عرض مشاركة واحدة
قديم 02-03-2012, 03:14 PM   #[10]
احمد سيداحمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية احمد سيداحمد
 
افتراضي

8


، لم يقل لى شيئا ابدا ، كان الصمت جوابه الدائم ، لكننى كنت اعرف بشكل او اخر ما يمور فى اعماقه ، تلك النار التى اشتعلت فى صمت فى اعماقه ، تلك الحيرة القاتلة ، تلك الاصوات التى تأتى من المجهول فتعذبه ، ذلك الصوت الذى يقول : ( ربما ظلمتها ، ربما كنت مخطئا ) ثم الصدى الذى يأتى من بعيد : انها لم تقو على المواجهة فقط فاثرت الهروب ، هل من دليل اكثر من ذلك ؟ والصوت الهادر ، هى لم تهرب ، ان الحرب التى وجهتها الى قلبها الصغير اكبر من ان يحتملها بشر ، هذا ما حدث !!ثم صوت ثالث يهدر : بل هو هروب من مواجهة الحقيقة ، يجب ان تعترف بذلك ، كف عن التماس الاعذار لها ، وكنت افكر كثيرا واقول لنفسى ربما كان يرى انتصارها عليه فيك ، ربما تذكره عيونك الصغيرة بعيونها الحزينة ويصحو فيه ذاك الشىء فيعذبه ، ربما تنهض الهواجس القديمة من مرقدها وتفترسه حين يراك ، لذا لا يقوى على النظر اليك او الاقتراب منك ، ربما لكل هذا كان يبتعد عنك .


حتى رحيلها المباغت كان للحقيقة وجه واحد ، كنا نتعذب نعم ، ولكن اشك لم يكن واردا ابدا ، لم تكن الاشياء تهتز امام اعيننا ، لم يكن ذلك الشىء قد بدأ يتحرك فى الدواخل فيعذبها ، ربما كان الغموض الذى اكتنف مصيرها هو الذى جعل الاشياء تهتز ، ربما كان الغموض الذى اكتنف مصيرها هو الذى جعل الاشياء تهتز ، ربما كانت النظرة فى عينيها فى تلك اللحظة هى بذرة الشك التى لازمتنى ثم لازمتنا جميعا فيما بعد.


عند ضفة النهر وجدوا ثيابها مطوية فى عناية ، حتى ذلك الحذاء الصغير الذى اهداه ابيك لها ذات يوم ما قبل حدوث ما حدث ، كان هناك لكنها لم تكن هناك ، لم تطفو لها جثة ابدا ، لم يسمع عنها احد شيئا ابدا ، لم يرها احد حتى وهى تتجه نحو النهر فى جنح الليل ، لم نعرف ابدا ما حدث ، لكن صوتها ممتلئا ضراعة كان يرن فى اذنى قويا وحاسما وممتلئا بالشجن : (الصغيرة لا ، هى ما سيبقى منى ، هى ما سيبقى منى ...) ، كنت اتسلل الى النهر ، اجول فيه بعينى ، اود لو استنطق صفحة المياه الساكنة ، لو انها تقول ما حدث ، لو ان لها لسانا وشفتين ، انظر الى النخلة الباسقة فى الاعلى هنالك ، اقول لنفسى : (النخلة تعرف ايضا ، لكن كيف تقول ، كيف افهم هسيس جريدها ، ، كيف انظر هناك فى جوف ذاكرتها فأرى ما حدث فى تلك الليلة؟) ، وحين تطول الجلسة ويطول الصمت اتمتم بصوت واهن (فليرحمنا الله جميع) واعود ادراجى على مهل .


واتذكر وجه جدك لامك ، نظرات الاتهام فى عينيه ، صوته وهو يهدر فى الم : (ماذا فعلتم بابنتى ؟ ما ذا حدث ؟) ، كان الصمت الاجابة ، لم يكن فى مقدورنا ابدا ان نقول ما حدث ، حتى حين انهار باكيا كطفل ولم اعد احتمل ، واستجمعت اطراف شجاعتى ، قلت لنفسى سأقول له ، سأحكى له كل شىء ، حتى تلك الليلة وكلمات امك الاخيرة ، وحين اردت الكلام توقف الكلام فى حلقى ، بقيت الكلمات حبيسة هناك ، كأن قوة ما امسكت بها ، لم تخرج ابدا نهضت مبتعدة على عجل وانا اقول لنفسى : (وماذا يفيد ذلك ستزيدين حزنه ليس الا ، ستلطخين الصورة البيضاء فى عينيه ، الحزن يموت مع الايام ، لكن ما تحملين فى دواخلك لا يموت ابدا ابدا ) .


انقضت ايام العزاء ايام العزاء بطيئة ثقيلة على القلب ، قام جدك وابيك بما يقوم به الناس عادة فى مثل تلك المناسبات فى صمت ، تفرق الناس سريعا ، شىء واحد بقى فى ذاكرتى من تلك الايام ، لا لشىء الا لانه كان خارقا للمألوف ، لم يكن متوقعا على الاقل بالنسبة لى ، اراد جدك لامك اخذك معه ، لكن جدك ادهشنى حين قال فى هدوء وبنبرة حازمة لا تردد فيها : (هى ما تبقى لنا من المرحومة وستبقى هنا ، والدار مفتوحة لكم كما كانت دائما ، ترونها متى تشاءون) نظرت اليه فى دهشة ، فاشاح بوجهه بعيدا ، اخذ عصاه ومضى وكان ذلك كل شىء ، كانت تلك لعبة اخرى من لعبات القدر ، كان ابيك فى المجلس ذاته صامتا مطرقا إلا من نظرة حائرة ارتسمت على الوجه حين تحدث ابيه ، ولكن وجهه سرعان ما عاد كما كان محايدا خاليا من التعبير ، وعندما استعيد ذلك كله اليوم فى ذاكرتى اهمس لنفسى بصوت خافت : (كان يعلم ، كان يعلم بطريقة ما ان الامر ليس كذلك ، ولكنه لم يشأ ان يقول لى او لابيك انه لم يعد يشاطرنا الرأى) ، برغم بذلك لم يتح لجدك ان يعلم ابدا أن حدثه كان صادقا ، لم يقدر له ابدا ان يشهد ما انزلته السماء بنا من قصاص ماحق وما ازالته عن اعيننا من غشاوة ، رحل جدك يا صغيرتى فى صمت قبل ان تقع عينه على عمك ثانية ابدا ، كان فى ايامه الاخيرة حزينا شارد الفكر كثير الصلاة ، كثير الدعاء ، وكان حين يبلغ فى الدعاء خواتيم سورة البقرة تبلل وجهه الدموع بغزارة ويردد فى صوت مضطرب متهدج (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا ، وارحمنا) ثم يصمت طويلا ، تسكن حركته تماما ، يبقى هناك كشبح غامض فى لوحة ما .



التوقيع:
من يعيش في سلام مع نفسه فهو يعيش دائماً في سلام مع اﻵخرين إنه ﻻ يستطيع أن يكره ، وﻻ يخطر بذهنه أن يرفع سلاحاً في وجه أحد إنه قد يطلق ضحكةً أو يترنّم بأُغنية ، ولكنه أبداً ﻻ يفكّر في أن يطلق رصاصة . وإنما تولد الكراهية للآخرين حينما تولد الكراهية للنفس.
د.مصطفى محمود
احمد سيداحمد غير متصل   رد مع اقتباس