منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-12-2012, 02:03 PM   #[1]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
Exclamation كاجومي - رواية

كاجومي



روايــة







صورة الغلاف مأخذوة من موقع على الإنترنت



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:20 PM   #[2]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي


إهداء خاص جدًا



إلى أولئك العالقين، عقليًا، في تلك العصور
ويختبئون خلف جلودهم النضرة المعاصرة


إليهم مع كل التحية






imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:23 PM   #[3]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

كاجومي - رواية
2012











نحن، يا هؤلاء، هنا، ونصر على أن نكون هنا.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:27 PM   #[4]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي


الفصل الأول


لذا فإنه كان يكفي أن يتمنى شيئًا، أي شيء، حتى يتحقق ما تمناه كما أراد. أصبح ذلك مصدر إلهام غزير بالنسبة إلى أصدقائه النادرين في أُمْبَدَّة، الذين أطلقوا عليه لقب كَاجُوُمِي، تمجيدًا لحظّه الجهنمي، الذي لا يُخفي أحدهم حسده عليه. لا أحد يزعم معرفته الأكيدة بمصدر اللقب أو معناه الحقيقي، ولكنه التصق به حتى اختفى اسم عَبْد الوَاحِد من ذاكرة أصدقائه اليومية، حتى هو نفسه كان قد بدأ يعتاد على لقب كَاجُوُمِي، وينسى اسمه شيئًا فشيئًا. وربما سُمع، ذات ليلة، وهو يصرح بأن علاقته باسم عَبْد الوَاحِد علاقة اضطرارية، لكليهما: له ولاسمه، وأنه لا يرتبط بهذا الاسم وجدانيًا؛ لاسيما وأن كثيرين اعتادوا على اختصار اسمه، ومناداته بالنصف الأول منه، حتى أوشك أن يطغى عليه، الأمر الذي كان يزعجه كثيرًا، ولا يفهمه إلا على نحوه السيء دائمًا.

في ليلة سَمَر لم تشمله من ليالي أُمْبَدَّة النادرة التي خلت من البعوض، تداولوا مسألة حظ كَاجُوُمِي المثير للإعجاب: بعضهم ذهب بخياله بعيدًا، وخمن أن يكون كَاجُوُمِي نتاجًا لمزاوجة نادرة ومباركة بين أبوين ربما كان أحدهما من أنبياء آخر الزمان السريين، وخمن أحدهم أنه ربما لا يتمنى إلا تلك الأمنيات المتحققة فعلًا، وحتى ذلك التخمين السطحي رديء الصياغة، لم يعن شيئًا غير التأكيد على أنها حالة نادرة لشخص محظوظ، بل ومترف الحظ، حتى تكون أمنياته المتحققة بذلك القدر من الإدهاش، والإثارة للحسد.

عشرة أيام من الإرهاق الذهني المتواصل، وتطبيق قواعد التجسس الأكثر خفية، واستلهام الاحتمالات الأكثر تطرفًا وتعقيدًا، لم تفلح في استخلاص خصلة واحدة تصلح كتبرير منطقي لتلك الموهبة الكاجومية الخارقة لكل قوانين الإحصاء الرياضية. عشرة أيام اقتنع فيها البعض أنه حالة نادرة، لها خصوصية شيطانية معقدة، عصية على الفهم البشري السوي. أكثرهم واقعية صاغ خلاصة تفكيره بطريقة توحي بالهزل العميق: "هذا الوغد محظوظ لامتلاكه مثل هذا الحظ!"

عندما احتفل بعيد ميلاده، غير الرسمي، قبل شهرين، كان قد أعلن أمنيته في صيغة نبوءة واثقة: "عيد ميلادي القادم سيكون ذا طابع عسكري." وتصادف ذلك مع حملة مداهمات بوليسية، أثارتها وشاية مجهولة المصدر، عن شباب يتعاطون لفافات البنقو في حفلة جنس جماعي، وقضى الجميع ليلتهم تلك في الزنزانة، وخرجوا صبيحة اليوم التالي بإطلاق سراح غير مشروط. وحتى عندما انهار سايفون البيت، وغرقت فتاة عشرينية في كومة متخمّرة من الروث البشري، لم يكن ذلك سوى تحققًا لأمنية علنية تمناها كَاجُوُمِي قبل ثلاثة أيام فقط، في مشاجرة كلامية حادة شهدها شباب الحي، وبعض العابرين الطارئين.

أم الفتاة الهالكة أرادت اتهامه بالتسبب في مقتل ابنتها، وفي المحصلة النهائية، لم يجد الشرطي المناوب بدًا غير تهدئتها، وتقديم واجب العزاء، قبل إبلاغها رسميًا باستحالة القبض على شخص، ومحاكمته لأنه تمنى أمنية سيئة. لم تقتنع الأم المكلومة بما ظل الضابط المناوب يشرحه لها من بنود القوانين الجنائية وأحكامها، التي حاول تبسيطها إلى الحد المعقول والمناسب لفهمها الشعبي، ولكنها رفضت الاستماع إليه أو حتى تصديقه. قالت إن أمنياته لم تكن أخلاقية، ومخالفة للقانون، وإن كل من يتمنى أمنية غير قانونية فإنه يحمل بذرة إجرامية داخله، تستوجب العقوبة الرادعة؛ لذا فقد أصرت على مطلبها، واعتصمت أمام قسم الشرطة، ورفضت مغادرته، أمام التهديدات والرجاءات العديدة التي تلقتها من رجال الشرطة وأفراد الحي. آخر الأمر، تجلت فكرة بسيطة وقانونية في ذهن الشرطي الذي أصدر أمره بأخذ تعهد كتابي يقضي بعدم تعرض كَاجُوُمِي للمرأة أو أي من أفراد عائلتها، فأصابها الارتياح جراء ذلك، وخرجت من قسم الشرطة، وهي تردد بصوت عال أقرب إلى الهستيريا منه إلى الهتاف: "يحيا العدل!"

تفاقمت محنة كَاجُوُمِي عندما اعتبره البعض ملعونًا، واعتبره البعض الآخر صاحب موهبة تستدعي الاختبار والتوثق. راحوا يطلبون منه أن يتمنى لهم أشياء بعينها، كانت أغلبها ضمن قائمة المستحيلات: طلب أحدهم أن يتمنى له ثروة لا تأكلها النار ولا شراهة السفه وعشق الملذات، وطلب آخر أن يتمنى أن تقذف محبته في قلوب الفتيات، فلا تراه إحداهن حتى تقع في عشقه ولا تتمكن من الإفلات منه، وطلب آخر أن يُمنح قدرة على الفهم والتحدث بلغات العالم، فلا يتحدث معه أحد بأي لغة من مشارق الأرض ولا مغاربها إلا وفهمها وتحدث بها بطلاقة كأهلها، وطلب آخر أن يتمنى له عمرًا مديدًا لا يقل عن المائتي سنة، شريطة ألا يعتريه الوهن ولا تصيبه نوائب الدهر كما تصيب الكهول عادة.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:32 PM   #[5]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

بدأ الأمر برمته قبل سبع سنوات، بمصادفات يمكن تصنيفها على أنها متجاوزة للعادية؛ من حيث أنها جاءت متسلسلة ومتتالية، عندما وجد كَاجُوُمِي نفسه أمام حقيقة مخزية، توجب عليه حلها بشكل نهائي وحاسم. غير أنه، آخر الأمر، وجد نفسه محاطًا باحترام فرضته موهبته الجهنمية النادرة. كانت الساعة توشك على التاسعة صباحًا عندما أتلف جهاز والده اللاسلكي الذي يستخدمه في عمله كناظر في محطة الكهرباء، وتمنى لو يتوقف الزمن ولو لساعة واحدة، ليمنحه وقتًا إضافيًا يمكنه من إصلاح اللاسلكي، عندما تلا المذياع قرارًا رئاسيًا يقضي بتأخير التوقيت الرسمي للبلاد ساعة كاملة، ليتماشى مع توقيت مكة المكرمة. أصابته الصدمة، وقتها، حيال تلك المصادفة الغريبة؛ بل وشبه المستحيلة، ولكنه انشغل عن التفكير في ذلك بإصلاح جهاز والده، حتى انتهى من ذلك آخر الأمر في الوقت المحدد. وحتى عندما تمنى أن يتوقف عن الذهاب إلى المدرسة ولو مؤقتًا، أغلقت المدرسة أبوابها لعام دراسي كامل إثر إنهيار عظيم أحدثه فيضان النيل ذلك العام، وجرف معه الطاولات والكراسي وأتلف الأوراق الرسمية، ولم يعد بالإمكان إصلاح كل ذلك إلا بجهد بيروقراطي طويل الأمد.

ذلك النهار الخرطومي الحار، الذي لم يكن يوحي بشيء غير استشعار مادية البؤس والكآبة، تمدد كَاجُوُمِي على أرجوحته المعلقة بين عارضتين خشبيتين. تلك الأرجوحة التي لا يتمكن أحد غيره من النوم عليها باستقرار. مرتديًا فنيلته الداخلية السوداء المميزة، وسرواله المقلّم القصير، بعد أن رش كامل جسده النحيل متوهج السواد، وأمسك خرطوم المياه، وراح يرش فناء الدار ذي الأرضية الترابية. كان وقتها قد سرّح مجموعة الدواجن، التي تعود ملكيتها إلى السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر صاحبة المنزل، وأطلقها من أقفاصها التي من خشب السرَّوج المعمِّر، والمحاطة بسياج سلكي سداسي الشكل. بدا، في منظره ذلك، كبحّار عجوز، قرر استهلاك ذاكرته، في لحظة استرخاء نادرة، في تذكر مغامراته البحرية. انشغل لوقت طويل برش الماء من حوله، في محاولة للتحايل على حرارة الطقس، وفي أحيان قصيرة ومتقطعة ينشغل بملاحقة الدواجن بماء الخرطوم، والتمتع بمنظرها، وهي تحاول الفرار بريشها من هذا المطر البشري الكثيف.

لا أحد يعلم متى أو كيف يتحوّل مزاجه، وليس بإمكانه، هو نفسه، أن يتوقع خطوته التالية؛ لذا لزم الأمر أن يشعر، باستمرار، بالانزعاج من المكوث الطويل على حالة واحدة مستقرة. في لحظة ميتافيزيقية عابثة سمعه أحدهم، وهو يقول: "ابتلاني الله بنفسي، فلا شيء يتعبني غيرها." راح يستعرض الأمنيات التي طلبها منه أصدقاؤه، وشعر بسخرية بالغة تجاه سخافتهم، وبطريقة عشوائية، خلت من مفاجأة أو حتى بوادر ترحيب، تذكر أمنيته الأثيرة التي لم تتحقق بعد. تلك التي صرح بها أواخر موسم خريف ماطر، لمجموعة من الأصدقاء في لحظة ميتافيزقية متناهية السكر. أمنية مركبة، اعتبرها الكثيرون مستحيلة لفرط سخافتها، غير أن بعضهم آمن بتحققها يومًا ما. قال في نفسه، وكأنه يتحدى شخصًا ما: "لن أموت قبل أن تتحقق هذه الأمنية." ولكنه لم يعرف كيف لأمنيته تلك أن تتحقق.

بدافع الغضب، أكثر مما هو بدافع الشغف، قرر كَاجُوُمِي النزوح شرقًا إلى الخرطوم، بحثًا عن شيء ما. شيء قد يخصه، أو يفتقده. شيء مستحيل، ولكنه ظل، بالنسبة إليه، حميمًا وعزيزًا، رغم أنه لا يدركه. تحاشى رؤية والده وتوديعه، لأنه اعتبره السبب في محنته تلك، ولكنه قبّل أمه على مضض، لأنها حضرّت نفسها لتلك القبلة. منذ الأمس وهي تجهز نفسها لهذا الوداع غير المبرر. لم تنم طيلة الليل، ظلت مستيقظة حتى الصباح كي لا تفوتها هذه اللحظة. مسح بأصابعه على وجهها البرونزي الهادئ، وكأنه يريد أن يرسم صورتها في خياله، حتى لا يحتاج إلى تذكره لوقت طويل. ورغم أنها قد آلت على نفسها ألا تبكي ثانية، بعد وفاة والدها، وقررت إدخار دموعها لوفاة زوجها أو أحد أبنائها، إلا أنها بكت ذلك الصباح، لأنها كانت تعلم أنه لن يعود ثانية. دفعتها غريزتها اللاعقلانية لصياغة جملتها الأخيرة، وهي تراه يحمل حقيبته القماشية على كتفه بإصرار مخيف ومقلق: "لا شيء قد يتغير! ولكن عندما تكتشف ذلك بنفسك أرجو أن تعود."

اختبأ والده خلف باب غرفته، وراقب لحظات الوداع الأخيرة والسريعة بحزن وقور. تحايل كثيرًا حتى لا يبكي، ولكنه لم يستطع؛ فسقطت منه دمعات حارة ومؤلمة، واستقرت في لحيته معتدلة الكثافة، بينما امتلأت عيناه بدموع أكثر تماسكًا وكبرياء، وعندما انتهت من توديعه ودخلت غرفتهما تغالب بكاءها، كان قد عاد واصطنع النوم، وهو يسمع حسيس بكائها المكتوم. اضطجعت إلى جواره بحذر حتى لا تزعجه بالحركة، وتقابلا بظهريهما، وراح كل منهما يبكي في صمت. كان لابد لتلك اللحظة أن تأتي. الكل عرف ذلك، ولكن لم يتوقع أحد مدى صعوبتها، ومذاقها الحقيقي المر.

والد كَاجُوُمِي الذي وضع نقودًا ورقية في حقيبة ولده ليلًا دون أن يشعر، بدافع الإشفاق الأبوي الخالص، ساءه كثيرًا أن ينتهي الأمر على هذا النحو، ولم يعرف إلى أي مدى قد يكون قرار ولده بالرحيل مصيريًا وحاسمًا بالنسبة إلى كليهما. الجانب الأناني في أبوته دفعه إلى رفض فكرة الرحيل جملة وتفصيلًا، والجانب الواقعي فيه دفعه للتفكير مطولًا في اتخاذ تدابير بديلة عن مخططاته التي كان كَاجُوُمِي طرفًا فيها لتسيير نفقات عائلة مكونة من ستة أبناء، وتسديد الديون المتراكمة. ورغم ذلك اضطر إلى اللجوء إلى علبة الماكنتوش المخبأة بعناية في خزانة الملابس، والتي هي بمثابة بنك العائلة، حيث يدخر فيها ما يتمكن من إدخاره، بعد دفع النفقات الأساسية والضرورية، وأخذ منها مبلغًا من المال ووضعه في حقيبة ابنه سرًا. لاحقًا عندما اكتشفت زوجته اختلال المدخرات، اختلق كذبة أقنعها بها أنه قام بتسديد دين قديم منسي لم يكن في الحسبان.



imported_هشام آدم غير متصل  
قديم 22-12-2012, 02:36 PM   #[6]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

الجأر بالشكوى من ضنك المعيشة، وتراكم الديون التموينية كان وقتها قد استحال وردًا صباحيًا لا ينقطع، حتى أنه مؤخرًا أصبح وردًا جماعيًا لابد أن يبدأ اليوم العائلي به؛ لاسيما مع الارتفاع الجنوني للأسعار. أحس بعض الأبناء أن ذلك مطالبة مهذبة وغير مباشرة بتخفيض المصاريف إلى الحد الأقصى، والاكتفاء بالضروريات الملحة فقط، بينما رأى البعض الآخر أنه أحد أعراض تقدم السن عندما تنصب كل اهتمامات الوالدين بالقضايا المادية والبحث عن حلول اقتصادية لها. قال أوسطهم: "الحديث عن النفقات يشعرهم بالمسؤولية، والشعور بالمسؤولية يشعرهم بالراحة." ثم أضاف أصغرهم: "وشعورهم بالراحة يشعرهم بالقلق!"

من وجة النظر الأبوية، فإن والد كَاجُوُمِي لم ير أحدًا من أبنائه مؤهلًا لتحمل المسؤولية سوى كَاجُوُمِي، الذي قرر الرحيل فجأة ذات ليلة، ليس لأنه أكثرهم شبهًا به فحسب، ولكن لكونه الابن البكر لهذه العائلة. على مائدة الغداء ذلك اليوم، ألقى كلماته بنبرة جادة، فهمها الجميع على نحو تحذيري: "لقد رحل عَبْد الوَاحِد. قرر ذلك بنفسه، وهو حر في اختياراته، ولكن حياتنا لن تتوقف، وسوف تبقى هذه العائلة ولا شيء سيتغير سوى القليل من الإحساس بالمسؤولية." بينما انشغلت الأم، وقتها، بالتفكير بمصير كَاجُوُمِي المجهول، ودعائها له سرًا بأن يكون الحظ حليفه أينما حل. أصغر أبنائها مسح على ظهرها، وهو يقول: "مثله لا ينبغي أن يُخشى عليه، وفري دعاءك لنا نحن الأقل حظًا." لم يشك أحد في أن رحيل كَاجُوُمِي المفاجئ ألقى بظلال ثقيلة وحزينة على جميع أفراد الأسرة، ولكن أحدًا منهم لم يجرؤ على مناقشة سبب رحيله علانية.

في موقف الحافلات، اكتشف عَبْد الوَاحِد لفافة نقدية ثخينة في حقيبته اليدوية، وخمن أن والدته فعلت ذلك في غيابه، عندما وجد نفسه مضطرًا إلى احتمال عاطفة أنثوية أخرى ألقتها عَزِيِزَة حَسَب الرَّسُوُل وَارْقُو على عاتقه تلك الأمسية تحت شجرة اللبخ العملاقة المشهورة. راحت تتوسل إليه أن يعيد التفكير بشأن الرحيل، وعدم جدواه، ولم يفهم سر إصرارها الغريب على ذلك، رغم أنه لا يكترث لأمرها كثيرًا. في اللحظة التي انقطع فيها رجاؤها من إقناعه فاجأته بمحبتها له، وأنها كتمت محبتها سنتين كاملتين، وآثرت طوالهما أن تظل عاشقة سرية، وعرضة لسخرية صديقاتها الأخريات، عندها أنهى الحوار، الذي كان في طريقه لأخذ منحى درامي شديد اللزوجة، بجملة عبثية قاسية: "هذا حديث أريد أن أخلصه للحق كما يقول صاحبي طه حسين: أنا لا أحمل لك في قلبي أي محبة!" أصيبت بصدمة جراء صراحته التي صنفتها على أنها وقاحة مقصودة، وشعرت بخدش كبير في كبريائها لازمها لسنوات طويلة بعد ذلك. عندما داهمتها حالة بكاء هستيرية لحظتها، حاول إعادة صياغة جملته بطريقة ألطف قليلًا: "أنا لا أحمل محبة لأي أحد، ولكني أتمنى لك حظًا سعيدًا!" فتركته وركضت باكية، واختفت.

ظل صامتًا وهو ينظر إلى انعكاس صورة وجهه في زجاج نافذة الحافلة التي استقلها إلى الخرطوم، وكانت باهتة إلى درجة خمن معها أنه قد يكون باهتًا بالفعل. حتى ذكرياته عن طفولته ونشأته المتواضعة اتسمت بالضبابية، سوى لحظات الرخاء العابرة التي عاشها في بيت خالته امْتِثَال الصَّادِق، في ضاحية أقل ما يقال عنها إنها قذرة ومعدمة، مع أبنائها الذين أحبهم كثيرًا. يتذكر الآن اعتياده على الابتسام والضحك أكثر من أي وقت أو مكان آخرين. كما يتذكر تلك الفترة التي توقف فيها عن زيارة تلك الضاحية بعدما توفيت خالته بمرض غريب جعلها تسعل حتى الموت، وانقطعت صلته بأبناء خالته من بعدها بطريقة غير مفهومة، عندما اختفوا فجأة ولم يعرف أحد أين ذهبوا. غابت أمه عن البيت، ومكثت في بيت شقيقتها المتوفية لمدة ثلاثة أشهر تولت فيها رعاية أبنائها اليتامى بولاء خادمة من عصور الانحطاط، ثم عادت أكثر شحوبًا مما كانت. حدث ذلك بعد وفاة الصَّادِق ضَوْ البَيَت (جده لأمه) بخمس سنوات أو أكثر قليلًا، وصادف خروجه من المدرسة، وانخراطه في السوق للعمل والمساعدة في تسيير نفقات المعيشة للأسرة. عندها تغير كل شيء، ولم يعد الوقت بالنسبة إليه مناسبًا للمرح.

ظلت كلمات والده، التي قالها له في ساعة تربوية حاسمة، تتردد في ذهنه باستمرار كقدر لا مناص منه، وحكمة شديدة الواقعية: "إذا كنت تظن أن الحياة سهلة، فأعد التفكير بالأمر." وفجأة بدأ إدراك تلك الصعوبة في كل ما حوله، حتى في علاقته بعائلته. عن نفسه، فإنه يؤرخ لتوقفه عن المرح والضحك بتلك المرحلة، رغم أنه لا يتذكر أنه كان من النوع المرح في أي وقت من حياته، غير أنه فضل الاعتقاد بأن طفولته كانت مرحة كبقية الأطفال. قال لنفسه: "سواء أكانت كذلك أم لم تكن فقد انقضت وبدأت مرحلة جديدة على أي حال." واحتفظ بكل شيء في سرداب ذاكرته دون أن يحاول تحديد موقفه من تلك المرحلة.



imported_هشام آدم غير متصل  
 

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 09:55 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.