أشواق الضَهَابَة: بين إسماعيل حسن وسيد أحمد عبد الحميد
أشواق الضَهَابَة: بين إسماعيل حسن وسيد أحمد عبد الحميد
"الضهبان مثل قالوهو
حُمْتُو لسان وسِن"
سيد أحمد عبد الحميد
استوقفني فيديو انتشر مؤخراً لأغنية للشاعر والفنان الرائع سيد أحمد عبد الحميد، فتأمّلت تعبيره الفريد حول حالة (الضهب). أيّ ضهب هذا الذي قاده ليسأل حتى حُسَّاده وهو يعلم مسبقاً بردّهم السالب، بل و (يقالدهم!)، فهل كان يسعى خلف الإجابات أم كان يطلب المواساة؟:
"أقالِد كل حاسد أسالمو
أسألو مِنَّهن
بالرغم إنِّي عارف رَدُّو
سالب عَنَّهن"
وكأن سيد أحمد هنا فتح (خشم البقرة/الشُمَّات) بحثاً عن (الرايحة/رُوحه!)، فكانت النتيجة الحتمية:
"الحاقد الحسود والواشي
حتى من الضِمِن
مبسوط حالي كيف سَرَّاهو
قلبو ولا بيحِن
.
.
رَجَعْ خالي الوفاض والله
خالي وإلا مِن
ذكرى الزمان يوم كُنَّا
عسل على سمِن"
(سؤال الضهبان) هذا، حملني إلى أسطورتي الضهب والتوهان "رسايل الشوق" و"مداين الشوق" للشاعر الفذ إسماعيل حسن، واللتين (ركَّ) عليهما الملحّن والفنان العظيم عبد العظيم منصور. وعبد العظيم، نحلة جمال، إذا ما انحنى فوق نص، فثق بأن به رحيقاً، واستعد لأن يغمرك شهد كامل من الطرب.
"أنا الضهبان
زمن كايس أراضيهم
وصّف لي درب الريد
عشان أوصل واراضيهم"
في "رسايل الشوق"، اعترف إسماعيل حسن بضهبه "أنا الضهبان، زمن كايس أراضيهم" واختار مساراً مختلفاً عن سيد أحمد عبد الحميد، إذ فضّل التواصل عبر وسيط (المرسال)، بعد أن يئس من سؤال المارة الذين لا يملكون إجابات أكثر وضوحاً من حيرته:
"تعبت كتير
وياما سألت ما خلّيت
ناس عابرين
وكان زي حالي محتارين
يهزوا الراس وما عارفين مرافيهم"
ولكن، ماذا يتوقع إسماعيل حسن من المرسال، فهو لا يعرف لا عنوان الغائب ولا حتى اسمه، فهل هذا فتح (خشم بقرة) آخر، ربما يقوده إلى مصير أبو قطاطي ("المرسال مشى وما جا")؟
"وحاتك انت يا مرسال
بحب واحدين
وما عارف دريبن وين
وبرضو كمان وحاتك انت
ما بعرف أساميهم"
ويواصل ود حد الزين في أسئلته في"مداين الشوق"، في إنتقال سلس، كأنه امتداد لـ "رسايل الشوق":
“منو البِقدر يوصّف لي مداين الشوق
دريبن وين؟
ويشرح ليّا عن حالن يكون زارن
وشافن شوف عديل بالعين”
ثم يتوغّل أكثر في أعماق الضهب والتيه، واصفاً للمدائن بأنها ضبابية، وممدودة بحجم البحر، وكأنه يقف جنباً إلى جنب مع الرحّالة في لوحة "متجوّل فوق بحر من الضباب"، أشهر لوحات المدرسة الرومانسية لكاسبر ديڤيد فريدريك. يرسم إسماعيل صورة لهذه المدائن كأنها أكثر غرابة من عجائب الدنيا السبع، مليئة بالأسرار والعجائب التي لا تُكتشف إلا بالروح:
"مداين قالوا جوة ضباب
علي لوح الزمان مقفول
طريقن خالي ما مأهول
وبين المشية والجَيَّة
قوافل طاشة ليها سنين
.
.
ما بِتمَسَّ بالإيدين
وما بتنشاف بشوف العين
تحسّها جوّة جوّة الروح
تعاين ليها بالإحساس
مدن قدر البحر ممدودة
لا بتنعدَّ لا بتنقاس"
في ضهبهم هذا، يجد إسماعيل حسن وسيد أحمد عبد الحميد ملاذاً ومرساة، أملاً في لقاء الأحبة رغم الفواصل والمسافات، تاركيننا نحن، بعد تسلق قمم المتعة الشاهقة، غارقين في ضهب عميق يلفنا بأغشية من الدهشة والسحر.
أزهري سيف الدين
11 مايو 2024
|