التحية للأحباء هنا ، ونخُص
حبيبنا سيد القلم المنضد :
الفيا
لك التحية وأنت تلتف من حول رؤانا التفاف إعصار .
ملكت من الحُجـة والبيان وأسدلت دُفوعك عن فارس الشعر .
الآن نستنفر من رؤانا العميق لنتكشف كم كان هذا العملاق ينام
ملء جفون الردى ونحن نَسهر ،
ونتبارى ولا نمَلّ .
نفتح باباً أسميه أنا :
(عندما تتألق الكآبة داوية ، تنحسر أمواه الإبداع )
سأدلل هنا بأسانيد من شعر المُحتفى به .
كيف هجدت أتون إبداعه عندما استوطنته الكآبة المُرَّة ،
وكيف يسلس هو قياد اللغة عندما يكون في عنفوان الفرح :
( 1) شعر المتنبي عند الكآبة المُرَّة :
نماذج من الشعر أوردتها في مقالي السابق ، عندما استذله الطموح ،
ووَطن نفسه على استحلاب الندى من ثديٍ ضامرٍ نفق صاحبه ،
فمصر الإخشيدي مرَّغت أنفه التُراب وأسكنته الكآبة الكُبرى حين قال :
وفي النفس حاجات وفيك فطانة .. سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ
وما أنا بالباغي على الحب رشوة .. ضعيف هوى يبغى عليه ثوابُ
وما شئت إلا أن أذلّ عوازلي .. على أن رأيي في هواك صوابَ
وأعلمُ قوماً خالفوني فشرَّقوا .. وغرّبت إني قد ظفرتُ وخابوا
أو حين قال :
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله .. فإني أغَني منذ حين وتَشرَبُ
وهبت على مقدار كفي زماننا .. ونفسي على مقدار كفيك تطلُبُ
إذا لم تُنط بي ضيعةٌ أو ولاية .. فجودك يكسوني وشغلك يسلبُ
قارن عزيزي القارئ بين تلك الأبيات الشعرية ،
وقوِّم إبداعها وانحساره وقارنه بالإبداع الذي نورده هنا ،
والشاعر في قمة أفراحه حين يقول :
(2) شعر المتنبي عند موجات الفرح :
حين مدح سيف الدولة قائلاً :
أتوكَ يجُرّون الحديد كأنما .. سروا بجيادٍ ما لهنَّ قوائم
إذا برقوا لم تعرف البيض منهم .. ثيابهم من مثلها والعمائم
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه .. وفي أذن الجوزاء منه زمازم
أو حين يصف الممدوح في ساحة الوغى :
وقفت وما الموت شك لواقف..كأنك في جفن الردى وهو نائمُ
تمُرُّ بك الأبطال كلمى هزيمة .. ووجهُك وضاحٌ وثغرك باسمُ
وفيها وصفه تقدم الخيل حتى وصلت قمم الجبال :
تدوس بك الخيل الوكور على الذرى ..وقدكثرت حول الوكور المطاعم
تظن فراخ الفتح أنك زرتها .. بأماتها وهي العتاق الصلادم
أو حين قال :
حقرت الردينيات حتى طرحتها .. وحتى كأن السيف للرمح شاتمُ
ومن طلب الفتح الجليل فإنما .. مفاتيحه البيض الخفاف الصوارمُ
عزيزنا الفيا
لن ينج مبدع أبداً من سطوة اضطراب الوجدان ،
تتقلب أنتَ في جمر الكآبة وتُغطيك سجادتها السوداء عندما تنكسر
صواري الطموح وتُحل الفاجعة . تنام عليها وتصحو ،
تتأرجح بين سُمُوم النهار الكالح ، أو تتفيأ من ظلال الأفراح فتُغرد بلبلاً طرِباً ،
وتستعيد النفس صباحاتها .
عبدالله الشقليني
20/11/2005 م
|