|
|
|
|