السلام عليكم ورحمة الله
المفكر محمود محمد طه .. شخصية مثيرة للجدل الفكري .. فهو يسموا بنا إلى قمم ترنو إلى التجديد في شاعرية تناطح الغمام .. ثم فجأة يهبطنا إلى وادي من الغيب الشديد العتمة .. وهنا تكمن معضلة الفكر الإسلامي الذي لا يربطنا بالواقع العلمي .. ويقدم لنا حلولاً نستطيع أن نعقلها ونسير على هداها.
ولعل أجمل ما قرأت حول أزمة التجديد التي عاشها المفكر محمود محمد طه ... هذا التلخيص لمقال لعبد الله بولا ... وكنت قد حفظته في الجهاز سابقاً ولا أستحضر من كتبه ويقول:
(ثمة مشكلات عديدة تواجه قضايا التجديد في حركة الفكر الإسلامي في هذا العقد الأخيرمن القرن العشرين بالذات.. ولعل أكبرها هو تحريف الغلاة الذين يسمون أنفسهمبـ "السلفيين تارة، والإسلاميين تارة أخرى".. والذين أستحلو الاستبداد عبر فتوى باطلة لفقيه الحنابلة أبي يعلى الفراء .. ومن ثم عمدوا إلى التأويل التعسفي للنصوص وقسرها علىالإجابة على أسئلةٍ وإشكالياتٍ لم تكن ضمن مشاغلها في زمانها التاريخي المحدد.
فتقنين واستحلال الاستبداد يشوه الإسلام بصورة مريعة، ويجعله متناقضاً يجمع الأضداد "عدالة واستبداد" مما يدفع الناس: لعدم الثقة في الداعين لتحكيمه.. بل والمطالبة بإزاحة الدين من الساحة السياسية بالكامل.. الشيء الذي يكسب العلمانية دوراً رائداً ورئيسياً في أي راهن سياسي لأنها تفجر القضية - قضية طبيعة السلطة السياسية في الدولة - من أساسها.
فقد تقدست آراء خاطئة بنفس مستوى الكتاب والسنة، قداسة تحميها وتحتمي بها سلطة دولة استقر فيها الاستبداد نحواً من ألف وأربعمائة عام ونيف، حتى أصبح الاستبداد ذاته واجباً حتمياً عند نفر من مَن يظنون أنهم حماة العقيدة وورثتها الوحيدون.
عليه فنحن حيال ورطة حقيقية، لأن الإشكالية في العالم الإسلامي اليوم كبيرة جداً، وتتطلب مواجهة حقيقية للذات والواقع، حتى تكون لنا فرصة في إعادة الصياغة الفكرية للعالم بالفعل، لا بالأوهام الذاتية والاحتيال الأيديولوجي على الإرث الديني للأمة.
وهذه المواجهة للذات والواقع ضرورية ولازمة، لأن المدخل لأي ثقافة تطمح للنمو هو تجديد مفاهيمها السياسية، وتوسيع إدراكها للآخرين من حولها لاستيعاب حركة الواقع ومستجداته. ولا سبيل إلى ذلك، إلا بمواجهة نقدية لإنجاز الأمة التاريخي ومسلماتها المستقرة، بغرض الفصل بين ما هو مقدس أصلاً، وبين ما تقدس بفعل الضغوط السياسية والحراك التاريخي للمسلمين، فتقدير السلف والتراث شيء وتنصيبهما سلطة مطلقة وأزلية على الحاضر والمستقبل شيء آخر. وحينها يمكن الحديث عن فتح أفق حقيقي لحركة التنوير في الثقافة الإسلامية المعاصرة عموماً، وفي حركة التشريع منها على وجه التخصيص).
وسأواصل في المنطقة المعتمة التي أحالنا إليها محمود طه.
التعديل الأخير تم بواسطة أبو جعفر ; 19-01-2013 الساعة 06:38 PM.
|