من ذاكرة المدمرق !!! النور يوسف محمد

اوبريتـــات سودانيـــة (اوبريت) !!! عبد الحكيم

هَكَذَا يَمْضِي الغفاريون نَحْوَ الله: في رحيل مظفر النواب !!! عبد الله جعفر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-07-2017, 12:19 PM   #[1]
imported_قرقاش
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_قرقاش
 
افتراضي أشباه الزين مائة .. احدهم جبارة ...بقلم محمد صالح خضر

وجدتها على الفيس ..شايله اخونا وجدى الاسعد على ضهره قلتها انزلها فى بيتها ...اتوا سمعتاوا بيها قبل ده ...؟









لحظات يفور فيها تنور السوق ويغلي، تتسارع الخطى و يتزاحم البشر، يعلو الصخب ويسود هرج ومرج، هذا أول السوق ولم يتحدد سعر جوال الفول وقيراط اللوبيا .. يصيح رجل بقلق :"يا جماعة نزلوا الشوالة دي" . ينزلون (الشوالة) من عربة تقول سيرتها الذاتية إنها كانت (كومرا) حكوميا أنهيت خدماته بعد ربع قرن من الأعمال الشاقة وانتقل بعد دلالة صاخبة إلى أحدهم فحوله إلى مركبة تنقل الناس والحيوانات والبضائع . يجئ الناس إلى السوق راجلين وعلى ظهور الحمير والجمال والبكاسي واللواري، من الغريبة وأوسلي والباسا ومن كل فج عميق. تصرخ بائعة في توتر :" يا مرة شيلي قفتك دي" .. يتطاقش الناس ويتدافسون. ربما لحظات مشابهة أوحت إلى أحدهم أو إحداهن أن تسمي ذلك السوق في أقصى الغرب "سوق أم دفسو وي وي وي فجختيني" فجرى الاسم على كثير من (أمات دفسو) في البلاد، كناية عن الفوضى العارمة التي تجتاح السوق حيث يختلط الحابل بالنابل والناشل بالواشل و الوايكة بالباصلة وتذوب الحدود الأرضية بين ويكة الأولى وبصل الثانية فيتعانقا في وئام ويغدو كل الذي فوق التراب تراب. وكما يهدأ النيل بعد الفيضان ، تهدأ الأمور رويدا رويدا في سوق القرير فيتخذ كل "فارش" موقعه ويضع كل "جالب" حمله، و(تشيل) كل ذات حمل (نفسها). سوق اجتمعت فيه النقائض والاضداد، عربة بوكس يابانية بيضاء قرب بعير أخرش يؤدي نفس المهمة دون أن (يبنشر) له كفر ودون أن يزهق روحا .. وهل تصادم بعيران في الطريق؟ كشك يبيع البيبسي البارد، وامرأة في طرف السوق تبيع شرابا كثيفا من جريش الذرة، يقول البعض أنه أقوي للناس وأنفع. كابينة هاتف تتحدث منها إلى ذويك في الطرف الآخر من الدنيا وتطلب الدولارات، خلفها حمار يؤدي مهمة الاتصال حين يعتلي ظهره صائح القرية معلنا:" الحي الله والدايم الله .. فلان ود فلان راح في حق الله .. الحقوا الصلاة.. الحقوا الصلاة". يلحق الناس الصلاة ولا تصل الدولارات من طرف الدنيا الآخر. سوق جمع بين "الشبعان" و"المعلم الله" ، بين من انتفخ جيبه ومن خلا، بين من أصابته التخمة من فرط ما أكل وبين من أصابه الهزال من فرط ما (ما أكل). لكن السوق يأتي بالمزيد، فقد ضم بين جنباته جبارة الأعجوبة الذي ارتاد كل الأمكنة في زمن واحد ، وملأ كل الأزمنة بحيوات متنوعة تصل درجة التضاد. كنت تراه في السوق الشعبي بأم درمان، ثم إذا سافرت بعيدا في مهمة عاجلة تجده أمامك (فوق) بنطون مروي، تقابله يوم الأثنين في سوق كريمة وتذهب مبكرا إلى سوق الثلاثاء في تنقاسي فتجده هناك، تتركه صباحا في قوز قرافي ثم تسافر في نفس اليوم لتقابله ليلا على ظهر لوري في التمتام. وإذا كان الخواجة هزنبيرج يقول أنه من المستحيل تحديد عزم ومكان الإلكترون حول الذرة في ذات اللحظة، فانه بالمثل يصعب تحديد مكان جبارة ومعرفة ما يفعله في نفس الوقت. فقد عم نشاطه في الماضي كل أوجه الحياة بحيث لا تستطيع أن تجزم أهو في قوز هندي يرمي الودع للنساء أم هو في مساوي يؤذن للناس في خلوة الشمة ، أم في مكان آخر يدق الطست لنساء الزار، أم يقف في حفلة عرس مبسوطا يضحك (سن سن) وقد اختفت عيناه إلا من بصيص حدقة تسمح له بمرور حزمة ضوء تربطه بالعالم الخارجي. ها هو جبارة يجوط بين الناس في السوق دونما هدف واضح، نحيفا قصيرا (قليــلا) يمشي على الأرض وكأن الهواء يدفعه، يضيع في الزحمة بين الأرجل حيث لا يكترث به أحد. دائم الحضور بينهم لكنهم لم يذهبوا في أمره بعيدا ، مثل الأكسجين يتنفسونه ولا يعرفون كنهه ومصدره ومقداره. سألت بعضهم عن أصله فتضاربت الأقوال وازداد الأمر غموضا. سألته فأجابني :" أمي منصورية وأبوي حساني ملخبت" وهكذا لخبتتني إجابته وفرحت كثيرا لأنه لم يعطني ردا شافيا يفسد سحر الغموض ويفك طلاسم الأسطورة. منذ عقود خلت رأينا جبارة كما هو، لم نعرف من أين أتى ولماذا؟ تمر السنون والأعياد فلا يذهب لزيارة أهل ولا يأتي أحد لزيارته. يتحدث جبارة إليك فلا تستطيع أن تأخذ حديثه مأخذ الجد ولا تستطيع أن تتجاهله. يلبس ثوبا هو بين الجلابية والعراقي، قماشه بين (الساكوبيس)ظلم يكن خيالا من صنع الطيب صالح، لكنه حقيقة ماثلة تعيش بين الناس وتمشي على قدمين. جبارة هو رجل كل المواسم ورجل كل الأمكنة والأزمنة. فجبارة الذي يؤذن للصلاة في الخلوة هو نفسه جبارة الذي يجلس وحيدا في حلقة الزار وسط النساء يضرب (الطش) متنقلا من إيقاع إلى آخر حسبما يقتضي (خيت) الزار ، وهو عينه جبارة الذي يسافر على اللواري والبصات مجانا بعد أن يتحول إلى مساعد مساعد يرفع العفش وينزله، وهو نفسه جبارة الذي تسميه النساء (جبيري) ويتحلقن حوله فيرمي لهن الودع قائلا :"تالت اخوانو نزل من العربية" . ها هو جبارة يجلس في راكوبة في السوق أمامه صحن فول وخبز حار. لا بد أنه يأكل بشراهة ، فلا شئ يشغل باله. لم يسمع بالانترنت ولا مؤشر داو جونز. الذين يعرفون المؤشرات يأكلون طعاما باردا مسيخا في الفنادق داخل صالات مغلقة تحول الهواء فيها إلى ثاني السيد الكربون، يمضغونه أداء واجب ولا يذوقون له طعما، فهموم البورصة وأسعار الأسهم والصفقات التجارية تفسد طعم الحياة والأشياء. يا جبارة أدخل يدك في الصحن بقوة ..ازدرد اللقمة ازدرادا، واشرب من ذلك الزير البارد، فماؤه كامل الدسم، جاء من النيل مباشرة لم يخضع لمعالجة الكلور والألومينات.انزل الماء في حلقك بقرقرة وغرغرة، امسح يديك وخذ نفسا عميقا من الهواء النقي ثم (قرقر) ملء شدقيك حتى يبين لسان مزمارك. يا جبارة هذا طعم لن تجده في أي مكان آخر، وهذا ماء لن تشرب مثله إذا فارقت هذه الديار، وهذا هواء لن تتنفس مثله في كل الدنيا. ها هو جبارة يمارس مهنة أخرى في السوق، يقف (ركيبا) في موقف العربات الذاهبة إلى تنقاسي ومروي، يصيح :" تنقاسي .. تنقاسي" فيركب الركاب ويناوله صاحب العربة (الفي النصيب). أقفل السوق أبوابه وطارت الطيور بأرزاقها وأنحشر جبارة في عربة، دون استئذان، وذهب. لا أحد يعرف كيف سيكمل جبارة يومه ..هو نفسه لا يعرف. لكنه حتما سينام آخر الليل قرير العين، لا يحمل ضغينة على أحد ولا يحمل عليه أحد ضغينة، لا يحمل هما من هموم الدنيا، فليس عنده ما يفقده ولا يملك في هذه الفانية إلا الثياب التي تستر بدنه.

متى ومن أين جاء جبارة ولماذا اشتغل بكل هذه (الصنايع)، هل هي وسائل لكسب العيش؟ أم أن غريزة خفية تقوده دون أن يدري، أم أن قدرا محتوما يدفعه في هذا الطريق، أم …. ؟!
يكتب التاريخ سير الطغاة والجبابرة ، ويحتفي الكتاب بأصحاب النفوذ والسلطة والمال، ولا يحفل أحد بأمثال جبارة فتضيع سيرته في الحياة مثلما يضيع هو نفسه في السوق (بين الركب). هذه سيرة رجل تغلغل في أدق تفاصيل حياة الناس، عاش وما زال يعيش خفيفا على وجه الأرض ، خفيف الجيب ، خفيفا على قلوب الناس .. رجل لو رآه الطيب صالح لكان أمر سيرته بين الناس عجبا.

[IMG]
[/IMG]
محمد صالح خضر محمد (عضو سودانيات)



التوقيع: انته رايك شنو ...؟؟ قرقاش

(وما من كاتبٍ إلا سيفنى/ ويبقى الدهرُ ما كتبت يداه / ولا تكتب بكفّك غير شيء / يسرُّك في القيامةِ أن تراه).
imported_قرقاش غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-07-2017, 07:09 PM   #[2]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

سلام يا قرقاش،.. التحية للعزيز محمد صالح خضر الذي رسم لنا بالكلمات، جبارة.
نعم، جبارة كان كما وصفه محمد صالح، وما زلت اذكره بجسمه النحيل وشلوخه الرأسية الدقيقة والتي كونت مع الوجه تقاطيعه، وكأنه قد ولد بها.

مثل هذه الشخصيات لا تكتمل لوحة المكان بدونهم، ولا دفء المجتمعات بغيابهم.

كتبت عن بعضهم، ولعل أشبه الشخصيات بجبارة هو مالك، الذي كتبت عنه مداخلة في بوست لعبد الله جعفر، بس ما يأتي في المداخلة التالية.

كانت عندي صورة لجبارة الذي تحدث عنه محمد صالح، سأبحث عنها وأنزلها.

تحياتي لك



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-07-2017, 07:11 PM   #[3]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

 مالك

كان يسعى من خلوة القرافاب بعد أن يؤذِّن لصلاة العشاء إلى جامع العكوداب فيصلّي معهم .. لم يكن في ذلك عدم إعتراف بإمامة الخلوة، فالصلاة مقبولة هنا وهناك بإذنه تعالى، لكن لأنّ هذه أيّام مولد أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام.
أهله في الخلوة -لأسباب سلفية- لا يحتفلون بالمولد ويرون فيه بدعة وضلالة تورد ممارسيها موارد الهلاك؛ بينما يكون مايكرفون الجامع واضحاً جليّاً وهو يصدح بالبرّاق وقراءة المولد وبالصلاة على النبي وبالأناشيد التي تضج شوقاً للقبة التلوح أنوارا.

يتناوبون في قراءة المولد ومن السهولة تمييز صوت كل قارئ منهم، فذلك الصوت الندي، صوت خضر أبدومة (مغنّي اللعوب السابق) الذي يقرأ المولد دون أن يكون أمامه الكتاب، فهو يحفظه عن ظهر قلب، وهذا صوت عبد الوهاب الذي ورث الصوت الجميل من أبيه علي ومن أعمامه سليمان ومحمد الحسن.
أمّا عندما يقرأ مالك، بصوته الأجش، تغمرك محبة طاغية للحبيب المصطفى وتشعر أن الحضرة قد اكتملت وأن الملائكة قد اصطفّت وحفّتها لتستمع لمالك وهو يقرأ.

مالك، لا يفرّط في الأذان لكل الأوقات في كل أيّام السنة، لم يمنعه عن ذلك حتى صبحية عرسه، ولتلك قصّة أخرى. وبمثل حرصه على الأذان بصوته الأجش الغير مفهومة تماماً مخارج حروفه، كان حرصه أيضاً على تعلّم القرآن في خلوة "المليح" التي توقد نارها على أطراف البلدة، فتراه غادياً خميصاً لكلمات الله، و رايحاً بطيناً بما حفظ ممّا تيسّر.
رغم دروشته المحبّبة وعدم تلقّيه القسط الوافي من التعليم، لكنّه إستطاع في فترة قصيرة نسبيّاً حفظ جل أجزاء المصحف، وما زال يثابر.

لا يمكن أن تكتمل معالم القرية دون أثر مالك فيها، تراه وهو يمشي مكبّاً وفي خطوات قصيرة تضرب الأرض، كمن قد وطأ طرف جلابيته وهو يسير في خطوات متلاحقة حتى يبدو وكأنّه يقارب السقوط. لكنه لا يسقط أبداً ولا تندلق "بستلًة" اللبن التي يحملها ليواجب بها من جاء من سفر، أو نفساء أكرمها الله بنفس تزيد بها عدد سكّان القرية ويفاخر بها رسولنا الكريم الأمم يوم القيامة. 

عندما تقابله وتسأله "العرس كيف آ مالك؟" يضع البستلة ويضحك حتى يجلس على الأرض وتختفي منه الأعين. ضحك مالك غير ضحكنا جميعاً، فنحن نضحك من حنجرتنا والفم، لكن مالك يضحك من قلبه والرجلين؛ ويكون في ضحكته تلك، الإجابة على سؤالك الذي لا يعتبره برئياً. 

كثير من الناس يسألونه الفاتحة، وأنا منهم، لكنه لا يسخى للجميع وعنده تصنيفه الخاص ودرجات مختلفة للسائلين، وذلك يعتمد على صداقتك معه وسؤالك عنه والنفحات.
لو كان هناك مجال لذكر الكرامات، لذكرت لكم ما أعرفه عن بركاته، فالرجل أحسبه وغيري "الزول زول الله من الصلّاح" لكنّا في حضرة الخلاوي والصور الحيّة مثل:

إن نادي منادي الضيف
يا (الحسن السلام)
ثم يمضي
يطرق الأبواب نصف الليل أو في الفجر
يسأل عن طعامٍ للضيوف
صوت أمي توقد النار وتسأل (كمهم)
عجلي يا (بنتي) بالموجود
(حرف أو فطير أو حليب )
أيّ شيءٍ
انه الأجر الذي قد جاء من نعم الإله عليك
ليلا
فاشكريه

 (من قصيدة خلوة الحمتياب لعبد الله جعفر)



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2017, 04:24 PM   #[4]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

سلام يا قرقاش،

أدرجت صورة جبارة في متن الموضوع ( المداخلة الأولى).

مع تحياتي



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 07:35 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions, Inc.