تاريخ المدن السودانية تَقَسَّمَ لمراحل متقلّبة، ومن ثَمَّ تبعه تاريخ الرموز، في هذا التقلّب. ولكن في حدود ثنائية ما انطلقت عنه أساساته كما سيثبت الفحص ذلك. فقد تَبَدَّلَت الأشكال قليلاً والدلالات كثيراً، ولكن الأساس لا يمكن تبديله لأنَّه ناتج عن ثنائية.
وهدف نظريتا (تراميز الأبداد) و(شكلانية الأسس) ما هو جوهري، أي محاصرة أساسات البدء لتلك الثنائية، والكشف عنها. والبحث عن أصل الرموز وأقدمها، كي نتمكّن بعدها من فهم الكثير لا حفظه فحسب، كما هو حاصل الآن.
إذ تُقرأ رموز الكتابات القديمة ((حالياً))، من خلال حفظ "دلالتها الظرفية" لا "مفهومها التاريخي الحقيقي" الأصل، والأساس، وهذا ما تودُّ معالجته النظريتان.
أوَّلاً يجري تقسيم معاني المدن السودانية في التاريخ المبكّر جداً مما يمكننا رصده من خلال تاريخ الأديان، إلى عهود تكوين، وعهود توحيد، وعهود إلحاد بمعناه الكتابي، أي المنسوب إلى الكتب السماوية، وعهود وثنية متأخّرة. وهذا هو التقسيم الأساسي، الذي حفظته لنا "حوافظ المفاهيم" الإنسانية من خلال ثقافات الإنسان على كل شبرٍ من هذه الأرض، من خلال الرموز، التي تتحدَّر جوهرياً عن أسماء تكوينها، وهي أسماء المدن السودانية الحالية.
فالرموز الأولى للحياة هي رموز توحيد تَمَثّلت في رموز قصّة إبليس وحواء وهابيل وقابيل، الشهيرة والوفيرة في التاريخ الإنساني أجمع.
ورموز فترة التوحيد الأولى هذه تتفرّع إلى أنواع ستتحسَّن معرفتنا بها كلما أجرينا عليها الاختبارات، وقمنا بفك تشفير ما يجاورها من مواضيع ورموز، ومقارنتها بما يمكن أن يلدها من مفاهيم.
وما أجده أساسياً منها إلى هذه اللحظة من بحوثي هو رموز هذه الفترات الشاسعة التي تقاس بآلاف السنين:
1- رموز مرحلة ما قبل جريمة القتل التي قام بها قابيل، وكانت الرموز في هذه المرحلة متعلّقة بتمرّد إبليس وتوبة آدم، وكانت حواء فيها مكروهة.
2- مرحلة ما بعد قتل هابيل وتعاطف الرموز إثرها مع موته، وازدياد الكُرْه فيها لحواء وبناتها، وغالباً ظهور وأد النساء واحتقارهن جميعاً في فترة ما من تلك الفترات، باعتبار أنّ الخطيئة أصلها حواء، وأنَّ جريمة القتل وقعت بسبب امرأة أيضاً.
3- مرحلة عودة قابيل بعد فراره وتأسيسه لمدن الشر واللعب والقمار وعبادة نار إبليس بمعناها الرمزي الأوّل، الذي استحال لمعنى ملموس في تاريخ الوثنية المتأخّر.
وفي فترة عودته هذه كان الموقف مع الأم أو المرأة عموماً، إن لم يكن معها، فلم تكن الرموز ضدها بأي حالٍ من الأحوال. وهي المرحلة التي تنتسب إليها كل تيارات دولة الأسد في السودان ومصر، وكذلك دوال الثعابين. ثقافة الكوشي مايان، على سبيل المثال، رموز الأسد فيها وفيرة للغاية، غالباً من أسسوها لهم ارتباط بهذه المرحلة أو بمرحلة تاريخية لاحقة كانت تتبنى هذه الرموز، أو شيئاً منها ولو على نحو خاطئ، أو غير ملم بدلالاتها الحقيقية.
4- مرحلة النكران وفيها قامت ثورة من خلال مفاهيم "ما" خلاصاتها في الرموز (النكران) للحادثة، ربما من منطلق أنَّ توبة آدم قد قُبِلت، وأنَّهم سئموا من أن تُشَكِّل حادثة قتل هابيل كل حياتهم.
5- مرحلة ظهور تيارات جديدة تُعيد للأم حواء، توقيرها، بعد أن طال حسابها على تلك الخطيئة التي ابتدرتها هي لآدم.
6- مرحلة ظهور ما أُسميهم بالأريكيين، وهؤلاء تيارٌ يشبه التيارات النسوية المعاصرة بجميع أنواعها المتطرفة والمعقولة، وهو تيارٌ إلى التطرف أميل، ويهتم بالمرأة من حيث هي امرأة لا أم. ويعترف بالخنوثة والمثليين، وهو تيارهم الأعظم في تاريخ الإنسانية كما أقدِّر.
7- مرحلة الكانداكايين، وهم تيارٌ يشبه التيارين السابقين في مفاهيم كثيرة وتعيينه على وجه الدقة يحتاج لعمل مكثف لمنظومات لا أفراد، من أجل توضيح فروقاته الجوهرية عمّا سبق من تيارات. ولكن بوادره في الرموز، الاختلاف الطفيف فيها واضح للغاية.
8- مرحلة ما أسميه بالتاريخ المظلم وفقد الكثير من الترابط الرمزي بين من سلف ومن خلف على مستوى استخدام الرموز، وهي الفترة التي بَهُتَ فيها العلم الأوّل واختفى.
9- مرحلة ظهور الوثنيات المختلفة انطلاقاً من الـ(تور) ومحاولة استعادة الرموز على شكل خاطئ معتقدين أن مدخل (توريت: Tor) هو إشارة إلى التور الحيوان.
10- مرحلة عودة ظهور الرموز الأولى للحياة في تخليط، ولكنها بدأت تعود، مرَّة ثانية. ربما لاكتشافهم طرقاً "ما" لقراءة ما هو منحوت منها أو محفوظ وربطه بلغة رموزه الأولى، وهنا بدأت مراحل دول الأسد في العودة من جديد.
بعدها أصبحت المسافة من التاريخ شاسعة جداً، وأخذت الدول والمفاهيم الثقافية تتقلّب بين جميع أنواع الوثنيات، دون عودة للمعين الأوَّل ((كاملاً)). برغم وجود رموزه حيّة من خلال الاستخدام الوثني لها. فبعض حكومات مصر التاريخية القديمة كانت موحّدة كما تُشير إلى ذلك الرموز.
وبعضها كان يحتفل بعيد الزراعة دون أن يعرف مدلولاته، وبعضها يعرفه ولكن على نحو وثني وفي تخليط.. وإلخ.
فالخلاصة هي، أنَّ الشقة بعدت بينهم وبين الماضي بحيث لم يعد بالوسع استعادة مفاهيم تلك الرموز كاملة، وعلى النحو الصحيح الذي كان منطلق بدئها. ولم يستطع أحد، بعدها، ربط تلك الرموز بمدلولاتها الأولى إلى تاريخ اليوم. الهدف الذي تُؤَمِّل النظريتان في تحقيق أكبر قدرٍ منه.
وهذه موجزات مختصرة للغاية، فإفراد هذا الموضوع على نحوٍ مستوفٍ، يحتاج لآلاف الباحثين والمجلّدات. وإنني أطمع فقط في طرح هذه النظرية والتدليل عليها على نحوٍ صلد، ويقوم على أرضية محكمة من الرموز، بما يجعل النظرية مقبولة وتستحق الفحص. أي أُريد "حالياً" تبيين الفكرة الأساسية للموضوع وشرحها. من أجل استعادة كل ما يمكن استعادته من تلك الرموز، وإعادة بناء التاريخ الحضاري للإنسانية مرّة ثانية بصورة أفضل مما بين أيدينا اليوم. كي تتضح لنا معاني ودلالات هذه المفاهيم التي ما زلنا نحملها ونعيشها ونتنفسها في كل شيء، ورُغم ذلك نجهل مصادرها ومعانيها الحقيقية وجذورها التي جاءت منها. وأيضاً لكي نعرف كيف تمَّ تشتت الإنسانية الأولى من لدن مكان واحدٍ وكيفية انتشارها واختلافها فيما بعد، بكل ما نراه ماثلاً أمامنا اليوم على نحو كوكبي.
والأمر الذي أُريدُ الإشارة إليه مرَّة ثانية، مع تأكيد كبير، هو أنَّ علماء الحضارة والتاريخ اليوم، يقرؤون الحضارات السابقة من خلال المقارنات التي أجروها واكتشفوا بها الأصوات التي بوسعها أن تقودهم للمعاني. ولكنَّهم لم يفهموا ((النظام الداخلي)) لهذه الرموز، ولا المفاهيم التي تقبع بداخلها. ولذلك فهم لا يضعون مع رموز الأبتيات الكلاسيكية كلّها، مرادفات مباشرة لهذه الرموز لأنَّهم يجهلونها، كما يجهلون النظام الداخلي للكينونة بجميع أشكالها اللغوية، الرياضية الرمزية واللونية.. إلخ.
ولذلك فهم، بخصوص الأبتيات تحديداً، يضعون أصواتاً دالّة على الرموز فقط، وغير معادلة لها في أي شيءٍ كان، لاظاهرياً من ناحية شكل الأساس، ولا باطنياً، من ناحية جوهر النظام المفاهيمي.
فكل ما حققوه، هو عبارة عن أصوات دالّة، مستنبطة فقط، مما يُبادِد الشكل الظاهري لبدد الرمز، لا الرمز في ذاته.
ودعنا ننظر عملياً، في كيفية عملهم على الرموز.
الأبتيات المصوّرة أدناه، بحسب تشخيصي لها، هي من عصور وثنية متفرّقة ومتباعدة الحقب ومتضاربة المعتقدات.
النموذج الأوَّل
النموذج الثاني
النموذج الثالث
بردية جئت بها من مصر
قامت بمعالجتها إيمان شقاق

نجد الأخطاء، القاتلة، والأساسية التالية بخصوص قراءاتهم للرموز أعلاه:
1- عدم توافق الرمز مع الصوت المستنبط، مع معظم الرموز.
مثلاً (الرمز Basket الصوت المستنبط C/K) فما علاقة الرمز بالصوت المستنبط. العلاقة (لا تُوجد).
2- عدم الفهم لنسق الرموز في تمامه، وهذه ستتضح حين شرحها بالتفصيل.
3- عدم الفهم للجوهر المفاهيمي الذي يقبع خلف هذه الرموز.
4- الأخطاء القاتلة والكثيرة في معرفة ما هي هذه الرموز في حد ذاتها.
مثلاً (التمرة، مكتوب أنَّها الفم) بينما هي تمرة، أو رُطب.
5- النقل التشخيصي الخاطئ للرموز ذاتها، وهذا جاء بناءً على العوامل الأربعة المُعَدَّدة والمشخّصة أعلاه.
مثلاً (عد سنن رمز (نَهَر) سبع سنّات) ومعادله المكتوب له (ماء) بحيث لا يتفق صوته المستنبط مع دالّته، هذا خطأ أوَّل.
الخطأ الثاني عدم نقل الرمز على نحوه الصحيح في معظم ما تابعته، بينما عدد سنن هذا الرمز الصاعدة لأعلى تحتوي على دوال جوهرية بالنسبة للعصر الذي يعتمد ذلك الرمز، ولمعتقداته.
وهذا قصور في فهم علاقة الشكل بأساسه المفاهيمي أيضاً، لدى أهل عصره على وجه التعيين، من زاوية ثانية وأخرى.
وعدم معرفة بجوهر الرمز التكويني، البدئي، الذي انطلق منه، من زاوية ثالثة.