رحلتي إلى أسيوط ...(1)
الزمان:
كانت ريح شتاء الخرطوم قد بدات (تهب) ... ذلك الهواء الذي يحمل معه الغبار و البرد و الحر في آن واحد ... فإذا أنت في الظل تبرد ... و إذا أنت في الشمس ، تحترق ، و في كل الأحوال يتخلل الغبار كل مسامتنا ... و تجف جلودنا ...
المكان:
الصحافة شرق و بالقرب من مستشفى إبراهيم مالك و شمال السوق المركزي ... كنا قد إنتقلنا حديثا لنسكن في منزلنا بعد أن أحيل أبي(رحمه الله) إلى المعاش من الشرطة و كنا قبل ذلك نسكن (قشلاق) البوليس الجنوبي ( كذلك كان إسمه في ذلك الوقت) و لما امتدت الخرطوم جنوبا إمتدادا بلغ أطراف الجزيرة ، تغير إسمه و صار (قشلاق شرطة الخرطوم وسط) و في ذلك القشلاق ولدت و ترعرعت.
و (القشلاق) كلمة تركمانية الأصل تتكون من كلمتين هما (قش) و تعني الشتاء و (لاق) و تعني المكان ومعناها مركبة (المشتى) و لكن العثمانيون أطلقوها على كل مكان يسكنه الجنود. و بلغة العصر فالقشلاق هو (كمباوند)... ذلك القشلاق كان مكانا لا يعرف الهدوء فجميع أبواب بيوته مفتوحة على مشراعيها ( فمن ذلك اللص الغبي الذي يأتي ليسرق بيوت البوليس) ... و جميع أبناء القشلاق يجوبون شوارعه بلا هوادة ... و على الرغم من أنهم ( أي أبناء القشلاق) كانوا كثيرو المشاغبة و المشاكسة ، و أكثر المشاكسات كانت في الجانب الشمالي منه ، حيث يسكن أولاد الخرطوم 3 (و كانت تعرف بنمرة 3) و كنا نصنفهم بأنهم برجوازية ، و ويل لمن يعبر القشلاق منهم قاصدا سوق السجانة الذي كان يقع جنوب القشلاق. أقول بالرغم من أن أولاد القشلاق كانوا مشاغبين و متحفزين للتحرش بكل من تسول له نفسه من أولاد (المدنيين) بدخوله إلا انهم كانوا الأكثر تميزا في المدارس و منهم الآن العشرات بل المئات من المهندسين و ضباط الشرطة و القضاة و المحامين و الأطباء و المحاسبين وغيرهم من الخبرات النادرة في مجالات البترول و الزراعة والصيدلة و غيرها.
و شرق القشلاق كانت هنالك بيوت (الحرس) حيث كان يسكنها العاملون بالقصر الجمهوري و مسجد جماعة أنصار السنة المحمدية الشهير ... و غرب القشلاق كان ميدان (الليق) الذي تحول فيما بعد إلى ميدان (المولد) و كان ميدان الليق ينتهي غربا ببيوت سيئة السمعة تدار فيها الخمور و الدعارة في وضح النهار ...
و من أبرز المعالم التي تمر بالقشلاق شارع الحرية الشهير ... و مدرسة أم كلثوم الإبتدائيه و مدرسة السجانة 3 الإبتدائية التي تلقيت فيها تعليمى الإبتدائي ... ثم (التمنة) و هي مركز الشرطة الذي كان يضم محكمة و سكنا للشرطة (العزابة) و ناديا كان الوحيد في المنطقة الذي يملك تلفزيونا ... أيام كانت التلفزيونات في المدينة ترفا لا يقدر على إقتنائه أحد ...
أعود إلى الصحافة ... و هي أحد أحياء الخرطوم التي نشأت بعد أن إكتظت المدينة بأهلها و المهاجرين إليها من الأرياف و الأقاليم في بداية السبعينات ... أذكر أننا إنتقلنا إليها في نهاية العام 1975 و كنت و قتها طالبا بمدرسة الخرطوم الثانوية الجديدة ... و لم يطب لى العيش فيها كثيرا ... فقد كنت كثير العودة إلى القشلاق للإلتقاء بأصدقائي و جيراني و رفقاء طفولتي و لم يقدر لي كذلك البقاء في الصحافة زمنا طويلا فما أن أكملت الدراسة الثانوية حتى سافرت إالى مصر للدراسة و بعد تخرجي في الجامعة سافرت للعمل بالسعودية حيث لا أزال أعمل.
كنت و جميع أفراد الأسرة - تقريبا - متسمرين أمام جهاز المذياع الخشبى حيث كان المذيع يسرد أسماء الطلاب المقبولين للبعثات بجمهورية مصر العربية ... كان المذيع يذكر إسم الجامعة أولا" ثم الكلية ثم أسماء الطلاب المقبولين بها. و كان إسمي من بين المقبولين بكلية الطب البيطري بجامعة أسيوط ... كان نهارا جميلا ذلك الذي حمل خبر قبولنا للدراسة بمصر فقد كانت فرصة نادرة. أول شيء فعلته بعد سماع النتيجة هو أنني أحضرت الأطلس و بحثت في خريطة مصر لكي أعرف أين تقع أسيوط هذه ... و شاب سعادتي شيىء من الحزن إذ كنت أمني النفس أن أكون من المقبولين في القاهرة حيث لدينا الكثير من الأهل أو في الإسكندرية حيث يقيم خالي (رحمه الله)و اسرته.
ثم بدأ المهنون من الجيران يتوافدون علينا و كان الناس في ذلك الزمان أسرة واحدة يفرحون لفرحك و يألمون كما تألم ثم تفرقوا في هذا الزمان شيعا و جماعات.
كان أكثر الفرحين أمي ثم أمي ثم أمي ( أطال الله عمرها) ثم أبي (رحمه الله) حيث كنت الأول من بين أخوتي الذي يجد فرصة للدراسة الجامعية بينما شق من سبقني من إخوتي غبار الحياة للعمل خارج و داخل الوطن.
و نواصل ....إن كان في العمر بقية ...