الديمقراطية المستدامة
مقدمة: الحضارات الانسانية الكبرى: الفرعونية، والكلدانية، والسومرية، والبابلية، والاشورية، والفينيقية، والصينية، والفارسية، والهندية، واليونانية، والرومانية .. والاديان العالمية الكبرى: الهندوسية، والبوذية، والكنفوشية، واليهودية، والمسيحية .. هى التى عمرت ونورت الربع المعمور من العالم القديم واورثته قيمة الحضارية، وفلسفاته، واديانه، ونظمه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التى سادت لخمسة آلاف عاما حتى القرن السابع الميلادى. منذ القرن الميلادى حتى القرن السابع عشر أى لمدة الف عام هيمنت على العالم المعمور الحضارة الاسلامية العربية والاسلامية التركية والاسلامية الفارسية والاسلامية الهندية. منذ القرن التاسع عشر الميلادى حدثت فى الغرب ثلاث طفرات هامة هى: ثورة سياسية ادت الى بلورة الدولة القومية منذ 1684م. ثورة ثقافية حققت عصر النهضة الذى بلغ مداه فى القرن الثامن عشر. ثورة اقتصادية هى الثورة الصناعية بلغت مداها فى القرن التاسع عشر. هذه الثورات ادت الى تقويض المجتمع التقليدى القديم وادت الى حرية البحث العملى والتكنولوجى بصورة لم يعهد الانسان مثلها فى تاريخه. وادت الى قفزة نوعية فى قدرات الانسان الانتاجية، وقدراته فى الاتصال والمواصلات. وادت الى تطوير نظام سياسى حقق لاول مرة التداول السلمى للسلطة، واخضاع القوات المسلحة للقرار المدنى وكفالة حقوق الانسان وحرياته الاساسية. أى ادت الى قيام النظام الديمقراطى. العالم الغير غربى وقف فى الحال الحضارى والاجتماعى الذى كان سائدا فى العالم قبل الطفرات الثلاث التى شهدها الغرب فحقق بها الحضارة الغربية الحديثة. الحضارة الغربية الحديثة ابطلت مفاهيم ونظم العالم القديم فى الغرب نفسه وواجهت الاجزاء الاخرى من العالم وحضاراتها ونظمها الموروثة بمفاهيم ونظم وقدرات لا قبل لها بها فاخضعتها لها اخضاعا تاما عن طريق الاستعمار واقامت فيها الامبراطوريات الاوربية الحديثة: البريطانية، والفرنسية، والالمانية، والهولندية، والاسبانية، والبرتغالية. ونتيجة لتطورات معينة داخل الامبراطوريات، ونتيجة للصراع فيما بينها، ونتيجة للنزاع بين المستعمرين والشعوب المغلوبة، تراجعت الامبراطوريات لتخلفها الدول المستقلة الجديدة فى اسيا، وافريقيا، وامريكا اللاتينية، وجزر الهند الغربية. كانت اجراءات انتقال السلطة من الايدى الاستعمارية الى الايدى الوطنية فى الغالب سلمية. وكانت نظم الحكم الانتقالية ثم المستقلة فى الغالب مصممة قياسا على نظام الحكم فى الوطن الام أى ديمقراطية. القواعد الخمسة: الديمقراطية فى الغرب تنامت ثم نضجت عبر اكثر من قرن من الزمان. وسبقتها او تزامنت معها الثورات الثلاث: السياسية، والثقافية، والاقتصادية. لكنها فى التربة الاسيوية والافريقية غرست بصورة فوقية ودون ان تسبقها او تتزامن معها الثورات السياسية، والثقافية، والاقتصادية. هذه الحقيقة تفسر لنا الى حد كبير لماذا تعثرت الديمقراطية فى بلدان آسيا وافريقيا. القاعدة الاولى التى يجوز لنا استنتاجها هى: الديمقراطية فى الدول التى كانت مستعمرة نظام وافد وقد طبق دون ان تسبقه او تصحبه المقدمات السياسية، والثقافية، والاقتصادية كما كان الحال فى الغرب. مشاكل غرس الديمقراطية، صحبتها مشاكل تخلف الانتماء القومى وضعفه امام انتماءات طائفية، وقبلية، وجهوية فانعكس ذلك سلبا على استقرار الحكم. القاعدة الثانية: عدم استقرار الحكم فى ظروف الحرب الباردة التى تمددت آثارها فى كل مكان فى الفترة ما بين 48 – 1991 جعل بلدان العالم الثالث عرضة لتدخلات اجنبية من المعسكر الشرقى او الغربى. عثرات الديمقراطية، وعدم استقرار الحكم، والتدخلات الاجنبية ادت فى اكثرية بلدان العالم الثالث الى وقوع انقلابات عسكرية او مدنية غيرت نظم الحكم الديمقراطية الى نظم اوتقراطية ذات انتماء واضح لاحد طرفى الحرب الباردة.. هذه قاعدة ثانية. القاعدة الثالثة: ولكن بصرف النظر عن عوامل الحرب الباردة، فان هشاشة التكوين القومى للبلدان المعنية، ورخاوة مؤسسات الدولة الحديثة فيها، وتقاصر قدراتها الاقتصادية عن تلبية ضرورات الحياة، وهى من اعراض الاقدام على الديمقراطية قبل ان تسبقها المقدمات المذكورة سابقا، عوامل فاعلة فى تعرية النظم الديمقراطية واغراء البدائل الاتوقراطية لبسط سلطانها. دراسة تاريخ الانقلابات العسكرية او المدنية والنظم الاتوقراطية التى اقامتها فى آسيا، وافريقيا، وامريكا اللاتينية تفصح عن الحقائق الاتية: الانقلابات العسكرية والنظم الاوتقراطية التى تقيمها صالحة كوسائل احتجاج على قصور النظم الديمقراطية، وصالحة كوسائل للتعبير عن الاهداف الوطنية المنشودة، وصالحة للتعبير عن تطلعات النخب الفكرية والسياسية الحديثة. النظم الاوتقراطية صالحة فى اقامة شكل مستقر للحكم مدافع عن الاستقرار بوسائل حديثة مستمدة من احكام واجهزة الدولة البوليسية كما اتقنها فى اليمين موسيلينى وفى اليسار ستالين. اذا كنا ذكرنا ان الديمقراطية وافدة فان الاوتوقراطية ايضا وافدة وان اتفقت مع بعض النظم التقليدية فى نفي الرأى الاخر. سجلت الاوتوقراطية اخفاقا ملموسا فى اربعة مجالات هى: اخفاق فى مهمة البناء القوى للبلاد لانها تحاول القفز فوق الواقع تدفع الرأى الاخر والولاءات التقليدية الى استقطاب حاد يجعل الاختلافات عداوات. اخفاق فى بناء الدولة الحديثة لأنها تجعل مؤسسات الدولة كالخدمة المدنية، والقضاء وغيرها ادوات لسلطانها فتفرغها من محتواها الوظيفى وتحاول جعلها روافد لحزب السلطة. هنالك علاقة تلازم بين الديمبقراطية والتنمية فاغنى بلدان العالم ديمقراطية وافقر بلدان العالم اوتقراطية. وفى عام 1993 نشرت مجلة الايكونمست Economist دراسة احصت دول العالم ونظمها ومستواها التنموى واثبتت تلازما واضحا بين درجة الديمقراطية والمستوى التنموى. هذا التلازم منطقى لان من شروط التنمية احترام قوانين الاقتصاد واقامة العلاقات الاقتصادية مع العالم على اسس موضوعية. هذا الشرطان تهدمهما الاوتقراطية وتكفلهما الديمكقراطية. الاوتقراطية تهزم نفسها لانها تنطلق من استخدام القوات المسلحة اداة للسلطة. والقوات المسلحة كفاءتها فى انضباطها وتدريبها فاذا اقحمت فى مجال السياسة فرطت فى ذلك وترهلت مثلما حدث للمشير عبد الحكيم عامر 1967، وجيش كولونيلات اليونان 1980، وجيش الارجنتين 1981، وجيش عمر البشير الان. الاوتقراطية تقوم على الكفاءة العسكرية ولكنها حتما تستنزفها. القاعدة الرابعة: مهما كان اخفاق التجارب الديمقراطية، فان التجارب الاوتقراطية اكثر اخفاقا وهى الى ذلك اكثر خطورة لسببين هما: زيادة حدة المشاكل الوطنية وتحويل الاختلاف حولها الى عداوات وفتح الباب لتمزيق الوطن. ابطال الضبط والربط فى القوات المسلحة يودى بكفاءتها ويبطل دورها الاساسى كصمام امان لوحدة الوطن وسيادته. القاعدة الخامسة: اعداء الديمقراطية فى اوربا ركزوا على سلبياتها داعين لبدائل يمينية ويسارية لها .. قال خرتشوف: التاريخ معنا وسوف ندفنكم! لكن الديمقراطية اثبتت انها مع سلبياتها قادرة على هزيمة النازية فى الحرب الساخنة وهزيمة الشيوعية فى الحرب الباردة. قال تشرشل: الديمقراطية اسوا نظام اذا استثنينا النظم الاخرى (أى انها الافضل اذا قورنت بغيرها). لقد ركز اعداء الديمقراطية فى العالم الثالث من دكتاتوريين، واوتقراطين، وشمولين، ومستبدين، وجلادين، على اخفاقاتها لكى يفسحوا المجال لنظمهم البديلة. ولكن الاستقراء التاريخى يثبت ان نظمهم اكثر اخفاقا وخطرا على مصالح الشعوب والاوطان. عتبت على سلم فلما هجرته وجربت اقواما بكيت على سلم! البندول الحزين إن الفرق الأوضح بين الديمقراطية والديكتاتورية في كون الأولى نظام يقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ويسمح لجميع الآراء أن تعبر عن نفسها، وللشعب أن يختار من يحكمه. بينما الثانية تقيم نظاما يصادر تلك الحريات والحقوق ويستند على الدولة البوليسية، ليدعم اسمتراريته في الحكم ويحمي نفسه من الرأي الآخر. في هذا الصدد لا يختلف اثنان أن الديمقراطية أفضل من الديكتاتورية. ولكن، وفي بقية الأوجه نشأ جدل بين النخب المثقفة حول النظام الأفضل للحكم في بلداننا، وشاعت عند العديدين مقولة: المستبد العادل، الذي يستطيع أن يتجاوز فوضى الديمقراطية، ويقيم بالقوة النظام الذي يحقق الإنجاز الوطني في جميع المجالات التنموية والتأصيلية وغيرها. الدكتاتوريات السودانية تحاول إلقاء اللوم على الديمقراطيات السودانية. الحقيقة هي أن عمر الديمقراطيات اقل من عشر سنوات منذ الاستقلال بينما عمر الدكتاتوريات اكثر من ثلاثين سنة، ويمكن تقديم البرهان أن تخريب السودان من صنع الدكتاتورية الثانية والثالثة عبر حكمهما الذي زاد عن ربع قرن. لقد أوضحت في كتابي "الديمقراطية في السودان راجحة وعائدة" أن النظم الاوتقراطية الثلاثة تردت من الأقل سوءا إلى الأسوأ. بينما تدرجت النظم الديمقراطية الثلاثة من الحسن إلى الأحسن. وأوضحت أننا إذا أخذنا الأداء في مجالات: التأصيل التشريعي، والسلام، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية مقياسا فإن أداء الديمقراطيات كان متفوقا.2 عدد كبير من البلدان الافريقية شهد تأرجحا حزينا بين نظام ديمقراطى لبرالى يستمر لفترة من الزمان ثم تنقلب عليه القوات المسلحة فتحكم لفترة اطول ثم يطاح ليعقبها نظام ديمقراطى وهكذا دواليك. هكذا كان الحال فى اكبر بلدين فى افريقيا من حيث عدد السكان نيجيريا ومن حيث مساحة الارض السودان. لقد تعاقب على البلدين ستة نظم حكم ثلاثتها مدنية والاخرى عسكرية. الدرس المستفاد من التاريخ السياسى لهذين البلدين هو ان النظم الديمقراطية وان تفاوتت فى ادائها تجد نفسها محاصرة بهشاشة التكوين القومى، وضعف مؤسسات الدولة الحديثة، وتعاظم المطالب الاقتصادية، وتجد ايديها مغلولة بقيود دستورية وقانونية فيضعف اداؤها ويعصف بها الانقلابيون. النظم الاوتقراطية تستطيع فور استيلائها على السلطة كسر القيود الدستورية والقانونية واسكات الاصوات الاخرى واقامة دولة بوليسية. ولكن هذا الاستقرار الظاهرى لا يحل القضايا الوطنية بل يزيدها تأزما. الاخفاقات والقهر يولدان انفجارا يطيح بالنظام عاجلا او اجلا. النظم الاوتقراطية تحقق الاستقرار الظاهرى بثمن باهظ جدا لانها تفتح جبهة قتالية مع شعبها على حد تعبير امين هويدى. هذا الاستقرار الظاهرى الباهظ الثمن يتربع فوق بركان يعصف به وان طال الامد كما حدث لنظام جعفر نميرى ونظام سياد برى. ويقام النظام الديمقراطى على انقاض العهد المباد. هذه الظاهرة البندولية صحبت نظم الحكم فى كثير من البلدان الافريقية وتصورها تجربتا السودان ونيجيريا اصدق تصوير. الظاهرة البندولية واكبت الحرب الباردة واستمرت حتى يومنا هذا ففى النيجر، وقامبيا، وسيراليون انقلب القوات المسلحة على حكومات منتخبة فى الاعوام: 1992، 1995، 1997. السودان من اغنى واعمق البلدان العربية والافريقية تجارب فى التعامل مع الديمقراطية والاوتقراطية، ومع مغامرات اليسار واليمين، ومع الحرب الاهلية، ومع مقاومة الاستبداد. هذه التجارب الحلوة والمرة تجعل السودان من اكثر البلدان خبرة ذميمة فى اقامة الدولة البوليسية والمحافظة عليها وحميدة فى اقامة الديمقراطية والمحافظة عليها. نعم الديمقراطية هي النظام الذي يوفر احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة، ونعم هي النظام الأفضل في كل ملفات الإنجاز الوطني، ولكن الديمقراطية في بلداننا تحمل بذور فنائها في جبتها وتتسبب في الظاهرة البندولية الحزينة. نعرض هنا لمشاكل الديمقراطية ومعوقات الأداء الديمقراطي، ثم نخلص إلى المعادلة الحل: الديمقراطية المستدامة بصفتها دواء دائنا المزمن: عدم الاستقرار السياسي ، فالتجارب السودانية تؤهل شعب السودان لفك هذه الطلاسم واكتشاف معادلة تحقق الديمقراطية وتحافظ عليها وتوقف هذا البندول الحزين. الأحزاب والصفوة في السودان الحزب السياسي هو آلة الديمقراطية التي تتم عن طريقها المشاركة الفكرية، والسياسية، والمنافسة بين الاختيارات المطروحة، وتدريب الكوادر السياسية، وتصعيد القيادات، والتنافس بينها أمام القواعد الحزبية وأمام الرأي العام. هذا هو التصور النظري الذي قلما يطابق الواقع الفعلي. إن هذه الفجوة بين النظرية والواقع أتاحت المجال لمفكرين ومنظرين يمقتون الأحزاب والحزبية وينادون بديمقراطية لا حزبية. من أهم نقاط الضعف في الديمقراطية السودانية وجود جزء من الصفوة الفكرية والثقافية السودانية ذات الموقف السلبي من الحزبية والديمقراطية القائمة عليها. هذا الموقف السلبي مهما كانت مبرراته يشكل معينا ثرا للمتآمرين على الديمقراطية من انقلابيين وشموليين وأوصياء. ما هي أسباب هذه السلبيات ؟ كثير من حملة الشهادات والمؤهلات الأكاديمية والمهنية في العالم الثالث يشعرون بنوع من التعالي نحو المجتمع المحيط بهم. انه تعال يظهر أحيانا في تعاملهم مع أسرهم الخاصة خصوصا إذا كانت تلك الأسر ريفية أو بدوية أو من الشرائح الحضرية الأمية. الأحزاب السودانية ذات الوزن الشعبي مرآة للواقع الاجتماعي السوداني بولاءاته الدينية، والقبلية، الجهوية. لا غرو أن يشعر كثير من أفراد الصفوة المثقفة بالتعالي على هذه الأحزاب. هؤلاء يشعرون بأنهم أكثر أهلية للقيادة السياسية أي طموح وصايا لا يمر عبر الواقع الاجتماعي الماثل. العسكريون لا سيما حملة البراءة Commission عرضة لمثل تلك المشاعر. ولكن عددا كبيرا من هؤلاء يستخفون بكل ما هو مدني استخفاف هو جزء من التباهي بالعسكرية الذي يقابله انتقاص الآخرين من شأنها الصفوية، والتباهي بالعسكرية، يصحبهما إحساس بالقوة تورثه علوية الأمر المطاع وحماسية النيران التي يستطيع توجيهها الضباط لتطويع الإرادة المضادة. هذه العوامل تخلق وهما لدى كثير من العسكريين أن حل المشاكل متوقف على إصدار الأوامر. هذا المزاج العسكري يوهم أصحابه أن الخلاص بيدهم وتطويع الكم المدني المجبول أصلا على الجدل الفارغ والاسترخاء. الأحزاب العقائدية اليسارية، أو اليمينية، أو القومية تنتمي أصلا لحركات تستمد من تراث اللينينية أو الموسولينية أو الناصرية أو البعثية وهي وان اختلفت في أطروحاتها واحتربت فيما بينها تتفق في التعامل الجراحي مع الواقع الاجتماعي. لذلك لم يكن مستغربا أن يكون اتجاه الأحزاب العقائدية السودانية وهي تستمد كوادرها وقواعدها من القوى الحديثة وأفكارها من الأيديولوجيات المذكورة أن تهجم على الواقع الاجتماعي لاستنهاضه ببرامجها الثورية وأن تتعامل مع الأحزاب السياسية ذات الوزن الشعبي كعقبات في طريق الإصلاح المنشود وأن تستبطئ الطريق الانتخابي للسلطة السياسية التي سوف تمكنها من تطبيق برامجها التي سوف تفعل فعل السحر في إعادة صياغة الإنسان السوداني!! المطلوب هو اختصار الطريق للسلطة السياسية بوسائل ثورية سواء كانت تلك الوسائل انقلابية مدنية باستغلال النقابات والصحف أو انقلابات عسكرية باستغلال الضباط. الحسب الاجتماعي والسياسي في السودان تمحور حول القبيلة والكيان العشائري، والطريقة أو الكيان الديني. هذه الكيانات ترسخت في المجتمع السوداني منذ سلطنات الفونج، الفور، وتقلي، والمسبعات،وغيرها واستمرت عبر العهود التي حكمت السودان حتى أن الإمام المهدي أشار لأصحاب الجاه الموروث هؤلاء بأبناء المراتب. وفي عهد الحكم البريطاني المسمى الحكم الثنائي - وهي ثنائية في الشكل أحادية في الحقيقة- زاد نفوذ الكيانات الدينية عبر مؤسسة السادة الثلاثة*. وازداد نفوذ الكيانات القبلية عن طريق قانون الإدارة الأهلية الذي قنن واقعا موروثا وطوره مما خلق ولاء للأسر صاحبة الزعامة. وكرست آلية التوارث استمرار الولاء للزعامات الدينية والقبلية. هؤلاء الزعماء صاروا بمثابة أعيان البلد بحق التوارث والوراثة وهم يعتقدون أنهم أسياد البلد سيادة يقرها لهم كثيرون من أبناء الطائفة أو القبيلة. لقد اعترف لهم الحكم البريطاني بمكانة وجعلهم محل مشورته. وعندما انفتح الخريجون على العمل السياسي فانهم تحالفوا معهم لتكوين الأحزاب، وحتى النظم التي أعلنت معاداتها لمكانتهم السياسية والاجتماعية عادت لاسترضائهم إن قبلوا التعاون معها. هذه الحقائق خلقت لدى بعض هؤلاء شعور بوصاية مستحقة على البلاد. حركة 1924 استمدت قيادتها وتأييدها من القوى الاجتماعية الحديثة التي أفرزها الحكم الثنائي بعد المهدية. استطاع الحكم الاستعماري ضربها وعزلها بسهولة. حركة الخريجين في بدايتها كانت حركة ثقافية اجتماعية. وربما توهم بعض رجال حكومة السودان الاستعمارية استخدامها لموازنة نفوذ بعض القادة الدينين – الإمام عبد الرحمن – لشعورهم أن طموحه صار أكبر من المجال المتاح له في تقديراتهم. ونتيجة لعوامل عدة أهمها الحرب العالمية الثانية ( 1939 – 1945) تعاظم وعي الخريجين السياسي. واستشعارهم لواجباتهم الوطنية. لذلك قرر مؤتمر الخريجين العام تخطى الحدود المعهودة وتقديم مذكرته السياسية التاريخية في عام 1942. اقتحام مجال السياسة، واختلاف الخريجين حول مصير البلاد هما السببان اللذان أديا لانفتاح متبادل بين الخريجين والكيانات الدينية ذات الوزن الشعبي، هذا الانفتاح أدى لتحالف بين طرفيه تكونت على أساسه الأحزاب السياسية السودانية ذات الوزن الشعبي. الصراع بين أصحاب الوصايات والاعتبارات المفصلة هنا من شأنه أن يحرم البلاد الاستقرار السياسي ويخلق أزمة حكم في البلاد تؤرق الديمقراطية والدكتاتورية ما لم يحدث أحد أمرين : هيمنة حاسمة لإحدى الوصايات فتقيم الحكم بأمرها. التراضي على وسيلة ترجيح تحتكم للشعب في آلية ديمقراطية تقيم الحكم وتحدد كيفية مساءلة الحكام وكيفية التناوب على الحكم. إن أزمة الحكم في السودان منذ الاستقلال نتيجة مباشرة لإخفاق إحدى الوصايات في حسم الأمر لصالحها وتأمين سلطانها الدكتاتوري. وإخفاق الجسم السياسي السوداني في اتخاذ أساس ديمقراطي للشرعية تقبله كافة الأطراف. معوقات الأداء الديمقراطي دعايات النظم الدكتاتورية في السودان شوهت سمعة الأحزاب السياسية ذات الوزن الشعبي بأكثر مما يقتضيه النقد الموضوعي لأنها تصورت أن نسف الأحزاب سوف يفتح لها الطريق لفرض وصايتها. 1. أول وسائل التشويه : الحديث عن الأحزاب كأنها شئ واحد. * الأحزاب الشعبية سيما الأمة والاتحادي الديمقراطي هي التي تعاملت بأسلوب ناجح مع دولتي الحكم الثنائي. واستطاعت بمواقف حازمة ومناورات ذكية أن تقود البلاد إلى الحكم الذاتي، والحكم الانتقالي، والجلاء، والسودنة، والاستقلال المبرأ من الشوائب. وهي التي التزمت بإجراء انتخابات عامة ومحلية نزيهة ووضعت الانتخابات في أيد مستقلة من توجيه السلطة التنفيذية. وهي التي التزمت باحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. والتزمت بحياد الخدمة المدنية، وبقومية القوات المسلحة، وبقوانين مؤسسات التعليم، وباستقلال القضاء، وباحترام مؤسسات الدولة الحديثة، وبدولة الرعاية الاجتماعية في السودان. والتزمت بمقاومة الحكومات الاتوقراطية وامتنعت عن التآمر ضد النظام الديمقراطي. نعم هناك شبهات : شبهة دور حزب الأمة في انقلاب 17 نوفمبر 1958. كان حزب الأمة يعاني من انقسام حاد عام 1958 بين تيار يقوده أمين عام الحزب ويرى أن مصلحة البلاد تقتضي أن يستمر الحزب مؤتلفا مع حزب الشعب الديمقراطي. وتيار أخر يقوده رئيس الحزب يرى عكس ذلك وأن مصلحة البلاد والحزب توجب الائتلاف مع الحزب الوطني الاتحادي. وكان الاختلاف حول الموضوع حادا لدرجة جمع توقيعات نواب الحزب في البرلمان لتأييد هذا التيار أو ذاك. وجاءت معلومات لأمين عام الحزب وهو في الوقت نفسه رئيس الوزراء أن الحزب الوطني الاتحادي مجتهد للوصول للحكم سواء كان ذلك عن طريق الائتلاف مع حزب الأمة أو التآمر لذلك قرر تسليم الحكم لقيادة القوات المسلحة واتفق معها على أن يكون الإجراء مؤقتا ريثما يزول الخطر الذي تصوره. التيار الآخر في الحزب وهو الأقوى اعتبر الانقلاب موجها ضده لذلك أعلن رئيس حزب الأمة بطلان الانقلاب وأعتبر أن تأييد راعي الحزب للانقلاب مبني على سوء فهم. وسرعان ما اكتشف راعي الحزب وأمين عام الحزب أن الفكرة من أساسها كانت خاطئة وتضامن أمين عام الحزب مع مقدمي المذكرة الشهيرة من ساسة البلاد. كان الانقلاب على حزب الأمة مثلما كان على القوى السياسية الأخرى. شبهة دور الاتحادي الديمقراطي في تأييد نظام الفريق إبراهيم عبود بعد قيامه، ثم تأييد نظام جعفر نميري. نعم أيدت شريحة من الاتحادي الديمقراطي ذينك النظامين ولكن شريحة أخرى من الحزب ساهمت بحماسة في معارضة النظامين وشاركت في إسقاطهما. 2. الحديث عن الحزبين الكبيرين كأنهما توأمان ليس صحيحا. لقد تعرضا لانقسامات لأسباب مختلفة واتخذا خطين مختلفين نحو التطوير والتحديث. ينبغي إخضاع كافة أحزاب السودان لدراسة فاحصة لمعرفة الإيجابيات ودعمها ومعرفة السلبيات واستئصالها. 3. بصرف النظر عن ما للحزبين الكبيرين وما عليهما فإن ثمة عوامل في النظام الديمقراطي الليبرالي خلقت في ظروف السودان أزمة سلطة فأعاقت الديمقراطية. أولا : التركيبة الفعلية للمجتمع السوداني حالت دون حصول أحد الأحزاب على أغلبية مطلقة تفضي إلى قيادة تنفيذية قوية. اللهم إلا في العام الأول لحكومة الرئيس إسماعيل الأزهري الأولى 1954 – 1955. نتيجة لذلك صارت حكومات السودان الائتلافية تعاني من معارضة داخلية قوية تكاد تشل حركتها وظهر هذا الشلل في عدد من الحالات : اقتضت ضرورات الائتلاف أن يكون رئيس الحزب الأكثر نوابا رئيس الوزراء. وأن يكون رئيس الحزب الآخر أو ( ممثله) رئيس مجلس السيادة والمجلس نفسه حسب مقتضيات الديمقراطية المعيارية يملك ولا حكم. ولكن في الواقع كان الرئيس المعني ممثلا لقمة حزب سياسي مؤتلف وذا نصيب في السلطة التنفيذية فصار يباشر مهاما تنفيذية فخلق ذلك ثنائية بين مجلس السادة ومجلس الوزراء انعكست سلبا على قيادة البلاد التنفيذية. اختلف الحزبان المؤتلفان حول جهاز أمن السودان مما عرقل قيام الجهاز لمدة عامين عاشتهما البلاد مكشوفة أمنيا. الخلاف حول جهاز أمن السودان بعضه مبدئي لأن بعض الساسة وانطلاقا من مثاليات ليبرالية رأوا عدم الحاجة لجهاز أمن خاص خارج نطاق الشرطة العادية وهو الرأي الذي ساد منذ الحكومة الانتقالية التي حلت جهاز الأمن القومي وامتنعت عن تكوين جهاز بديل. ثم تركز الخلاف حول تبعية الجهاز لحساسيته وللنفوذ الذي يتيحه لمن يتبع له. المجلس العسكري الانتقالي ( 1985 – 1986) عدل قانون القوات المسلحة الموروث من عهد جعفر نميري بقانون جعل القوات المسلحة أشبه ما تكون بجهاز مستقل عن السلطة التنفيذية في البلاد وحجم وزير الدفاع ليصبح مجرد حلقة وصل بين قيادة القوات المسلحة ووزارة المالية. هذا القانون همّش السلطة التنفيذية في البلاد وأبعد القوات المسلحة من أي رقابة سياسية مما فتح المجال واسعا للتآمر السياسي داخلها. لقد شعرت الحكومة الائتلافية الديمقراطية بهذا الخلل وخططت لتعدله ولكن التنافس بين الحزبين حال دون الإسراع بسد هذه الثغرة. حصلت الجبهة الإسلامية على إمكانات مادية واسعة من جماعات وأفراد خليجيين … واستخدمت إمكاناتها في إقامة إعلام صحافي قوي يملك ست صحف ويتخذ نهجا واضحا لاستنزاف الديمقراطية عن طريق الإثارة والمبالغة والإشاعة والنكتة والأكاذيب.القانون العادي كان عاجزا تماما عن احتواء هذا الافتراء. وكل من لجأ إليه للإنصاف لم يجد ضالته. بل كان القانون العادي يشكل حماية لهذا الافتراء مما جعل القضاة يأمرون بإعادة إصدار صحف أوقفتها الحكومة إداريا لمبالغتها في الكذب والإثارة . ههنا وقع اختلاف بين طرفي الائتلاف حول إصدار قانون يعطي صلاحيات خاصة لضبط الصحافة لأن فريقا قال هذا يتناقض مع حرية الصحافة لذلك تعثر إصدار قانون للصحافة ينظم حريتها ويحول دون استغلالها. ثانيا : حرية التنظيم هي إحدى الحريات الأساسية. وأثناء الفترة الانتقالية ( 1985 – 1986) رأينا أن يتولى الحكم التجمع النقابي لتنصرف الأحزاب لتنظيم شئونها والاستعداد للانتخابات العامة. لكن في الفترة الانتقالية وأثناء حكم التجمع النقابي خضع ممثلو التجمع في الحكومة لضغط قاعدي أدى لسن قوانين نقابية منحت النقابات نفوذا كبيرا. وفتحت باب استغلال للتسلق السياسي. وفجرت بينها مباريات مطلبيه بلا حدود. كان المتوقع أن تلتزم الفترة الانتقالية بميثاق الانتفاضة وخلاصته : تصفية آثار نظام مايو، وإصدار قانون القصاص الشعبي لمعاقبة السدنة، وإلغاء قوانين سبتمبر 1983، وإنهاء الحرب الأهلية باتفاقية سلام عادل، كان المتوقع أن تلتزم الحكومة الانتقالية بهذا الميثاق وتدير البلاد لعام ثم تجرى انتخابات عامة حرة. الحكومة الانتقالية قامت ببعض إجراءات تصفية آثار النظام المايوي ولكن فيما عدا ذلك عزفت عن استخدام شرعيتها الثورية لتنفيذ باقي بنود الميثاق الوطني كما ينبغي، عزفت عن إصدار قانون القصاص الشعبي وقدمت سدنة النظام المايوي للمحاكمة حسب القانون العادي، وعزفت عن إلغاء قوانين سبتمبر 1983. ولم تجد من القوات المسلحة تجاوبا يؤدي لإنهاء الحرب بل اعتبرت المقاومة المسلحة الحكم الانتقالي امتدادا لمايو. لقد التزمت السلطة الانتقالية بإجراء الانتخابات العامة الحرة في موعدها. ولكنها تركت للحكومة المنتخبة ورثة مثقلة بتمدد نقابي أو سلطان نقابي ( Trade Union power) وتسابق مطلبي حاصرا الحكومة المنتخبة. ثالثا استقلال القضاء أحد أركان الديمقراطية ولكي يحافظ القضاء على استقلاله فإن عليه أن يراعي توازنات في التعامل مع المناطق الرمادية ما بينه وبين السلطة التنفيذية وما بينه وبين السلطة التشريعية. لأن عدم مراعاة هذه التوازنات يجر القضاء إلى مواقف تقوض النظام الديمقراطي نفسه. القضاة أنفسهم من حيث الكفاءة والسلوك ينبغي أن يكونوا أهلا للاستقلال فلا يستغلون سلطاتهم هذه أبدا لأغراض شخصية أو حزبية. هذه الشروط لم تتوافر للقضاء في ظل الديمقراطية الثالثة وتصرف عدد من القضاة بصورة حزبية. كما أن قانون الهيئة القضائية الذي وضعته لنفسها في فترة التيه الانتقالي جعل الهيئة القضائية فوق السلطة التنفيذية من حيث حرمان وزير المالية أن يكون عضوا في مجلس القضاء العالي للمشاركة في تقديرات ميزانية الهيئة القضائية. بل صار الوضع القانوني هو أن يقرر مجلس القضاء العالي دون مراعاة لأية إمكانيات مالية ميزانيته وما على الحكومة إلا التنفيذ. هذا الوضع جعل الهيئة القضائية بعيدة عن أي ضوابط تفرضها الإمكانات المالية. كما أن كادر القضاء الذي يقرره المجلس صار حافزا لفئات أخرى من الحقوقيين في ديوان النائب العام للمطالبة بتطبيق تلقائي لامتيازات القضاء عليهم وإلا أضربوا. وجاءت مطالبة نقابة الأطباء التي رأت أن تكون على قمة الكادر الحكومي لأن الأطباء هم الأكثر امتيازا وأطول تأهيلا. وقال المهندسون أنهم عصب التنمية في البلاد مما يؤهلهم لصدارة الكادر الحكومي. وقال الأساتذة انهم هم أولى بالصدارة لأنهم علموا الجميع.ينبغي أن يراعى استقلال القضاء توازنات تحكم المناطق الرمادية بين السلطات، وتراعي مؤهلات خاصة للقضاة , وتراعي مسئولية السلطة التنفيذية عن المال العام. وإلا استنزف استقلال القضاء بصورته المعيارية الديمقراطية نفسها. رابعا : أخيرا وليس آخرا يمكن أن نقول إن أهم عامل ساهم في عدم استقرار الحكم في السودان هو الحرب الأهلية التي اندلعت منذ 1963. الحرب الأهلية ما بين ( 1963 – 1983) كانت حربا محدودة للغاية وتخللتها أعوام من السلام ( 1972 – 1983) في تلك الحرب كان عدد قوات أنانيا الأولى لا يزيد عن ثلاثة آلاف. ولم تجد دعما من دولة أجنبية. ولم تستطع في أية مرحلة من مراحل الحرب أن فاستولى على حامية أو مدينة داخل جنوب السودان. وكان الشرطة والإداريون وسائر كوادر الخدمة المدنية غالبا من الشماليين المنحازين تماما للمجهود الحربي الذي تقوم به القوات المسلحة. هذا كله تغير تماما في الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1983 بقيادة الجيش الشعبي لتحرير السودان. الجيش الشعبي وجد من البداية دعما خارجيا وأيده حلف عدن المكون لتوه من اليمن الجنوبية وليبيا وأثيوبيا تحت مظلة الاتحاد السوفيتي. وحجم قواته بلغ بسرعة عشرة أضعاف قوات أنانيا الأولى. واحتل بسرعة مواقع وحاميات في الجنوب. هذا الموقف العسكري والسياسي والدبلوماسي شكل تحديا خطيرا لنظام مايو وساهم مساهمة كبيرة في إسقاطه. كان المتوقع حسبما جاء في ميثاق الانتفاضة أن الحرب الأهلية سوف تنتهي بموجب اتفاقية سلام عادل تبرم أثناء الفترة الانتقالية. هذا التوقع استحال تحقيقه لعدة أسباب ونتيجة لذلك ورث النظام الديمقراطي حربا أهلية أخطر عشرات المرات من الحرب الأهلية التي عاشتها الديمقراطية الثانية ( 1965 – 1969). كان الموقف الصحيح للديمقراطية العائدة في أبريل 1986 هو التوصل الفوري لاتفاقية سلام أو تعليق الحريات الأساسية لحكم البلاد بقانون الطوارئ حتى نهاية الحرب وإقامة السلام. لكن في عام 1986 وبعد ظهور نتائج الانتخابات العامة مباشرة راهن ثاني وثالث أكبر حزبين في البلاد على رفض إعلان كوكادام الصادر في مارس 1986 كأساس للسلام. اتفق الحزبان المذكوران على الآتي : لا لإلغاء قوانين سبتمبر. لا لإعلان كوكادام، لا لقانون القصاص الشعبي، واتفق الحزبان أن يدخلا الحكومة معا أو يقفا في المعارضة معا. هذا الاتفاق قفل الطريق أمام اتفاقية سلام تقوم على إعلان كوكادام وتجيزها الجمعية التأسيسية. وكانت البلاد حديثة عهد بحكم قهري وتتطلع لممارسة الحريات الأساسية بصورة مبالغ فيها، لذلك لم يكن ورادا تعليق بعض الحريات الأساسية ريثما يتحقق السلام. ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء |
أقلمة الديمقراطية
البلاد الديمقراطية العريقة كلها اضطرت إلى إدخال عوامل ثقافية واجتماعية في ممارساتها ومؤسساتها الديمقراطية، عوامل أقلمة ثقافية واجتماعية لممارسات ومؤسسات الديمقراطية، ففي بريطانيا – مثلا – لعبت الكنيسة الانجليكانية دورا في حماية هوية الدولة من الهيمنة الكاثوليكية، لذلك الحق الكيان الكنسي بالدولة وتطورت الديمقراطية البريطانية مستصحبة تلك الحقيقة، وفي أمريكا أدى اتساع الإقليم والتنوع البشرى والجغرافي والكسبي إلى درجة عالية من اللامركزية جسدها النظام الفدرالي. إن تعدد الولايات وتنوعها واتجاه صلاحياتها الولائية نحو النفور من المركز أدى إلى ضرورة تقوية السلطة التنفيذية وحمياتها من عوامل التعرية والتقلب. البلاد حديثة العهد بالديمقراطية لم تراع هذه الحقائق واتجهت لنقل الديمقراطية حرفيا من النظم الغربية. لكن الغرب وطن الديمقراطية الذي طور نظرياتها والتزم بمبادئها أقلمها لتلائم ظروف الواقع. العلمانية الغربية فلسفة تفصل الدين من الدولة. هذا الفصل النظري نجده عمليا مؤقلما في الواقع. ففي بريطانيا يوجد فصل بين الدين والدولة دون أن يمنع ذلك أن تكون الملكة رأس الدولة والكنيسة في آن واحد. ودون أن يمنع ذلك مجلس اللوردات وهو مجلس له دور تشريعي وقضائي أن يكون ثلث أعضائه من رجالات الكنيسة بحكم مناصبهم. كل دول أوروبا وهي تفصل بين الدين والدولة ترسم الصليب على أعلامها. وفي كثير من دول أوربا تسمى الأحزاب ذات الوزن الشعبي نفسها ديمقراطية مسيحية. وحتى في أمريكا حيث الفصل بين الدولة أكبر صرامة يفسح الواقع مساحات للتعبير الديني في المجال السياسي ابتداء من النص في العملة الوطنية – الدولار – " على الله توكلنا " إلى إجراء القسم على الكتاب المقدس لرجالات الدولة وفي المحاكم إلى العلاقات الوثيقة بين الجماعات الدينية والأحزاب السياسية، إلى اللوبي الديني في البيت الأبيض والكونغرس. الفصل بين السلطات هو أحد أركان الديمقراطية. ولكن إذا تأملنا السلطات وهي التنفيذية، التشريعية، والقضائية والإعلامية، لوجدنا أن هناك مناطق رمادية وعوامل تداخل تحول دون أن تمارس هذه السلطات اختصاصاتها كأنما كل في فلك يسبحون بل تقوم في الواقع توازنات تجعل كافة مؤسسات الدولة الديمقراطية تعمل في انسجام. تلتزم البلدان الديمقراطية بسيادة القانون وبالحريات الأساسية، ولكنها في الواقع تقيم أجهزة أمن واستخبارات عالية الكفاءة وربما تجاوزت سيادة القانون وبعض الحريات الأساسية لكي تحمي النظام الديمقراطي من أعدائه في الداخل والخارج. إن كفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية مع الضوابط المذكورة قائمة في البلدان الديمقراطية. لكن إذا تعرض الوطن إلى خطر في ظروف الحرب أو الثورة فإنها تتخذ إجراءات استثنائية وتعلق بعض الحريات الأساسية لفترة معينة. المبادئ النظرية الواضحة في المثل العليا هي التي أسميها الديمقراطية المعيارية أو قل النمطية. هذه الديمقراطية المعيارية موجودة في الكتب والمراجع وقد تأثر بها بعض مفكرينا وساستنا لذلك جعلوها لهم مرجعية وباسمها حرصوا على ديمقراطية بعيدة عن الواقع بحيث لا تستطيع البقاء والدفاع عن نفسها. الديمقراطية المعيارية كمفاهيم مجردة ضرورية للفهم والدراسة والتحليل ولكنها كما تضعها النظريات لا توجد في الواقع. في كل وجوه الحياة هالك فروق بين الثقافة المثالية Ideal Culture والثقافة الممارسة Real Culture. انه فرق يمنع إلغاء أحدهما ولا يجوز للذين يتناولون الأمور بجدية أن يغفلوه. هناك عوامل في الواقع الحضاري والاجتماعي ينبغي للديمقراطية أن تستصحبها لكي تحافظ على نفسها. هذه الحقيقة ينطلق منها أعداء الديمقراطية من دكتاتوريين، وشموليين، وطغاة ويطلقون على أنظمتهم وممارساتهم عبارة ديمقراطية، لذلك سمى ستالين دستوره في عام 1936 ديمقراطيا. وسمى نظام مايو 1969 دولته جمهورية السودان الديمقراطية. هذا تزييف الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا. قال تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم). لقد لاحظ بعض المفكرين مشاكل الديمقراطية المعيارية في العالم الثالث ولاحظوا كيف تؤدي الديمقراطية المعيارية هذه حتما إلى الضعف ممهدة للانقضاض عليها. لذلك اقترح الأستاذ على مزروعي بعض الخيارات : اقترح إقامة نطام حكم رئاسي يشترط أن يكون المرشحون للانتخاب فيه لا حزبيين. على أن يكون البرلمان منتخبا على أساس تنافس حزبي. واقترح نظاما آخر سماه الدايارشية Diarchy وهو يوفق بين رئاسة مدنية منتخبة ودور مشارك للقوات المسلحة. وقال إن الديمقراطية المعيارية تؤدي حتما لضعف فانقلاب. والانقلاب يؤدي حتما لاستبداد فانفجار، ولا بد من حل وسط يحقق الاستقرار في البلدان الأفريقية ويتطور إلى أحسن مع الأيام. هذه الآراء تشبه ما يحدث في كثير من البلدان التي أدخلت على حياتها السياسية ممارسات ديمقراطية محدودة، ممارسات يمكن أن نسميها الديمقراطية النسبية. هنالك اليوم ديمقراطية نسبية في عدد من البلدان. فالنظام الذي أقامته ثورة 1952 في مصر أدخل على نفسه تعديلات ديمقراطية. كذلك فعل النظام الذي أقامته ثورة 1962 في اليمن. هنالك نظم ملكية حققت استقلال بلدانها وأقامت الدولة فيها وأدخلت على نظامها الملكي تعديلات ديمقراطية كالمملكة المغربية، والمملكة الأردنية الهاشمية، ودولة الكويت. هذه الدول في الطريق لإقامة ملكية دستورية. هناك محاولات يقوم بها نظام الإنقاذ في السودان في اتجاه هذه الديمقراطية النسبية ولكن مع الفارق. الدول المذكورة هنا بدأت من شرعية ثورة أو نظام ملكي لتتطور نحو الديمقراطية النسبية. ثورة مصر حققت شرعيتها بإنهاء نظام ملكي فاسد وإجلاء الوجود الأجنبي من أرض مصر. ثورة اليمن حققت شرعيتها بإنهاء نظام إمامي منكفئ وتوحيد اليمن. النظام الملكي المغربي حقق استقلال البلاد وأسس الدولة فيها.كذلك النظام الملكي في الأردن، وكذلك النظام الأميري الكويتي، هذه الدول اكتسبت شرعيتها من إنجازات تاريخية حقيقية. هذه النظم الملكية والجمهورية التي أدخلت إصلاحات بحيث استحقت أن توصف بالديمقراطية النسبية انطلقت من نظم لها شرعيتها وهي كلها متحركة من أوضاع قليلة الحرية إلى أوضاع أكثر حرية. هذه الصفات بعيدة جدا عن نظام الإنقاذ في السودان فهو لم يحقق للسودان تحولا تاريخيا إيجابيا لا استقلال البلاد، ولا تحريرها، ولا توحيدها، بل أعماله كلها تصب في خانة السلبيات. والنظام لم يتحرك من خانة أقل حرية إلى خانة أكثر حرية، فالنظام الذي أطاح به كان يكفل الحريات الأساسية، لذلك لا يجوز أن يضاف ما يحاول نظام السودان الحالي القيام به إلى عشيرة الديمقراطيات النسبية. مكاسب الشعب السوداني التاريخية وعدم وجود شرعية لثورة أو لبيت مالك تشكل نقطة بداية تؤكدان أنه لا مكان في السودان للنسبية التي تجد قبولا في بلدان أخرى ظروفها مختلفة. الديمقراطية المستدامة لا مكان في السودان اليوم للدكتاتورية ولا للشمولية ولا للاستبداد بكل مسمياته الصريحة والمستترة. ولا مكان في أفريقيا كقارة تضم السودان للدكتاتورية فجنوب ووسط أفريقيا اتجه بحماسة نحو الديمقراطية، وحتى البلدان في شرق القارة وقرنها التي تمر بظروف ثورية استثنائية تقيم ديمقراطيات نسبية وتجعل التطور الديمقراطي أحد أهدافها. وقد تقرر في منظمة الاتحاد الإفريقي اليوم ألا يعترف بأي نظام يقوم بعد انقلاب عسكري على حكم مدني منتخب. المطلب الديمقراطي يلون الشارع السياسي العربي حيث تشكل الديمقراطيات النسبية تيارا صاعدا،وأذكر أنني في آخر لقاء لي مع الأستاذ ميشيل عفلق في بغداد عام 1987 قلت له أنى لي مآخذ على فكر البعث أهمها أنه همّش قضية الحرية فأدى هذا التهميش إلى تقويض المبادئ الأخرى. وافقني على هذا النقد وقال أنه سوف يكتب في هذا الموضوع الهام. والناصريون اليوم يحاولون جهد المستطاع التخلي عن الأحادية والتطلع للديمقراطية. أما الفكر الإسلامي فعلى لسان كثير من قادته ومفكريه انحازوا للديمقراطية وتقبلوا مقتضاها : التعددية، والتداول السلمي للسلطة، والمواطنة، والعلاقات الدولية القائمة على السلام والتعاون الدولي بل كثير من رجال الدولة منهم اختطوا ممارسات ديمقراطية عملية كحزب الرفاه في تركيا. والانتخابات العامة الأخيرة في إيران هذه التطورات الديمقراطية في حلقات انتمائنا الأفريقية والعربية، والإسلامية، تتناسب مع التطلع السوداني الملح والمستمر للديمقراطية وتواكب موجة عالمية توشك أن تجعل الديمقراطية شرطا لازما للتعامل الدولي والتعاون بين الدول. إذا كانت الديمقراطية المعيارية غير صالحة للسودان، والديمقراطية النسبية دون طموح أهله، فما هي الديمقراطية الصالحة للسودان ؟ إنها الديمقراطية المستدامة Sustainable Democracy وهي ديمقراطية تلتزم بمبادئ الديمقراطية الجوهرية وتسمح بالتزامات وأحكام تؤقلمها لتلائم ظروف السودان الثقافية والاجتماعية. مرتكزات الديمقراطية المستدامة التوازن من أهم مقتضيات الديمقراطية المستدامة والتوازن يعني وجود أحكام قائمة على التراضي والقبول المتبادل لأنها لا يمكن أن تحسم بأصوات الأكثرية , القضايا التي يجب الاتفاق عليها وحسمها قبل الممارسة الديمقراطية لتكون لها سياجا وأساسا للتراضي سبع قضايا هي: الدين والدولة. الهوية. السلام. شرعية الحكم. النظام الاقتصادي. القوات المسلحة. العلاقات الخارجية. الدين والدولة كثير من المسلمين يعتقدون أن للإسلام نظاما معينا للحكم. الحقيقة هي ليس للإسلام نظام معين للحكم، بل هناك مبادئ سياسية جاء بها الإسلام ويوجب الالتزام بها. إذا كان هناك نظام معين للحكم جاء به الإسلام فإن ذلك يقتضي إن الإسلام يدعو إلى دولة دينية أي ثيوقراطية. الدولة في الإسلام مدنية لأن رئيسها يختاره الناس وهم الذين يحاسبونه. يجب التخلي بوضوح عن الدولة الدينية أولا لأنها مؤسسة غير إسلامية وثانيا لأنها تعزل المواطنين غير المسلمين. آخرون يقتدون بالفكر الأوروبي والأمريكي وينادون بالعلمانية. العلمانية ليست مجرد فكرة لتحقيق المساواة بين المواطنين على اختلاف أديانهم وأعراقهم ونوعهم.. إنها اتجاه فلسفي ومعرفي يقول انه لا معنى للأشياء إلا المشاهدة بالحواس في هذا الزمان والمكان. هذا الاتجاه الفلسفي ترفضه الأديان وكثير من الفلسفات الوضعية وفرضه على الناس تعسف وظلم. لذلك ينبغي أن نقول بوضوح لا للدولة الدينية ولا للعلمانية. أما الدولة فنسميها ديمقراطية وكذلك الدستور وهي عبارة محايدة لا تقتضي معنى دينيا معينا يعزل أصحاب الأديان الأخرى. ولا معنى فلسفيا معينا يرفضه المتدينون وأصحاب الفلسفات المثالية والغيبية. الدولة ديمقراطية والحقوق الدستورية فيها تنشأ من المواطنة بحيث يستمتع الناس بحقوقهم الدستورية لمجرد المواطنة لأن الوطن للجميع. المواطن المتدين، في أي ملة، يتأثر بعقيدته في كافة نواحي الحياة وهذا حق من حقوق الإنسان إذا حرم الإنسان منه سوف يقاوم ذلك الحرمان. علق مارك تالي - مراسل هيئة الإذاعة البريطانية على الانتخابات العامة في الهند التي نال فيها حزب الأصولية الهندوسية حزب جاناتا أصواتا بلغت نصف أصوات حزب المؤتمر الهندي- قائلا : إن مبالغة السياسة الهندية السائدة في اتجاهها العلماني استفزت مشاعر المؤمنين فعبروا عن احتجاجهم بالتصويت لحزب جاناتا. المؤمن بعقيدة إسلامية أو مسيحية سوف تتأثر حياته بذلك الإيمان وسوف يسعى لتأييد الأحكام التي تتماشى مع عقيدته. لا سيما المسلم الذي تلزمه عقيدته بالشريعة الإسلامية. إن النص على أن المواطنة هي مصدر الحقوق الدستورية وأن الوطن للجميع لا يتعارض مع حرية المؤمنين في السعي للتعبير عن قيم ومقاصد دينهم إذا التزموا بالآتي التزاما قاطعا : - حقوق المواطنين الآخرين الدستورية والقانونية. الحرية الدينية لكل ملة وحق أصحابها في السعي للتعبير عن قيمها ومقاصدها بالوسائل الديمقراطية. ديمقراطية التشريع وتجنب الأحكام التي تنتقص من حقوق الآخرين. علاقات دولية تقوم على السلام العادل والتعاون بين الدول. الهوية حرص كثير منا على اعتبار أن هوية السودان إسلامية عربية، هذا النص الذي عبر عنه نظام الإنقاذ بصورة حزبية ضيقة خلق استقطابا سياسيا وفكريا في السودان هو المسئول عن استثارة الاتجاهات الانفصالية. أغلبية أهل السودان مسلمون وثقافة أغلبيتهم عربية ولكن السودان متعدد الأديان والثقافات. السودان قطر عربي أفريقي متعدد الأديان والثقافات وينبغي أن نجعل هذا التعريف أساسا لهوية السودان كأساس يحترمه الجميع. هذا الواقع يقتضي اعتبار اللغة العربية لغة التخاطب الوطنية، واللغة الانجليزية هي لغة التخاطب الوافدة. على ألا يمنع ذلك تشجيع تعليم اللغات الوطنية الأخرى وتشجيع تعلم اللغات الوافدة الأخرى. السلام إن للتباين والتباغض بين الشمال والجنوب أسبابا تاريخية قديمة، جيرها الاستعمار وأضاف إليها عوامل تنافر جديدة. وزادتها عيوب السودنة وتقصير الحكومات الوطنية الديمقراطية، وعمقتها حماقات النظم العسكرية،ورسختها ردود الفعل الغاضبة من الأطراف المتضررة. نتيجة لتلك العوامل اندلعت وتجددت الحرب الأهلية في السودان فأقامت جسورا من العداوة المرارة والغضب. يمكننا أن نذكر أسبابا كثيرة للحرب الأهلية في السودان، لكن هنالك سببان أساسيان لها هما : الأول : تظلم العناصر التي حملت السلاح من فرض هوية ثقافية عليها. الثاني : تظلم نفس تلك العناصر من أنها سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا مهمشة. لقد توصلت القوى السياسية السودانية عبر حوارات ومؤتمرات في قمتها مؤتمر القضايا المصيرية في 1995 بأسمرا إلى تحديد قواعد لإنهاء الحرب الأهلية وتأسيس السلام العادل، تلك القواعد ينبغي احترامها دون حاجة لتداول آخر هي: أن تكون المواطنة هي أساس الحقوق الدستورية في البلاد. الديمقراطية هي أساس شرعية الحكم. تحقيق مشاركة عادلة للعناصر المهمشة في الحكم المركزي. أن يكون الحكم في أقاليم السودان لا مركزيا. التوزيع العادل للثروة. إعادة هيكلة القوات المسلحة ليكون تكوينها متوازنا. تقرير المصير كمخرج من أزمة الثقة الموجودة وكتجديد لعقد التراضي. شرعية الحكم الالتزام بالديمقراطية أساسا لحكم البلاد مع مراعاة الآتي : سد الثغرات التي كشفت عنها التجارب انتقالا من الصورة المعيارية إلى الصورة المستدامة. استصحاب الديمقراطية لمبادئ تحقق التوازن هي : - احترام القطعيات الدينية واحترام حرية الأديان والتعايش السلمي بينها. الاعتراف بالتنوع الثقافي في البلاد واحترامه. المشاركة العادلة للمجموعات الوطنية المهمشة في السلطة. اعتبار للقوى الحديثة يتناسب مع حقيقة أن وزنها الفكري والسياسي يزيد على وزنها العددي. النظام الاقتصادي استبعاد فكرتي المفاصلة الطبقية والتخطيط المركزي والالتزام بالتنمية عبر آلية السوق الحر مع مراعاة المبادئ الآتية : دور الدولة في تنمية البنية التحتية. رعاية الشرائح الفقيرة. العدالة الاجتماعية والجهوية. استصحاب إيجابيات العولمة وصد سلبياتها. القوات المسلحة التخلي عن العسكرية بشكلها المتوارث لأنه : يفتقد للتوازن القومي. مشوه حربيا. مترهل. تضخم مع ظروف الحرب. لذلك يعاد بناء القوات المسلحة وفق الأسس الآتية : تناسب تركيبها مع الوزن الديمغرافي. كفالة قوميتها. تأمين انضباطها. ضبط حجمها مراعاة لظروف السلام والإمكانات المالية. استيعاب قوات التحرير بصورة مدروسة ومناسبة لهذه المبادئ. مراجعة مواقع ثكناتها لتتناسب مع مهامها الدفاعية. كفالة طاعتها لقرارات الشرعية الدستورية. حمايتها من المغامرين العسكريين والمدنيين. العلاقات الخارجية تقوم العلاقات الخارجية على الآتي: الالتزام بميثاق تنظيم العلاقات الخاصة بين السودان ومصر. الالتزام بمواثيق التكامل الأمني والتنموي بين السودان وجيرانه في حوض النيل وحوض البحر الأحمر خاصة أثيوبيا وإريتريا ويوغندا. إبرام اتفاقيات ومواثيق لتنظيم المصالح المشتركة بين السودان وجيرانه العرب والأفارقة. التزام السودان المتوازن بحلقات انتمائه العربية، والأفريقية، والإسلامية. التزام السودان بالشرعية الدولية. هذه النقاط السبع الخاصة بالدين والدولة – الهوية – السلام – شرعية الحكم –النظام الاقتصادي – القوات المسلحة – العلاقات الخارجية. تتضمن الميثاق الوطني الذي يقوم على أساسه بناء الوطن والذي يجوز الاختلاف عليه لأن قضاياه من نوع يحسمه التراضي لا أصوات الأكثرية. الأحزاب السياسية التنظيمات السياسية التي تعلن الالتزام بهذا الميثاق الوطني يجوز لها أن تسجل نفسها بالأسماء التي تختارها مادامت لا تتناقض في مضمونها مع ما نص عليه الميثاق. بالنسبة للأحزاب الحالية : يؤخذ على حزب الأمة القيد الأنصاري، على الاتحادي الديمقراطي القيد الختمي، وعلى الحركة الشعبية لتحرير السودان القيد القبلي، وعلى الحزب الشيوعي القيد الماركسي، وعلى الأحزاب الإسلامية الحديثة القيد الثيوقراطي،وعلى أحزاب العروبة القيد القومي،وعلى الأحزاب الأفريقية القيد العرقي. حتى إن صحت هذه المآخذ فإن الواقع لا يمكن أن يلغى بالقانون ولا بجرة قلم ولكن تطالب الأحزاب بتطوير نفسها في اتجاه أربعة أمور هي: مبادئ الميثاق الوطني. الانفتاح القومي. الانفتاح الديمقراطي في تكويناتها. شفافية مصادر التمويل. على قانون تسجيل الأحزاب أن يضع أحكاما واضحة يلتزم بها الحزب المعني. وتتكون بموجب أحكام هذا القانون محكمة خاصة بالأحزاب السياسية للنظر في أية مخالفات وإنزال العقوبة المستحقة. النقابات النقابة تكوين حديث ذو حقوق وواجبات.انه شخصية اعتبارية تمثل قاعدتها وتدافع عن حقوقها ومصالحها. لقد حققت الحركة النقابية في السودان مكاسب كهيئات مكونة ديمقراطية، ومدافعة عن أعضائها، ومشاركة في السياسة الإنتاجية لوحدة انتسابها. ومرتبطة في اتحاد مع النقابات المماثلة.ومشتركة في مناقشات السياسة الاقتصادية العليا للبلاد. هذه المكاسب جزء من تطور السودان الاجتماعي تستصحبه الديمقراطية المستدامة.ولكن الحركة النقابية في عهد الديمقراطية الثالثة وقعت في عيوب كان لها دورها في تقويض الديمقراطية وفتح المجال للنظام الذي سلب الحركة النقابية كافة حقوقها وحولها إلى أدوات تطبيل للسلطة. تلك العيوب هي : الاستخدام التعسفي لسلاح الإضراب. الانفلات المطلبي. الاستغلال لصالح متسلقي السلطة والانقلاب المدني. فيما يلي تسعة نقاط تتصدر الميثاق الاجتماعي الذي تلتزم به الحركة النقابية السودانية التزاما حازما. هي : حماية مكتسبات الحركة النقابية السودانية المذكورة أعلاه. كفالة ديمقراطية التكوين النقابي ابتداء من تسجيل الأعضاء إلى سلامة الترشيح والتصويت. قيام سياسة الأجور على الأسس الآتية : تغطية ضرورات المعيشة – جزاء الكفاءة – مراعاة الإنتاجية – احتواء التضخم – تحديد نسبة مئوية من الدخل القومي كمؤشر لا يجوز لفاتورة الأجور أن تتخلف عنه أو تتخطاه. الالتزام بمراحل التفاوض الحر بين النقابة والجهة المستخدمة وقبول نتائج التحكيم. تنظيم حق الإضراب حتى لا يكون إلا بعد انقطاع كل السبل الأخرى. المشاركة في الأنشطة النقابية العالمية لا سيما منظمة العمل الدولية. تشجيع الأنشطة التدريبية والتثقيفية. تشجيع الأنشطة التعاونية والاستثمارات النقابية والمؤسسات النقابية الخدمية , استئصال كافة محاولات الانحراف بالحركة النقابية عن دورها واستخدامها للانقلاب المدني. تلتزم التكوينات النقابية بهذا الميثاق الاجتماعي وتسجل وفق أحكام قانون خاص بها. وتتكون محكمة نقابية خاصة لتنظر في المخالفات النقابية وإنزال العقوبات المحددة. الصحافة قامت الجبهة الإسلامية القومية بانقلاب يونيو 89 عن طريق تآمر عسكري. ولكنها مهدت له عن طريق تآمر صحفي. حصلت الجبهة الإسلامية القومية على أموال من مصادر غير سودانية بدعوى استخدامها لأغراض دينية وإنسانية لكنها استخدمت جزءا كبيرا منها في تمويل صحافة هدفها تشويه الديمقراطية وسوء استغلال الحرية. لقد وقعنا في خطأين ساهما في فتح المجال لهذا التآمر الصحافي هما : - الخطأ الأول : كانت صحيفتا الأيام والصحافة تصدران باسمرار أثناء الفترة الديمقراطية بتمويل حكومي. ولكننا تأثرا بمفهوم الديمقراطية المعيارية رأينا إلا تستمر الحكومة في الإنفاق على الصحيفتين. واتصلنا بأصحابهما الأصليين فوعدوا بمواصلة إصدارهما دون أن ينفذوا الوعد مما خلق فراغا صحافيا ملأته صحافة التآمر. الخطأ الثاني : مفاهيم الديمقراطية المعيارية أدت إلى اختلاف في الحكومة لأن أصحاب هذا الرأي رأوا عدم وضع أي قيود قانونية خاصة بالصحافة لضبطها.لذلك انفتح المجال للإفساد الصحافي دون مساءلة. الصحافة سلطة رابعة في الديمقراطية وقيامها بدور بناء لا غنى عنه لعافية النظام الديمقراطي. ينبغي التزام الصحافة بميثاق صحافي يتضمن الآتي: الصحافة السلطة الرابعة وهي مهنة ذات رسالة في الإعلام، والأخبار، والتوعية الفكرية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنقد، والتحليل، والإمتاع الأدبي، الإبداع الفني. إنها مرآة المجتمع وبوصلة تحركه. الالتزام بمبادئ الميثاق الوطني للمساهمة في بناء الوطن. الالتزام بالموضوعية،والصدق، والأمانة، والامتناع عن الكذب والإثارة. أن تكون الصحف ذات جدوى مالية وأن تتضح شفافية مصادر تمويلها. للصحافة ضوابط مهنية وخلقية لا يرخص لأصحابها الانتساب للمهنة إلا إذا استوفوها. تمنح الدولة تسهيلات للصحافة كمهنة وكصناعة. يضم الصحافيين تنظيم نقابي ديمقراطي يدافع عن مصالحهم ويحقق لهم منافع تعاونية استثمارية وخدمية. يصدر قانون للصحافة والمطبوعات يوجب الالتزام بالميثاق الصحافي ويحدد أحكام التصديق لإصدار الصحف والمجلات والدوريات. وتكون أحكام القانون محكمة خاصة للصحافة للمحاسبة على التجاوزات. الأمن منذ سقوط نظام جعفر نميري تقرر حل جهاز الأمن القومي. ولم تتخذ الحكومة الانتقالية له بديلا، واستمر غياب جهاز الأمن لمدة عامين من عمر الحكومة الديمقراطية. كان أهم أسباب الإعراض عن تكوين جهاز الأمن هو مفاهيم الديمقراطية المعيارية التي لا ترى داعيا لأجهزة أمن عدا الشرطة العادية. الديمقراطيات العريقة في الغرب خالفت هذه المفاهيم المعيارية وأقامت أجهزة أمن فعالة بلغت فاعليتها درجة استفزت المفكرين اللبراليين فرموها بأنها حكومات خفية غير خاضعة للمراقبة التشريعية. الديمقراطية كنظام أكثر حاجة من غيره لإقامة أجهزة أمن قوية لأنها إذا لم تلتزم بالحريات تفتح المجال للمتآمرين والمخربين في الداخل والخارج. لذلك يجب أن تقام أجهزة أمن قوية للداخل والخارج لتقوم بجمع وتحليل المعلومات بهدف حماية أمن الوطن والمواطن والدولة. الشرط الوحيد الذي يجب أن يراعى هو إلا يكون لهذا الجهاز صلاحيات تنفيذية كالاعتقال والعقوبة بصورة تخالف القانون. أزمة السلطة التنفيذية مفاهيم الديمقراطيات المعيارية خلعت أسنان الديمقراطية وجعلتها عرضة للانقلاب المدني والعسكري. أبدى كثير من الساسة السودانيين حرصا شديدا على اختيار نظام الحكم البرلماني وعلى رأسه مجلس السيادة ومجلس الوزراء. في هذا النوع من الحكم يفترض أن يكون مجلس السيادة رمزيا وأن يتولى مجلس الوزراء كامل السلطة التنفيذية. هذا ما تقوله المرجعية المعيارية. لكن الواقع السوداني حال دون الالتزام بهذه المرجعية. نتيجة لذلك حدث تجاذب في ممارسة السلطة التنفيذية أضعف أداءها. في كل العهود الديمقراطية التي مرت على السودان ظهرت بوضوح أزمة في السلطة التنفيذية سببها ائتلافية الحكم بين حزبين أو أحزاب متنافسة مما خلق معارضة داخل مجلس الوزراء وصيغة مجلس السيادة ومجلس الوزراء. إننا إذا عدنا لتلك الصيغة مع عزمنا على زيادة درجة اللامركزية في حكم البلاد لتتخذ شكلا على الأقل فدراليا فإن دواعي أزمة السلطة سوف يزيد هذا بينما تحتاج البلاد بعد خراب الإنقاذ إلى هيئة تنفيذية قوية للتعامل مع قضايا الداخل والخارج. ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا عن طريق نظام رئاسي ليتولى السلطة التنفيذية شخص ينتخبه الشعب انتخابا حرا مباشرا لفترة من الزمن في إطار الدستور الديمقراطي. هذه المقترحات الواردة في هذه الدراسة مستمدة من دراسة لتاريخ الديمقراطية في العالم. ومن ممارسة الحكم في عهد الديمقراطية الثانية لمدة عام وفي عهد الديمقراطية الثالثة لمدة ثلاثة أعوام. لقد صار السودان هشا جدا فلا يحتمل مزيدا من التقلبات ونحن مطالبون إلا نكرر الأنماط القديمة كأننا لا نتعلم من تجاربنا ومن تجارب الآخرين. إنني أقولها دون أدنى شك أننا لو عدنا للديمقراطية الثالثة حذوك النعل بالنعل لعاد الانقلابيون وان رفعوا شعارات أخري. إن الديمقراطية الراجحة و العائدة في السودان، وفي سائر أركان عالم الجنوب تنتظر منا ومن تجاربنا دروسا تواجه بها أمرين : تحقيق الديمقراطية والمحافظة عليها والأمر الأول اسهل كثيرا من الثاني. السبيل الوحيد أمامنا هو أن نعي تجاربنا وتجارب الآخرين ونتخذ التعديلات اللازمة لتنظيم ممارسة الحريات الأساسية وإقامة ديمقراطية مستدامة. وإلا فسوف يكون قدرنا هو الاستمرار في دوامة الديمقراطية المعيارية والتآمر الانقلابي. إننا ساعون الآن في مسيرة الحل السياسي الشامل في السودان لتحقيق عمليتي السلام والتحول الديمقراطي عبر الحوار مع النظام والتفاوض الجاد. وفي سبيل ذلك فقد نقلنا ثقل حزبنا القيادي إلى الداخل لنعبئ الجماهير للحل ولنفاوض النظام حوله. وحتى ولو فشلنا في ذلك فإننا نكون قد عبأنا الجماهير بصورة لا رجعة بعدها عن عمليتي السلام والدمقرطة إلا بمواجهة السيل الجماهيري الجارف. ولكننا نضع نصب أعيننا أن الديمقراطية القادمة يجب أن تكون مستدامة، وأن تتجنب مزالق التجارب السابقة، وإلا عدنا لدائرة الجحيم من جديد. لقد درست هذه التجربة أهلها دروسا لا غنى عنها فيما يتعلق بالتطبيق الديمقراطي من جهة، وفيما يتعلق بالتطبيق الإسلامي من جهة أخرى. إنني أستخلص كل تلك الدروس، وأستعين بأدوات الاجتهاد الإسلامي المستنير، لأخلص إلى ثلاثة نداءات أراها مضيئة لمسيرة المسلمين للتعامل فيما بينهم( نداء المهتدين)، وللتعامل مع أهل الملل الأخرى (نداء الإيمانيين)، وللتعامل مع كافة عقلاء العالم (نداء الحضارات).. هذه النداءات ترد في الجزء القادم من الكتاب. |
الخلاصة:
ليس هناك أساس في السودان لتقوم شرعية الحكم على الوراثة ، كذلك فإن كل المحاولات لتأسيس الشرعية علي الدكتاتورية ظل يلازمها عدم الاستقرار وكانت لها نتائج كارثية، إذن ليس هناك بديل للديمقراطية كأساس للحكم في السودان . ولكن بالرغم من ذلك فقد تم تقويض الحكومات الديمقراطية ثلاث مرات وخلافا للأسباب العامة التي تؤدي لتقويض الديمقراطية في ظروف التخلف فإن هناك ثمانية أسباب محددة يجب معالجتها لجعل الديمقراطية مستدامة وهي : 1- الحرب الأهلية المستمرة : والحرب حتى في أكثر الديمقراطيات رسوخا تتطلب إجراءات وتدابير يتم بموجبها تعليق العديد من أوجه الأداء الديمقراطي . وقد أثرت الحرب الأهلية علي الحكومات الديمقراطية سلبا لأنها زادت من النفوذ العسكري واستنزفت الموارد المادية و البشرية فحرمت التنمية من الاستفادة من هذه الموارد . وكذلك زادت المخاطر الأمنية مما تطلب زيادة التدابير في مواجهتها . وبصفة عامة فإن الحرب الأهلية لاسيما حينما تشمل أقاليم كاملة فإنها تكلف الحكومات الديمقراطية ثمنا غاليا وتعطل أداءها . 2- التوازن الاجتماعي: المسألة الثانية هي مسألة التعامل بمبدأ التوازن لاستيعاب كل القوى الاجتماعية . فالديمقراطية ليست مجرد قوة انتخابية تقرر في القضايا علي أساس أغلبية الأصوات وفي تجربتنا السودانية هناك قوتان اجتماعيتان فشل نظام الصوت الواحد للشخص الواحد في استيعابهما بكفاءة هما : القوى الاجتماعية الحديثة والتي في ظروف التخلف الوطني تشكل أقلية تشعر بأن هذا النوع من الديمقراطية لا يعطيها صوتا مساويا لقوتها الاجتماعية مما جعل قطاعات عديدة من هذه القوى الاجتماعية الحديثة تشكك في شرعية نظام الصوت الواحد للشخص الواحد . الأقليات الثقافية ذات الوعي بهويتها المتميزة تشعر بأن النظام القائم علي الأغلبية بصورة أو أخرى يشكل ضغطا عليها. ولتجاوز هذا القصور فمن الواجب تأهيل الديمقراطية بتدابير تجعلها متوازنة لتمتص هذه الإحباطات بدون أن تضر بصورة كبيرة بمبدأ الصوت الواحد للشخص الواحد في الديمقراطية النيابية . 3- مسألة الإصلاح الحزبي: أغلبية الأحزاب السودانية متأثرة بولاءات دينية وقبلية ولكنها في هذا الصدد أقل طائفية من الأحزاب السياسية في كثير من بلاد الشرق الأوسط وأقل قبلية من كثير من الأحزاب الأفريقية . ويهدف قانون تنظيم الأحزاب السياسية إلي جعلها أكثر قومية وأكثر ديمقراطية وبقدر ما تكون قوميتها وديمقراطيتها منقوصة يكون نقصان شرعيتها. و في المقابل : هناك الأحزاب السياسية العقائدية : الإسلاموية، الشيوعية، العروبية و الأفريقانية، هذه الأحزاب في حقيقتها مرتبطة بأيديولوجيات شمولية و هي بهذا تشكل تهديدا على الديمقراطية إذ تستغل الحقوق التي تكفلها لها الديمقراطية لتقويضها. لذلك يجب أن يهدف الإصلاح السياسي للأحزاب لتقويمها وجعلها قومية وديمقراطية. وغنى عن القول أن الاختلافات بين الأحزاب ستستمر وذلك لاختلاف مبادئها ولاختلاف القوى الاجتماعية التي تمثلها، فهي بهذا الفهم لا ينبغي أن تكون مصدر إزعاج إذ هي جوهر الديمقراطية. 4. النقابات: النقابات من مكونات المجتمع المدني الأساسية في الديمقراطية، ولها وظيفتها المشروعة. وقد لعبت النقابات السودانية أدوارا شبه سياسية في الكفاح ضد الاستعمار والديكتاتورية، وهذا النوع من الأدوار الوطنية مبرر، ولكن الأحزاب العقائدية وبعض الطامحين حاولوا استغلال النقابات لعمل انقلاب مدني ضد الحكومات المنتخبة ديمقراطيا، وهذا يشكل خطرا على الديمقراطية يجب احتواؤه سياسيا وقانونيا. 5. الصحافة: تعتبر حرية الصحافة من أعمدة الأساس في الديمقراطية. وفي السودان تصرفت الصحافة بقدر عال من المسئولية في الديمقراطيتين الأولى والثانية، وكونت صناعة منتعشة وأجهزة إعلام فائقة الحيوية ولكن في الديمقراطية الثالثة انتكس أداؤها واتسمت بعدم المسئولية بل ولعبت دورا أساسيا في تقويض الديمقراطية. وفي الديمقراطية المستدامة، الواجب وضع سياسة وسن تشريع لتأسيس صحافة حرة وصحية، أي فشل في هذا الأمر سيقوض النظام الديمقراطي. 6. القضاء. يعتبر استقلال القضاء معلما من معالم النظام الديمقراطي، وهو مع ذلك أمر لازم وحيوي إذ يحدد -في كثير من الأحيان- مستقبل النظام الديمقراطي. يجب على القضاء أن يراعي وظائف أجهزة الدولة الأخرى دون أن يتنازل عن صلاحياته الشرعية كما ينبغي على قضاته أن يلتزموا الحياد السياسي لتجنب الانحراف عن مبدأ استقلال القضاء. إن إصلاح القضاء على ضوء تجارب الماضي ضرورة للديمقراطية المستدامة. 7. القوات المسلحة. بلغ التطور السياسي الحديث ذروة عالية بتحقيق إنجازين عظيمين هما: التداول السلمي للسلطة السياسية وخضوع القوات المسلحة للقيادة المدنية المنتخبة. أما في السودان فقد درجت القوات المسلحة على تقليد ضحت في أثنائه بانضباطها وسببت الأذى للبلاد، ذلك التقليد هو التدخل السياسي والتغول على القرار المدني الشرعي. يمكن حماية الديمقراطية حينما تخضع القوات المسلحة لقيادة الحكومة المنتخبة عبر سياسة وتشريع محددين، وعندما يتم تقييدها بوسائل مناسبة منعا للانقلابات. ساهمت كل العوامل المذكورة أعلاه في إضعاف الحكومات الديمقراطية (أعني السلطة التنفيذية) مؤسسيا. وفي التجربة السودانية هناك عوامل أخرى تضعف الحكم الديمقراطي أكثر فأكثر وهي: طبيعة الحكم الائتلافي: فعلى طوال تاريخ الحكومات الديمقراطية لم ينجح حزب في نيل الأغلبية التي تمكنه من الحكم منفردا لذلك اتجهت الأحزاب للائتلاف. والحكومات الائتلافية بطبيعتها ضعيفة ومما يضعفها أكثر في السودان هو اقتسام شركاء الائتلاف لمجلس الوزراء ومجلس السيادة، فتذهب رئاسة الوزارة للحزب الأكبر ورئاسة مجلس الدولة للحزب الآخر. والدستور البرلماني الذي هو أساس توزيع السلطات بين أجهزة الدولة يعطي السلطة لمجلس الوزراء بينما يجعل مجلس رأس الدولة مثل ملكة بريطانيا -يملك ولا يحكم- وهذا المفهوم غريب جدا على الثقافة المحلية لدرجة أنه لا توجد ترجمة عربية ذات معنى له. لذلك ظل الحزب الأصغر يستغل موقعه في مجلس رأس الدولة ليعوض ضعف موقفه في مجلس الوزراء. قوة السلطة التنفيذية: نسبة للضعف المتواصل والأزمات الكثيرة الملازمة للحكومات الديمقراطية في السودان، فإن البلاد بحاجة لتقوية السلطة التنفيذية لا سيما في ظل اللامركزية وحتى الفيدرالية. والنمط الفيدرالي من اللامركزية هو ما دفع الآباء المؤسسين الذين وضعوا الدستور الأمريكي أن يبتدعوا النظام الرئاسي القوي. وبالنسبة لنا فإن أي عودة للمؤسسات السابقة للديمقراطية كما عرفت ومورست ستعيد إنتاج الأزمة وتضعف الديمقراطية وتغري المغامرين للإطاحة بها وباختصار فإن الجهاز التنفيذي القوي في السودان شرط وضرورة من ضرورات الديمقراطية المستدامة. -- ------------------------------------------------------------------------------ 1 هذه الأطروحة مأخوذة من ورقتين أساسيتين كتبهما رئيس الحزب السيد الصادق المهدي وتمت إجازتهما من أجهزة الحزب المعنية. الأولى هي ورقة: التجربة السودانية والحريات الأساسية، والتي قدمها في ورشة حزب الأمة الفكرية الخامسة المقامة بالقاهرة في أبريل 1997م. والثانية هي ورقة: مولد السودان الثاني في مهد حقوق الإنسان المستدامة، والتي قدمها لمؤتمر "حقوق الإنسان في فترة الانتقال" الذي عقد بكمبالا في فبراير 1999م. 2 الصادق المهدي: الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة. * وهم السيد عبد الرحمن المهدي إمام الأنصار والسيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية، والشريف يوسف الهندي زعيم الطائفة الهندية. |
بسم الله الرحمن الرحيم
مركز السلام بجامعة جوبا بالتعاون مع مؤسسة فريدريش آيبرت ورشة الإسلام السياسي في السودان 15-16 أغسطس 2006م الدولة في الإسلام ومنظور الديمقراطية وحقوق الإنسان الصادق المهدي• مدخل: الدين الإسلامي رسالة لهداية البشر صلاحا للدنيا وفلاحا للآخرة، وقد مر حين من الدهر طرد فيه الدين من الحياة العامة في كثير من المجتمعات الإسلامية بأثر من الغزو الاستعماري الأوربي الذي سعى لاستنساخ تجربته في عوالمنا لتكون على غرار مجتمعاته الأم في أوربا التي كانت قد دخلت منذ عهد التنوير في مواجهة مع الكنيسة وقررت إبعاد الدين من الحياة العامة، هذا هو مغزى الخطاب العلماني الذي ساد لفترة ما في أوربا، وقد بينت في بحثي حول "فك الاشتباك الديني العلماني" أن تلك الدعوات لم تصل لآخر الطريق في الغرب وأنها توصلت الآن إلى معادلات يلعب فيها الدين دورا ما في حياة الغربيين خاصة في الولايات المتحدة، كما بينت أن المقولة العلمانية ما كانت لتنبت في مجتمعاتنا لولا التقليد لأن الإسلام ليس فيه سلطة كهنوتية. أما في السودان فإن الدين لم يبتعد عن الحياة العامة بالشكل الموجود في كثير من المجتمعات الإسلامية الأخرى، ولذلك لم تجد شعارات بعث الدين في الحياة على يدي الحركات الإسلامية الحديثة نفس المعارضة التي وجدتها في دول أخرى. وقد شهد تاريخ السودان الحديث عدة محاولات لبعث التشريعات الإسلامية والاهتداء بهدي الدين، وقد آن الأوان لبحث كل تلك التجارب واستخلاص العبر منها. ولذلك فإنني أشكر لمنظمي هذه الندوة الاهتمام بظاهرة ما سمي بالإسلام السياسي في السودان، ووضعها قيد البحث. في هذه الورقة أتطرق لموضوع الدولة في الإسلام عبر مقدمة حول الدولة في التاريخ الإسلامي، ثم أبين في محور (الدولة في الإسلام) أنها لا تتخذ شكلا ثابتا ولكن تهتدي بموجهات عامة متطرقا لأهم ما ينبغي اعتباره بشأن الدولة في العصر الحديث، وفي محور ثان أقارن وأقارب بين الشورى كمبدأ إسلامي وبين الديمقراطية الحديثة، ثم أبحث في المحور الثالث أسس حقوق الإنسان العالمية الحديثة من وجهة نظر إسلامية. وأتطرق في النهاية لبعض تجارب التشريع الإسلامي في دول حديثة مستخلصا لأهم الدروس الواجب استصحابها. |
مقدمة
قام حكم الإسلام أول عهده على الشورى والمشاركة التي جسدها قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه (وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني)، وعلى الحرية التي جسدها قول الإمام مالك لأبي جعفر المنصور الذي أراد أن يحمل الناس على الموطأ "لا تفعل يا أمير المؤمنين فقد سبق إلى الناس أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كل قوم بما سبق إليهم فدع الناس وما اختار كل أهل بلد لأنفسهم"، وعلى العدالة الاجتماعية التي يجسدها قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه : (أنا ملك أم خليفة؟ فرد عليه سلمان الفارسي : إذا أنت صرفت درهما في غير وجهه فأنت ملك وإلا فأنت خليفة) ولكن هذا الحكم لم يتجاوز عهد الخلفاء الراشدين فمنذ عهد معاوية بن أبي سفيان صارت العصبية لا الشورى أساس الحكم وصارت القوة لا العدالة فيصل الرئاسة وبفعل تراكمات الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والجمود الفكري صارت الأمة الإسلامية لقمة سائغة للاستعمار الأجنبي الذي أخضعها عسكرياً وفكرياً وحضارياً. وكرد فعل للاستعمار الأجنبي وما صحبه من غزو ثقافي تعددت الحركات والدعوات الإسلامية المتطلعة للتحرر التام من النفوذ الأجنبي والبعث الكامل للإسلام بحيث تهتدي بتعاليمه كل مناحي الحياة بما فيها الحياة السياسية. وحتى يتحقق ذلك لا بد لحركة البعث الإسلامي أن تواجه تحديات العصر في كل المستويات وأن تبين موقفاً إسلامياً مقنعاً مضارعاً للفكر السياسي الحديث والمؤسسات السياسية الحديثة وتحدد كيف يمكن أن يقام مجتمع إسلامي نصير للعلم والتكنولوجيا والعدالة والحرية والتسامح وحقوق الإنسان، وكيف يمكن أن تتجاوز المجتمعات المسلمة حالة الاستقطاب الحاد بين موقف الانكفاء الديني الذي يرى أن الإسلام دين ودولة ونظام اقتصادي وعلاقات دولية مستنبطة من مرحلة تاريخية معينة وهو موقف يقود لتعليب المجتمع الإسلامي المعاصر في نمط تاريخي معين، وموقف الأصولية العلمانية التي تريد بالمقابل تعليب المجتمع في نمط وافد معين. هذه المواجهة اليوم تمثلها في الجانب الديني أطروحتا ولاية الفقيه والحاكمية وكلاهما تضعان في السلطة جماعات ستفرض بالقهر السياسي نمطاً وافداً من الماضي. فهذا الانقسام سوف يكرس حالة الانفصام في المجتمع ويتسبب في استمرار الحرب الأهلية الفكرية والسياسية بين اتجاهي التطرف الديني والتطرف العلماني الذين إذا نجح أحدهما فإنه من ناحية يفرز تجارب معزولة مثل تجربة سعيد بن تيمور قديما والملا عمر حديثاً، ومن الناحية الأخرى تجارب منبتة مثل الكمالية في تركيا. المحور الأول: الدولة في الإسلام فيما بعد الصدر الإسلامي الأول قامت الدولة الإسلامية الواحدة على شرعية القوة وفارقت عمليا أغلب الأسس الإسلامية للحكم كالعدل والشورى، ولكن على الصعيد النظري نشأت نظريات في فقه الجمهور حول الدولة الإسلامية أهمها نظريتان: النظرية السنية: هذه النظرية حددت معالم الدولة الإسلامية قياساً على تجربة عهد الخلفاء الراشدين. نظرية فصلها على اختلاف في التفاصيل الإمام الشافعي في كتابه (الأم)، وابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة )، والماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية).. الخليفة الذي يقود هذه الدولة هو خليفة النبي (ص) في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وينبغي أن تتوافر فيه مؤهلات أهمها أن يكون عالماً مجتهداً، شجاعا ً، سليم البدن والحواس، قرشي النسب وأن يختاره للخلافة أهل الحل والعقد وهم خيار الأمة بمقياس الشرع من الرجال العدول. هذه الآراء حظيت بقبول واسع لدى أهل السنة ولكنها لم تطبق ولم تقم بموجبها مؤسسات بل ظلت محض نظرية لأن الحكام منذ الخليفة معاوية بن أبي سفيان أقاموا سلطانهم على القوة لا على الشورى وتداولوا السلطة بموجب الوراثة. هذا النهج اعترف به جمهور الفقهاء. وألزموا الناس طاعته خوف الفتنة. النظرية الشيعية: على النقيض من هذا الرأي قرر جمهور الشيعة أن قيادة الأمة أي الإمامة ركنٌ من أركان الدين وهي اختيار إلهي مثل النبوة لا يفرقها منها إلا الوحي. والإمام معصوم مطاع على الأمة أن تطيعه مثلما تطيع النبي (ص)، والإمام هو الذي يبين للأمة دينها فلا حاجة لإجماع أو قياس بل الإمام بعلمه اللدني هو والي الأمة في كل شأنها. والإمامة بعد النبي (ص) للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويليه في هذا المنصب أحد عشر إماماً هم أبناؤه الحسن والحسين وتسعة بعدهما من نسل الحسين رضي الله عنه. وآخر هؤلاء الأئمة هو محمد الحجة بن الحسن العسكري . وقد غاب منذ نيف وألف سنة وسوف يعود يوماً وهو المهدي المنتظر قائم آل محمد. وفي غيبة الإمام وعلى مر الأيام نشأت مؤسسة شيعية يقودها مراجع التقليد وهم فقهاء علماء يسمون آيات الله الكبرى وعلى الجمهور تقليدهم في غيبة الإمام. وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران أصبحت المؤسسة الشيعية هي المسئولة سياسياً ودينياً عن قيادة إيران. وتبنى الدستور الإيراني نظرية ولاية الفقيه التي دعا إليها آية الله الخميني ، الفقيه صاحب الولاية صلاحياته مثل صلاحيات الإمام الغائب تولاها آية الله الخميني حتى وفاته ثم آية الله خامينئي المرشد الحالي. إن نظام ولاية الفقيه له جذوره في الفهم الشيعي للقيادة الدينية ولكنه لن يجد قبولاً في النطاق السني وإن كانت فكرة الحاكمية التي نادى بها الشيخ أبو الأعلى المودودي تلتقي مع ولاية الفقيه في كثير من الجوانب. ولكن حتى في الإطار الشيعي توجد تحفظات على ولاية الفقيه – تحفظات جهر بها آية الله شريعة مداري وآية الله محمد منتظري وآخرون. أمام التصور الشيعي للإمامة توجد التحفظات الآتية: أولاً: لقد تولى أمر المسلمين بعد النبي (ص) الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وبايعه بعد تأخير لنصف عام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يتول الإمام علي بن أبي طالب الخلافة إلا بعد مقتل الخليفة الثالث. أما أئمة الشيعة الآخرون فلم يتول أي واحدٍ منهم ولاية عامة على المسلمين. والحسن بن علي الذي بُويع بعد مقتل والده تنازل عن بيعته وبايع معاوية. ومهما كان استحقاق هؤلاء الأئمة فإن الولاء لهم لم يتعد حدود شيعتهم. ثم غاب آخرهم ولم يعد متصلاً بالأمة والحكمة في الإمامة أن يكون صاحبها حياً وعلى اتصال بالناس لأن عليه واجب إرشادهم مثلما عليهم واجب طاعته. ثانياً: في غيبة الإمام التقليد لمراجع التقليد في كل شيء من أمور الدين والدنيا. هذه الطاعة تفترض أن علمهم بعلوم الدين والدنيا أوسع من علم الناس ولكن الحقيقة هي أن معرفتهم بالعلوم التقليدية واسعة ولكن معرفتهم بالعلوم الحديثة متواضعة، فكيف يفرض تقليدهم في علوم يجهلونها؟ ثالثاً: ولاية الفقيه تقيم وصاية على الأمة وتجعل مؤسسات البلاد الدستورية المنتخبة مقيدة. هذا الموقف يمكن احتماله عندما يكون الفقيه صاحب الولاية هو نفسه صاحب الأغلبية الشعبية دون منازع، ولكن منذ عام 1997م لدى انتخاب السيد/ محمد خاتمي اختلف الأمر وصار المرشد والمحافظون المشتغلون بولاية الفقيه أمام قيادة تمثل ولاية الجمهور. هذا الموقف أفرز استقطاباً حاداً داخل مؤسسات الحكم، وفي الموقف السياسي في إيران، وهذا التوتر يضر باستقرار التجربة الدستورية الإيرانية ولا يُرجى حسمه إلا ضمن أحد ثلاثة خيارات: • انتصار ولاية الجمهور بالسند الشعبي وتسليم الطرف الآخر بذلك وتعديل فكرة مؤسسة ولاية الفقيه على النحو الذي قال به آية الله شريعة مداري. • فرض ولاية الفقيه إرادتها بالشرعية الثورية أي بالقوة وقفل باب الإصلاح. • الاتفاق على ولاية فقيه دستورية بمعنى أنها تملك ولا تحكم وتترك الحكم للمؤسسات المنتخبة. هاتان النظريتان السنية والشيعية لا تصلحان أساساً لدولةٍ عصرية للأسباب الآتية: أولا: لأن مبادئ الإسلام، وحقائق التجربة التاريخية لا تقول بوجود دولة إسلامية معينة ملزمة للمسلمين في كل زمان ومكان، وشواهد ذلك: • في الصدر الأول تولى النبي (ص) والخلفاء الراشدون أمر المسلمين بطرق مختلفة، ومارسوا صلاحيات مختلفة، وحكموا شعوباً مختلفة وبقاعاً مختلفة. • الدول التي حكمت المسلمين لمدة أربعمائة وألف عام دول متعددة النظم ونظمها أشبه بنظم الحكم الوضعية المعاصرة لها منها بدولة الخلفاء الراشدين. ثانيا: لأن ضرورات العدالة اليوم لا تسمح لشخص واحد أن يجمع في يده كل السلطات مثلما فعل الخلفاء تاريخياً، فالتطلع لإمام واحد بالتعيين الإلهي، أولخليفة واحد بصلاحيات الخلافة التي عددها الماوردي يجمعا في أيديهما كل سلطات الدولة ويمارسانها على كافة الشعوب الإسلامية تطلع يناسب الظروف التاريخية الأبوية ولا يناسب النظم المؤسسية الحديثة في إدارة الشأن العام، و الاتفاق على شخص واحد ليقود المسلمين حتى في الأمور الدينية وفي الوطن الواحد غير ممكن وفرضه بالقوة مستحيل لأن الاجتهادات الدينية متعددة، كذلك الفرق والمذاهب. والمتاح في كل هذه الأمور هو التراضي والتعاون عبر مؤسسات. ثالثا: إن مبادئ الإسلام السياسية تجعل المسلمين مسئولين عن اختيار الحاكم وهم المسئولون عن محاسبته أي أنه حاكم مدني مفوض أمره للجمهوركما تقبل مبادئ الإسلام السياسية الفصل بين سلطات الدولة، قال القاضي أبو يعلي في كتابه (الأحكام السلطانية): "القاضي إذا ولاه الإمام صار ناظراً للمسلمين لا عن من ولاه فيكون القاضي في حكم الإمام في كل بلد". هذا مبدأ استقلال القضاء إذن مبادئ استقلال القضاء، ومدنية الدولة، والفصل بين السلطات توجد متناثرة في اجتهادات فقهاء السلف، ولكن التجربة الدستورية الغربية هي التي أجْلَت هذه المفاهيم وأقامت لها المؤسسات وضبطت ممارستها وبما أن العدل من أهم مقاصد الشريعة وإن الفصل بين السلطات من أهم شروط العدل فيجب قبول مبدأ الفصل بين السلطات لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الإسلام والدولة الحديثة: إن التخطيط لحاضر ومستقبل النظم السياسية في العالم الإسلامي على ضوء هداية الإسلام لابد أن يستصحب جملة من الحقائق: أولا: المستجدات: أن الدولة الحديثة كما نعرفها اليوم (سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية، وشعب، وأرض) حدث جديد في العالم ولا يوجد في تاريخ الإسلام مثلها. ثانيا: المبادئ والتشريعات: أن ليس في الإسلام دولة معينة يلزمنا الإسلام أن نقيم مثلها في كل زمان ومكان بل هناك مبادئ سياسية إسلامية عامة: كالشورى والعدل والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، والنصيحة، والصدق، وسيادة أحكام الشريعة، والقيادة الرشيدة، والرعاية الاجتماعية. وشرائع محددة فالواجب هو الالتزام بهذين الأمرين، أما فيما عداهما فإن شكل الدولة التراثية الإسلامية ومؤسساتها وأجهزتها وسائل عرضية تاريخية، يمكن تجاوزها دون حرج وتبني النظم الدستورية الحديثة مع الالتزام بالمبادئ والشرائع الإسلامية. وما دام الإسلام حياً فسيكون له دوره في الحياة عبر العقيدة والعبادة والشريعة وعبر مبادئه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقيمه الخلقية. ثالثا: الاجتهاد المتجدد: التطبيقات الإسلامية توجب اجتهاداً متجدداً في الأحكام يراعي ظروف الزمان والمكان كما يراعى التدرج المسنون فلا توجد تعريفة واحدة ملزمة للناس في كل زمان ومكان. وما دام المجتمع حيا فسوف يحترم حقوق كافة مواطنيه الدينية والإنسانية والاجتماعية وسوف يطلع على منجزات وتجارب الإنسانية ويستصحبها بطريقته. وسوف يستطيع المجتمع الحي التوفيق بين هذه التطلعات والمطالب عبر اجتهاده وحركته فالأمة منذ ختم الوحي هي مناط التكليف. رابعا: المؤسسة التشريعية: في كتابي "العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي" ، أكدت أن الوسيلة الأفضل في ظروفنا المعاصرة لتطوير الفقه الإسلامي وجعل أحكامه مادة للقوانين هي تكوين مؤسسة مكونة من ثلاثة شعب: الشعبة الأولى: هيئة الموسوعة. وهي هيئة للموسوعة الإسلامية مهمتها إحصاء كل آراء المجتهدين المسلمين عبر العصور، وإحصاء وتنظيم أدلة الآراء المختلفة وبيان الآراء التي كانت محل اتفاق الجمهور وآراء الآحاد والأقليات، وجعل كل تراث الفقه الإسلامي وتفسير القرآن والأحاديث مبوبا ومرتبا، بحيث يسهل الرجوع إليها بسرعة ودون عناء. الشعبة الثانية: هيئة الخبراء. وهي تتكون من علماء في الشريعة الإسلامية وفقهاء ومتخصصين في القانون الوضعي وفي الاقتصاد وفي السياسة وفي الإدارة وفي العلاقات الدولية وسائر العلوم الاجتماعية وينظم هؤلاء أنفسهم داخليا بحيث يستطيعون استنباط أحكام من الكتاب والسنة واقتراح ديوان شامل :جنائي، مدني، شخصي، دولي، وحيثما لا يتفق رأيهم حول الاستنباطات المختلفة يسجلون الآراء المختلفة. والشعبة الثالثة: هيئة تشريعية. وهي هيئة تنوب عن الأمة نيابة صحيحة وحرة هذه الهيئة هي التي تنظر في ديوان القوانين الذي تعده هيئة الخبراء وتشرع بأغلبيتها القوانين. ولها أن تبادر ما تشاء في سن التشريعات، على أن تستعين بهيئة الخبراء للتأكد من أن تشريعاتها لا تعارض أصلا قطعيا من أصول الشريعة الإسلامية.. فهذه المؤسسات ذات الثلاث شعب هي المؤسسة التشريعية الإسلامية الملائمة لمبادئ الإسلام والمناسبة للعصر الحديث. خامسا: غياب دولة الخلافة: واقع الحال اليوم لا يسمح ببسط دولة واحدة سلطانها على كل المسلمين وهي ظاهرة اختفت من دنيا المسلمين منذ سقوط الدولة الأموية في 150 هـ وبعدها تعددت الدول التي حكمت المسلمين قبل أن يتسلط عليهم الحكم الأجنبي ويرسخ تفرق دولهم. سادسا: الدولة الوطنية: الدولة الوطنية الحديثة شكل سياسي جديد نتج عن التطور في أوربا بعد حروب كثيرة انتهت إلى صلح وستفاليا في عام 1648م وهذا التكوين اكتسب وجودا ودوراً مفيداً في تحقيق الأمن وكفالة سبل المعيشة والتنمية والنظرة السليمة للرابطة الوطنية هي انها تطوير لرابطة الأسرة والقبيلة وهي تكوين صالح لأداء وظائف أمنية وتنموية معينة وقابل لاستيعاب وحدات جهوية أصغر وقابل للتطور إلى وحدات تضم أكثر من دولة لأغراض ترضاها الدول الأعضاء وينبغي عدم النظر للرابطة الوطنية بريبه وعدم وضعها في مقابل الولاء للأمة الأكبر وللحفاظ على الوحدة الوطنية لابد من الالتزام بالمبادئ التالية: 1. المساواة في المواطنة. 2. المواطنة أساس الحقوق الدستورية. 3. حرية الانتماء الديني والهوية الثقافية، ولهذه ثلاثة شروط: لا تنال أية مجموعة امتيازا بسبب انتمائها الديني أوالاثني أو الثقافي، ولا تجور على حقوق غيرها، وتحقق تطلعاتها بآلية ديمقراطية لا تحكما. 4. التكوينات السياسية التي تسعى لتداول السلطة تكون بحكم دستورها والدستور القومي مفتوحة لكل مواطن. 5. أساس العلاقة: عهد المواطنة مكتوبا أو غير مكتوب. سابعا: القومية: إن في رحاب الأمة الإسلامية قوميات عديدة، الإسلام لم ينف الانتماء القومي بل استصحبه بصورة جعلت العرب يحققون بالإسلام أمجد أيامهم، كذلك حققت القوميات الأخرى الطورانية، والفارسية، والهندية، والأفريقية، بالإسلام أمجد أيامها وأفضل عطائها. إن علينا الاعتراف بأهمية الانتماء القومي لاسيما على أساس ثقافي ولغوي لا عرقي، وهذا بالفهم المرن لا يتعارض مع انتماءات أوسع للأمة، ولا أضيق للوطن، اللهم إلا إذا ارتبطت القومية بالعصبية، العصبية هي الشعور الذي يمقته ويرفضه الإسلام. قال الإمام علي ابن أبي طالب: "ليست العصبية أن يحب المرء قومه بل العصبية أن يرى أشرار قومه خيرا من خيار الآخرين". الفهم الحصري أي الذي ينفي غيره هو الذي يؤدي للتناقض في الانتماء الوطني والقومي والإسلامي، ولكن الفهم الوسطي يسمح بتكامل هذه الروابط. ثامنا: نظام الأمم المتحدة: واقع المسلمين اليوم تحكمه دول قُطرية تقوم على أساس المواطنة وهي مسئولة عن الإدارة والمعيشة وحفظ الأمن. وهذا الواقع يقوم عليه ويدعمه نظام الأمم المتحدة، إن المواطنة التي تقوم عليها الدولة القُطرية عهد، كذلك مواثيق ونظم الأمم المتحدة تقوم على عهود، وليس في هذه العهود الملزمة ما يمنع قيام اتحادات بين الدول لتحقيق مصالح معينة أو لتحقيق مبادئ معينة، ولكنها اتحادات سوف تقوم على التراضي والمصلحة المشتركة. تاسعا: الحكم الراشد: الحكم الراشد قيمة تطلع إليها الإنسان عبر العصور وهو يقوم على أربعة أركان: المشاركة- المساءلة- الشفافية- وسيادة حكم القانون. هذه القيم كلها توجد في النصوص القطعية الإسلامية.. إنها تتطابق مع مبادئ الإسلام السياسية.. أخرج الطبري في تاريخه وابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لسلمان (الفارسي): أملك أنا أم خليفة؟ قال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة.. فاستعبر عمر – بكى- وأخرج ابن سعد عن عمر أيضا أنه قال: "والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟" فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم! قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا. قال ما هو؟ قال: "الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق. وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا" . هذه شواهد من ثقافتنا الإسلامية. والشواهد من الثقافة الإنسانية كثيرة. قال اللورد أكتون وهو مؤرخ بريطاني شهير: إن حس الإنسان الخلقي يضمر كلما زادت سطوته. وقال: "عندما تتركز السلطة في أيد قليلة غالبا ما يسيطر رجال بذهنية العصابات، هذا ما أثبته التاريخ"، وقال: "كل سلطة تفسد، والسلطة المطلقة إفساد مطلق". والنصوص الإسلامية التي تؤكد مبادئ الشفافية وتحرص على نقاء ذمة الحكام وانتفاء المحسوبية وغير ذلك من مصدات الفساد كثيرة، وحيثما افتقد المسلمون هذه المبادئ طالبوا بها واحتجوا على الحكام.. لقد احتج بعض الصحابة على ممارسات الخليفة الثالث عثمان بن عفان عندما أقطع أرض كسرى الخاصة لنفسه وجعل منها عطاياه وصلاته. وكان أبو ذر الغفاري كبير المحتجين حتى أن عثمان نفاه من المدينة.. هذا الاحتجاج كان أكثر حدة لدى الخليفة الأموي الأول الذي جعل الخلافة ملكا وتوالت بينه وبين أبي ذر المواجهات: قال أبو ذر لمعاوية: ما يدعوك أن تسمي مال المسلمين مال الله ؟ قال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر. قال أبو ذر: فلا تقله. قال معاوية: فإني لا أقول أنه ليس لله ولكن سأقول مال المسلمين. ثم جاء حكم بني مروان الذي أوغل في الاستبداد وبالتالي في الفساد: مهر الفتـاة بألف ألف كامل وتبيت سادات الجنود جياعا لولا أبي حفص أقول مقالتي وأقص ما سأقصكم لارتـاعا المشاركة تنفي الانفراد بالرأي الجالب للفساد كما بينا آنفا، قال تعالى: #61481; إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى#61480; ، والمثل السوداني يقول "القادر عايب". والمساءلة نافية للتصرف دون وجه حق وهو ما يسمح به الانفراد بالأمر ويصوره المثل السوداني الخاص بـ "نعامة المك"، ونعامة المك هذه تتحرك بحرية تقتحم مزارع الناس ومحصولاتهم ولا يجرؤ أحد على طردها: "منو البقدر يقول ليها تك"!!. وإذا غابت الشفافية استطاع الطغاة أن يخفوا أعمالهم الظالمة.. إن البشر يحبون أن يخفوا الأعمال السيئة، والشفافية تصدهم عن ذلك، لذلك قيل إن "الليل قواد" بمعنى أنه يساعد على التخفي، وإن "النهار نمام" بمعنى أنه كاشف للخفاء. أما سيادة حكم القانون فهي التي تؤكد للكافة أنه لا كبير على القانون فيخضع الجميع له. عاشرا: المسألة الثقافية: الاجتهاد الإسلامي المنكفئ يحصر المعرفة في استنباطات الفقهاء ويفسر النصوص بصورة يستحيل معها التعايش مع الآخرين، الثقافة كما يعبر عنها هؤلاء ستعرقل التنمية البشرية. الأصولية العلمانية تحصر المعرفة في عالم الشهادة، والفكر الغربي منذ القرن التاسع عشر وأتباعه في الشرق يبشرون بانقراض الثقافات، وهو ما ظهر زيفه في أواخر القرن العشرين. الصحيح أن نعترف بمصادر الوحي وبعطاء الإنسان بالعقل والحكمة والتجربة والمصلحة لفهم الحقائق، وأن نعترف للثقافة بمكانتها فمهمشو الثقافة يعزلون قضيتهم. المطلوب هو تحقيق ثورة ثقافية منطلقة من مقومات ذاتية وليست صدى لمطالب وافدة في بناء عصري مؤصل. يمكن للحضارة الغربية أن تعاكس هذه الثورة بسيادة تيارات الاستعلاء فيها، أو تساعدها بسيادة الاستنارة التي تعترف بدينها للحضارات الأخرى وبدور تلك الحضارات وطوعية أقلمتها لمنجزات الحضارة الغربية وتقبل الحوار معها. إن ما حدث عقب أحداث 11 سبتمبر من ازدياد شعبية المواقف المتشددة في الغرب وفي الشارع الإسلامي ينذر بتصاعد حوار أحمق يدخل العالم في عهد ظلامي. اللهم إلا إذا برز الرأي الغربي المستنير والرأي الإسلامي الصحوي واستطاعا أن يخلقا خيارا كسبيا. المحور الثاني: بين الشورى والديمقراطية: الشورى منسوبة للحضارة الإسلامية والوحي، والديمقراطية منسوبة للحضارة الغربية وللتجربة الإنسانية، وكلاهما يدخل في صميم المسألة السياسية.. كل ذلك يجعل المقاربة والمفارقة والمقارنة بينهما محملة بمعان كثيرة. الشورى: الشورى نص قرآني #61481;وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( وتعتبر استشارة أهل الرأي، وقد اختلف في إلزاميتها، وحول أهل الرأي. يلزم الشورى أسس مساندة هي: الحرية، منع الانفراد بالسلطة، والاعتراف بمشروعية التعددية. مورست الشورى ثم اختفت وصارت فريضة سياسية غائبة، ثم أدت الأحداث التاريخية لدى الفتنة والعهدين الأموي والعباسي إلى ميل نحو الاستقرار على حساب الإصلاح.. انقطعت الشورى من الواقع الممارس في البلدان الإسلامية قبل أن تمسها الفتوحات الغربية. الديمقراطية: باستثناء تجربة أثينا القديمة، فإن الحكم في العالم القديم قام على الوراثة والاستبداد. النظام السياسي الأوروبي الحديث نشأ مع صلح وستفاليا، ثم الثورتين الأمريكية والفرنسية ما أسفر عن نظم دستورية نيابية مؤسسية تقوم على فصل السلطات، صاحبتها الثورة الصناعية في بريطانيا. كل ذلك أدى للدولة الوطنية والنظام الديمقراطي والنيابي والنظام الرأسمالي الحديث. واجه النظام الديمقراطي التحدي الفاشي ثم التحدي الشيوعي الذي انتهى في 1991م. أهم إنجازات العقل والتجربة السياسية الغربية هي: الاعتراف بحقوق الإنسان الذي تطور عبر درجات، التداول السلمي للسلطة، القوات المسلحة المنضبطة الخاضعة للقرار المدني، وتحقيق معادلة تعايش بين الدين والسياسة. ضج القرن العشرين بالاضطرابات ثم انتهى إلى أهمية الحكم الصالح وأفضل وسائله الديمقراطية كما جاء في إعلان الأمم المتحدة للألفية الثالثة. ولكن البلدان الإسلامية التي غيبت الشورى قبل الاتصال بالحضارة الغربية، غيبت الديمقراطية بعده، دفعها لذلك: النظم الأوتقراطية الحاكمة، والعزوف الغربي عن الديمقراطية خارج الغرب، وموقف بعض الإسلاميين العدائي تجاه الديمقراطية، وزهد الصفوة في البلدان العربية في الديمقراطية. أخفقت نظم الوصاية الاشتراكية والقومية والإسلاموية التي فرضت نفسها بالقوة، وتعددت اعترافات مختلف الفصائل في الآونة الأخيرة برجحان الديمقراطية. أما مواقف الغرب فإنها خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر2001م تحولت وأظهرت العديد من المقالات فكرة أن الإرهاب ينمو في ظل القهر والقضاء عليه يتطلب الإطاحة بالطغاة. المجتمعات العربية والإسلامية تعاني من كساد اقتصادي مظاهره ارتفاع نسب النمو السكاني مقارنة بالاقتصادي، وأن بلدان النفط ريعية الاقتصاد، كذلك ارتفاع نسبة الأموال المغربة. وتوجد مظاهر اجتماعية سالبة مثل تهميش النساء والشباب والعطالة والتطلع الكبير للهجرة للغرب.. هذه المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السالبة تهدد السلام الاجتماعي. نظم الحكم العربية والإسلامية في ميزان ديمقراطي: نشرت منظمة الأمم المتحدة للتنمية تقريرا عن التنمية البشرية في الشرق الأوسط في عام 2002م ، وضع ذلك التقرير نظم الحكم العربية من حيث توافر الحكم الصالح بمقياس ديمقراطي في خانة الإدانة. أربع مقولات تدفع هذه الإدانة هي: مقولة هجومية تعتبر الديمقراطية غزوا ثقافيا (مع أن رفض المفاهيم والنظم بحجة أنها آتية من مصادر غير إسلامية ينافي مبادئ الإسلام وتجربته التاريخية) ومقولة تبريرية ترى أن الديمقراطية لا تناسبنا بسبب الحرية اللامحدودة مع أنه لا توجد ديمقراطية تعمل بدون سقف. ومقولة اعتذارية بأن الديمقراطية تفشل في مجتمعات متخلفة مع أن التجربة أثبتت أن الأوتقراطية أكثر فشلا. ثم مقولة تسوق حجة هيكلية مفادها زيف الديمقراطية أصلا واستحالة النيابة، مع أن الديمقراطية هي الطريقة المؤسسة الوحيدة المتاحة لإدارة الاختلافات سواء الموروثة أو الفكرية أو الطبقية الحتمية بين الناس. المقاربة والمقارنة بين الشورى والديمقراطية: • كلاهما يوجب اعترافاً بكرامة الإنسان ويكفل حقوق الإنسان، لأن الشورى تدخل ضمن نظام اجتماعي وسياسي تحكمه مبادئ العدل والمساواة يكفل حقوق الإنسان على النحو الذي سنبين لاحقا. • كلاهما يمنع الانفراد بالسلطة. • كلاهما يوجب احترام استقلال القضاء وسيادة حكم القانون. مع هذه العوامل المقاربة هناك قطعاً اختلاف بحيث يمكن القول: أن الشورى مماثلة للديمقراطية ولكنها ملتزمة بسقوف كما أن الديمقراطية مماثلة للشورى ولكنها مرتبطة بآليات تطبيقية. بل أقول إن التأقلم الثقافي يوجب على الديمقراطية أن تراعي سقوف الشورى. وأقول إن الجدوى التطبيقية توجب على الشورى استصحاب آليات الديمقراطية. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولكن مع هذا اللقاح بين المفهومين فبالإشارة للتجربة الغربية تبقى ثلاثة خصوصيات يوجبها الالتزام الإسلامي هي: أ- حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وإن تطابقت إلى حد كبير في الحالين فإنها في المفهوم الإسلامي تستند إلى جذور روحية وخلقية تعطيها قدسية وعمقاً إضافياً. ب- التوجه الإسلامي يراعي التربية الروحية والخلقية على الصعيد الفردي، ويهتم بالرعاية الاجتماعية والعدل والتكافل وبنهج موزون يصون الإنسان والحيوان والنبات والجماد. وهي معان ٍ لا يلتزم بها النهج الغربي الفردي. ولكن الفكر الغربي المستنير لا يغفلها. ج- لقد أشرت كثيرا لحضور الدين في السياسة الغربية وفق معادلة تجعل للكنائس دورا غير مصدق به رسميا في قيادة المجتمع. ولكن من الجانب النظري، فإنه وفي إطار التجربة الغربية يقوم التعايش بين الأديان على أساس إبعادها من الشأن العام أي مساواة سلبية. في الإطار الإسلامي يقوم التعايش نظريا على أساس إيجابي لأنها تعبر عن قيم روحية وخلقية وتعبر عن غايات الحياة العليا وهي مسائل هامة لحياة الإنسان الخاصة والعامة. أي أن التعايش هنا يقوم على أساس إيجابي . أزمة الحكم في البلاد العربية والإسلامية: نظم الحكم في العالم العربي الإسلامي في حصار متعدد الجبهات من: التيارات الحركية الإسلاموية ومطالبها- التيارات اللبرالية العلمانية ومطالبها- تيارات الصحوة الإسلامية ومطالبها- تعرية التطورات الاستراتيجية في عدة مواقع لنظمها الرسمية- نهاية رضى الغرب عنها بأحداث سبتمبر- المطالب الديمقراطية العالمية. استمرار الحال مع هذا الحصار كما هو عليه مستحيل. الاحتمالات هي: حيثما توجد مؤسسات مجتمع مدني قوية يمكن حدوث ثورات- أو حدوث انقلابات عسكرية بدعم أجنبي- أو تحول سلمي ديمقراطي.. الاحتمال المأمون والأفضل هو التحول الديمقراطي المحسوب، الذي يوجب التعددية والالتزام بالمواثيق الدولية، والتسامح الديني والسياسي، واستقلال القضاء، والانتخابات النيابية الحرة، وتكوين نظم دستورية توفق بين التأصيل والتحديث. المحور الثالث: الإسلام وحقوق الإنسان: انفرد الإسلام بين كافة الأديان العالمية بالاعتراف بالإنسان كإنسان إذ قال تعالي: (َولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ( وقوله: #61565; لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم #61563;ٍ . وترتبت علي هذا الاعتراف حقوق عملية ورد النص بها في صحيفة المدينة التي كتبها النبي صلي الله عليه وسلم مع أهل يثرب بعد الهجرة. وفي عام ضربت فيه المجاعة مكة أرسل النبي صلي الله عليه وسلم لأهلها إغاثة إنسانية وكانوا على الشرك. حقوق الإنسان في الإسلام تبدأ منذ الحمل به أو قبل ذلك باختيار الأبوين الصالحين حتى لا ينشأ في منبت السوء، ثم تستمر وهو في المهد حيث يولد في عش الزوجية المفروش بالسكينة والرحمة والمودة وجوباً، إلى مثواه الأخير حيث يشيع في جنازة مهيبة: وكان رسول الله (ص) وقف إذ مرت به جنازة يهودي فراجعه بعض الصحابة فقال "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا" ، وتنتهي إلى الصلاة على الميت ودفنه بطريقة تستر جثمانه. وفيما بين المولد والدفن للإنسان حق الحياة، وسلامة الجسد، والحرية، والمساواة في المعاملة، والملكية الخاصة، وحرية الضمير، وسماع أقوال المدعي والمدعى عليه قانوناً وبراءة المتهم حتى تثبت إدانته، وأن لا عقاب بلا سابق إنذار، وحمايته من التعذيب، وحق التنقل، وحق اللجوء. كرامة الإنسان وحقوقه الإنسانية تنبع من حيث كونه إنسانا مكرما، قال النبي (ص): "ثلاث الكفر والإيمان فيهن سواء: إذا عاهدت فأوف بالعهد، وإذا اؤتمنت فأد الأمانة، وأد حق الرحم". لقد بدأ الإسلام من حالة فاضلة بالنسبة لحقوق الإنسان، وحقوق المؤمنين، وحقوق الفصائل الأخرى وتدنت الحالة عبر التجربة التاريخية بسبب الركود الفكري والاستبداد السلطاني. كانت التجربة الغربية على العكس من هذا تماماً. فالمسيحية تحبس الإنسان في الخطيئة الأولى التي تجرده من أية كرامة ما لم يؤمن بفداء السيد المسيح عليه السلام واليهودية تقسم البشر إلى قسمين بني إسرائيل وهم المختارون، والأميين وهم المفضولون. وتجربة الغرب مع الإنسان كانت في غاية الفظاعة فالشعب الأحمر في أمريكا أبيد إلا قليلاً، والشعوب السوداء التي سيقت في التجارة عبر المحيط الأطلسي واجهت قسوة واضطهادا لم تعرف الإنسانية مثله. والحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت والطوائف الأخرى كانت الأكثر دموية وديمومة. إن تراث الاقتتال الغربي لا يماثله شئ في كل التاريخ الإنساني وقد بلغ قمته في الحرب الأطلسية الأولى (1914 –1918 ) والحرب الأطلسية الثانية (1939-1945) كانت التجربة الأمريكية والأوروبية والغربية كما في هاتين الحربين، وكما في استعمار وإخضاع الشعوب، وكما في النازية، وكما في الشيوعية، قمة الإهدار لكرامة الإنسان، وسفك دمه، وتحقيره وإذلاله. إن فظاعة هذه التجربة الطامة هي التي أيقظت الضمير الإنساني في أمريكا وأوروبا والغرب فاندفع في اتجاه التكفير والاعتراف بكرامة الإنسان وحقوقه. هكذا اتجهت حقوق الإنسان في التجربة الغربية من الحرمان والإنكار إلى الاعتراف والتقنين الذي توج بإبرام ميثاق الأمم المتحدة في 1945، وانطلاقا من مبادئ تضمنها الميثاق صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948م.. وهو مكون من 30 بندا جسدت المبادئ الإنسانية كما تصورها الفكر اللبرالي الغالب على مثقفي تلك المرحلة. ولكن بعد الحرب تمدد نفوذ الطبقات العمالية وعلت أصوات المثقفين الاشتراكيين فتطورت المعاهدات الخاصة بحقوق الإنسان لتجسد هذه التطورات فصدر في عام 1966 عهدان: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي فصل بصورة أكبر هذه الحقوق، والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المدفوع بالفكر الاشتراكي. وكانت الإضافة الحقيقية فيه هى مسألة العدالة الاجتماعية (صار هذان العهدان- بإضافة البروتوكولين الملحقين بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية- والإعلان العالمي، يشكلون الصكوك الدولية المرجعية فيما يسمى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان). وأثناء الحرب الباردة برزت مشاكل عالم الجنوب وبرزالاهتمام بحقوق الإنسان الجماعية في تقرير المصير، والتنمية، والهوية الثقافية. وبهذا دخل الإنسان مرحلة تمثل حقوق الإنسان الجماعية التي تمثل الجيل الثالث لحقوق الإنسان. واعتبرت الحقوق البيئوية والحق في السلام حقوق الجيل الرابع التى تسعى للحفاظ على ايكولوجيا الأرض. الإنسان اليوم يتطلع لكفالة حقوقه بأجيالها الأربعة: اللبرالية، والاجتماعية، والجماعية، والايكولوجية. هذا التطور تجسده اليوم مواثيق ومعاهدات دولية تشكل مع بعضها بعضا منظومة حقوق الإنسان العالمية. واستنادا إلى الشرعة الدولية للحقوق أعلنت عهود ومواثيق ذات موضوع واحد مثل: اتفاقية الإبادة الجماعية واتفاقية الحقوق السياسية للمرأة، واتفاقية القضاء على التفرقة العنصرية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل، وهلم جرا.. الدول الإسلامية جزء من النظام العالمي المعاصر ولكن أمامها وأمام شعوبها تساؤل هام: هل يجيز الإسلام للمسلمين قبول هذه الأدبيات الحقوقية الإنسانية أم لا؟! سنتعرض هنا فقط للإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشيء من التفصيل. كثير من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية يجيبون على سؤالنا أعلاه بالنفي ويستشهدون بتناقض بعض ما جاء في هذه الإعلانات والمواثيق وبين أحكام إسلامية معينة ويحتجون بالخصوصية الثقافية مانعا لهم من قبول ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إن النظم الاستبدادية في عالم اليوم ترفض كثيرا من بنود الميثاق العالمي لحقوق الإنسان لأنها تسلبهم امتيازاتهم الاستبدادية ويحتجون بالخصوصية الثقافية. نعم هناك خصوصية ثقافية ولكنها ليست جامدة فالإسلام الذي جاء بنصوص واضحة في الكتاب والسنة أوجب على المسلمين مراعاة الحكمة، والعقل، والمصلحة، وظروف الزمان والمكان: #61481;أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا#61563; . نعم هناك تناقض بين بعض ما جاء في المواثيق الدولية في حقوق الإنسان وبين أحكام إسلامية استنبطت في الماضي وكرسها اجتهاد بعض الأقدمين ولكن اجتهادهم مع صحته في ظروف الماضي ليس ملزما في الحاضر ولا في المستقبل. التناقض بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفقه الجمهور: إذا استعرضنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لوجدنا على الأقل نقطة واحدة في المقدمة وخمسة بنود في أصل الإعلان يمكن أن تتعارض مع فقه الجمهور لأحكام الإسلام. لقد بينت في كتابي "العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي" أن فقه الجمهور يشكل لنا ذخيرة ومرجعا هاما في فهم نصوص الدين ولكنه ليس ملزما للمسلمين اليوم، بل عليهم الاجتهاد بشكل مؤسسي فصلته في الكتاب المذكور لمعالجة ما يطرأ من مشاكل وللخلوص لفقه يتناسب مع عصرنا ومع ظروفنا. أما النقطة في المقدمة التي تتعارض مع فقه الجمهور فهي تلك التي تنص على ضرورة إقامة العلاقات بين الأمم على المودة. أما البنود الخمسة في أصل الميثاق فهي البنود 4، 5، 16، 18، و19. العلاقات الدولية القائمة على المودة: يرى بعض المسلمين أن الإسلام لا يمكن أن يتعايش مع الملل والنحل الأخرى سلميا. قال: سيد قطب "إن سورة براءة هي السورة الفاصلة في بيان التعامل بين الإسلام والأمم الأخرى". وفي سورة براءة ثلاث آيات سميت آيات السيف حددت أساس التعامل مع غير المسلمين. تلك الآيات هي الآيات: الآية 5 : #61565;فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ#61563;. والآية 29: #61565;قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ#61563;، والآية 36: #61565;إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين#61563;. الآية 5 سبقتها الآية 4: #61565;إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين#61563;َ وقد استثنت من حكم الآية الخامسة أولئك الذين أوفوا بعهدهم. وأعقبتها الآية 6: #61565;وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ#61563;وقد أعطت الأمان لأولئك الذين لم يكن اتصالهم بالمسلمين عدائيا. أي أن الآية الخامسة معنية بفئة معينة بدأت المسلمين بالعدوان وهمت بإخراجهم من ديارهم. الآية 29 المقصود بها ليس كل أهل الكتاب بل فريق منهم له شروط ذكرتها الآية. قال صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا تفسيرا للآية: "إنها تعني قاتلوا الفريق من أهل الكتاب، عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم". أما الآية 36 فهي بنصها نفسه لا تأمر بهجوم بل تقول وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة. ومما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه أن في القرآن مائة آية موزعة على 48 سورة تأمر بالتعامل مع الآخرين بالتي هي أحسن. مثلا الآية: #61565;لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ#61563; . أضف إلى ذلك أسبابا عملية في عالم اليوم، فإن الإسلام اليوم وفي مناخ التسامح الديني أوسع الأديان انتشارا في أغلب القارات. كما أن ثلث المسلمين في عالم اليوم يعيشون أقليات في البلدان مما يجعل التعايش والتسامح الديني في مصلحتهم. إن حقائق الوحي الإسلامي تحث على قيام المعاملات بين المسلمين والآخرين على المودة والبر والعدل. نعم هنالك مسلمون لا يرون ذلك. وهنالك تجارب تاريخية بين المسلمين والآخرين لم تلتزم بذلك. لكن تلك الآراء والتجارب ليست حجة ملزمة. الـــــــــــــــــــــرق: المادة 4 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على الآتي: "لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها". إن أحكام الإسلام حول الرق لم تأمر به بل نظمت واقعا ممارسا ووضعت أحكاما يمكن أن تؤدي إلى التخلص منه بالتدريج. إننا نستطيع أن نجد سندا قويا للمادة الرابعة هذه من القرآن: #61565;يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ #61563; الحدود: المادة 5 من الإعلان نصها: " لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة". بعض الناس يصفون الحدود الإسلامية والقصاص بأنها عقوبات قاسية ووحشية وحاطة بالكرامة. إن العقوبة في الإسلام إنما تؤدي دورها الهام ضمن خمسة عوامل أخرى تساهم معها مساهمة فاعلة وجادة في حماية الفضيلة وإبادة الرذيلة. هذه العوامل الخمسة هي: الإيمان، العبادات، الأخلاق، الرعاية الاجتماعية، والرأي العام. وللرأي العام دور في محاربة الجريمة لأن شدة عقوبات الشريعة مقترنة بدقة الشروط اللازمة لتنفيذها مما يجعل استيفاءها الفعلي قليلا ولكن أثرها الترهيبي كبير. عندما لا تتوافر الشروط المطلوبة لإقامة الحدود فإن البديل الذي يحله الفقه الإسلامي هو التعزير. إن الحدود عقوبات غليظة تعبيرا عن الوزن الأخلاقي للجرائم الحدية. ولكن شروط تطبيقها تجمدها من الناحية العملية حيث يحاصر تطبيقها بالشبهات فيكون نادرا جدا- لم يثبت الزنا بالبينة على طول تاريخ الشريعة الإسلامية- وإقامة حد السرقة في عهد الإسلام الأول كان نادر الحدوث جدا. كما أن القصاص يحاصر استيفاؤه بالشبهات وبالعفو. وكلما ضاق استيفاء الحدود والقصاص اتسع نطاق العقوبات التعزيرية وهي عقوبات مرنة للغاية تتيح أكبر مجال لأخذ اختلافات الزمان والمكان في الحسبان. المـــــــــــــــــــــرأة: البند 16 من الإعلان العالمي يقرر للرجل والمرأة حقوقا متساوية في التزوج وتأسيس أسرة، وهذا لا يناقض الفهم الصحوي للدين في شيء، و فالإسلام يقر بوجود اختلافات بيولوجية، وفسيولوجية، ونفسية بين الرجل والمرأة، اختلافات يجب أن تكون أساسا لتكامل دور المرأة في المجتمع والأسرة لا أساسا لدونية المرأة. وبقى لنا سؤالان هامان: 1. لماذا يجوز للرجل المسلم أن يتزوج بامرأة يهودية أو مسيحية ولا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج رجلا يهوديا أو مسيحيا؟ 2. لماذا أعطي حق الطلاق للرجل وحده؟ الرد على السؤال الأول: إن الزواج في الإسلام عقد مدني وليس شعيرة دينية. لذلك جاز لطرفيه أن يكون لهما ملتان مختلفتان. إن الإسلام معترف باليهودية والمسيحية، قال تعالى: #61565;إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون#61563; َ . إن الزوج وهو رب الأسرة إن كان مسلما فإنه سوف يحترم حقوق زوجته الكتابية الدينية. اليهودية والمسيحية لا تعترفان بالإسلام. الزوج الكتابي سوف يهدر حقوق زوجته المسلمة الدينية. الرد على السؤال الثاني: الزواج عقد تراض مدني. لذلك يمكن أن ينص فيه على حق الطلاق للطرفين ويكون النص ملزما. الخلاصة: إن أحكام الشريعة معنية بالتصدي لعلاج مشاكل حقيقية وليس من مقاصدها امتهان حقوق المرأة. بل تكريمها من مقاصد الشريعة. الـــــــــــــــــردة: البند 18 ينص على: "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر، ومراعاتها، سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة". هنالك آيات كثيرة في القرآن تكفل حرية الفكر، والضمير، والعقيدة. مثلا، قال تعالى: #61565;لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ#61563; . #61565;إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِر#61563; #61565;فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر#61563; . وغيرها. ولكن القرآن على كثرة ما ذكر الردة لم يذكر لها عقوبة دنيوية. لكن هنالك من المجتهدين والفقهاء من أوجبوا حدا للردة هو القتل استنادا لأحاديث آحاد. وقد رأى ابن القيم- وهو يؤيد قتل المرتد- أن المسألة لا علاقة لها بحرية العقيدة المقررة في الإسلام، وأنها مسألة سياسية قصد بها حياطة المسلمين وحياطة تنظيمات الدولة الإسلامية وأسرارها، من تذرع أعدائها المتربصين بها للنيل منها بادعاء الإسلام. فإسناد القتل في الردة في الماضي يرجع للسياسة الشرعية لعقوبة الخيانة. اليوم فليس للمسلمين فيها مصلحة. أولا: لأن العقوبة فيها تناقض مقاصد الشريعة التي تؤسس الاعتقاد على الاختيار الحر. وثانيا: لأسباب عملية فالذين يدخلون إلى الإسلام أضعاف الذين يخرجون منه. وثالثا: لأن ثلث المسلمين يعيشون أقليات في المجتمعات غير المسلمة فإن عاقبنا الردة من الإسلام لعاقبوا المرتد من أديانهم معاملة بالمثل. مقاصد الشريعة ومصالح الإسلام توجب أن نلتزم بحرية الفكر والضمير والاعتقاد. ونفس المبررات تؤيد المادة 19 من الإعلان الخاصة بحرية الرأي. التناقض بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومصالح الدولة البوليسية: إن دول العالم الإسلامي التي استصحبت مفاهيم ونظم الدولة البوليسية المتمثلة في الآيدولوجية الشمولية والحزب الواحد واستغلال المؤسسات المدنية والاقتصاد والإعلام كأدوات قهر للإنسان تخشى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود التي فصلته وتعتبرها هجوما معنويا على سلطانها وشرعيتها. وفي عالم اليوم إذ تنحسر اعتبارات السيادة أمام اعتبارات حقوق الإنسان، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يشكل تهديدا سياسيا للدول التي تقيم نظامها على أساس الدولة البوليسية. هذه الدول تجد نفسها في الحصار وفي قفص الاتهام أمام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إنها ترفض فكرة عالمية حقوق الإنسان وتحتج بالهويات الدينية والثقافية لتحتمي بها وتختفي وراءها من مقتضيات ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. في محاضرة ألقيتها في الورشة الفكرية في القاهرة في مارس 1997 تحدثت عن الديمقراطية، وأوضحت أن ثمة ديمقراطية معيارية لا ينتظر أن تستقر ممارستها في بلداننا ولكن ثمة ديمقراطية مستدامة هي التي تستصحب مبادئ الديمقراطية الجوهرية وتهتم بالتوازن وتتأقلم مع العوامل الثقافية والاجتماعية لتصير ديمقراطية مستدامة قادرة على البقاء والتطور. إن الديمقراطية المستدامة لا تشير إلى تلك التجاوزات التي جعلت نظما عديدة تدعي الديمقراطية اسما بينما تحرم شعوبها من مبادئ الحريات الأساسية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لقد آن الأوان ليستمع العالم لأصوات الشعوب المغلوبة على أمرها ويتضامن معها في وجه الدولة البوليسية الحديثة التي تمارس الظلم والقهر والاضطهاد للشعب وتحاول أن تحتمي وراء مزاعم عن السيادة الوطنية والخصوصية الدينية والثقافية. نعم لقد اكتسبت مزاعم تلك الدول بعض الصدقية لأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صدر في وقت كانت فيه دول كثيرة غائبة من الأسرة الدولية. كذلك إن المناخ الفكري السائد يومئذ مناخ تهيمن عليه العلمانية بمدرستيها الرأسمالية والشيوعية. في ذلك الوقت كانت الانتماءات الدينية والهويات الثقافية نسبيا مهمشة. اليوم ونحن نستقبل القرن الجديد نجد تزايدا في اهتمام الإنسان بمعنى الحياة ومصيرها. عالم اليوم يشهد صحوة روحية وخلقية، واهتماما أكبر بالبيئة الطبيعية وتحديات الأيكولوجيا. المطلوب أن نراجع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لدعمه باعتبارات الصحوة الروحية والخلقية والأيكولوجية لأخذ مصلحة الأجيال الإنسانية وحقوقها في الاعتبار. إذا لم تتمكن قوى الاستنارة الإنسانية من السعي نحو القوى الروحية والثقافية التي يدين لها الناس بالولاء والانتماء فإن هذا التقصير يتيح الفرصة للقوى الظلامية لمحاولة استغلال الأديان والثقافات وتوفير الحماية للجلادين والطغاة. إن أهم نقاط ضعف العلمانية أنها تغفل الغايات ولا تهتم بالمقاصد ومعاني الحياة. الإنسان لا ينفك مشغولا بالغايات ومعاني الحياة. لذلك سوف يكون الإنسان باحثا مستمرا عن معنى الحياة متعلقا بما يجد من إجابات. الدين للإنسان ضرورة حياتية. يجب أن تتنادى الأديان التي يلتف حولها ولاء الإنسانية لتحقيق عهد استنارة جديد. ينبغي أن توجه الوكالة المناسبة من وكالات الأمم المتحدة الدعوة لمؤتمر ديني جامع لدراسة حقوق الإنسان بصورة مشتركة والاتفاق على إثرائها روحيا وخلقيا والحصول على مباركتها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد إثرائه روحيا وخلقيا. إن مثل هذا اللقاء الجامع يمكن أن يحقق: • إثراء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان روحيا وخلقيا. • قفل الباب محكما أمام الطغاة من جلادي الإنسان لكي لا يجدوا لأنفسهم ونظمهم ملجأ في ساحة الخصوصية الدينية والثقافية. |
المحور الرابع: تجارب التشريع الإسلامي المعاصر
في يونيو 2001م دعتني منابر بحثية في نيجريا لمخاطبة الرأي العام الإسلامي هناك حول تطبيق الشريعة في العصر الراهن نظرا لمحاولات التشريع الإسلامي التي أعلنها هناك بعض الولاة النيجريين المنتخبين ديمقراطيا. تطرقت في محاضرتين لقضيتي: الدين والوحدة الوطنية، والدروس المستفادة من تطبيقات الشريعة المعاصرة. وفي المحاضرة الثانية بحثت أهم تجارب التشريع الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين في كل من باكستان، وأفغانستان، وإيران وفي السودان على مدى تجارب ثلاث: التجربة المايوية (1983-1985م)، وتجربة النظام الديمقراطي على عهد الديمقراطية الثالثة (1986-1989م)، وتجربة "الإنقاذ" (منذ 1991م)، وقد بينت أن تجربة سبتمبر 1983م المايوية كانت معيبة في تصورها ومغرضة في دوافعها حيث جاءت لفك الحصار عن نظام مأزوم وظالم، مثلها مثل تجرية ضياء الحق في باكستان التي سبقتها في رفع الشعار الإسلامي لإضفاء شرعية لنظام يفتقدها. لذلك لم نتردد في لفظ التجربتين باعتبارهما استغلالا مذموما للشعار الإسلامي وتشويها له. وفي الديمقراطية قدنا محاولة للتشريع الإسلامي المعاصر يهتدي بالموجهات التالية: المبدأ الأول: أن يكون التشريع بوسائل ديمقراطية. المبدأ الثاني: أن يراعي التشريع الإسلامي الظروف المتغيرة في العصر الحديث وأن يستصحب اجتهادا جديدا. المبدأ الثالث : ألا تقام العلاقات الخارجية على تلك الأسس التي صاغها الفقهاء في الماضي والتي تقسم العالم إلى معسكرين: دار الإسلام ودار الحرب. بل على قاعدة: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِم) . المبدأ الرابع: مناقشة الأسس الدستورية مع المواطنين غير المسلمين والضمانات المطلوبة لتطمينهم على حقوقهم الدينية والمدنية. ولكن قبل الانتهاء من هذه المهمة اغتصب انقلاب عسكري السلطة في السودان في يونيو 1989م . لقد كان نقدهم الأساسي هو استبطاء برنامجنا في التطبيق الإسلامي. أما تجربتهم الإسلامية التي صيغت باسم (المشروع الحضاري) والتي برزت بعد عام ونصف من الإنقلاب، فقد واجهناها منتقدين شرعيتها الانقلابية. قال عمر رضى الله عنه: "من بايع أميرا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا للذي بايعه". وقد أظهرت الخطأ في التنظير للتجربة وفي التطبيق في عدة مخاطبات منبرية لنصح الحكام، وفي كتابات مختلفة . أما تجربة الأسلمة الأفغانية فقد قامت على أكتاف حركة طالبان التي استطاعت بالدعم الرسمي الباكستاني و بالعصبية الباشتونية القبلية أن تستولي على الحكم وأظهرت درجة عالية من الإقدام والحماسة الإسلامية ولكن إلمامها بالمعارف الإسلامية كان محدودا كذلك إلمامها بالسياسيات الدولية كان قاصرا، ويمكن أن نقول إن التجربة الإسلامية الطالبانية صفحة من أعماق التاريخ غريبة على العصر الحديث. تمثل الثورة الإسلامية في إيران انتفاضة أصيلة ضد الظلم الداخلي والتبعية الأجنبية. كذلك مثلت استعادة راديكالية لهوية البلاد الإسلامية. ومثلت ميلا نحو العدالة الاجتماعية وخطوات على طريق الديمقراطية. وهي تمثل التعبير الأكثر جدية والأكثر أصالة والأكثر وضوحا للقوة الشعبية من بين التجارب الإسلامية المعاصرة ولكن الفشل في استيعاب الآخر قاد لتواصل جولات العنف. القيد الآخر الذي كبح التجربة من الانطلاق هو التزام النظام العميق بالقيد المذهبي إذ التزم بمذهب شيعي محدد . ويواجه النظام تناقضات معينة مثل التناقض بين الملالي وأصحاب التعليم المدني، وبين المحافظين والإصلاحيين ولكن بصورة خاصة بين ولاية رجال الدين وولاية الجمهور. الدروس المستفادة من هذه التجارب: 1. تطبيق الشريعة ملزم شرعا للمسلم. 2. تطبيق الشريعة في النطاق الخاص والشخصي أمر يتعلق بالمجتمع المتدين. 3. مسألة الشريعة مسألة هامة للغاية وخطيرة، ويجب الشروع فيها بعد جهد مكثف لوضع البرنامج الذي يمكن تحقيقه، والأولويات التي يجب اتخاذها، والتطمينات المطلوبة. ذلك أن فشل تلك التجارب يرجع إلي أسباب منها أنها رفعت شعارات دون أن تضع برامج مسبقة من ثوابت الإسلام فجاء العمل سابقا للفكر. 4. استغلال الإسلام لخدمة الطموحات السلطوية إساءة بالغة للإسلام. 5. لا وصاية لأي شخص أو حزب لفرض برنامجه على الآخرين، ولكن يجب أن يحصل على ذلك التفويض من الشعب ويسعى للتغيير المطلوب بالوسائل الديمقراطية. 6. ولكن في النطاق العام هناك جوانب يجب مراعاتها مثل: تغير الزمان والمكان- حقوق غير المسلمين- أحوال المجتمع الدولي وغيرها. وعلى المسلم أن يعي بأنه في مثل هذه الأمور فإن هامش التطبيق واسع يجعل بعض الالتزامات ضرورية في حالات معينة وبعضها أقل ضرورة وأخرى غير ضرورية لأنها قد تضر بمقاصد الشريعة النهائية. إن نص الإسلام الموحى ( القرآن) يسمح للمسلم في بعض الأحيان بالتصريح بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وفي أحيان أخرى يتوقع منه اتباع كل المبادئ والتعاليم. والقرآن يشير إلى تقوى الله ما استطعنا وكذلك إلى تقواه حق تقاته. وهو يتحدث عن: "كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة" في مكة، وعن مواجهة الظلم في المدينة، وهكذا. على المسلم بلا شك الرجوع للنصوص، ولكن عليه أيضا استخدام ملكات ومواهب وهبها الله له مثل الحكمة والميزان والقسط. .. هذه التجارب حبلى بالدروس فهناك جهات عديدة داخليا وخارجيا ينبغي تطمينها وهناك مصالح كثيرة ثابتة يجب أن توضع في الحسبان، لقد اقترحت على عدد من المؤتمرات العلمية الإسلامية عقد مؤتمر خاص يبحث الدروس المستفادة من تجارب تطبيق الشريعة المعاصرة وليضع تحليلا موضوعيا للتجارب ويصدر إعلانا ليكون موجها للعالم الإسلامي قاطبة. خاتمة: لا يوجد في الإسلام نص على دولة معينة. هنالك مبادئ سياسية إسلامية يجب أن تراعى في إقامة النظام السياسي، وتشريعات يجب تطبيقها. وهنالك طائفة من الموجهات التي ينبغي أن توضع في الاعتبار لدى بحث استهداء دولنا الحديثة بالإسلام. المسلم المعاصر المفاخر بدينه المتحمس له يمكنه أن يتبنى طائفة من القيم والمؤسسات الحديثة بدون حرج، بل إن بعضها مثل الديمقراطية تيسر له إنزال مبدأٍ إسلامي عزيزٍ هو الشورى، كما يمكنه أن يؤيد جوهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بل يمكنه بحق أن يقول إن لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرابط إسلامية تمنحها جذورا خلقية وروحية وتجعلها أبقى وأقدس وأعصى على الإهدار. كذلك فإن سعي المسلم لتطبيق مبادئ دينه السياسية في الحياة واجب يسعى لتحقيقه مستهديا بطائفة من المبادئ والأسس الضرورية لجعل تطبيقاته مطابقة لمقاصد الشريعة ومحققة لها، لأن الحماسة غير المدروسة يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية، وكل أمر يؤدي إلى نقيض مقاصده باطل. |
| الساعة الآن 01:17 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.