محطة1
( تــــحــــــيـــــــــــــــــ ـة )
رقيقة وهادئة وعليها كل وقار الكون, كانت دائماً تأتي في نفس الساعة بالناحية الأخرى من الشارع وبنفس الطريقة ذاتها تمسك بيدها اليمنى طفلة صغيرة تمشي بجانبها - أظنها أختها - وفي اليسرى حقيبة الطفلة التي توصلها يومياً الى رياض الأطفال القريبة من مكان تواجدي في تلك الصباحات الرائعة.
كانت ملامحها جادة في بشاشة ومنطلقة في غير تهور وضاجة بكل موسيقى الدنيا وفي أدب جم.
لفت نظري مشيتها المتزنة التي لوشاءت لجعلتها تلوي أصلب الأعناق وأقواها , وكبرياءها يالهذا الكبرياء الذي يظهر جلياً في ارتفاع جبينها الى الأعلى وكأنها تقول لكل من يشاهدها: ليس من شيمتي الالتفات لصغائر الأمور.
صرت أراقبها يوماً بعد يوم وأنتظر مجيئها الذي يمكن أن تعيد ضبط ساعتك على موعده ,
كنت أتمنى شيئا واحدا فقط وهو أن أتكلم معها لأسمع صوتها ثم كنت راغباً بشدة في رؤية إبتسامتها.
جاء يوم تجرأت أنا وتجاوزت الشارع ووقفت في الجانب الآخر حيث تأتي دائماً وكانت قد أتت قبلاً لتوصل أختها وكنت أعلم أنها سترجع بنفس الطريق وقد حدث ماتوقعت .
وعندما رأيتها آتية وقفتُ انتظرها من بعيد وكان الصباح مغيماً جميلاً مما زاد الجو شيئاً من الرومانسية وعندما وصلت هي الى حيث كنت واقفاً تمنيت أن ترفع عينها من الأرض وتنظر الى هذا المجنون الذي ينتظرها هنا ولكنها لم تفعل ,
فوقفتُ في طريقها فوراً وفزعت هي ووقفت تنظر الي بأجمل عيون رأيتها على الإطلاق ووسط دهشتها واستغرابها من هذا الموقف وخوفها أيضاً من هذا الغريب الذي اعترض طريقها دون سابق معرفة أو إنذار وسط هذا كله قلت لها سريعاً:
- دقيقة يا أخت ماتخافي .. والله والله والله ماعايز منك أي حاجة إطمئني خالص
هي - صمت ... ولا زالت تنظر بخوف وإستغراب
- يا بت الناس والله العظيم دي مامعاكسة ليك ولا حركات شوارع انا زول كويس و ودناس وعندي 3 أخوات قدرك وماصعلوك ولاعايز منك اي حاجة وحتى ولاعايز أعرف إسمك ولا ساكنة وين ولابتقري وين إتفقنا؟؟
هي - بعد تردد .. طيب إتشرفنا ...خلاص انا ماشة .. ممكن تبعد شوية ؟؟
- ياخي مامشكلة حتمشي وما حأمشي وراك ولامعاك أنا بس عايز منك طلب ممكن؟؟
هي - طلب شنو ؟؟ وبتعرفني من وين عشان تطلب مني أي شيء ؟؟
- يابت شوفي نحن في الشارع وأنا ماعايز الناس تقول إني بضايقك أو بعاكسك أنا يازولة شايفك كل يوم ماشة بي هنا وراجعة برضو بي هنا وانا محلي ياهو داك البي الناحية التانية داك وشايفك مابتتلفتي حتى ولا بتعايني وكأنك ماشة براك في الشارع دا ... وبصراحة أي حاجة فيك عاجباني لكن ماعايز منك حاجة ودا ما حنك ولا (كسير تلج) لكن بتمنى بس لو تسلمي علي وإنتي ماشة بي هنا أو راجعة وماعندي مشكلة حتى لوتعايني ناحية المحل بعيونك بس .. أنا بعتبرها كأنك سلمتي وتأكدي تماماً ماعندي أي نية سيئة معاك ولا حيحصل .. واعتبريني ان شاءالله أخوك أو ودجيرانكم أو أي زول بس.. ياخي السلام دا زاتو سنة الإسلام .. يعني لو أنا سلمت عليك أنتي مجبورة تردي لأنو رد السلام فرض وانا مابقدر أقيف ليك هنا كل يوم عشان أسلم عليك .. أختك تقول شنو؟؟
وعليك الله ماتجي مارة بي هنا بدون ماتسلمي .. لأني والله العظيم بعد الكلام دا كلو لو ماسلمتي .. ماحاقدر أقعد في الحتة دي وحأرحل من هنا فوراً وأبيع المحل زاتو ولو مامصدقاني جربيني بكرة الصباح.
وهنا تركتها واقفة في مكانها ورجعتُ الى حيث كنت اجلس في الكرسي الكبير أمام المحل وعندما التفتُ اليها وجدتها قد ذهبت في طريقها.
وفي صباح اليوم التالي أتت تلك العابرة بنفس طريقها وطريقتها وفي معيتها تلك الطفلة وبنفس التفاصيل ولم تلقي التحية علي كما طلبت منها ولكن خُيِل الي وكانها قد لوحت بشبح إبتسامة على ثغرها الفتان ولم أصدق نفسي وانتظرتها الى حين ترجع وكانت كعادتها لاتلتفت الى اي جهة سوى أمامها وفي آآخر لحظة وهي تمر أمامي لاحت منها التفاتة صغيرة جداً ومعها تحية صغيرة جداً بثلاثة من أصابع يدها اليمنى مقرونة بإبتسامة شعت كالبرق في ذلك الصباح وأحالت كل الشارع الى مهرجانات واعياد.
مرت شهور على هذا الحال داومت فيها تلك العابرة على تحيتي كل يوم ولم احاول ولا مرة من المرات أن اتقرب اليها أو أخطب ودها بل إكتفيت بهذه الإشارة من يدها أحياناً أو الإبتسامة الخلابة الخجولة أحياناً أخرى أو تلك الإيماءة المدروسة حين تكون في عجلة من امرها ولم أدري ما إسمها الى هذا اليوم إلا انني من نفسي قد سميتها ( تحية ) .
لك التحية أينما كنتي ايتها العابرة (تحية)
ولك الاشواق ولتحيتك الرائعة التي تحيي موات القلوب.
ولك الأمنيات بالتوفيق أينما حل بك قطار الحياة السريع.
ولك التقدير والإحترام بقدر ما تلونت صباحاتي بتحياتك العطرة.
والســــــــــــــلااااااااااا اام
.......................
اقول قولي هذا واستغفرالله لي......................
|