(03)
في الطريق المؤدية إلى طرابلس عبرت بنا الحافلة رقعة مملةً من الرمال المحاذية للبحر الأبيض المتوسط في اتجاهٍ من الشرق إلى الغرب، مملة لتكرار مناظرها التي تبلد الانتباه غير بعض اللافتات التي نشاهدها على صدر كل نشرة إخبارية وكل خطاب مكتوب ولو لحبيبة، لمحت لبرهة مدينة بن جواد ثم تهت في صحراء ضاربة في القحلة لا أرى إلا كثبان الشتاء المتواعدة وقطعان الضأن التي حتى الآن لا أدري من أي نوع من الأعشاب غير المرئية تتغذى، وصلت حذو مدرسة الستين فتذكرت زميل المهنة الأستاذ كمال أشقر وليلته التي قرأنا فيها رسالة خطيبته الشهيرة التي وضعته أمام الخيار المميت، إما أن يهبط السودان فيتمم زواجه منها أو الطوفان ولم تمض عليه في الوظيفة إلا شهور و لا يتسنى له قبض راتبه إلا بعد حول!
هذا وادي الأبيض الذي عملت فيه سنتين مدرساً للمرحلة الابتدائية، مباني المدرسة بجانبها مكاتب الأمانة الفرعية للزراعة، كنت أحصل على سجائري (الرياضي) من تلك الجمعية كل شهر، يقبع بالقرب منها جرار وحصادة حمراوان هالكتان لاتصلحان إلا مخابئاً للسحالي والعملات المعدنية الفالتة المسكونة برغبة الاختفاء. تراءت مباني مدينة سرت ثم تخطتها الحافلة غير منظور إليها، مر حطام قصرٍ منيف قيل إن الكلاب الضالة! اتخذت منه وكراً للبغاء فحطمته اللجان الثورية غير عابئة بقيمته.
غشيتني سنة من نوم بعد أن بدت حركة الحافلة تعزف نوتةً منتظمة، وصعدت أرواح المسافرين إلى فضاء الحافلة تأخذ قيلولتها لتترك أجسادهم المهلهلة تحزمها مقاعد الحافلة الوثيرة وتغفو الأمعاء مكتنزة بسندوتشات التنة والبيض وبعضاً من هريسة (فلفل)، كدت أن أنام غير أن تذكرت أن في هذه المنطقة يوجد الميناء الذي تم عبره تصدير العبيد إلى أوروبا في الأيام الغابرة وكأنما ألمح عطيل بين الجموع، تراءت لي في الخيال زرافات الشباب السمر الأقوياء مجندلين بسلاسل الحديد، يتقدمهم كونتا كنتي مقاوماً ومتمرداً في مدينة تاورغاء، و ثلة قليلة من الفتيات الناهدات يثكلن القمر وكراكير الأحبة، لابد أن الرحلة مشي على الأقدام الحافية كانت طويلة ربما من أعماق أفريقيا أو بحيرة شاد وأدغال تنجانيغا، ثم جالت بخاطري عبارة التاريخ التي وقد أعتق فيها السنوسي قافلة من العبيد، حتى إذا ظهرت ملامح الوجوه السمراء تيقنت من توثيق خيالي وبدأت أشرئب لأرى نهاية الرحلة البرية عند تخوم البحر الموصولة ببداية الرحلة المائية إلى أوروبا.
كلما أحاول طرد فكرة أن هذه الفلوات ما هي إلا مجزوءة من إمبراطورية اليونان والرومان وجزر القراصنة في صقلية وكريت ومالطة، حتى تردني إلى صوابي أشجار النخيل وقلنسوات وطرابيش الرجال الحمراء التي اشتهرت بها منطقة جنوب ساحل البحر الأبيض من تركيا حتى بلاد فاس وكلما ابتعدت عن مركز القلنسوة الحمراء في تركيا تناقص طولها وارتد لونها إلى السواد، ثم تصحو تلك الأفكار الإمبريالية الكلاسيكية على معابد الرومان وتماثيلهم بالقرب من مدينة صبراتة ولبدة، هذه صور جاثمة لبقية معابد لبدة وها هو المسرح الروماني والبازيليكا مازالت شاخصة بكامل عواميدها الصامدة ومسارحها الحجرية وقاعات الدراسة ودوواين الحكم كأنما غادرها الموظفون لساعة الغداء ريثما يعودون لدوام ما بعد الظهيرة، ثم ارتد طوراً آخر عندما أرى بعض الشاحنات على الطريق العام وأصحابها يتلفحون الشمائل الصوفية ويطهون الشاي الأخضر حد الشواء وينفثون لفافات سجائرهم بكل إدمان لدرجة تندرهم على السودانيين بأن بياض أسنانهم ما مرده إلا الجوع الناصع، ولا عجب إن كانت الأماكن الليبية تنطق أغلب أسمائها الساحلية بلسان روماني مبين، من ليبيا، وهانيبال الروماني، طرابلس، طبرق وترهونة ليتجلى لك اللسان البربري المبين في غات، تازربو و غدامس في الجنوب.
حاذت الحافلة ناحية بني وليد ولم تدخلها، المدينة التي رجمت بالطائرات عندما أعلن بعض شبابها التمرد على النظام الجماهيري، لتترك المباني المهدومة على مر النظام عبرة لمن لا يعتبر حتى لاتسول لكائن من كان أن يفكر ولو في خياله بمشروع تمرد.
على مشارف العاصمة بدت السماء في بث (شعافيفها) شآبيبها الشتوية مع نسمات برد قاتل من جهة غير معلومة، هؤلاء ثلة من بني وطني يتسورون دوران السيارات بجلابيبهم القصيرة المكموشة من دبر وعمائمهم المتسخة يطاردون القواطين (شاحنات صغيرة ماركة بيجو) عز الشتاء لعلهم يظفرون بحمولة سناري( جزر) طماطم أو بطاطس يفرغون حمولتها اتقاء البرد والمسغبة.
أزفت ساعة دخولي طرابلس إيذانا بالشروع في الحصول على تاشيرة كل من نيجيريا والنيجر ليتحول اتجاه رحلتي الحياتية من صوب الغرب إلى جهة الجنوب حيث عمق القارة السمراء وضجيجها.
|