الأحباب الأعزاء
عوداً إلى أبي تمام، ولقد اخترت فيما سبق بعض ما غناه في قصيده حول محور الحب. ولشاعر مثل أبي تمام فإن النسيب من لوازم شعره، وخاصة في المدح، فكما قال المتنبي:
(إذا كان مدح فالنسيب المقدم وما كل من قد قال شعراً متيم)
على أن المشهور عند أبي تمام احتفاؤه بالقصيد و العناية به، وكان يجعل للقصيدة مكانا رفيعاً، ويهتم بصناعته وتجويده، وابتداع المعاني و الصور بما لم يسبقه أحد من قبل(وأكاد أقول من بعد)!
ولم أجد قبله من شاعر اهتم بالشعر كموضوع للقصيدة كما فعل أبو تمام، بل كان، حتى وهو يمدح الخلفاء و الوجهاء أن يمدح شعره خلال مدحه إياهم ويتغنى بجمال شعره، إلى درجة تحس معها وكأنه يتشكك فيما إذا كان ممدوحوه يقدرون شعره التقدير اللازم دون أن يبين لهم أهمية ما يقول وقيمته.
ستجدون أدناه، وفي الذي يلي، بعض النماذج التي تؤكد ما أشرنا إليه:
[color=#0000FF]
[frame="4 60"](1)أحسن ما في الأرض
أحـفظ رسائل شعـر فيك ما ذهبت خـواطف الـبرق إلاّ دون ما ذهبا
يغـدون مـغتربات في البلاد فما يـزلن يؤنسن في الآفاق معـتربا
ولا تضعها فما في الأرض أحسن من نـظم القوافي إذا ما صادفت حسبا
(2) ذات الشباب المتجدد
خذها ابنة الفـكر المهذب في الدجى واللـيل أسـود رقعـة الجـلباب
بكـراً تورث في الحـياة وتنثـني في السـلم وهي كـثيرة الأسلاب
ويـزيـدها مـر الـلـيالي جـدة وتـقـادم الأيـام حسـن شبـاب
(3) قوافل القـوافي
هـذي القـوافي قـد أتـينك نـزَّعا تتجـسّم التهـجير و التغـليسا
من كـل شـاردة تغـادر بعـدها حظ الرجال من القصيد خسيـسا
وجـديـدة المـعنى إذا معنـى الذي تشـقى بها الأسماع كـان لبـيسا
تلـهو بعـاجـل حسـنها وتعـدها علقـاً لأعجـاز الزمـان نفـيسا
من دوحـة الكـلم التي لـم تنـفكك يمسي علـيك رضيـها محبـوسا
كـالنجم إن سافرت كـان مـواكبا وإذا حـططت الرمل كان جلـيسا
(4) بحور وبحور
إنما صادت البحور بحوراً أنها كلمـا استفيضت تفـيض
(5) شوارد
ووالله ما أنفك أهدي شواردا إليك تحمّلن الثناء المُنخَّلا
تخال به بُرداً عليك مُحَبّرا وتحسبه عقداً عليك مُفصّلا
ألذ من السلوى، وأطيب نفحة من المسك مفتوقا وأيسر محملا
أخفَّ على قلبٍ، وأثقل قيمة وأقصر في سمع الجليس وأطولا
ويزهى له قومٌ ولم يُمْدحوا به إذا مـثل الراوي به أو تمـثلا
(6) مهـور العذارى
أغلى عذارى الشعر إن مهـورها عند الكريم وإن رخصن غـوالي
(7) شعر
خـذها مثقـفة القـوافي، ربها لسوابغ النعـماء غـير كنود
حـّاء تمـلأُ كل أذن حـكمـة وبـلاغـةً، وتـدرُّ كل وريد
كالطـعنة النجلاء من يد ثـائر بأخـيه، أو كالضربة الأخدود
كالـدر والمرجان ألـف نظمه بالشذْر في عـنق الفتاة الرود
كشقيقة الـبرد المنمـنم وشـيه في أرض مهـرة أو بلاد تزيد
يعطي بها البشرى الكريم ويحتبي بردائـها في المحـفل المشهود
بشرى الغنيِّ أبي البنات تتابعت بـشـراؤه بالـفارس المولـود
(8) أوراق اعتماد
ألـيك بعثـت أبكـار المعاني يليـها سائـق عَجـِلٌ وحادي
جـوائز عن ذُنابى القوم، حيرى هوادي للـجماجم والهـوادي
شداد الأسـر سالمـة النواحي مـن الإقـواء فيها والسـناد
يذلـلها بـذكرك قـرن فـكر إذا حرنت فتسلـس في القـياد
لها في الـهاجس القـدْح المُعلَّى وفـي نظـم القـوافي والعماد
منـزهة عن السـرق المـورَّى مكـرمة عن المعـنى المعـاد
تنصـل ربها من غـير جـرم إليك سـوى النصـيحة و الوداد
(9) منزل
مهَّدْت لاسمـك منـزلا ومحـلة في الشـعر بين نـوادر و شـواهد
فهي المـراح لكـل معـنى عازب وهـي العقـال لكل بيت شـارد
(10) ذوب العقول
إليك أرحنـا عازب الشعـر بعدما تمهّـل في روض المعـاني العجـائب
غـرائب لاقـت في فنائك أنـسها من المجـد فهي الآن غـير غرائـب
ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قـرت حياضك منه في العصـور الذواهـب
ولـكنه ذوب العقـول إذا انجـلت سـحائب مـنه أعـقـبت بسحائـب
(11) منحة
منحتُكها تشفـي الجوى وهو لاعـج وتبعـث أشجـان الفـتى وهو ذاهـل
ترد قـوافيـها إذا هي أرسـلت هوامـل مجد القـوم وهي هـوامل
فكـيف إذا حـلَّـيـتها بحليِّـها تكون وهـذا حسـنها وهي عـاطل؟[/frame][/color]وسنعود إن شاء الله
|