عرض مشاركة واحدة
قديم 16-06-2013, 01:17 PM   #[80]
عادل عسوم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عادل عسوم
 
افتراضي

متابعة للمنقول السابقة:
نشأة الأخلاق
بالرغم من أن الفكر اليوناني قبل سقراط كان مهتما بالبحث في الطبيعة إلا أنه ثمة بعض العبارات البسيطة المتناثرة في شعر الحكمة إبان القرن السادس والسابع قبل الميلاد كان لها أثرها الملحوظ في التفكير الخلقي الذي جاء عند أفلاطون و أرسطو. وإذا استثنينا بعض الشذرات التي خلفها فيثاغورث(500ق.م) و هيراقليطس (540ق.م) الذي كان مبشرا بالمذهب الرواقي ، و ديمقريطس (370ق.م) الذي اتصلت نزعته بالمذهب الأبيقوري ، ويمكن القول إن سقراط كان أول من اهتم بدراسة سلوك الإنسان (3).
الأخلاق اليونانية (500ق.م – 500م) :
1 – السوفسطائيون
رفض السوفسطائيون وأتباعهم رد المعرفة إلي العقل دون الحس ، استنادا إلي أن الحس يخص صاحبه ، وأن العقل حظ مشترك بين جميع الناس ، واتبعوا ديمقريطس في جعل المعرفة تتبع الحس ، و هيراقليطس في أن كل شئ في تغير مستمر ، وانتهوا من هذا علي أن الإنسان مقياس الأشياء جميعا في المعرفة وفي الأخلاق ، فطالما انه ليس لدينا مقياس نعرف به الحق والباطل ، فليس لدينا مقياس نعرف به الخير والشر. وامتدت نظرية السوفسطائيين النسبية إلي مجال الأخلاق ، فأصبحت الأخلاق لديهم نسبية ، تتغير بتغير الزمان والمكان ، وتختلف باختلاف الظروف والأحوال.
ويفسر السوفسطائيون قوانين الأخلاق بأنها ضد طبائع البشر . وأن الإنسان غايته اللذة ، وأن الطبيعة البشرية ليست سوى شهوة وهوى ، وأن الإنسان لن يكون سعيدا إذا خضع لقانون ، وأن الضعفاء والدهماء الذين فشلوا في إشباع أهوائهم سنوا هذه القوانين لقهر الطبيعة وكبح دوافعهم ، حتى يتساوى معهم الأقوياء في الحرمان ، كما أنهم أرادوا بقوانين الأخلاق حماية مصالحهم الشخصية وتفادي الخضوع لسيطرة الأقوياء ، ورأى السوفسطائيون أن الفضائل التي تعارف عليها الناس ليست سوى رذائل مقنعة. فتجميد العفة مرجعه إلي العجز عن إشباع الشهوة ، وامتداح العدل مرده القصور عن التفوق علي الآخرين. ولذا فعلى الإنسان أن يستخدم ذكاءه في إشباع شهواته وتحقيق سعادته ، حتى لو اقتضى الأمر أن يتخفى ويتظاهر بالتقوى والاستقامة.
2 – سقراط (470-399 ق.م)
أراد سقراط أن يعيد المجتمع الأثيني نظامه وأمنه وطمأنينته (حالة الاستقرار) بعد حالة الثورة التي جاءت من السوفسطائيين (حالة حركة) ، وكان علي سقراط لكي يقيم بناء الأخلاق الذي تداعى علي يد السوفسطائيين ، أن يهدم نظريتهم في المعرفة أولا ، حتى إذا وضح موقفه الإبستمولوجي تيسر مد نطاقه إلي مجال الأخلاق ، فقام بتحليل الألفاظ لتحديد معانيها وإيضاح دلالاتها ، ففوت علي السوفسطائيين الاعتماد علي استخدام الألفاظ وغموض معانيها.
اهتدى سقراط بالعقل إلي الحقائق الثابتة في مجال المعرفة ، توصل عن طريقه إلي القيم المطلقة في مجال الأخلاق ، وبدت الطبيعة البشرية جسما وعقلا يسيطر علي نزوات الحس وأهوائه. فأصبحت قوانين الأخلاق تتعارض مع الجانب الحيواني في طبيعتنا ، وتتمشى مع الطبيعة العاقلة فينا ، ولذلك وجب احترامها وطاعتها وعقاب الخارجين عليها . وأصبح العلم عند سقراط هو العلم بالنفس لأجل تقويمها مؤكدا شعار "أعرف نفسك بنفسك".
يقول سقراط أن الإنسان هو الروح وهو العقل الذي يسيطر علي الحس ويدبره(4). وأن من يحترم القوانين العادلة يحترم العقل والنظام الإلهي. والإنسان في نظر سقراط يريد الخير دائما ويهرب من الشر بالضرورة. فالإنسان إذا عرف حقيقته وماهيته معرفة يقينية ، فإنه لابد أن يكون فاعلا للخير ، أما الشهواني فهو يجهل نفسه وخيره . ولا يعقل أنه يرتكب الشر عمداً وعلى ذلك فالفضيلة علم ، والرذيلة جهل . وتناول الأمور في جوهرها وحقيقتها الكامنة فيها دون الاهتمام والعناية بما هو عرض زائل فالمال مصيره الزوال وكذلك الجمال والصحة والمركز السياسي والنسب والحسب فكلها إلي الزوال. أما ما يبقى ويستقر ويتصل ويدوم ، فهي فضائل النفس والروح التي تسبب لصاحبها الطمأنينة وراحة البال والقناعة.
ويتأكد موقف سقراط من المشكلة الأخلاقية بقولنا أن العدالة وسائر الفضائل الأخرى تتلخص في الحكمة أو معرفة الخير وهو يؤكد أن السلوك هو الاختيار الصحيح ، والرجل الشرير مجبر بالجهل علي أن يفعل ما يناقض رغبته الحقيقية التي تتجه على الدوام نحو خيره الأسمى ، والمعرفة وحدها هي التي تطلق عقاله وتجعله حرا في تحقيق رغباته.
وبذلك يتضح لنا أن سقراط أراد بناء الأخلاق على العقل ، فألغي بذلك ردها إلي سلطة خارجية تتمثل في الآلهة أو العرف أو غيرها مما كان متعارف عليه آنذاك. كما أنه جعل قواعد الأخلاق ثابتة غير متغيرة ، وجعل مقياس الخير والشر لا يتوقف على مصالح الناس ، كما أنه صالح لكل زمان ومكان.
وقد واصل تلاميذ سقراط حمل عبء التفكير الأخلاقي بعده ، ومنهم أفلاطون و أنتستيتر الذي أنشأ المدرسة الكلبية ، و أرستيبوس الذي أسس المدرسة القورينائية.

http://alhasny.mam9.com/t66-topic



التوقيع: المرء أن كان مخبوءا في لسانه فإنه - في عوالم هذه الأسافير - لمخبوء في (كيبورده)
عادل عسوم غير متصل   رد مع اقتباس